Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:159–167
2:159–163Page 24
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩
Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠
Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣
And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِي يَكْتُمُ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، واخْتَلَفُوا مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَّصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كُلُّ مَن كَتَمَ الحَقَّ وتَرَكَ بَيانَ ما أوْجَبَ اللَّهُ بَيانَهُ، وهو الرّاجِحُ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ الكَتْمِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن كَتَمَ الحَقَّ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَإنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ مِن عِبادِهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ إلى الغايَةِ الَّتِي لا تُلْحَقُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَتْمُ غَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «" حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ راجِعٌ إلى ﴿ما أنْزَلْنا﴾، والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ، وتَعْرِيفُهُ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الجِنُّ، وقِيلَ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ إلَخْ، فِيهِ اسْتِثْناءُ التّائِبِينَ والمُصْلِحِينَ لِما فَسَدَ مِن أعْمالِهِمْ، والمُبَيِّنِينَ لِلنّاسِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، لِأنَّ حالَهُ عِنْدَ الوَفاةِ لا يُعْلَمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن لَعْنِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالوَحْيِ ما لا نَعْلَمُ، وقِيلَ: يَجُوزُ لَعْنُهُ عَمَلًا بِظاهِرِ الحالِ كَما يَجُوزُ قِتالُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ في ذَلِكَ.
قالَ: ولَيْسَ لَعْنُ الكافِرِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُ عَنِ الكُفْرِ، بَلْ هو جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ وإظْهارُ قُبْحِ كُفْرِهِ سَواءٌ كانَ الكافِرُ عاقِلًا أوْ مَجْنُونًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن جُنَّ أوْ ماتَ مِنهم لا بِطَرِيقِ الجَزاءِ ولا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ بِلَعْنِهِمْ (p-١٠٦)لا عَلى الأمْرِ بِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ لَعْنَ العاصِي المُعَيَّنِ لا يَجُوزُ بِاتِّفاقٍ، لِما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشارِبِ خَمْرٍ مِرارًا، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ: لَعَنَهُ اللَّهُ ما أكْثَرَ ما يَشْرَبُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكم» والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قِيلَ: هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فَفي النّاسِ المُسْلِمُ والكافِرُ، ومَن يَعْلَمُ بِالعاصِي ومَعْصِيَتِهِ ومَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَتَأتّى اللَّعْنُ لَهُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا، والمُرادُ أنَّهُ يَلْعَنُهُ غالِبُ النّاسِ أوْ كُلُّ مَن عَلِمَ بِمَعْصِيَتِهِ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ، وقِيلَ: في اللَّعْنَةِ.
والإنْظارُ: الإمْهالُ، وقِيلَ: مَعْنى لا يُنْظَرُونَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَهو مِنَ النَّظَرِ، وقِيلَ: هو مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فِيهِ الإرْشادُ إلى التَّوْحِيدِ وقَطْعِ عَلائِقِ الشِّرْكِ، والإشارَةُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ بَيانُهُ ويَحْرُمُ كِتْمانُهُ هو أمْرُ التَّوْحِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلَمَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ نَفَرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لِكَتْمِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: «إنِ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ»، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوابَّ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّ دَوابَّ الأرْضِ والعَقارِبَ والخَنافِسَ يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءِ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ العِلْمِ والوَعِيدِ لِفاعِلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، وبَيَّنُوا الَّذِي جاءَهم مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَجْحَدُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: ألّا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ» .
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الدّالِّ عَلَيْهِ، وهو هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ صَنْعَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، مَعَ عِلْمِ كُلِّ عاقِلٍ بِأنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ مِن أحَدٍ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي أثْبَتَها الكُفّارُ أنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنها، أوْ يَقْتَدِرَ عَلَيْهِ أوْ عَلى بَعْضِهِ، وهي خَلْقُ السَّماواتِ، وخَلْقُ الأرْضِ، وتَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وجَرْيُ الفُلْكِ في البَحْرِ، وإنْزالُ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، وإحْياءُ الأرْضِ بِهِ، وبَثُّ الدَّوابِّ مِنها بِسَبَبِهِ، وتَصْرِيفُ الرِّياحِ، فَإنَّ مَن أمْعَنَ نَظَرَهُ وأعْمَلَ فِكْرَهُ في واحِدٍ مِنها انْبَهَرَ لَهُ، وضاقَ ذِهْنُهُ عَنْ تَصَوُّرِ حَقِيقَتِهِ.
وتَحَتَّمَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِأنَّ صانِعَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنَّما جَمَعَ السَّماواتِ لِأنَّها أجْناسٌ مُخْتَلِفَةٌ، كُلُّ سَماءٍ مِن جِنْسٍ غَيْرِ جِنْسِ الأُخْرى، ووَحَّدَ الأرْضَ لِأنَّها كُلَّها مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو التُّرابُ.
والمُرادُ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما بِإقْبالِ أحَدِهِما وإدْبارِ الآخَرِ، وإضاءَةِ أحَدِهِما وإظْلامِ الآخَرِ.
والنَّهارُ: ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: أوَّلُ النَّهارِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ولا يُعَدُّ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّهارِ.
وكَذا قالَ ثَعْلَبٌ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎والشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَمْراءَ يُصْبِحُ لَوْنُها يَتَوَرَّدُ
وكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقَسَّمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الزَّمانَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمًا جَعَلَهُ لَيْلًا مَحْضًا، وهو مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.
وقِسْمًا جَعَلَهُ نَهارًا مَحْضًا، وهو مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها.
وقِسْمًا جَعَلَهُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ النَّهارِ واللَّيْلِ، وهو ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِبَقايا ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ومَبادِئِ ضَوْءِ النَّهارِ.
هَذا بِاعْتِبارِ مُصْطَلَحِ أهْلِ اللُّغَةِ.
وأمّا في الشَّرْعِ فالكَلامُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ.
والفُلْكُ: السُّفُنُ، وإفْرادُهُ وجَمْعُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو هَذا، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ (p-١٠٧)وقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وقِيلَ: واحِدُهُ فَلَكٌ بِالتَّحْرِيكِ، مِثْلَ أُسْدٍ وأسَدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً أيْ بِالَّذِي يَنْفَعُهم، أوْ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِنَفْعِهِمْ، والمُرادُ بِما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ المَطَرُ الَّذِي بِهِ حَياةُ العالَمِ وإخْراجُ النَّباتِ والأرْزاقُ.
والبَثُّ: النَّشْرُ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: بَثَّ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَأحْيا لِأنَّهُما أمْرانِ مُتَسَبَّبانِ عَنْ إنْزالِ المَطَرِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ الظّاهِرَ عَطْفُهُ عَلى أنْزَلَ.
والمُرادُ بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ: إرْسالُها عَقِيمًا، ومُلَقِّحَةً وصِرًّا، ونَصْرًا، وهَلاكًا، وحارَّةً، وبارِدَةً، ولَيِّنَةً، وعاصِفَةً، وقِيلَ: تَصْرِيفُها إرْسالُها جَنُوبًا، وشَمالًا، ودَبُورًا، وصَبًا، ونَكْبًا، وهي الَّتِي تَأْتِي بَيْنَ مَهَبَّيْ رِيحَيْنِ، وقِيلَ: تَصْرِيفُها أنْ تَأْتِيَ السُّفُنَ الكِبارَ بِقَدْرِ ما تَحْمِلُها والصِّغارَ كَذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّصْرِيفِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.
والسَّحابُ سُمِّيَ سَحابًا لِانْسِحابِهِ في الهَواءِ، وسَحَبْتُ ذَيْلِي سَحْبًا وتَسَحَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ: اجْتَرَأ.
والمُسَخَّرُ: المُذَلَّلُ، وسَخَّرَهُ: بَعَثَهُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، وقِيلَ تَسْخِيرُهُ: ثُبُوتُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن غَيْرِ عَمَدٍ ولا عَلائِقَ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآياتُ: الدَّلالاتُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لِمَن يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ ويَتَفَكَّرُ بِعَقْلِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا نَتَقَوّى بِهِ عَلى عَدُوِّنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي مُعْطِيهِمْ فَأجْعَلُ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنْ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهم عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَقالَ: رَبِّ دَعْنِي وقَوْمِي فَأدْعُوهم يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ والفِرْيابِيُّ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ «عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ عَجِبَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: اللَّيْلُ مُوَكَّلٌ بِهِ مَلَكٌ يُقالُ لَهُ شَراهِيلُ، فَإذا حانَ وقْتُ اللَّيْلِ أخَذَ خَرَزَةً سَوْداءَ فَدَلّاها مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فَإذا نَظَرَتْ إلَيْها الشَّمْسُ وجَبَتْ في أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، وقَدْ أُمِرَتِ الشَّمْسُ أنْ لا تَغْرُبَ حَتّى تَرى الخَرَزَةَ، فَإذا غَرَبَتْ جاءَ اللَّيْلُ، فَلا تَزالُ الخَرَزَةُ مُعَلَّقَةً حَتّى يَجِيءَ مَلَكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ هَراهِيلُ بِخَرَزَةٍ بَيْضاءَ فَيُعَلِّقُها مِن قِبْلِ المَطْلَعِ، فَإذا رَآها شَراهِيلُ مَدَّ إلَيْهِ خَرَزَتَهُ، وتَرى الشَّمْسُ الخَرَزَةَ البَيْضاءَ، فَتَطْلُعُ، وقَدْ أُمِرَتْ أنْ لا تَطْلُعَ حَتّى تَراها، فَإذا طَلَعَتْ جاءَ النَّهارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿والفُلْكِ﴾ قالَ: السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَثَّ خَلَقَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ قالَ: إذا شاءَ جَعْلَها رَحْمَةً لَواقِحَ لِلسَّحابِ، وبُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وإذا شاءَ جَعْلَها عَذابًا رِيحًا عَقِيمًا لا تُلَقِّحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ فَهي رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهي عَذابٌ.
وقَدْ ورَدَ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ وأوْصافِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالآيَةِ.
2:165–167Page 25
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥
And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧
Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذا الدَّلِيلِ الظّاهِرِ المُفِيدِ لِعَظِيمِ سُلْطانِهِ، وجَلِيلِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ، قَدْ وُجِدَ في النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَعَهُ سُبْحانَهُ نِدًّا يَعْبُدُهُ مِنَ الأصْنامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأنْدادِ، مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأنْدادِ، بَلْ أحَبُّوها حُبًّا عَظِيمًا وأفْرَطُوا في ذَلِكَ إفْراطًا بالِغًا، حَتّى صارَ حُبُّهم لِهَذِهِ الأوْثانِ ونَحْوِها مُتَمَكِّنًا في صُدُورِهِمْ كَتَمَكُّنِ حُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فالمَصْدَرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وهو المُؤْمِنُونَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، أيْ عَبَدَةُ الأوْثانِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ والزَّجّاجُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا المَصْدَرُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ كَما يُحَبُّ اللَّهُ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِدْراكٌ لِما يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ مِنَ التَّساوِي، أيْ أنَّ حُبَّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ أشَدُّ مِن حُبِّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَخُصُّونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ والدُّعاءِ، والكَفّارُ لا يَخُصُّونَ أصْنامَهم بِذَلِكَ، بَلْ يُشْرِكُونَ اللَّهَ مَعَهم، ويَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ أصْنامَهم لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ هَذا: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ دَلِيلًا عَلى الثّانِي، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا أشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأنْدادِ هُنا الرُّؤَساءُ، أيْ يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ فَإنَّهُ لِمَن يَعْقِلُ، ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ عَقِبَ ذَلِكَ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ وأبِي عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.
وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشّامِ بِالفَوْقِيَّةِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: لَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا في الدُّنْيا عَذابَ الآخِرَةِ لَعَلِمُوا حِينَ يُرُونَهُ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ. انْتَهى.
وعَلى هَذا فالرُّؤْيَةُ هي البَصَرِيَّةُ لا القَلْبِيَّةُ.
ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: هَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي جاءَ بِهِ أبُو عُبَيْدٍ بِعِيدٌ، ولَيْسَتْ عِبارَتُهُ فِيهِ (p-١٠٨)بِالجَيِّدَةِ، لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ، فَكَأنَّهُ يَجْعَلُهُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وقَدْ أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى، ولَكِنَّ التَّقْدِيرَ وهو الأحْسَنُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، ويَرى بِمَعْنى يَعْلَمُ، أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ قُوَّةِ اللَّهِ وشِدَّةَ عَذابِهِ.
قالَ: وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ، أيْ لَتَبَيَّنُوا ضَرَرَ اتِّخاذِهِمُ الآلِهَةَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ومَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وفَزَعِهِمْ مِنهُ لَعَلِمْتَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ ولَكِنْ خُوطِبَ بِهَذا الخِطابِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، أيْ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمًا
أيْ لِادِّخارِهِ، والمَعْنى: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ لَعَلِمْتَ مَبْلَغَهم مِنَ النَّكالِ. ودَخَلَتْ " إذْ " وهي لِما مَضى في إثْباتِ هَذِهِ المُسْتَقْبَلاتِ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذْ يُرَوْنَ " بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ " إنَّ القُوَّةَ " و" إنَّ اللَّهَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ السّادَةَ والرُّؤَساءَ تَبَرَّءُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: يَعْنِي التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ، قِيلَ: عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا، وقِيلَ: عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِما جَمِيعًا إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ هي جَمْعُ سَبَبٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشَّيْءُ ويُجْذَبُ بِهِ، ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ ما جَرَّ شَيْئًا سَبَبًا، والمُرادُ بِها: الوُصَلُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ بِها في الدُّنْيا مِنَ الرَّحِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: هي الأعْمالُ.
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ والعَوْدَةُ إلى حالٍ قَدْ كانَتْ، و" لَوْ " هُنا في مَعْنى التَّمَنِّي كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا كَرَّةً، ولِهَذا وقَعَتِ الفاءُ في الجَوابِ.
والمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ قالُوا: لَوْ رُدِدْنا إلى الدُّنْيا حَتّى نَعْمَلَ صالِحًا ونَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا.
والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ولا أراهُ صَحِيحًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما أراهُمُ اللَّهُ العَذابَ يُرِيهِمْ أعْمالَهم، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَقَوْلُهُ: ﴿حَسَراتٍ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ القَلْبِيَّةَ فَهو المَفْعُولُ الثّالِثُ، والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهُمُ الفاسِدَةَ يُرِيهِمُ اللَّهُ إيّاها فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، أوْ يُرِيهِمُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي أوْجَبَها عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوها فَيَكُونُ ذَلِكَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ، وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلتَّقْوِيَةِ لِغَرَضٍ لَهُ يَرْجِعُ إلى المَذْهَبِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضارَرَةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَ ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّبَيْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهم، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ، والآلِهَةُ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُهم أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشِّرْكِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هي الأرْحامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: هي الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَراتٍ﴾ قالَ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ثابِتِ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences