An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الليل
Al-Layl
The Night · Meccan · 21 ayahs
(p-٦٥٠)سُورَةُ "اَللَّيْلِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿واللَيْلِ إذا يَغْشى﴾، اَلْمَغْشِيُّ إمّا الشَمْسُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]، أوِ النَهارُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، أوْ كُلُّ شَيْءٍ يُوارِيهِ بِظَلامِهِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَبَ﴾ [الفلق: ٣]
﴿والنَهارِ إذا تَجَلّى﴾، ظَهَرَ بِزَوالِ ظُلْمَةِ اللَيْلِ.
﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾، والقادِرِ العَظِيمِ القُدْرَةِ، الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الذَكَرِ والأُنْثى، مِن ماءٍ واحِدٍ، وجَوابُ القَسَمِ:
﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾، إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ، وبَيانُ الِاخْتِلافِ فِيما فَصَّلَ عَلى أثَرِهِ:
﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾، حُقُوقَ مالِهِ،
﴿واتَّقى﴾ رَبَّهُ، فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ.
﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾، مِلَّةِ الحُسْنى، وهي مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، أوْ بِالكَلِمَةِ الحُسْنى، وهِيَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ".
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾، فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَّةِ اليُسْرى، وهي العَمَلُ بِما يَرْضاهُ رَبُّهُ.
92:8Page 595
وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ٨
But as for he who withholds and considers himself free of need
(p-٦٥١)﴿وَأمّا مَن بَخِلَ﴾، بِمالِهِ،
﴿واسْتَغْنى﴾، عَنْ رَبِّهِ، فَلَمْ يَتَّقِهِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُنْيا عَنْ نَعِيمِ العُقْبى.
﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾، بِالإسْلامِ، أوِ الجَنَّةِ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ لِلْخَلَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى النارِ، فَتَكُونُ الطاعَةُ أعْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وأشَدَّ، أوْ سَمّى طَرِيقَةَ الخَيْرِ بِـ "اَلْيُسْرى"، لِأنَّ عاقِبَتَها اليُسْرُ، وطَرِيقَةَ الشَرِّ بِـ "اَلْعُسْرى"، لِأنَّ عاقِبَتَها العُسْرُ، أوْ أرادَ بِهِما طَرِيقَيِ الجَنَّةِ، والنارِ.
92:11Page 595
وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١
And what will his wealth avail him when he falls?1
﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾، ولَمْ يَنْفَعْهُ مالُهُ إذا هَلَكَ، و"تَرَدّى": "تَفَعَّلَ مِن "اَلرَّدى"، وهو الهَلاكُ، أوْ: تَرَدّى في القَبْرِ، أوْ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، أيْ: سَقَطَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾، إنَّ عَلَيْنا الإرْشادَ إلى الحَقِّ، بِنَصْبِ الدَلائِلِ وبَيانِ الشَرائِعِ.
92:13Page 595
وَإِنَّ لَنَا لَلۡأٓخِرَةَ وَٱلۡأُولَىٰ ١٣
And indeed, to us belongs the Hereafter and the first [life].
﴿وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾، فَلا يَضُرُّنا ضَلالُ مَن ضَلَّ، ولا يَنْفَعُنا اهْتِداءُ مَنِ اهْتَدى، أوْ: إنَّهُما لَنا، فَمَن طَلَبَهُما مِن غَيْرِنا فَقَدْ أخْطَأ الطَرِيقَ.
﴿فَأنْذَرْتُكُمْ﴾، خَوَّفْتُكُمْ،
﴿نارًا تَلَظّى﴾، تَتَلَهَّبُ.
92:15–16Page 596
لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ١٥
None will [enter to] burn therein except the most wretched one
ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ١٦
Who had denied and turned away.
﴿لا يَصْلاها﴾، لا يَدْخُلُها لِلْخُلُودِ فِيها،
﴿إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، إلّا الكافِرَ الَّذِي كَذَّبَ الرُسُلَ، وأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ.
﴿وَسَيُجَنَّبُها﴾، وسُبْعَدُ مِنها،
﴿الأتْقى﴾، اَلْمُؤْمِنُ.
92:18Page 596
ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨
[He] who gives [from] his wealth to purify himself
﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾، لِلْفُقَراءِ،
﴿يَتَزَكّى﴾، مِن "اَلزَّكاةِ"، أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللهِ زاكِيًا، لا يُرِيدُ بِهِ رِياءً، ولا سُمْعَةً، أوْ "يَتَفَعَّلُ"، مِن "اَلزَّكاةُ"، و"يَتَزَكّى"، إنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن "يُؤْتِي"، فَلا مَحَلَّ لَهُ، لِأنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ الصِلَةِ، والصِلاتُ لا مَحَلَّ لَها، وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يُؤْتِي"، فَمَحَلُّهُ النَصْبُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "اَلْأشْقى"، بِمَعْنى: "اَلشَّقِيُّ"، وهو الكافِرُ، و"اَلْأتْقى"، بِمَعْنى "اَلتَّقِيُّ"، وهو المُؤْمِنُ، لِأنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِالصِّلِيِّ أشْقى الأشْقِياءِ، ولا بِالنَجاةِ أتْقى الأتْقِياءِ، وإنْ زَعَمْتَ أنَّهُ نَكَّرَ النارَ فَأرادَ نارًا مَخْصُوصَةً بِالأشْقى، فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: "وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى"؟! لِأنَّ المُتَّقِي يُجَنَّبُ تِلْكَ النارَ المَخْصُوصَةَ، لا الأتْقى مِنهم (p-٦٥٢)خاصَّةً، وقِيلَ: اَلْآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما، فَقِيلَ: "اَلْأشْقى"، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِلِيِّ، كَأنَّ النارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ: "اَلْأتْقى"، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَجاةِ، كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ: هُما أبُو جَهْلٍ، وأبُو بَكْرٍ، وفِيهِ بُطْلانُ زَعْمِ المُرْجِئَةِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُ النارَ إلّا كافِرٌ.
92:19–20Page 596
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ ١٩
And not [giving] for anyone who has [done him] a favor to be rewarded1 –
إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٠
But only seeking the face [i.e., acceptance] of his Lord, Most High.
﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾ أيْ: وما لِأحَدٍ عِنْدَ اللهِ نِعْمَةٌ يُجازِيهِ بِها إلّا أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَبْتَغِي بِهِ وجْهَ رَبِّهِ، فَيُجازى عَلَيْهِ،
﴿الأعْلى﴾، هو الرَفِيعُ بِسُلْطانِهِ، المَنِيعُ في شَأْنِهِ وبُرْهانِهِ، ولَمْ يُرَدْ بِهِ العُلُوُّ مِن حَيْثُ المَكانُ، فَذا آيَةُ الحُدْثانِ.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾، مَوْعِدٌ بِالثَوابِ الَّذِي يُرْضِيهِ، ويُقِرُّ عَيْنَهُ، وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى) لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences