As-SamarqandiYusuf · 12:54–87

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:54–87

12:54–60Page 242

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.

وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي يعني: أجعله في خاصة نفسي.

فلما خرج يوسف من السجن، ودّع أهل السجن، ودعا لهم وقال: اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم، ولا تستر الأخبار عليهم. فمن ثم تقع الأخبار عند أهل السجن، قبل أن تقع عند عامة الناس. ولما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فأجابه يوسف بذلك كله. ثم تكلم يوسف بالعبرانية، فلم يحسنها الملك، فقال: ما هذا اللسان يا يوسف؟

قال: هذا لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام.

ثم كلمه بالعربية، فلم يحسنها الملك، فقال: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ في المنزلة أَمِينٌ على ما وكلتك. قَالَ له يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يعني: على خراج مصر إِنِّي حَفِيظٌ للتدبير.

ويقال: حَفِيظٌ بما وكلت به عَلِيمٌ بجميع الألسن. ويقال: عَلِيمٌ بأخذها ووضعها مواضعها. وإنما سأل ذلك صلاحاً للخلق، لأنه علم أنه ليس أحد يقوم بإصلاح ذلك الأمر مثله. ويقال: حَفِيظٌ عَلِيمٌ يعني: عليماً بساعة الجوع. وكان الملك يأكل في كل يوم نصف النهار. فلما كانت الليلة التي قضى الله بالقحط فيها، أمر يوسف بأن يتخذ طعام الملك بالليل، فلما أصبح الملك قال: الجوع الجوع. فأتي بطعام مهيئ، قال: وما يدريكم بذلك؟ قالوا:

أمرنا بذلك يوسف، ففوض الملك أموره كلها إلى يوسف، وهو قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ يعني: صنعنا ليوسف فِي الْأَرْضِ يعني: أرض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْها يعني: ينزل منها حَيْثُ يَشاءُ. قرأ ابن كثير حَيْثُ نَشاءُ بالنون يعني: حيث يشاء الله. وقرأ الباقون:

بالياء حَيْثُ يَشاءُ يوسف نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ نختص بنعمتنا: النبوة، والإسلام، والنجاة من نشاء وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يعني: لا نبطل ثواب الموحدين، حتى نوفيّه جزاءه في الدنيا، ومع ذلك له ثواب في الآخرة، فذلك قوله تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني: ثواب الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك.

وروي في الخبر: أن زوج زليخا مات، وبقيت امرأته زليخا. فجلست يوماً على الطريق، فمر عليها يوسف في حشمه، فقالت زليخا: الحمد لله الذي جعل العبد ملكاً بطاعته، وجعل الملك مملوكا بمعصيته. وتزوجها يوسف فوجدها عذراء، وأخبرت أن زوجها كان عنيناً، لم يصل إليها. ثم وقع القحط بالناس حتى أكلوا جميع ما في أيديهم، واحتاجوا إلى ما عند يوسف. وكان يوسف قد جمع في وقت الخصب مقدار ما يكفي السنين المجدبة للأكل والبيع، فجعل الناس يعطونه أموالهم: العروض، والرقيق، والعقار، وغير ذلك، ويأخذون منه الطعام.

ووقع القحط بأرض كنعان، حتى أصاب آل يعقوب الحاجة إلى الطعام، فقال يعقوب لبنيه: إنهم يزعمون أن بمصر ملكاً يبيع الطعام، فخرج بنو يعقوب وهم عشرة نحو مصر حتى أتوا يوسف فدخلوا عليه، وعليه زي الملوك فلم يعرفوه، فعرفهم يوسف، وكلموه بالعبرانية، فأرسل يوسف إلى الترجمان، وهو يعلم لسانهم. ولكنه أراد أن يشتبه عليهم، فذلك قوله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ يعني: عرف يوسف أنهم إخوته وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ يعني: لم يعرفوا أنه يوسف، لأنهم كانوا فارقوه في حال الصغر، وكان يوسف عليه زي الملوك، بخلاف ما كانوا كانوا رأوه في حال الصغر.

روى أسباط عن السدي وغيره، قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمره الذي يلي البيع والتجارة. فبعث يعقوب بنيه إلى مصر، فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ عرفهم. فلما نظر إليهم، قال: أخبروني ما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم. قالوا: نحن قوم من أرض الشام. قال:

فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاماً. قال: كأنكم عيون كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف رجل، فأخبروني خبركم. قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق، وإنا كنا اثني عشر، فكان أبونا يحب أخاً لنا، وهو هلك في الغنم، ووجدنا قميصه ملطخاً بالدم، فأتينا به أبانا، فكان أحبنا إلى أبينا منا. قال: فإلى من سكن منكم أبوكم بعده؟

قالوا: إلى أخ له أصغر منه. قال: فكيف تخبروني أنه صديق، وهو يختار الصغير منكم دون الكبير؟ وكيف تخبروني أنه هلك، وبقي قميصه؟ فلو كان اللصوص قتلوه لأخذوا قميصه، ولو كان الذئب أكله لمزق قميصه. فإذا كلامكم متناقض، احبسوهم. ثم قال: إِن كُنتُمْ صادقين في مقالتكم، فخلفوا عندي بعضكم، واتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قالوا: اختر أينا شئت، فارتهن شمعون، ثم أمر يوسف بوفاء كيلهم، فذلك قوله تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يعني: كال لهم كيلهم، وأعطى كل واحد منهم حمل بعير، ثم قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يعني: أفضل من يضيف ويكرم الذي نزل به فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ يعني: بأخيكم فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي

فيما تستقبلون وَلا تَقْرَبُونِ يعني: ولا تستقبلوا إليَّ مرة أخرى، فإني لا أعطي لكم الطعام. قال الزجاج: القراءة بالكسر يعني: بكسر النون وهو الوجه. ويجوز وَلا تَقْرَبُونِ بفتح النون، لأنها نون الجماعة كما قال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] بفتح النون.

قال: ويكون وَلا تَقْرَبُونِ لفظه لفظ الخبر، ومعناه: معنى النهي.

12:61–64Page 242

قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

قوله تعالى: قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ يعني: سنطلب من أبيه أن يبعثه معنا وَإِنَّا لَفاعِلُونَ يعني: لصانعون ذلك فنطلبه من أبيه ليبعثه. ويقال: وإنا لضامنون ذلك وَقالَ لِفِتْيانِهِ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص لِفِتْيانِهِ بالألف والنون، وقرأ الباقون لِفِتَيْتِهِ.

فقال أهل اللغة: الفتيان والفتية بمعنى واحد، وهم الغلمان والخدم. يعني: قال يوسف لغلمانه وقومه الذين يكيلون، يعني: الطعام واجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ يعني: دسوا دراهمهم في رحالهم. يعني: في جواليقهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها يعني: يعرفون كرامتي عليهم إِذَا انْقَلَبُوا يعني: إذا رجعوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الثانية.

قال الفراء: فيها قولان. أحدهما: أن يوسف خاف ألا يكون عند أبيهم دراهم، فجعل البضاعة في رحالهم لعلهم يرجعون، ولا يتأخرون عن الرجوع بسبب الدراهم. والآخر: أنهم إذا عرفوا بضاعتهم وقد اكتالوا الطعام، ردوها عليه ولا يستحلون إمساكها، لأنهم أنبياء الله تعالى لا يستحلون إمساك مال الغير فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فيما نستقبل يعني: الحنطة، وأخبروه بالقصة قالوا: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين نَكْتَلْ يعني: يشتري هو ويكيلون لنا وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من الضيعة حتى نرده إليك. قرأ حمزة والكسائي يَكْتَلْ بالياء، وقرأ الباقون بالنون. فمن قرأ بالياء، يعني: هو يكتال لنفسه، لأنهم كانوا لا يبيعون من كل رجل إلا وقراً واحداً. ومن قرأ بالنون، فمعناه: أن الملك قد أخبر أنه لا كيل لنا في المستقبل، فلو أرسلته معنا، فإنا نكتال منه. فلما أخبروه بذلك قالَ يعقوب عليه السلام هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ يعني: هل أئتمنكم عليه إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ ومعناه: هكذا قلتم لي في أمر يوسف، ولا أقدر أن آخذ عليكم من العهد أكثر ما أخذت عليكم في يوسف من قبل. قرأ ابن مسعود: هل تحفظونه إلا كما حفظتم من قبل أخاه يوسف فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً منكم إن أرسلته معكم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ حين خلصه من الجوع ولا بد من أن أرسله. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حافِظاً بالألف، وقرأ الباقون حفظا بغير ألف، والحافظ الاسم، والحفظ المصدر.

12:65–67Page 243

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1

قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1

وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ يعني: أوعيتهم وجواليقهم وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ يعني:

دراهمهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا لأبيهم يا أَبانا مَا نَبْغِي يعني: ما نكذب، إنه ألطف علينا وأكرمنا هذِهِ بِضاعَتُنا أي: دراهمنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا يعني: نمتار لأهلنا، يعني: مار أهله، وأمار لأهله، إذا حمل إليهم قوتهم من غير بلده، يعني: ابعثه معنا لكي نحمل الطعام لأهلنا وَنَحْفَظُ أَخانا من الضيعة وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي: حمل بعير من أجله.

روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنه كان يقرأ رُدَّتْ إِلَيْنا بكسر الراء، لأن أصله رددت، فأدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ونقل الكسر إلى الراء، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ يعني: سريع، لا حبس فيه إن أرسلته معنا ويقال: ذلك أمر هين الذي نسأل منك.

قالَ لهم يعقوب لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: تعطوني عهداً وثيقاً من الله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ قال الكلبي: إلا أن ينزل بكم أمر من السماء، أو من الأرض. وروى معمر عن قتادة أنه قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. وقال مجاهد: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ يعني: تهلكوا جميعاً. وقال الفراء: إلا أن يأتيكم من أمر الله تعالى ما يعذركم.

فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ يعني: أعطوه عهودهم قالَ يعقوب اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يعني:

كفيلاً. ويقال: شهيداً.

ثم قال تعالى: قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ يعني: قال يعقوب لبنيه حين أرادوا الخروج: يا بني لا تدخلوا من باب واحد، يعني: إذا دخلتم مصر، فلا تدخلوا من سكة واحدة، ومن طريق واحد. ويقال: من درب واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ يعني: من سكك متفرقة، ومن طرق شتى، لكي لا يظن بكم أحد أنكم جواسيس. ويقال: خاف يعقوب عليهم العين لجمالهم وقوتهم، وهم كلهم بنو رجل واحد. فإن قيل: أليس هذا بمنزلة الطيرة، وقد نهي عن الطيرة؟ قيل له: لا، ولكن أمر العين حق. وروي عن رسول الله ﷺ: «أنه كان يرقي من العين، ويتعوذ منها للحسن والحسين» .

ثم قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: من قضاء الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ يعني: ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ إن شاء أصابكم العين، وإن شاء لم يصبكم. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري وأمركم إليه وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يعني: فليثق الواثقون.

12:68Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ من السكك المتفرقة مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: حذرهم لا يغني من قضاء الله مِن شَىْء، يعني: إن العين لو قدرت أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم وهم مجتمعون.

ثمّ قال: إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ يعني: حزازة في قلبه، وهي الحزن قَضاها يعني: أبداها وتكلم بها. ويقال: معناه لكن لحاجة في نفس يعقوب قضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ يعني: علم يعقوب أنه لا يصيبهم إلا ما أراد الله تعالى وقدر عليهم. وعلم أن دخولهم في سكك متفرقة لا ينفعهم من قضاء الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ. ويقال: معناه أنه عالم بما علمناه، ويقال: لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي: لتعليمنا إياه. ويقال: لذو حظ لما علمناه.

ثم قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أنه لا يصيبهم إلا ما قدر الله تعالى عليهم.

12:69–75Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣

They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤

They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"

قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."

قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ يعني: إخوته اوَى إِلَيْهِ أَخاهُ يعني: ضمّ إليه أخاه بنيامين قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال بعضهم: أخبره في السر أنه أخوه. وقال بعضهم: لم يخبره، ولكن معناها: إني لك كأخيك الهالك. فأنزلهم يوسف منزلاً، وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل أتاهم بالفرش، وقال: لينام كل أخوين منكم على فراش واحد. ففعلوا، وبقي الغلام وحده فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات معه يوسف، يشم ريحه.

ويقال: لما كان عند الطعام، أمر كل اثنين أن يأكلا في قصعة واحدة، وبقي بنيامين وحده، فبكى وقال: لو كان أخي في الأحياء، لأكلت معه. فقال له يوسف: إني أنا أخوك، يعني: بمنزلة أخيك فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول: لا تحزن بما يعيرون يوسف وأخاه بشيء.

قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يعني: كال لهم كيلهم جَعَلَ السِّقايَةَ يعني:

وضع ودس الإناء فِي رَحْلِ أَخِيهِ بنيامين فخرجوا وحملوا الطعام، وذهبوا. فخرج يوسف على أثرهم حتى أدركهم ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ يعني: نادى منادٍ بينهم، واسم المنادي أفرايم من فتيان يوسف. قال: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ إناء الملك، فانقطعت ظهورهم، وساء ظنهم.

قوله تعالى: قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ يعني: وأقبلوا إليهم وقالوا: مَّاذَا تَفْقِدُونَ يعني:

ماذا تطلبون قالُوا يعني: قال المنادي والغلمان نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ قال قتادة: صُواعَ إناء الملك الذي يشرب فيه. وقال عكرمة: هو إناء من فضة [[عزاه السيوطي: 4/ 559 إلى ابن جرير وأبي الشيخ.]] . وقال سعيد بن جبير: هو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، وكانت الأعاجم تشرب فيه [[عزاه السيوطي: 4/ 559 إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] . وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «كان إناء من فضة مثل المكوك، وكان للعباس واحد منها في الجاهلية» .

وروي عن أبي هريرة أنه قرأ: صاع الملك يعني: الصاع الذي يكال به الحنطة [[عزاه السيوطي: 4/ 559 إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري.]] . وقرأ بعضهم: صوع الملك. وقرأ يحيى بن عمرو صوغ الملك بالغين. يعني: إناء مصوغاً.

وقراءة العامة: صُوَاعَ الملك يعني: الإناء وهي المشربة من فضة. وكان الشرب في إناء الفضة مباحاً في الشريعة الأولى، وأما في شريعتنا فالشراب في إناء الفضة حرام.

ثم قال: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ يعني: قال المنادي: من جاء بالصوع فله حمل بعير من بر، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي أنا كفيل بتسليم ذلك إليه، لأن الملك يتهمني في ذلك. قالُوا أي: أخوة يوسف تَاللَّهِ والله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يعني: ما جئنا لنعمل بالمعاصي في أرض مصر، ونخون أحداً. وَما كُنَّا سارِقِينَ وكان الحكم في أرض مصر للسارق: الضرب والتضمين، وكان الحكم بأرض كنعان: أنهم يأخذون السارق ويسترقونه، ففوضوا الحكم إلى بني يعقوب ليحكموا بحكم بلادهم قالُوا يعني: المؤذن وأصحابه لأولاد يعقوب فَما جَزاؤُهُ يعني: فما جزاء السارق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا يعني: إخوة يوسف جَزاؤُهُ يعني: عقابه مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ يعني: في وعائه فَهُوَ جَزاؤُهُ يعني: الاستعباد جزاء سرقته كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يعني: هكذا نعاقب السارق في سنة آل يعقوب.

12:76–77Page 244

فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1

۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."

ثمّ قال: فَبَدَأَ يعني: المنادي، ويقال: يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ يعني: أوعية إخوته، وطلب في أوعيتهم قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ فلم يجد فيها شيئا. وروى معمر عن قتادة أنه قال: كلما فتح متاع رجل، استغفر الله تائباً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، قالوا: بلى، فاستبرأه، فطلب، فوجد فيه، فاستخرجها من وعاء أخيه، فلما استخرجت من رحله انقطعت ظهور القوم وتحيروا وقالوا: يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاءً ما لقينا من ابني راحيل. فقال بنيامين: بل لقي ابنا راحيل منكم. فأما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم، وأما أنا فسرقتموني. قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟ قال: الذي جعل الدراهم في متاعكم.

فسكتوا، فذلك قوله ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يعني: كذلك صنعنا ليوسف، والكيد: الحيلة. يعني: كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة.

ثم قال: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ يعني: في قضاء ملك مصر، لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته. ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه. ويقال: ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم، إلا بمشيئة الله تعالى. ويقال: إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف. ثم قال: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: من نشاء بالفضائل.

وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ بتنوين التاء. وقرأ الباقون: درجات مَّن نَّشَاء بغير تنوين، على معنى الإضافة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يعني: ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى. وروى وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، أن رجلاً سأل علياً عن مسألة. فقال فيها قولاً، فقال الرجل: ليس هو كذا، ولكنه كذا. فقال: عليّ «أصبتَ وأخطأت» وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وروي عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدث بحديث، فقال رجل عنده: الحمد لله وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى هو العالم، وهو فوق كل عالم» .

ثم قال تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ يعني: قال إخوة يوسف: إن يسرق بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون: يوسف فَأَسَرَّها يُوسُفُ يعني: فأضمر الكلمة يوسف فِي نَفْسِهِ أي في قلبه وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ يعني: لم يعلن لهم جواباً قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً من يوسف، لأن يوسف سرق الوثن، وأنتم تسرقون الصواع. وذلك أن يوسف كان سرق صنماً من ذهب، من خاله لاوي، وقال قتادة: ذكر لنا أنه سرق صنماً، كان لجده أبي أمه، فعيّروه بذلك.

قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً لأن سرقتكم قد ظهرت، وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم، ولا ندري أنتم صادقون في مقالتكم أم لا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ يعني: بما تقولون. وروى عكرمة عن ابن عباس. قال: «عوقب يوسف ثلاث مرات: حين همّ بها فسجن. وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وحين قال: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فردوا عليه وقالوا: فقد سرق أخ له من قبل» .

12:78–81Page 244

قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨

They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩

He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.

ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١

Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1

قوله تعالى: قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً يعني: ضعيفاً حزيناً على ابن له مفقود فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ رهناً إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إن فعلت ذلك إلينا، فقد أحسنت إلينا الإحسان كله. ويقال: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلى من أتاك من الآفاق فأحسن إلينا. فقال يوسف عليه السلام: قالَ مَعاذَ اللَّهِ يعني: أعوذ بالله أَنْ نَأْخُذَ رهناً إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ لو أخذنا غيره.

قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يعني: أيسوا من بنيامين أن يرد عليهم، ويقال: أيسوا من الملك أن يقضي حاجتهم خَلَصُوا نَجِيًّا يعني: اعتزلوا يتناجون بينهم، ليس فيهم غيرهم.

قالَ كَبِيرُهُمْ يعني: كبيرهم في العقل وهو يهوذا. ولم يكن أكبرهم في السن، وهذا في رواية الكلبي ومقاتل. وقال في قوله تعالى: كَبِيرُهُمْ أي: أعلمهم وهو شمعون، وكان رئيسهم.

وقال في قوله تعالى: كَبِيرُهُمْ أي كَبِيرُهُمْ في السن روبيل، وهو الذي أشار إليهم ألا يقتلوه أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: عهداً من الله في هذا الغلام لَتَأْتُنَّنِي بِهِ أي: لتردنه إليَّ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ يعني: ما تركتم وضيعتم العهد في أمر يوسف من قبل هذا الغلام فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يعني: فلن أترك أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أي: حتى يبعث إليَّ أحداً أن آتيه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي فيرد عليّ أخي بنيامين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ يعني: أعدل العادلين، وأفصل الفاصلين.

وروى أسباط، عن السدي. أنه قال: كان بنو يعقوب إذا غضبوا، لم يطاقوا. فغضب روبيل، فقال: أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا تبقى امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها، وقامت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه. وقال ابن عباس: «كان يهوذا إذا غضب وصاح، لم تسمع صوته امرأة حامل إلا وضعت حملها، وتقوم كل شعرة في جسده، فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فيسكن. فقال يوسف لابن له صغير: اذهب وضع يدك عليه، فذهب ووضع يده عليه، فسكن غضبه، فقال: إن في هذا الدار أحداً من آل يعقوب» .

ثم قال لإخوته: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ يعني: قال يهوذا فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ أي: سرق الصواع، يعني: إناء الملك. وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ بضم السين وكسر الراء مع التشديد، يعني: اتهم بالسرقة وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي: وما قلنا إلا ما رأينا حين أخرج من رحله وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ يعني: وما كنا نرى أنه سرق، ولو علمنا ما ذهبنا به. ويقال: إنا لم نطلع على أنه سرق، ولكنهم سرّقوه.

12:82–84Page 245

وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"

قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."

وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2

قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعني: سل أهل القرية. قال الكلبي: وهي قرية من قرى مصر. ويقال: هي مصر بعينها. ويقال: هو المنزل الذي أذن المؤذن فيه، إنكم لسارقون وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها يعني: سل أهل العير الذين كانوا معنا من أرض كنعان وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا. فرجعوا إلى يعقوب بذلك القول، فاتهمهم يعقوب فقال: كلما خرجتم من عندي، نقصتم واحداً، ذهبتم مرة فنقصتم يوسف. وذهبتم مرة فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن ونقصتم بنيامين، فقد صرتم كالذئاب يأكل بعضهم بعضاً.

ثم قال تعالى: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يعني: قال يعقوب: اشتهت وزينت لكم قلوبكم أَمْراً فصنعتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل حسن، من غير جزع، لا أشكو فيه إلى أحد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعني: لعل الله أن يرد عليّ يوسف ويهوذا وبنيامين إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بمكانهم الْحَكِيمُ أن يحكم بردّهم عليّ.

قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عن بنيه وخرج عنهم وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ يعني: يا حزنا على يوسف، والأسف: أشد الحسرة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ يعني: من البكاء فَهُوَ كَظِيمٌ يعني: مغموماً مكروباً، يتردد الحزن في جوفه. والكظيم والكاظم بمعنى واحد، مثل القدير والقادر. وهو الممسك على حزنه، لا يظهره ولا يشكوه.

وروي عن الحسن أنه قال: مكث يعقوب ثمانين سنة ما تجف دموعه، ولا يفارق قلبه الحزن يوماً، وما كان على الأرض يومئذٍ أحد أكرم على الله منه. قال: وألقي يوسف في الجب وهو يومئذٍ ابن سبع سنين، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ما جمع الله شمله ثلاثاً وعشرين سنة. وروي عن ابن عباس أنه قال: «غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة» . وقال سعيد بن جبير: ما أعطيت أمة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 156] غير هذه الأمة، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال: لو أن الله أدخلني الجنة، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه، حيث لم يكتب إليه كتابا، ولم يعلمه حاله، ليسكن ما به من الغم.

12:85–87Page 245

قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥

They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.

يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."

قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ يعني: أن بنيه قالوا ليعقوب: لا تزال تذكر يوسف حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي: دنفاً من الوجع. ويقال: حتى تبلى وتهرم. وقال القتبي: لا تحذف من الكلام، ويراد به إثباتها، لقوله تَفْتَؤُا أي: لا تفتأ، أي لا تزال تذكر يوسف كقوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: 2] أي: لكيلا تحبط أعمالكم حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً.

وقال الربيع بن أنس: حتى تكون بالياً، يابس الجلد، وقال محمد بن إسحاق: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً يعني: لا عقل لك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ يعني: من الميتين. وقال مجاهد:

الحرض ما دون الموت، والهالك الميت الَ

يعقوب نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي

يعني: همي وغمي لَى اللَّهِ

لما رأى من فظاظتهم، وسوء لفظهم، ولا أشكو ذلك إليكم. وقال القتبي:

البث أشد الحزن، إنما سمي الحزن البث، لأن صاحبه لا يصبر عليه، حتى يبثه أي: يفشوه.

ثم قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

أن يوسف حي، وليس بميت. وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف، حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً، أن ذلك سيكون. ويقال:

إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام، وسأله: هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟ قال: لا، ولكن هو في الدنيا حي، فلذلك قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

ثم قال تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يعني: انطلقوا إلى مصر، فاطلبوا خبر يوسف وَأَخِيهِ قالوا له: أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره، وأما يوسف فإنه ميت، وإنا لا نطلب الأموات. فقال لهم يعقوب: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يعني: لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ يعني: الجاحدين لنعمة الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском