An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
العلق
Al-'Alaq
The Clot · Meccan · 19 ayahs
(p-٦٦٢)سُورَةُ "اَلْعَلَقِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -، ومُجاهِدٍ: "هِيَ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الفاتِحَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ، ثُمَّ سُورَةُ "اَلْقَلَمِ"،
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، مَحَلُّ "بِاسْمِ رَبِّكَ"، اَلنَّصْبُ، عَلى الحالِ، أيْ: اِقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: "قُلْ: بِسْمِ اللهِ، ثُمَّ اقْرَأْ"، "اَلَّذِي خَلَقَ"، ولَمْ يَذْكُرْ لِـ "خَلَقَ"، مَفْعُولًا، لِأنَّ المَعْنى: اَلَّذِي حَصَلَ مِنهُ الخَلْقُ، واسْتَأْثَرَ بِهِ، لا خالِقَ سِواهُ، أوْ تَقْدِيرُهُ: "خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ"، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ، لِأنَّهُ مُطْلَقٌ، فَلَيْسَ بَعْضُ المَخْلُوقاتِ بِتَقْدِيرِهِ أوْلى مِن بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، تَخْصِيصٌ لِلْإنْسانِ بِالذِكْرِ مِن بَيْنِ ما يَتَناوَلُهُ الخَلْقُ، لِشَرَفِهِ، ولِأنَّ التَنْزِيلَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: "اَلَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ"، إلّا أنَّهُ ذُكِرَ مُبْهَمًا، ثُمَّ مُفَسَّرًا، تَفْخِيمًا لِخَلْقِهِ، ودَلالَةً عَلى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ،
﴿مِن عَلَقٍ﴾، وإنَّما جَمَعَ، ولَمْ يَقُلْ: "مِن عَلَقَةٍ"، لِأنَّ "اَلْإنْسانَ"، في مَعْنى الجَمْعِ.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾، اَلَّذِي لَهُ الكَمالُ في زِيادَةِ كَرَمِهِ عَلى كُلِّ كَرِيمٍ، (p-٦٦٣)يُنْعِمُ عَلى عِبادِهِ النِعَمَ، ويَحْلُمُ عَنْهُمْ، فَلا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، مَعَ كُفْرِهِمْ، وجُحُودِهِمْ لِنِعَمِهِ، وكَأنَّهُ لَيْسَ وراءَ التَكَرُّمِ بِإفادَةِ الفَوائِدِ العِلْمِيَّةِ تَكَرُّمٌ، حَيْثُ قالَ:
﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾، اَلْكِتابَةَ،
﴿بِالقَلَمِ﴾
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا، ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ، إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ، لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ، ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ، ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ، ولا كُتُبُ اللهِ المُنَزَّلَةُ، إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي لَما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِينِ، والدُنْيا، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَلى دَقِيقِ حِكْمَةِ اللهِ دَلِيلٌ إلّا أمْرُ القَلَمِ، والخَطِّ، لَكَفى بِهِ.
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ، بِطُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ،
﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾، نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، إلى آخِرِ السُورَةِ.
﴿أنْ رَآهُ﴾، أنْ رَأى نَفْسَهُ، يُقالُ في أفْعالِ القُلُوبِ: "رَأيْتُنِي"، و"عَلِمْتُنِي"، ومَعْنى الرُؤْيَةِ: اَلْعِلْمُ، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى الإبْصارِ لامْتَنَعَ في فِعْلِها الجَمْعُ بَيْنَ الضَمِيرَيْنِ،
﴿اسْتَغْنى﴾، هو المَفْعُولُ الثانِي.
﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى﴾، تَهْدِيدٌ لِلْإنْسانِ مِن عاقِبَةِ الطُغْيانِ، عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، و"اَلرُّجْعى": مَصْدَرٌ بِمَعْنى "اَلرُّجُوعُ"، أيْ: إنَّ رُجُوعَكَ إلى رَبِّكَ، فَيُجازِيكَ عَلى طُغْيانِكَ.
96:9–10Page 597
أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩
Have you seen the one who forbids
عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠
A servant when he prays?
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ أيْ: أرَأيْتَ أبا جَهْلٍ يَنْهى مُحَمَّدًا عَنِ الصَلاةِ؟!
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ الناهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللهِ؟!
﴿أوْ أمَرَ بِالتَقْوى﴾ أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ، والتَقْوى، فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ الناهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ، مُتَوَلِّيًا عَنْهُ؟! كَما نَقُولُ نَحْنُ.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى﴾، ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، مِن هُداهُ، وضَلالِهِ، فَيُجازِيهِ عَلى حَسَبِ حالِهِ، وهَذا وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "اَلَّذِي يَنْهى"، مَعَ الجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ، مَفْعُولا "أرَأيْتَ"، وجَوابُ الشَرْطِ (p-٦٦٤)مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: "إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَقْوى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى"، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَرْطِ الثانِي، وهَذا كَقَوْلِكَ: "إنْ أكْرَمْتُكَ أتُكْرِمُنِي؟"، و"أرَأيْتَ"، اَلثّانِيَةُ، مُكَرَّرَةٌ، زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
96:15Page 597
كـَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ ١٥
No! If he does not desist, We will surely drag him by the forelock1 –
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ اللهِ، وأمْرِهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، عَمّا هو فِيهِ،
﴿لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ﴾، لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النارِ، و"اَلسَّفْعُ": اَلْقَبْضُ عَلى الشَيْءِ، وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وكِتْبَتُها في المُصْحَفِ بِالألِفِ، عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، واكْتَفى بِلامِ العَهْدِ عَنِ الإضافَةِ، لِلْعِلْمِ بِأنَّها ناصِيَةُ المَذْكُورِ.
﴿ناصِيَةٍ﴾، بَدَلٌ مِن "اَلنّاصِيَةِ"، لِأنَّها وُصِفَتْ بِالكَذِبِ، والخَطَإ، بِقَوْلِهِ: ﴿كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وهُما لِصاحِبِها حَقِيقَةً، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ والجَزالَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: "ناصِيَةِ كاذِبٍ خاطِئٍ".
96:17–18Page 597
فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ١٧
Then let him call his associates;
سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ ١٨
We will call the angels of Hell.1
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾، "اَلنّادِي": اَلْمَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ القَوْمُ، والمُرادُ أهْلُ النادِي، رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ مَرَّ بِالنَبِيِّ ﷺ، وهو يُصَلِّي، فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ؟! فَأغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا؟ » ! فَنَزَلَتْ، و"اَلزَّبانِيَةُ"، لُغَةً: اَلشُّرَطُ، الواحِدُ: "زِبْنِيَّةٌ"، مِن "اَلزَّبْنُ"، وهو الدَفْعُ، والمُرادُ مَلائِكَةُ العَذابِ، «وَعَنْهُ ﷺ: "وَلَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ الزَبانِيَةُ عِيانًا" ».
96:19Page 597
كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ ١٩
No! Do not obey him. But prostrate and draw near [to Allāh].
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ،
﴿لا تُطِعْهُ﴾ أيْ: اُثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِصْيانِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] ﴿واسْجُدْ﴾، ودُمْ عَلى سُجُودِكَ، يُرِيدُ الصَلاةَ،
﴿واقْتَرِبْ﴾، وتَقَرَّبْ إلى رَبِّكَ بِالسُجُودِ، فَإنَّ أقْرَبَ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى رَبِّهِ إذا سَجَدَ، كَذا الحَدِيثُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences