As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
الأنبياء
Al-Anbya
The Prophets · Meccan · 112 ayahs
21:1Page 322
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١
[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَفْسِير سُورَة الْأَنْبِيَاء
وَهِي مَكِّيَّة، قَالَ ابْن مَسْعُود: سُورَة بني إِسْرَائِيل والكهف وَمَرْيَم وطه والأنبياء من الْعتاق الأول، وَهن من تلادي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم﴾ قَوْله: ﴿اقْترب﴾ : افتعل، من الْقرب. وَقَوله: ﴿للنَّاس حسابهم﴾ أَي: وَقت حسابهم، وَقيل: عَذَابهمْ، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من نُوقِشَ فِي الْحساب عذب. وَالْآيَة فِي الْمُشْركين دون الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا قَوْله بَعضهم، وَإِنَّمَا سمى السَّاعَة قريبَة؛ لِأَنَّهَا كَانَت لَا محَالة، وكل مَا هُوَ كَائِن لَا محَالة فَهُوَ قريب، وَأَيْضًا فَإِن مَا بَقِي من الدُّنْيَا فِي جنب مَا مضى (قَلِيل) ، فَسمى السَّاعَة قريبَة؛ على هَذَا الْمَعْنى، وَقد رُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة ارتدع الْمُشْركُونَ عَن بعض مَا هم عَلَيْهِ، ثمَّ لما لم يرَوا للقيامة أثرا انهمكوا فِيمَا كَانُوا، وَهَكَذَا رُوِيَ أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمر الله﴾ ، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وهم فِي غَفلَة معرضون﴾ أَي: هم غافلون معرضون، وَقيل: فِي اشْتِغَال بِالْبَاطِلِ عَن الْحق، وَيُقَال: وهم فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بهم وأريدوا بِهِ.
21:2Page 322
مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢
No mention [i.e., revelation] comes to them anew from their Lord except that they listen to it while they are at play
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ اسْتدلَّ الْمُعْتَزلَة بِهَذَا على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَقَالُوا: كل مُحدث مَخْلُوق، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿مُحدث﴾ أَي: مُحدث تَنْزِيله، ذكره الْأَزْهَرِي وَغَيره، وَيُقَال: أنزل فِي زمَان بعد زمَان، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كلما جدد لَهُم ذكرا استمروا على جهلهم، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن الذّكر الْمُحدث هَاهُنَا مَا ذكره النَّبِي، وَبَينه من السّنَن والمواعظ والدلائل سوى مَا فِي الْقُرْآن، وأضافه إِلَى الرب؛ لِأَنَّهُ قَالَه بِأَمْر الرب تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ﴾ أَي: استمعوه لاعبين.
21:3Page 322
لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣
With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"
وَله تَعَالَى: ﴿لاهية قُلُوبهم﴾ أَي: غافلة، وَقيل: مشتغلة بِالْبَاطِلِ عَن الْحق. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عَن ذِي تمائم محول)
أَي شغلتها.
وَقَوله: ﴿وأسروا النَّجْوَى﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وأخفوا النَّجْوَى، وَالْآخر: وأظهروا النَّجْوَى، وَالْعرب تَقول: أسر إِذا أخْفى، وَأسر إِذا أظهر، وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: أسر إِذا أخْفى بِالسِّين غير الْمُعْجَمَة، وأشر إِذا أظهر بالشين الْمُعْجَمَة. قَالَ الشَّاعِر:
(وَلما رأى الْحجَّاج جرد سَيْفه
(أسر) الحروري الَّذِي كَانَ أضمرا)
وَقَوله: ﴿الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: أشركوا.
وَقَوله: ﴿هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ أَنْكَرُوا إرْسَال الْبشر، وطلبوا إرْسَال الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿أفتأتون السحر﴾ أَي: تحضرون السحر وتقبلونه.
وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم تبصرون﴾ أَي: تعلمُونَ أَنه سحر.
21:4Page 322
قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤
He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يعلم القَوْل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: القَوْل يسر بِهِ، ويجهر بِهِ فِي السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
21:5Page 322
بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥
But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ أَي: تهاويل أَحْلَام، وَيُقَال: أخلاط أَحْلَام، وَيُقَال: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ وَلَا تَفْسِير.
قَالَ الشَّاعِر:
(أَحَادِيث [طسم] أَو سراب بقيعة ... ترقرق للساري وأضغاث حالم)
وَقَوله: ﴿بل افتراه﴾ أَي: اختلقه.
وَقَوله: ﴿بل هُوَ شَاعِر﴾ أَي: مثل أُميَّة بن الصَّلْت وَمن أشبه، وَالْمرَاد من الْآيَة: بَيَان تناقضهم فِي قَوْلهم، وَأَنَّهُمْ غير مستقرين على شَيْء وَاحِد.
وَقَوله: ﴿فليأتنا بِآيَة كَمَا أرسل الْأَولونَ﴾ بِالْآيَاتِ، وطلبوا آيَة مثل النَّاقة أَو عَصا مُوسَى، وَيَد مُوسَى، وَمَا أشبه ذَلِك، وَقد كَانَ الله تَعَالَى بَين الْآيَات سوى مَا طلبُوا.
21:6Page 322
مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦
Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا آمَنت قبلهم من قَرْيَة أهلكناها﴾ مَعْنَاهُ: مَا آمَنت قبلهم من أهل قَرْيَة طلبُوا آيَة فأعطوا، أَي: أعطيناهم الْآيَة، وَلم يُؤمنُوا. وَقَوله: ﴿أهلكناها﴾ أَي: حكمنَا بهلاكها.
وَقَوله: ﴿أفهم يُؤمنُونَ﴾ مَعْنَاهُ: كَمَا لم يُؤمن أُولَئِكَ، فَلَا يُؤمن هَؤُلَاءِ.
21:7Page 322
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧
And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم﴾ يَعْنِي: أَنا لم نرسل الْمَلَائِكَة قبلك إِلَى الْأَوَّلين، فنرسل ملكا إِلَى قَوْمك.
وَقَوله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد بِأَهْل الذّكر مؤمنو أهل الْكتاب، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنهم عُلَمَاء هَذِه الْأمة.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
21:8Page 322
وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨
And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلناهم جسدا﴾ أَي: ذَوي أجساد.
وَقَوله: ﴿لَا يَأْكُلُون الطَّعَام﴾ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدين﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا رد لقَولهم: ﴿وَقَالُوا مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام﴾ الْآيَة.
21:9Page 322
ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩
Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ صدقناهم الْوَعْد﴾ مَعْنَاهُ: صدقناهم الْوَعْد فِي الْعقَاب وَالثَّوَاب.
وَقَوله: ﴿فأنجيناهم وَمن نشَاء وأهلكنا المسرفين﴾ أَي: أنجينا الْمُؤمنِينَ، وأهلكنا المكذبين، وكل مكذب مُشْرك مُسْرِف على نَفسه، والسرف: مُجَاوزَة الْحَد.
21:10Page 322
لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠
We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: ذكركُمْ أَي: حديثكم، وَقيل ذكركُمْ أَي: ذكركُمْ مَا تحتاجون إِلَيْهِ من دينكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِد: ذكركُمْ أَي: شرفكم، وَهُوَ شرف لمن يُؤمن بِهِ، لَا لمن يكفر بِهِ.
وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَي: أَفلا تعتبرون.
21:11Page 323
وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١
And how many a city which was unjust1 have We shattered and produced after it another people.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم قصمنا﴾ القصم: الْكسر، والفصم - بِالْفَاءِ - الصدع، وَفِي الْخَبَر: " يرفع أهل الدَّرَجَات الْعلَا إِلَى غرفَة من در لَيْسَ فِيهَا قَصم وَلَا فَصم ".
وَقَوله: ﴿من قَرْيَة كَانَت ظالمة﴾ أَي: ظلم أَهلهَا.
وَقَوله: ﴿وأنشئنا بعْدهَا قوما آخَرين﴾ أَي: فريقا آخَرين.
21:12Page 323
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢
And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحسوا بأسنا﴾ أَي: (وجدوا عذابنا) ، وَقيل: وصل إِلَيْهِم عذابنا.
وَقَوله: ﴿إِذا هم مِنْهَا يركضون﴾ أَي: يهربون ركضا، يُقَال: ركض الدَّابَّة إِذا أسْرع فِي سَيرهَا.
21:13Page 323
لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣
[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تركضوا﴾ أَي: لَا تهربوا.
وَقَوله: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ﴾ أَي: نعمتم فِيهِ، والمترف: الْمُنعم، وَقيل: إِلَى دنياكم ﴿ومساكنكم﴾ الَّتِي نعمتم فِيهَا. قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: هَذِه الْآيَات نزلت فِي أهل مَدِينَة كفرُوا، فَسلط الله عَلَيْهِم بعض الْجَبَابِرَة - وَقيل: كَانَ بخْتنصر - فَلَمَّا أَصَابَهُم عَذَاب السَّيْف هربوا، فَقَالَ لَهُم الْمَلَائِكَة، وَالسُّيُوف قد أخذتهم: لَا تهربوا، وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ من دنياكم، فتعطون من شِئْتُم، وتمنعون من شِئْتُم، قَالُوا هَذَا لَهُم استهزاء، وَقد قيل: هَذَا فِي أهل مَدِينَة أَصَابَهُم عَذَاب من السَّمَاء، فَخَرجُوا هاربين، وَقَالَ لَهُم الْمَلَائِكَة هَذَا القَوْل، وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ أَي: تسْأَلُون لم تركْتُم مَا يصلح دينكُمْ وَأمر آخرتكم، واشتغلتم بِمَا يُوجب الْعَذَاب عَلَيْكُم؟ وَيُقَال: لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون عَمَّا عاينتم من الْعَذَاب، قَالَت الْمَلَائِكَة هَذَا توبيخا لَهُم.
21:14Page 323
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤
They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ الويل: دُعَاء الْهَلَاك.
وَقَوله: ﴿ظالمين﴾ أَي: ظالمين لأنفسنا.
21:15Page 323
فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥
And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم﴾ أَي: دعاؤهم وَقَوْلهمْ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ الحصيد: هُوَ المستأصل.
وَقَوله: ﴿خامدين﴾ أَي: ميتين، وَمعنى الْآيَة: جعلناهم كَأَن لم يَكُونُوا.
21:16Page 323
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦
And We did not create the heaven and earth and that between them in play.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ أَي: للعب.
21:17Page 323
لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧
Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا﴾ اخْتلفُوا فِي اللَّهْو هَاهُنَا على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن اللَّهْو هُوَ الْمَرْأَة، وَالْآخر: أَن اللَّهْو هُوَ الْوَلَد، وَهُوَ فِي الْمَرْأَة أظهر؛ فَإِن الْوَطْء يُسمى لهوا فِي اللُّغَة، وَالْمَرْأَة مَحل الْوَطْء، قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَألا يحسن اللَّهْو أمثالي)
وَعَن بَعضهم: أَن اللَّهْو هُوَ الْغناء، وَهُوَ ضَعِيف فِي هَذَا الْموضع.
وَقَوله: ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ أَي: لاتخذناه من عندنَا لَا من عنْدكُمْ، وَيُقَال: اتخذناه بِحَيْثُ لَا ترَوْنَ) .
وَقَوله: ﴿إِن كُنَّا فاعلين﴾ أَي: مَا كُنَّا فاعلين، وَيُقَال: إِن كُنَّا فاعلين، وَلم نفعله؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بِنَا.
21:18Page 323
بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨
Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل﴾ الْحق هَاهُنَا: قَول الله تَعَالَى: " إِنَّه لَا ولد لَهُ " وَالْبَاطِل قَوْلهم: إِن الله اتخذ ولدا، وَيُقَال: إِن الْحق هُوَ الْقُرْآن، وَالْبَاطِل هُوَ الشَّيْطَان.
وَقَوله: ﴿نقذف﴾ أَي: نلقي.
وَقَوله: ﴿فيدمغه﴾ أَي: يُزِيلهُ، يُقَال: دمغت فلَانا إِذا كسرت دماغه وقتلته.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هُوَ زاهق﴾ أَي: ذَاهِب، وَهَذَا من حَيْثُ بَيَان الدَّلِيل وَالْحجّة، لَا من حَيْثُ إِزَالَة الْكفْر أصلا، فَإِن الْكفْر وَالْبَاطِل فِي الْعَالم كثير.
وَقَوله: ﴿وَلكم الويل مِمَّا تصفون﴾ قَالَ قَتَادَة: مِمَّا تكذبون، وَقَالَ الْحسن: هُوَ لكل واصف كذبا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
21:19Page 323
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩
To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض عبيدا وملكا.
وَقَوله: ﴿وَمن عِنْده﴾ أَي: الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾ . أَي: لَا يتعظمون عَن عِبَادَته، وَذكر ابْن فَارس فِي تَفْسِيره فِي خبر: أَن الله تَعَالَى لما اسْتَوَى على عَرْشه، سجد ملك فَلَا يرفع رَأسه من السُّجُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا رفع رَأسه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: سُبْحَانَكَ، مَا عبدتك حق عبادتك غير أَنِّي لم أشرك بك، وَلم أَتَّخِذ لَك ندا.
وَقَوله: ﴿وَلَا يستحسرون﴾ أَي: لَا يعيون، يُقَال: دَابَّة حسيرة إِذا كَانَت عيية، قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: التَّسْبِيح لَهُم كالتنفس لبني آدم.
21:20Page 323
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠
They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ يَعْنِي: يسبحون دَائِما، لَا يضعفون وَلَا يفنون، وَاعْلَم أَنه لَيْسَ عِنْد الْمَلَائِكَة ليل وَلَا نَهَار؛ وَإِنَّمَا المُرَاد بِذكر اللَّيْل وَالنَّهَار هَاهُنَا: هُوَ الدَّوَام على التَّسْبِيح.
21:21Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١
Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون﴾ معنى قَوْله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: من الْخشب وَالْحِجَارَة، (وَقد كَانَت عَامَّة أصنام الْمُشْركين من الْخشب وَالْحِجَارَة) ، وهما من الأَرْض.
وَقَوله: ﴿هم ينشرون﴾ أَي: يحيون، وَلَا يسْتَحق الإلهية إِلَّا من يقدر على الْإِحْيَاء والإيجاد من الْعَدَم؛ لِأَنَّهُ الإنعام بأبلغ وُجُوه النعم، وَهَذَا لَا يَلِيق بِوَصْف الْبشر وكل مُحدث. وأنشدوا للأعشى فِي الانتشار:
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... أيا عجبا للْمَيت الناشر) وقرىء: " ينشرون " بِفَتْح الْيَاء أَي: يحيون أبدا، وَمعنى الْآيَة هُوَ الْإِنْكَار على متخذ الْأَصْنَام آلِهَة، وَبَيَان أَنه لَا يَلِيق بهَا الإلهية.
21:22Page 323
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: " إِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنى " غير "، قَالَ الشَّاعِر:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
يَعْنِي: غير الفرقدين، وَهَذَا على مَا اعتقدوا من دوَام السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِلَّا الله﴾ " إِلَّا " بِمَعْنى " الْوَاو " هَاهُنَا، وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة وَالله (أَيْضا) لفسدتا، وَمعنى الْفساد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِذا كَانَ الْإِلَه اثْنَيْنِ، هُوَ فَسَاد التَّدْبِير وَعدم انتظام الْأُمُور بِوُقُوع الْمُنَازعَة والمضادة، وَهُوَ أَيْضا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولعلا بَعضهم على بعض﴾ .
وَقَوله: ﴿فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الْمُشْركُونَ من الشَّرِيك وَالْولد.
21:23Page 323
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
He is not questioned about what He does, but they will be questioned.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم (يسْأَلُون﴾ ) يَعْنِي: لَا يسْأَل عَمَّا يحكم على خلقه، والخلق يسْأَلُون عَن (أفعالهم وأعمالهم) ، وَقيل: لَا يسْأَل عَمَّا يفعل؛ لِأَنَّهُ كُله حِكْمَة وصواب، وهم يسْأَلُون عَمَّا يَفْعَلُونَ لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِم، وَقيل: معنى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل: لَا يُقَال لَهُ: لم؟ ، ولماذا؟ بِخِلَاف الْخلق، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَقطع شبهتهم بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقد روى أَبُو الْأسود الدؤَلِي أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت مَا يسْعَى فِيهِ النَّاس ويكدحون، أهوَ أَمر قضي عَلَيْهِم أَو شَيْء يستأنفونه؟ فَقلت: لَا، بل أَمر قضي عَلَيْهِم، قَالَ: أَفلا يكون ظلما؟ قلت: سُبْحَانَ الله ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون) فَقَالَ لي: أصبت يَا أَبَا الْأسود، وَقد أجزت عقلك، ثمَّ روى عمرَان أَن رجلا من جُهَيْنَة - أَو مزينة - أَتَى النَّبِي قَالَ لَهُ: عَمَّا يفعل النَّاس أَو يكدحون فِيهِ، أهوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم؟ أم شَيْء يستأنفونه؟ فَقَالَ النَّبِي: " هُوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم، فَقَالَ ذَلِك الرجل: يَا رَسُول الله، أَفلا يكون ظلما؟ قَالَ: لَا، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: {لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ " قَالَ الشَّيْخ: وَقد ذكرنَا هَذَا الْخَبَر فِي كتاب " مُسْند الْقدر ".
21:24Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم﴾ أَي: حجتكم.
وَقَوله: ﴿هَذَا ذكر من معي﴾ أَي: ذكر من معي (بِمَا) أمروا من الْحَلَال وَالْحرَام.
وَقَوله: ﴿وَذكر من قبلي﴾ أَي: من يحيى مِنْهُم بِالطَّاعَةِ وَهلك بالمعصية، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ذكر من معي فَهُوَ الْقُرْآن، وَذكر من قبلي هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَمَعْنَاهُ: راجعوا الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَسَائِر الْكتب، هَل تَجِدُونَ فِيهَا أَن الله اتخذ ولدا؟
وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
21:25Page 324
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ أَي: وحدون.
21:26Page 324
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا﴾ قَالَ قَتَادَة: قَالَ طَائِفَة من الْمُشْركين: إِن الله تَعَالَى صاهر الْجِنّ، فالملائكة بَنَاته.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نَفسه عَمَّا قَالُوا.
وَقَوله: ﴿بل عباد مكرمون﴾ أَي: عبيد مكرمون.
21:27Page 324
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
They cannot precede Him in word, and they act by His command.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسبقونه بالْقَوْل﴾ هَذَا ثَنَاء من الله على الْمَلَائِكَة، وَمعنى قَوْله: ﴿لَا يسبقونه بالْقَوْل﴾ أَنهم لَا يَقُولُونَ قولا بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ أَي: لَا تَقولُوا قولا بِخِلَاف الْكتاب وَالسّنة، وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أحدث فِي ديننَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد ". والإحداث فِي الدّين أَن يَقُول بِخِلَاف الْكتاب وَالسّنة.
وَقَوله: ﴿وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يخالفونه، لَا قولا، وَلَا عملا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: إِذْ أَمر بِأَمْر أطاعوا، فَإِذا قَالَ لَهُم: افعلوا قَالُوا: طَاعَة.
21:28Page 324
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم﴾ أَي: مَا قدمُوا وأخروا، وَقيل: مَا بَين أَيْديهم هُوَ الْآخِرَة، وَمَا خَلفهم أَعْمَالهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا لمن قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَيُقَال: إِلَّا لمن رَضِي الله عَنهُ عمله.
وَقَوله: ﴿وهم من خَشيته مشفقون﴾ أَي: من عَذَابه.
21:29Page 324
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾ . فَإِن قيل: هَل قَالَ أحد من الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه من دونه؟ (قُلْنَا) مَعْنَاهُ: لَو قَالُوا، وَلم يَقُولُوا، وَالْجَوَاب الْمَعْرُوف: أَن المُرَاد مِنْهُ إِبْلِيس لَعنه الله؛ فَإِنَّهُ دَعَا النَّاس إِلَى طَاعَته، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن من دَعَا إنْسَانا إِلَى طَاعَته فِي مَعْصِيّة الْخَالِق فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعبدني أَو اتَّخَذَنِي إِلَهًا.
21:30Page 324
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠
Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: أَو لم ير الْكفَّار، [و] لم يرَوا شَيْئا من هَذَا وَلَا الْمُسلمُونَ! وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ أَو لم يعلمُوا بإخبارك إيَّاهُم، وَقيل: أَو لم يخبروا. وَأما الرتق فِي اللُّغَة هُوَ السد، والفتق هُوَ الشق، قَالَ الشَّاعِر:
(يهون عَلَيْهِم إِذا يغضبون ... سخط العداة وإرغامها)
(ورتق الفتوق وفتق الرتوق ... وَنقض الْأُمُور وإبرامها)
وَأما معنى الْآيَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: قَوْله: ﴿كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَ السَّمَاء وَالْأَرْض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كَانَ السَّمَاء شَيْئا وَاحِدًا، ففتقناها، وجعلناها سبع سموات، وَكَانَت الأَرْض شَيْئا وَاحِدًا ففتقناها، وجعلناها سبع أَرضين، وَالْقَوْل الثَّالِث قَالَه مُجَاهِد: فتقنا السَّمَاء بالمطر، وَالْأَرْض بالنبات.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد خلق بعض مَا هُوَ حَيّ من غير المَاء، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ ؟ وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان قد يَمُوت بِالْمَاءِ، وَالشَّجر والنبات قد يهْلك بِالْمَاءِ؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المَاء هَاهُنَا هُوَ النُّطْفَة، والحي هُوَ الْآدَمِيّ، وَمَعْنَاهُ: كل شَيْء حَيّ من الْآدَمِيّ. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن هَذَا على وَجه التكثير، وَأكْثر الْأَحْيَاء فِي الأَرْض إِنَّمَا هُوَ مَخْلُوق من المَاء أَو بَقَاؤُهُ بِالْمَاءِ، فاستقام معنى الْآيَة من هَذَا الْوَجْه.
وَقَوله: ﴿أَفلا يُؤمنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
21:31Page 324
وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١
And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت، وَقيل: ثقالا، قَالَ الشَّاعِر:
(رسا أَصله تَحت الثرى وسمائه ... إِلَى النَّجْم فرع لَا ينَال طَوِيل)
وَقَوله: ﴿أَن تميد بهم﴾ . أَي: كَرَاهَة أَن تميد بهم، والميد: الْحَرَكَة.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا فجاجا سبلا﴾ الْفَج هُوَ الْوَاسِع بَين الجبلين.
وَقَوله: ﴿سبلا﴾ أَي: طرقا مسلوكة.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ أَي: يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق.
21:32Page 324
وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢
And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا﴾ أَي: مَحْفُوظًا من وُقُوعه على الأَرْض، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا﴾ وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَحْفُوظًا عَن الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ.
وَقَوله: ﴿وهم عَن آياتها معرضون﴾ آياتها: شمسها وقمرها ونجومها وارتفاعها واستمساكها بِغَيْر عمد، وَغير ذَلِك.
21:33Page 324
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣
And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر﴾ الْمَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عِكْرِمَة أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق اللَّيْل قبل النَّهَار، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَتَا مظْلمَة بالرتق ففتقتا بالضياء.
وَقَوله: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون﴾ أَي: يجرونَ، وَيُقَال يَدُور بهم فلك دون السَّمَاء، وَيُقَال: يَدُور بهم السَّمَاء، وَالله أعلم؛ وَإِنَّمَا ذكر ﴿يسبحون﴾ وَلم يقل: يسبح على مَا يُقَال لما لَا يعقل؛ لِأَنَّهُ ذكر عَنْهُم مَا يذكر من الْعُقَلَاء، وَهُوَ الجري والسبح، فَذكر على مَا يعقل.
21:34Page 324
وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤
And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ كَانُوا يَقُولُونَ: نتربص بِمُحَمد ريب الْمنون، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ يَعْنِي: أَن الْمَوْت طَرِيق مَعْهُود مسلوك لَا بُد مِنْهُ لكل حَيّ.
وَقَوله: ﴿أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ مَعْنَاهُ: أفهم الخالدون إِن مت؟ وَقد رُوِيَ " أَن النَّبِي لما توفّي دخل أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَوضع فَمه بَين عَيْنَيْهِ وَيَده على جَانب رَأسه، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، طبت حَيا وَمَيتًا، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ وَقد كَانَ عمر يَقُول: إِنَّه لم يمت، فَلَمَّا تَلا أَبُو بكر هَذِه الْآيَة، فَكَأَن النَّاس لم يسمعوا هَذِه الْآيَة إللا ذَلِك الْوَقْت، وأعرضوا عَن عمر (وَقَوله) ، وَعَلمُوا أَنه قد مَاتَ ".
21:35Page 324
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥
Every soul will taste death. And We test you with evil and with good as trial; and to Us you will be returned.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر﴾ أَي: بالرخاء والشدة، وَالصِّحَّة والسقم، وبالإشقاء والإسعاد، وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَلف على الْإِنْسَان، وَقيل: بِالشَّرِّ وَالْخَيْر أَي: بِمَا يحبونَ ويكرهون، وَيُقَال: الشَّرّ غَلَبَة الْهوى على الْإِنْسَان، وَالْخَيْر الْعِصْمَة من الْمعاصِي، قَالَه سهل بن عبد الله.
وَقَوله: ﴿فتْنَة﴾ أَي: محنة وخبرة.
وَقَوله: ﴿وإلينا ترجعون﴾ أَي: تردون.
21:36Page 325
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦
And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رآك الَّذين كفرُوا إِن يتخذونك إِلَّا هزوا﴾ أَي: مَا يتخذونك إِلَّا هزوا.
وَقَوله: ﴿أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم﴾ أَي: يعيب آلِهَتكُم، يُقَال: فلَان يذكر فلَانا أَي: يعِيبهُ، وَفُلَان يذكر الله أَي: يعظمه ويجله.
وَقَوله: ﴿وهم بِذكر الرَّحْمَن هم كافرون﴾ قَالَ هَذَا؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا مُسَيْلمَة، وهم " الثَّانِيَة صلَة.
21:37Page 325
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: سرعَة وتعجيل، وَالْإِنْسَان هُوَ آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَقد خلقه الله تَعَالَى من غير تَرْتِيب خلق سَائِر الْآدَمِيّين من النُّطْفَة، والعلقة، والمضغة، وَغَيره، وَهَذَا قَول حسن. وَالْقَوْل الثَّانِي: من عجل أَي: عجولا، وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْإِنْسَان جَمِيع بني آدم، وَأما ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ آدم لما نفخ الله فِيهِ الرّوح وَبلغ صَدره، أَرَادَ أَن يقوم، فَهُوَ عجلته. وَذكر الْكَلْبِيّ: أَنه لما نفخ فِيهِ الرّوح نظر إِلَى الشَّمْس فَإِذا هِيَ تغرب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أتم خلقي قبل أَن تغرب الشَّمْس، فَهُوَ عجلته. وَالْقَوْل الثَّالِث: خلق الْإِنْسَان والعجلة مِنْهُ، وَقيل: والعجلة فِيهِ، وَهَذَا على طَرِيق الْمُبَالغَة، وَالْعرب تَقول للشرير: خلقت من الشَّرّ، وَكَذَلِكَ تَقول: خلق فلَان من الْخَيْر إِذا ذكر على طَرِيق الْمُبَالغَة.
وَالْقَوْل الرَّابِع: قَوْله: ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ أَي: من طين. قَالَ الشَّاعِر:
(والنبع فِي الصَّخْرَة الصماء منبته ... وَالنَّخْل ينْبت بَين المَاء والعجل)
أَي: الطين.
وَقَوله: ﴿سأريكم آياتي فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ هَذَا فِي الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا يستعجلون الْقِيَامَة على مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿يستعجل بهَا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بهَا﴾ وَقَالَ بَعضهم: ﴿سأريكم آياتي﴾ أَي: مواعدي. وَقَوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ أَي: لَا تَطْلُبُوا الْعَذَاب مني قبل وقته، وَإِنَّمَا نزلت هَذِه الْآيَة؛ لِأَن النَّضر بن الْحَارِث كَانَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم.
21:38Page 325
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences