An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الشمس
Ash-Shams
The Sun · Meccan · 15 ayahs
(p-٦٤٧)سُورَةُ "اَلشَّمْسِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والشَمْسِ وضُحاها﴾، وضَوْئِها، إذا أشْرَقَتْ، وقامَ سُلْطانُها.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾، تَبِعَها في الضِياءِ، والنُورِ، وذَلِكَ في النِصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَهْرِ، يَخْلُفُ القَمَرُ الشَمْسَ في النُورِ.
﴿والنَهارِ إذا جَلاها﴾، جَلّى الشَمْسَ، وأظْهَرَها لِلرّائِينَ، وذَلِكَ عِنْدَ انْتِفاخِ النَهارِ وانْبِساطِهِ، لِأنَّ الشَمْسَ تَنْجَلِي في ذَلِكَ الوَقْتِ تَمامَ الِانْجِلاءِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ لِلظُّلْمَةِ، أوْ لِلدُّنْيا، أوْ لِلْأرْضِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾، يَسْتُرُ الشَمْسَ، وتُظْلِمُ الآفاقُ، والواوُ الأُولى في نَحْوِ هَذا لِلْقَسَمِ، بِالِاتِّفاقِ، وكَذا الثانِيَةُ، عِنْدَ البَعْضِ، وعِنْدَ الخَلِيلِ: اَلثّانِيَةُ لِلْعَطْفِ، لِأنَّ إدْخالَ القَسَمِ عَلى القَسَمِ قَبْلَ تَمامِ الأوَّلِ لا يَجُوزُ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ مَوْضِعَها كَلِمَةَ الفاءِ، أوْ "ثُمَّ"، لَكانَ المَعْنى عَلى حالِهِ؟! وهُما حَرْفا عَطْفٍ، فَكَذا الواوُ، ومَن قالَ: إنَّها لِلْقَسَمِ، احْتَجَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ (p-٦٤٨)لِلْعَطْفِ لَكانَ عَطْفًا عَلى عامِلَيْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "واللَيْلِ"، مَثَلًا، مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ، و"إذا يَغْشى"، مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي هُوَ: "أُقْسِمُ"، فَلَوْ جَعَلْتَ الواوَ في "والنَهارِ إذا تَجَلّى"، لِلْعَطْفِ، لَكانَ "اَلنَّهارِ"، مَعْطُوفًا عَلى "اَللَّيْلِ"، جَرًّا، و"إذا تَجَلّى"، مَعْطُوفًا عَلى "إذا يَغْشى"، نَصْبًا، فَكانَ كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ زَيْدًا، والحُجْرَةِ عَمْرًا"، وأُجِيبَ بِأنَّ واوَ القَسَمِ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ الباءِ، والفِعْلِ، حَتّى لَمْ يَجُزْ إبْرازُ الفِعْلِ مَعَها، فَصارَتْ كَأنَّها العامِلَةُ نَصْبًا وجَرًّا، وصارَتْ كَعامِلٍ واحِدٍ، لَهُ عَمَلانِ، وكُلُّ عامِلٍ لَهُ عَمَلانِ يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَعْمُولَيْهِ بِعاطِفٍ واحِدٍ، بِالِاتِّفاقِ، نَحْوَ: "ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وبَكْرٌ خالِدًا"، فَتَرْفَعُ بِالواوِ، وتَنْصِبُ، لِقِيامِها مَقامَ "ضَرَبَ"، اَلَّذِي هو عامِلُها، فَكَذا هُنا.
91:5–7Page 595
وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا ٥
And [by] the sky and He who constructed it
وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا ٦
And [by] the earth and He who spread it
وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧
And [by] the soul and He who proportioned it1
وَ"ما"، مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿والسَماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ أيْ: وبِنائِها، وطَحْوِها، أيْ: بَسْطِها، وتَسْوِيَةِ خَلْقِها في أحْسَنِ صُورَةٍ، عِنْدَ البَعْضِ، ولَيْسَ بِالوَجْهِ، لِقَوْلِهِ: فَألْهَمَها، لِما فِيهِ مِن فَسادِ النَظْمِ، والوَجْهُ فِيهِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وإنَّما أُوثِرَتْ عَلى "مَن"، لِإرادَةِ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "والسَماءِ والقادِرِ العَظِيمِ الَّذِي بَناها، ونَفْسٍ والحَكِيمِ الباهِرِ الحِكْمَةِ الَّذِي سَوّاها"، وإنَّما نُكِّرَتِ النَفْسُ لِأنَّهُ أرادَ نَفْسًا خاصَّةً مِن بَيْنِ النُفُوسِ، وهي نَفْسُ آدَمَ، كَأنَّهُ قالَ: "وَواحِدَةٍ مِنَ النُفُوسِ"، أوْ أرادَ كُلَّ نَفْسٍ، والتَنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ، كَما في "عَلِمَتْ نَفْسٌ".
91:8Page 595
فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨
And inspired it [with discernment of] its wickedness and its righteousness,
﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، فَأعْلَمَها طاعَتَها، ومَعْصِيَتَها، أيْ: أفْهَمَها أنَّ أحَدَهُما حَسَنٌ، والآخَرَ قَبِيحٌ.
﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، جَوابُ القَسَمِ، والتَقْدِيرُ: "لَقَدْ أفْلَحَ"، قالَ الزَجّاجُ: صارَ طُولُ الكَلامِ عِوَضًا عَنِ اللامِ، وقِيلَ: اَلْجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو الأظْهَرُ، تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ، لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ، لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا "قَدْ أفْلَحَ"، فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: "فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها"، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، لَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ،
﴿مَن زَكّاها﴾، طَهَّرَها اللهُ، وأصْلَحَها، وجَعَلَها زاكِيَةً.
(p-٦٤٩)﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، أغْواها اللهُ، قالَ عِكْرِمَةُ: "أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللهُ، وخابَتْ نَفْسٌ أغْواها اللهُ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَدْسِيَةُ، والتَطْهِيرُ، فِعْلَ العَبْدِ و"اَلتَّدْسِيَةُ": اَلنَّقْصُ والإخْفاءُ بِالفُجُورِ، وأصْلُ "دَسّى": "دَسَّسَ"، والياءُ بَدَلٌ مِنَ السِينِ المُكَرَّرَةِ.
91:11Page 595
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِطَغۡوَىٰهَآ ١١
Thamūd denied [their prophet] by reason of their transgression,
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾، بِطُغْيانِها، إذِ الحامِلُ لَهم عَلى التَكْذِيبِ: طُغْيانُهم.
﴿إذِ انْبَعَثَ﴾، حِينَ قامَ بِعَقْرِ الناقَةِ،
﴿أشْقاها﴾، أشْقى ثَمُودَ، قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وكانَ أشْقَرَ، أزْرَقَ، قَصِيرًا، و"إذْ"، مَنصُوبٌ بِـ "كَذَّبَتْ"، أوْ بِالطَغْوى.
91:13Page 595
فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣
And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."
﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ﴾ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿ناقَةَ اللهِ﴾، نُصِبَ عَلى التَحْذِيرِ، أيْ: "اِحْذَرُوا عَقْرَها"،
﴿وَسُقْياها﴾، كَقَوْلِكَ: "اَلْأسَدَ والأسَدَ".
91:14Page 595
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤
But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، فِيما حَذَّرَهم مِنهُ، مِن نُزُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا،
﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ: اَلنّاقَةَ، أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، لِرِضاهم بِهِ،
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، أهْلَكَهم هَلاكَ اسْتِئْصالٍ،
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾، بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ، وهو تَكْذِيبُهُمُ الرَسُولَ، وعَقْرِهِمُ الناقَةَ،
﴿فَسَوّاها﴾، فَسَوّى الدَمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُفْلِتْ مِنها صَغِيرُهُمْ، ولا كَبِيرُهم.
﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾، ولا يَخافُ اللهُ عاقِبَةَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ خائِفٍ أنْ تَلْحَقَهُ تَبِعَةٌ مِن أحَدٍ، كَما يَخافُ مَن يُعاقِبُ مِنَ المُلُوكِ، لِأنَّهُ فَعَلَ في مُلْكِهِ، ومِلْكِهِ،
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، "فَلا يَخافُ"، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences