Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:13–18
2:13Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.
إذا قِيلَ لِلْمُنافِقِينَ: آمِنُوا كَما آمَنَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أجابُوا بِأحْمَقِ جَوابٍ وأبْعَدِهِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَنَسَبُوا إلى المُؤْمِنِينَ السَّفَهَ اسْتِهْزاءً واسْتِخْفافًا، فَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ إلى تَسْجِيلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ بِأبْلَغِ عِبارَةٍ وآكَدِ قَوْلٍ.
وحَصَرَ السَّفاهَةَ وهي رِقَّةُ الحُلُومِ وفَسادُ البَصائِرِ وسَخافَةُ العُقُولِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَلِكَ إمّا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، تَنْزِيلًا لِإصْرارِهِمْ عَلى السَّفَهِ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ عَلَيْهِ وأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هُنا السَّفَهَ ناسَبَهُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهُ لا يَتَسافَهُ إلّا جاهِلٌ.
والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إيمانًا كَإيمانِ النّاسِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ (p-٣٢)أيْ صَدِّقُوا كَما صَدَّقَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ ورَسُولٌ، وأنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ حَقٌّ، ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ يَعْنُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ يَقُولُ: الجُهّالُ: ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ: لا يَعْقِلُونَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَساكِرَ في تارِيخِهِ بِسَنَدٍ واهٍ أنَّهُ قالَ: آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ.
ورَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَهُودِ: أيْ إذا قِيلَ لَهم: يَعْنِي اليَهُودَ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ.
2:14–15Page 3
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.
لَقُوا أصْلُهُ لَقْيُوا، نُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى القافِ وحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
ومَعْنى لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ: اسْتَقْبَلْتُهُ قَرِيبًا.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ لاقُوا، وأصْلُهُ لاقَيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا.
ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وخَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ: إذا انْفَرَدْتُ بِهِ.
وإنَّما عُدِّيَ بِإلى وهو يَتَعَدّى بِالباءِ فَيُقالُ: خَلَوْتُ بِهِ لا خَلَوْتُ إلَيْهِ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ذَهَبُوا وانْصَرَفُوا.
والشَّياطِينُ جَمْعُ شَيْطانٍ عَلى التَّكْسِيرِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُ سِيبَوَيْهِ في نُونِ الشَّيْطانِ فَجَعَلَها في مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ أصْلِيَّةً وفي آخِرَ زائِدَةً، فَعَلى الأوَّلِ هو مِن شَطَنَ أيْ بَعُدَ عَنِ الحَقِّ، وعَلى الثّانِي مِن شَطَّ: أيْ بَعُدَ أوْ شاطَ: أيْ بَطَلَ، وشاطَ: أيِ احْتَرَقَ، وأشاطَ: إذا هَلَكَ، قالَ: وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ أيْ يَهْلِكُ.
وقالَ آخَرُ:
؎وأبْيَضَ ذِي تاجٍ أشاطَتْ رِماحُنا لِمُعْتَرَكٍ بَيْنَ الفَوارِسِ أقْتَما
أيْ أهْلَكَتْ.
وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلانٌ: إذا فَعَلَ أفْعالَ الشَّياطِينِ.
ولَوْ كانَ مِن شاطَ لَقالُوا: تَشَيَّطَ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎أيُّما شاطِنٌ عَصاهُ عَكا ∗∗∗ هُ ورَماهُ في السِّجْنِ والأغْلالِ
وقَوْلُهُ: ( إنّا مَعَكم ) مَعْناهُ مُصاحِبُوكم في دِينِكم ومُوافِقُوكم عَلَيْهِ.
والهُزُؤُ: السُّخْرِيَةُ واللَّعِبُ.
قالَ الرّاجِزُ: قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ ∗∗∗ قالَتْ أراهُ مُعْدَمًا لا مالَ لَهْقالَ في الكَشّافِ: وأصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ، وهَزَأ يَهْزَأُ: ماتَ عَلى المَكانِ.
عَنْ بَعْضِ العَرَبِ مَشَيْتُ فَلَغِبْتُ فَظَنَنْتُ لَأهْزَأنَّ عَلى مَكانِي، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ: أيْ تُسْرِعُ وتَخَفُّ انْتَهى.
وقِيلَ: أصْلُهُ الِانْتِقامُ، قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَهْزَءُوا مِنهم بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهم وسْطَ الصَّحاصِحِ جُثَّمِفَأفادَ قَوْلُهم: إنّا مَعَكم أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ، وأفادَ قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ رَدَّهم لِلْإسْلامِ ورَفَعَهم لِلْحَقِّ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِمْ إنّا مَعَكم: أيْ إذا كُنْتُمْ مَعَنا فَما بالُكم إذا لَقِيتُمُ المُسْلِمِينَ وافَقْتُمُوهم ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ في تِلْكَ المُوافَقَةِ، ولَمْ تَكُنْ بَواطِنُنا مُوافِقَةً لَهم ولا مائِلَةً إلَيْهِمْ.
فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أيْ يُنْزِلُ بِهِمُ الهَوانَ والحَقارَةَ ويَنْتَقِمُ مِنهم ويَسْتَخِفُّ بِهِمُ انْتِصافًا مِنهم لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ ما وقَعَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ عُقُوبَةً ومُكافَأةً مُشاكَلَةً، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا وضَعَتْ لَفْظًا بِإزاءِ لَفْظٍ جَوابًا لَهُ وجَزاءً ذَكَرَتْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُ في مَعْناهُ.
ووَرَدَ في ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرًا، ومِنهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم﴾ [البقرة: ١٩٤] والجَزاءُ لا يَكُونُ سَيِّئَةً.
والقَصاصُ لا يَكُونُ اعْتِداءً لِأنَّهُ حَقٌّ، ومِنهُ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهم﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وهُوَ في السُّنَّةِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» وإنَّما قالَ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لِأنَّهُ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، وهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ وأنْكَأُ لِقُلُوبِهِمْ وأوْجَعُ لَهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ الدّائِمِ الثّابِتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لِما هو مَحْسُوسٌ مِن أنَّ العُقُوبَةَ الحادِثَةَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، والمُتَجَدِّدَةَ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، أشُدُّ عَلى مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ المُسْتَمِرِّ لِأنَّهُ يَأْلَفُهُ ويُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ.
والمَدُّ: الزِّيادَةُ.
قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ مَدَّ في الشَّرِّ وأمَدَّ في الخَيْرِ، ومِنهُ ﴿وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ﴾ [الطور: ٢٢] .
وقالَ الأخْفَشُ: مَدَدْتُ لَهُ إذا تَرَكْتُهُ، وأمْدَدْتُ: إذا أعْطَيْتُهُ.
وقالَ الفَرّاءُ واللِّحْيانِيُّ: مَدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِن مِثْلِهِ، يُقالُ: مَدَّ النَّهْرُ، ومِنهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] وأمْدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ والغُلُوُّ في الكُفْرِ ومِنهُ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ تَجاوَزَ المِقْدارَ الَّذِي قَدَّرْتُهُ الخُزّانُ، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] أيْ أسْرَفَ في الدَّعْوى حَيْثُ قالَ: أنا ﴿رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
والعَمِهُ والعامِهُ: الحائِرُ المُتَرَدِّدُ، وذَهَبَتْ إبِلُهُ العُمَّهى: إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَتْ، والعَمَهُ في القَلْبِ كالعَمى في العَيْنِ.
قالَ في الكَشّافِ: العَمَهُ مِثْلُ العَمى، إلّا أنَّ العَمى في البَصَرِ والرَّأْيِ، والعَمَهُ في الرَّأْيِ خاصَّةً انْتَهى.
والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ ويُمْهِلُهم كَما قالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] .
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في ﴿طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمُ الَّذِي قَدْ غَمَرَهم يَتَرَدَّدُونَ حَيارى ضُلّالًا لا يَجِدُونَ إلى المَخْرِجِ مِنهُ سَبِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وخَتَمَ عَلَيْها، وأعْمى أبْصارَهم عَنِ الهُدى وأغْشاها، فَلا يُبْصِرُونَ رُشْدًا ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.
وقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ (p-٣٣)والثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ، لِأنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوانَ وهو مَتْرُوكٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وذَكَرَ قِصَّةً وقَعَتْ لَهم مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ اليَهُودِ إذا لَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ بَعْضَهم قالُوا: إنّا عَلى دِينِكم ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ وهم إخْوانُهم قالُوا: إنّا مَعَكم عَلى مِثْلِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قالَ: يَسْخَرُ بِهِمْ لِلنِّقْمَةِ مِنهم ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ قالَ: في كُفْرِهِمْ يَعْمَهُونَ قالَ: يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ بِمَعْناهُ وأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِنَحْوِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ قالَ: رُؤَسائِهِمْ في الكُفْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: وإذا خَلَوْا أيْ مَضَوْا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ويَمُدُّهم قالَ: يُمْلِي لَهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ: في كُفْرِهِمْ يَتَمادُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ يَعْمَهُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ يَمُدُّهم يَزِيدُهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قالَ: يَلْعَبُونَ ويَتَرَدَّدُونَ في الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ولِلْإنْسِ شَياطِينٌ ؟ قالَ: نَعَمْ» .
2:16Page 3
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦
Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.
قالَ سِيبَوَيْهِ: صَحَّتِ الواوُ في اشْتَرَوْا فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ الواوِ الأصْلِيَّةِ في نَحْوِ ﴿وألَّوِ اسْتَقامُوا﴾ [الجن: ١٦] .
وقالَ الزَّجّاجُ: حُرِّكَتْ بِالضَّمِّ كَما يُفْعَلُ في نَحْنُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ الواوِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ بِفَتْحِها لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ.
وأجازَ الكِسائِيُّ هَمْزَ الواوِ.
والشِّراءُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِبْدالِ: أيِ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالهُدى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَأمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الشِّراءِ المُعاوَضَةَ كَما هو أصْلُهُ حَقِيقَةً فَلا، لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَيَبِيعُوا إيمانَهم، والعَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ في كُلِّ مَنِ اسْتَبْدَلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُو فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ وأصْلُ الضَّلالَةِ الحَيْرَةُ والجَوْرُ عَنِ القَصْدِ وفَقْدِ الِاهْتِداءِ، وتُطْلَقُ عَلى النِّسْيانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: قالَ ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، وعَلى الهَلاكِ كَقَوْلِهِ: وقالُوا ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] وأصْلُ الرِّبْحِ الفَضْلُ.
والتِّجارَةُ: صِناعَةُ التّاجِرِ، وأسْنَدَ الرِّبْحَ إلَيْها عَلى عادَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: رَبِحَ بَيْعُكَ وخَسِرَتْ صَفْقَتُكَ، وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، وهو إسْنادُ الفِعْلِ إلى مُلابِسٍ لِلْفاعِلِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ المَعانِي.
والمُرادُ: رَبِحُوا وخَسِرُوا.
والِاهْتِداءُ قَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ: أيْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ في شِرائِهِمُ الضَّلالَةَ، وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى أيِ الكُفْرَ بِالإيمانِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أخَذُوا الضَّلالَةَ وتَرَكُوا الهُدى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اسْتَحَبُّوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، قَدْ واللَّهِ رَأيْتُمُوهم خَرَجُوا مِنَ الهُدى إلى الضَّلالَةِ، ومِنَ الجَماعَةِ إلى الفِرْقَةِ، ومِنَ الأمْنِ إلى الخَوْفِ، ومِنَ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ.
2:17–18Page 4
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧
Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].
( مَثَلُهم ) مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ إمّا الكافُ في قَوْلِهِ: ( كَمَثَلِ ) لِأنَّها اسْمٌ: أيْ مَثَلُ مَثَلٍ كَما في قَوْلِ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ ولَنْ تَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ∗∗∗ ورُحْنا بِكابِنِ الماءِ يُجْنَبُ وسْطَناتُصَوَّبُ فِيهِ العَيْنُ طَوْرًا وتَرْتَقِي أرادَ مِثْلَ الطَّعْنِ وبِمِثْلِ ابْنِ الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا: أيْ مَثَلُهم مُسْتَنِيرٌ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ.
والمَثَلُ: الشَّبَهُ، والمِثْلانِ: المُتَشابِهانِ و" الَّذِي " مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الَّذِينَ: أيْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ∗∗∗ وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلَجٍ دِماؤُهُمْهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ ومِنهُ ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ومِنهُ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] .
ووَقُودُ النّارِ: سُطُوعُها وارْتِفاعُ لَهَبِها، اسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ مِثْلُ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، فالسِّينُ والتّاءُ زائِدَتانِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ∗∗∗ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدافَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ يُجِبْهُ.
والإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ، وفِعْلُها يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِيًّا.
و ما حَوْلَهُ قِيلَ: ما زائِدَةٌ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ( أضاءَتْ ) وحَوْلَهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وذَهَبَ مِنَ الذَّهابِ، وهو زَوالُ الشَّيْءِ.
( وتَرَكَهم ) أيْ أبْقاهم ( في ظُلُماتٍ ) جَمْعُ ظُلْمَةٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِإسْكانِ اللّامِ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِ اللّامِ، وهي عَدَمُ النُّورِ.
و( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا " بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقَوْلِهِ ( تَرَكَهم ) .
والصَّمَمُ: الِانْسِدادُ، يُقالُ قَناةٌ صَمّاءُ: إذا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً، وصَمَمْتُ القارُورَةَ: إذا سَدَدْتُها، وفُلانٌ أصَمُّ: إذا انْسَدَّتْ خُرُوقُ (p-٣٤)مَسامِعِهِ.
والأبْكَمُ: الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَفْهَمُ، فَإذا فَهِمَ فَهو الأخْرَسُ.
وقِيلَ: الأخْرَسُ والأبْكَمُ واحِدٌ.
والعَمى: ذَهابُ البَصَرِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: فَهم لا يَرْجِعُونَ أيْ إلى الحَقِّ، وجَوابُ لَمّا في قَوْلِهِ فَلَمّا أضاءَتْ، قِيلَ هو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: طَفِئَتْ فَبَقُوا حائِرِينَ.
وعَلى الثّانِي فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا أوْ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ.
ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْمُنافِقِينَ لِبَيانِ أنَّ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ مَعَ ما يُبْطِنُونَهُ مِنَ النِّفاقِ لا يَثْبُتُ لَهم بِهِ أحْكامُ الإسْلامِ، كَمَثَلِ المُسْتَوْقِدِ الَّذِي أضاءَتْ نارُهُ ثُمَّ طَفِئَتْ، فَإنَّهُ يَعُودُ إلى الظُّلْمَةِ ولا تَنْفَعُهُ تِلْكَ الإضاءَةُ اليَسِيرَةُ، فَكانَ بَقاءُ المُسْتَوْقِدِ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ كَبَقاءِ المُنافِقِ في حَيْرَتِهِ وتَرَدُّدِهِ.
وإنَّما وُصِفَتْ هَذِهِ النّارُ بِالإضاءَةِ مَعَ كَوْنِها نارَ باطِلٍ لِأنَّ الباطِلَ كَذَلِكَ تَسْطَعُ ذَوائِبُ لَهَبِ نارِهِ لَحْظَةً ثُمَّ تَخْفُتُ.
ومِنهُ قَوْلُهم: لِلْباطِلِ صَوْلَةٌ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَماءِ البَلاغَةِ أنَّ لِضَرْبِ الأمْثالِ شَأْنًا عَظِيمًا في إبْرازِ خَفِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ أسْتارِ مُحَجَّباتِ الدَّقائِقِ ولِهَذا اسْتَكْثَرَ مِن ذَلِكَ في كِتابِهِ العَزِيزِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ مِن ذَلِكَ في مُخاطَباتِهِ ومَواعِظِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَؤُلاءِ المَضْرُوبَ لَهُمُ المَثَلُ هاهُنا لَمْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] .
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الصَّوابَ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْهم في حالِ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهُ كانَ حَصَلَ لَهم إيمانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سُلِبُوهُ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] .
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَحَّ ضَرْبُ مَثَلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ كَدَوَرانِ عَيْنَيِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أه.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُنافِقِينَ كانُوا يَعْتَزُّونَ بِالإسْلامِ فَيُناكِحُهُمُ المُسْلِمُونَ ويُوارِثُونَهم ويُقاسِمُونَهُمُ الفَيْءَ، فَلَمّا ماتُوا سَلَبَهُمُ اللَّهُ العِزَّ كَما سَلَبَ صاحِبَ النّارِ ضَوْءَهُ ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: في عَذابٍ ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) فَهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يُبْصِرُونَهُ ولا يَعْقِلُونَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالُوا: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ ثُمَّ نافَقُوا، فَكانَ مَثَلُهم كَمَثَلِ رَجُلٍ كانَ في ظُلْمَةٍ فَأوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ ما حَوْلَهُ مِن قَذًى وأذًى فَأبْصَرَهُ حَتّى عَرَفَ ما يَتَّقِي، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ طَفِئَتْ نارُهُ فَأقْبَلَ لا يَدْرِي ما يَتَّقِي مِن أذًى.
فَكَذَلِكَ المُنافِقُ كانَ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ فَأسْلَمَ فَعَرَفَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ كَفَرَ فَصارَ لا يَعْرِفُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ ولا الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَهم صُمٌّ بُكْمٌ هُمُ الخُرْسُ، فَهم لا يَرْجِعُونَ إلى الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ قالَ: ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُنافِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ قالَ: أمّا النُّورُ فَهو إيمانُهُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، وأمّا الظُّلْمَةُ فَهو ضَلالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences