An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
التين
At-Tin
The Fig · Meccan · 8 ayahs
(p-٦٥٩)سُورَةُ "اَلتِّينِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والتِينِ والزَيْتُونِ﴾، أقْسَمَ بِهِما لِأنَّهُما عَجِيبانِ مِن بَيْنِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، رُوِيَ أنَّهُ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَبَقٌ مِن تِينٍ، فَأكَلَ مِنهُ وقالَ لِأصْحابِهِ: "كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً أُنْزِلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ: هَذِهِ، لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عَجَمٍ، فَكُلُوها، فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النِقْرِسِ" »، وقالَ: " «نِعْمَ السِواكُ الزَيْتُونُ مِنَ الشَجَرَةِ المُبارَكَةِ، يُطَيِّبُ الفَمَ، ويَذْهَبُ بِالحُفْرَةِ » "، وقالَ: « "هِيَ سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ قَبْلِي » "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "هُوَ تِينُكم هَذا، وزَيْتُونُكم هَذا"، وقِيلَ: هُما جَبَلانِ بِالشامِ، يُنْبِتاهُما.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾، أُضِيفَ الطُورُ، وهو الجَبَلُ، إلى سِينَيْنَ، وهي البُقْعَةُ، ونَحْوَ "سِينُونَ"، "بِيرُونَ"، في جَوازِ الإعْرابِ بِالواوِ والياءِ، والإقْرارِ عَلى الياءِ، وتَحْرِيكِ النُونِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ.
(p-٦٦٠)﴿وَهَذا البَلَدِ﴾، يَعْنِي مَكَّةَ،
﴿الأمِينِ﴾، مِن "أمِنَ الرَجُلُ، أمانَةً، فَهو أمِينٌ"، وأمانَتُهُ أنَّهُ يَحْفَظُ مَن دَخَلَهُ، كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ومَعْنى القَسَمِ بِهَذِهِ الأشْياءِ الإبانَةُ عَنْ شَرَفِ البِقاعِ المُبارَكَةِ، وما ظَهَرَ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ بِسُكْنى الأنْبِياءِ، والأوْلِياءِ، فَمَنبَتُ التِينِ والزَيْتُونِ مَهاجِرُ إبْراهِيمَ، ومَوْلِدُ عِيسى ومَنشَؤُهُ، والطُورُ: اَلْمَكانُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى، ومَكَّةُ مَكانُ البَيْتِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ، ومَوْلِدُ نَبِيِّنا، ومَبْعَثُهُ - صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أوِ الأوَّلانِ قَسَمٌ بِمَهْبِطِ الوَحْيِ عَلى عِيسى، والثالِثُ عَلى مُوسى، والرابِعُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَوابُ القَسَمِ:
95:4Page 597
لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤
We have certainly created man in the best of stature;1
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، وهو جِنْسٌ،
﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، في أحْسَنِ تَعْدِيلٍ لِشَكْلِهِ، وصُورَتِهِ، وتَسْوِيَةِ أعْضائِهِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ: ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِ حِينَ لَمْ يَشْكُرْ نِعْمَةَ تِلْكَ الخِلْقَةِ الحَسَنَةِ القَوِيمَةِ السَوِيَّةِ أنْ رَدَدْناهُ أسْفَلَ مَن سَفَلَ خَلْقًا، وتَرْكِيبًا، يَعْنِي أقْبَحَ مَن قَبُحَ صُورَةً، وهم أصْحابُ النارِ، أوْ أسْفَلَ مَن سَفَلَ مِن أهْلِ الدَرَكاتِ، أوْ ثُمَّ رَدَدْناهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَقْوِيمِ والتَحْسِينِ أسْفَلَ مَن سَفَلَ في حُسْنِ الصُورَةِ والشَكْلِ، حَيْثُ نَكَّسْناهُ في خَلْقِهِ، فَقُوِّسَ ظَهْرُهُ بَعْدَ اعْتِدالِهِ، وابْيَضَّ شَعْرُهُ بَعْدَ سَوادِهِ، وتَشَنَّنَ جِلْدُهُ، وكَلَّ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ، وتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنهُ، فَمَشْيُهُ دَلِيفٌ، وصَوْتُهُ خِفاتٌ، وقُوَّتُهُ ضَعْفٌ، وشَهامَتُهُ خَرْفٌ.
95:6Page 597
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٦
Except for those who believe and do righteous deeds, for they will have a reward uninterrupted.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ودَخَلَ الفاءُ هُنا دُونَ سُورَةِ "اَلِانْشِقاقِ"، لِلْجَمْعِ بَيْنَ اللُغَتَيْنِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى الأوَّلِ مُتَّصِلٌ، وعَلى الثانِي مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى والزَمْنى، فَلَهم ثَوابٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى (p-٦٦١)طاعَتِهِمْ، وصَبْرِهِمْ عَلى الِابْتِلاءِ بِالشَيْخُوخَةِ والهَرَمِ، وعَلى مُقاساةِ المَشاقِّ، والقِيامِ بِالعِبادَةِ.
والخِطابُ في ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ﴾، لِلْإنْسانِ، عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أيْ: فَما سَبَبُ تَكْذِيبِكَ بَعْدَ هَذا البَيانِ القاطِعِ، والبُرْهانِ الساطِعِ، بِالجَزاءِ؟! والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ، وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَدْرِيجَهُ في مَراتِبِ الزِيادَةِ، إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ تَنْكِيسَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ أرْذَلَ العُمُرِ، لا تَرى دَلِيلًا أوْضَحَ مِنهُ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، وأنَّ مَن قَدِرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وعَلى هَذا كُلِّهِ، لَمْ يَعْجِزْ عَنْ إعادَتِهِ، فَما سَبَبُ تَكْذِيبِكَ بِالجَزاءِ؟! أوْ: لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أيْ: فَمَن يَنْسِبُكُ إلى الكَذِبِ بَعْدَ هَذا الدَلِيلِ؟! فَـ "ما"، بِمَعْنى "مَن".
﴿ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾، وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما هم أهْلُهُ، وهو مِن "اَلْحُكْمُ": اَلْقَضاءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences