Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:188–194
2:188Page 29
وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨
And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].
هَذا يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ وجَمِيعَ الأمْوالِ، لا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلّا ما ورَدَ دَلِيلُ الشَّرْعِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أخْذُهُ، فَإنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، ومَأْكُولٌ بِالحِلِّ لا بِالإثْمِ، وإنْ كانَ صاحِبُهُ كارِهًا كَقَضاءِ الدَّيْنِ إذا امْتَنَعَ مِنهُ مَن هو عَلَيْهِ، وتَسْلِيمُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها، ونَفَقَةُ مَن أوْجَبَ الشَّرْعُ نَفَقَتَهُ.
والحاصِلُ أنَّ ما لَمْ يُبِحِ الشَّرْعُ أخْذَهُ مِن مالِكِهِ، فَهو مَأْكُولٌ بِالباطِلِ وإنْ طابَتْ بِهِ نَفْسُ مالِكِهِ: كَمَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوانِ الكاهِنِ، وثَمَنِ الخَمْرِ.
والباطِلُ في اللُّغَةِ: الذّاهِبُ الزّائِلُ.
قَوْلُهُ: وتُدْلُوا مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَأْكُلُوا فَهو مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ عَنْهُ، يُقالُ: أدْلى الرَّجُلُ بِحُجَّتِهِ أوْ بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَّجاحَ بِهِ تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَّلْوَ في البِئْرِ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها، والمَعْنى أنَّكم لا تَجْمَعُوا بَيْنَ أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وبَيْنَ الإدْلاءِ بِها إلى الحُكّامِ بِالحُجَجِ الباطِلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ أنَّ حُكْمَ الحاكِمُ لا يُحَلِّلُ الحَرامَ ولا يُحَرِّمُ الحَلالَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الأمْوالِ والفُرُوجِ، فَمَن يَحْكُمُ لَهُ القاضِي بِشَيْءٍ مُسْتَنِدًا في حُكْمِهِ إلى شَهادَةِ زُورٍ أوْ يَمِينِ فُجُورٍ فَلا يَحِلُّ لَهُ أكْلُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وهَكَذا إذا أرْشى الحاكِمَ فَحَكَمَ لَهُ بِغَيْرِ الحَقِّ فَإنَّهُ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُحَلِّلُ الحَرامَ ولا يُحَرِّمُ الحَلالَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، وهو مَرْدُودٌ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى وبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما في حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ بِشَيْءٍ فَلا يَأْخُذْهُ فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا﴾ أيْ قِطْعَةً أوْ جُزْءًا أوْ طائِفَةً، فَعَبَّرَ بِالفَرِيقِ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ الفَرِيقِ: القِطْعَةُ مِنَ الغَنَمِ تَشِذُّ عَنْ مُعْظَمِها.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لِتَأْكُلُوا أمْوالَ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ بِالإثْمِ، وسُمِّيَ الظُّلْمُ والعُدْوانُ إثْمًا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِفاعِلِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِكم عالِمِينَ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لَيْسَ مِنَ الحَقِّ في شَيْءٍ، وهَذا أشَدُّ لِعِقابِهِمْ وأعْظَمُ لِجُرْمِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا في الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مالٌ ولَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَيَجْحَدُ المالَ ويُخاصِمُ إلى الحُكّامِ وهو يَعْرِفُ أنَّ الحَقَّ عَلَيْهِ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مَعْناها لا تُخاصِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ ظالِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ عابِسٍ وعَبْدانَ بْنَ أشْوَعَ الحَضْرَمِيَّ اخْتَصَما في أرْضٍ، وأرادَ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم﴾ الآيَةَ.
2:189Page 29
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩
They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ سَيَأْتِي بَيانُ مَن هُمُ السّائِلُونَ لَهُ ﷺ، والأهِلَّةُ جَمْعُ هِلالٍ، وجَمْعُها بِاعْتِبارِ هِلالِ كُلِّ شَهْرٍ، أوْ كُلِّ لَيْلَةٍ، تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الأوْقاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ، والهِلالُ اسْمٌ لِما يَبْدُو في أوَّلِ الشَّهْرِ وفي آخِرِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَسْتَدِيرَ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُنِيرَ بِضَوْئِهِ السَّماءَ وذَلِكَ لَيْلَةَ السّابِعِ.
وإنَّما قِيلَ لَهُ: هِلالٌ لِأنَّ النّاسَ يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِالإخْبارِ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ومِنهُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ: إذا صاحَ، واسْتَهَلَّ وجْهُهُ وتَهَلَّلَ: إذا ظَهَرَ فِيهِ السُّرُورُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فِيهِ بَيانُ وجْهِ الحِكْمَةِ في زِيادَةِ الهِلالِ ونُقْصانِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ بَيانِ المَواقِيتِ الَّتِي يُوَقِّتُ النّاسُ عِباداتِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ بِها كالصَّوْمِ والفِطْرِ والحَجِّ ومُدَّةِ الحَمْلِ والعِدَّةِ والإجاراتِ والأيْمانِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ والمَواقِيتُ جَمْعُ المِيقاتِ، وهو الوَقْتُ.
وقِراءَةُ الجُمْهُورِ والحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِها في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَجُّ بِالفَتْحِ كالرَّدِّ والشَّدِّ، وبِالكَسْرِ كالذِّكْرِ مَصْدَرانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ.
وإنَّما أفْرَدَ سُبْحانَهُ الحَجَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مِمّا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ الوَقْتِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّسِيءُ عَنْ وقْتِهِ، ولِعِظَمِ المَشَقَّةِ عَلى مَنِ التَبَسَ عَلَيْهِ وقْتُ مَناسِكِهِ أوْ أخْطَأ وقْتَها أوْ وقْتَ بَعْضِها.
وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ عُلَماءِ المَعانِي هَذا الجَوابَ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ﴾ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوْلى بِالقَصْدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم سَألُوا عَنْ أجْرامِ الأهِلَّةِ بِاعْتِبارِ زِيادَتِها ونُقْصانِها، فَأُجِيبُوا بِالحِكْمَةِ الَّتِي كانَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِأجْلِها لِكَوْنِ ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يَقْصِدَ السّائِلُ، وأحَقُّ بِأنْ يَتَطَلَّعَ لِعِلْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ وجْهُ اتِّصالِ هَذا بِالسُّؤالِ عَنِ الأهِلَّةِ والجَوابِ بِأنَّها مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ: أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا حَجُّوا لا يَدْخُلُونَ مِن أبْوابِ بُيُوتِهِمْ إذا رَجَعَ أحَدُهم إلى بَيْتِهِ بَعْدَ إحْرامِهِ قَبْلَ تَمامِ حَجِّهِ، لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُحْرِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ حائِلٌ، وكانُوا يَتَسَنَّمُونَ ظُهُورَ بُيُوتِهِمْ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ هَذا مِن ضَرْبِ المَثَلِ، والمَعْنى: لَيْسَ البِرُّ أنْ تَسْألُوا الجُهّالَ، ولَكِنَّ البِرَّ التَّقْوى واسْألُوا العُلَماءَ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُ هَذا الأمْرَ مِن بابِهِ، وقِيلَ: هو مَثَلٌ في جِماعِ النِّساءِ، وأنَّهم أُمِرُوا بِإتْيانِهِنَّ في (p-١٢٣)القُبُلِ لا في الدُّبُرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
والبُيُوتُ جَمْعُ بَيْتٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِها.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّقْوى والفَلاحِ، وسَبَقَ أيْضًا أنَّ التَّقْدِيرَ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ عَثْمَةَ.
وهُما رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو ويَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدِقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ في حِلِّ دَيْنِهِمْ ولِصَوْمِهِمْ ولِفِطْرِهِمْ وعِدَدِ نِسائِهِمْ والشُّرُوطِ الَّتِي إلى أجَلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الأهِلَّةِ لِمَ جُعِلَتْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةَ، فَجَعَلَها لِصَوْمِ المُسْلِمِينَ ولِإفْطارِهِمْ ولِمَناسِكِهِمْ وحَجِّهِمْ وعِدَدِ نِسائِهِمْ ومَحَلَّ دَيْنِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ نَحْوَهُ.
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَعَلَ اللَّهُ الأهِلَّةَ مَواقِيتَ لِلنّاسِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنَّ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ يَوْمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ والدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا في الجاهِلِيَّةِ أتَوُا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها فَنَزَلَتْ ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى الحُمْسَ، وكانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ في الإحْرامِ، وكانَتِ الأنْصارُ وسائِرُ العَرَبِ لا يَدْخُلُونَ مِن بابٍ في الإحْرامِ، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بُسْتانٍ إذْ خَرَجَ مِن بابِهِ وخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عامِرٍ الأنْصارِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قُطْبَةَ بْنَ عامِرٍ رَجُلٌ فاجِرٌ، وإنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ البابِ، فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: رَأيْتُكَ فَعَلْتَهُ فَفَعَلْتُ كَما فَعَلْتَ، فَقالَ: إنِّي رَجُلٌ أحْمَسِيٌّ، قالَ: فَإنَّ دِينِي دِينُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
2:190–193Page 29
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠
Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١
And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.
فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢
And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣
Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.
لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِتالَ كانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ كانَ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَن عَدا النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ ونَحْوِهم، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ، والمُرادُ بِالِاعْتِداءِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ هو مُقاتَلَةُ مَن يُقاتِلُ مِنَ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ.
والمُرادُ بِهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مُجاوَزَةُ قَتْلِ مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُقالُ: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقَفًا، ورَجُلٌ ثَقِيفٌ: إذا كانَ مُحْكِمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ.
قالَ في الكَشّافِ: والثَّقَفُ وُجُودٌ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، ومِنهُ رَجُلٌ ثَقَفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ. انْتَهى.
ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهم دَواءُ
قَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ انْتَهى.
وقَدِ امْتَثَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَ رَبِّهِ، فَأخْرَجَ مِن مَكَّةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ عِنْدَ أنْ فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ الفِتْنَةُ الَّتِي أرادُوا أنْ يَفْتِنُوكم، وهي رُجُوعُكم إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالإنْسانِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ عِرْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الشِّرْكُ الَّذِي عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ القَتْلَ في الحَرَمِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ الشِّرْكَ الَّذِي هم عَلَيْهِ أشَدُّ مِمّا يَسْتَعْظِمُونَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم إنْ قَتَلُوكم.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الفِتْنَةُ في الدِّينِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، وعَلى أيِّ صُورَةٍ اتَّفَقَتْ، فَإنَّها أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ القِتالُ في الحَرَمِ إلّا بَعْدَ أنْ يَتَعَدّى بِالقِتالِ فِيهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالمُقاتَلَةِ لَهُ، وهَذا هو الحَقُّ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ بِبِناءِ العامِّ عَلى الخاصِّ، فَيُقْتَلُ المُشْرِكُ حَيْثُ وُجِدَ إلّا بِالحَرَمِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» وهو في الصَّحِيحِ.
وقَدِ احْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّسْخِ بِقَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ خَطَلٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي أحَلَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ (p-١٢٤)عَنْ قِتالِكم ودَخَلُوا في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِمُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ إلى غايَةٍ هي أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، وهو الدُّخُولُ في الإسْلامِ، والخُرُوجُ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، فَمَن دَخَلَ في الإسْلامِ وأقْلَعَ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ قِتالُهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها الفِتْنَةُ في الدِّينِ عَلى عُمُومِها كَما سَلَفَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَعْتَدُوا إلّا عَلى مَن ظَلَمَ وهو مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الفِتْنَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ، وإنَّما سُمِّيَ جَزاءُ الظّالِمِينَ عُدْوانًا؛ مُشاكَلَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ( بَراءَةٌ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَقُولُ: الشِّرْكُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ارْتِدادُ المُؤْمِنِ إلى الوَثَنِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَقْتُلَ مُحِقًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ قالَ: حَتّى يَبْدَءُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فَكانَ كَذَلِكَ حَتّى نَسَخَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا في ( بَراءَةٌ ) قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ قالَ: فَإنْ تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَقُولُ: شِرْكٌ بِاللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ ويُخْلِصَ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ، قالَ: الشِّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: حَتّى لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: هم مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
2:194Page 30
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤
[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.
قَوْلُهُ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ إذا قاتَلُوكم في الشَّهْرِ الحَرامِ وهَتَكُوا حُرْمَتَهُ قاتَلْتُمُوهم في الشَّهْرِ الحَرامِ مُكافَأةً لَهم ومُجازاةً عَلى فِعْلِهِمْ.
﴿والحُرُماتُ﴾ جَمْعُ حُرْمَةٍ، كالظُّلُماتِ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، إنَّما جَمَعَ الحُرُماتِ لِأنَّهُ أرادَ الشَّهْرَ الحَرامَ والبَلَدَ الحَرامَ وحُرْمَةَ الإحْرامِ، والحُرْمَةُ: ما مَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ انْتِهاكِهِ.
والقِصاصُ: المُساواةُ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ حُرْمَةٍ يَجْرِي فِيها القِصاصُ، فَمَن هَتَكَ حُرْمَةً عَلَيْكم فَلَكم أنْ تَهْتِكُوا حُرْمَةً عَلَيْهِ قِصاصًا، قِيلَ: وهَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالقِتالِ، وقِيلَ: إنَّهُ ثابِتٌ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يُنْسَخْ، ويَجُوزُ لِمَن تُعُدِّيَ عَلَيْهِ في مالٍ أوْ بَدَنٍ أنْ يَتَعَدّى بِمِثْلِ ما تُعُدِّيَ عَلَيْهِ، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ أُمُورَ القِصاصِ مَقْصُورَةٌ عَلى الحُكّامِ، وهَكَذا الأمْوالُ لِقَوْلِهِ ﷺ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» .
أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وجُمْهُورُ المالِكِيَّةِ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ والقُرْطُبِيُّ، وحَكاهُ الدّاوُدِيُّ عَنْ مالِكٍ، ويُؤَيِّدُهُ «إذْنُهُ ﷺ لِامْرَأةِ أبِي سُفْيانَ أنْ تَأْخُذَ مِن مالِهِ ما يَكْفِيها ووَلَدَها» وهو في الصَّحِيحِ، ولا أصْرَحَ وأوْضَحَ مِن قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّأْكِيدِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ وإنَّما سَمّى المُكافَأةَ اعْتِداءً مُشاكَلَةً كَما تَقَدَّمَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا في سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ وحَبَسَهُ المُشْرِكُونَ عَنِ الدُّخُولِ والوُصُولِ إلى البَيْتِ، وصَدُّوهُ بِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ في ذِي القَعْدَةِ، وهو شَهْرٌ حَرامٌ قاضاهم عَلى الدُّخُولِ مِن قابِلٍ، فَدَخَلَها في السَّنَةِ الآتِيَةِ هو ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ وأقَصَّهُ اللَّهُ مِنهم - نَزَلَتْ في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا ونَحْوُهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ لَيْسَ لَهم سُلْطانٌ بِقَهْرِ المُشْرِكِينَ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَهم بِالشَّتْمِ والأذى، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مَن يَتَجازى مِنهم أنْ يَتَجازى بِمِثْلِ ما أُوتِيَ إلَيْهِ أوْ يَصْبِرُوا ويَعْفُوا، (p-١٢٥)فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأعَزَّ اللَّهُ سُلْطانَهُ، أمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَهُوا في مَظالِمِهِمْ إلى سُلْطانِهِمْ، ولا يَعْدُوا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ كَأهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: يَنْصُرُهُ السُّلْطانُ حَتّى يُنْصِفَهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ، ومَنِ انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ دُونَ السُّلْطانِ فَهو عاصٍ مُسْرِفٌ، قَدْ عَمِلَ بِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ ولَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وأقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي جَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ناسِخَةً مُؤَيِّدَةً لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآياتُ الَّتِي جَعَلَها مَنسُوخَةً ومُؤَكِّدَةً لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ أنَّهُ جَعَلَ السُّلْطانَ لَهُ، أيْ جَعَلَ لَهُ تَسَلُّطًا يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى القاتِلِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ كَما قالَهُ لَكانَ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِلْقَتْلِ مِن عُمُومِ الآياتِ المَذْكُورَةِ لا ناسِخًا لَها، فَإنَّهُ لَمْ يَنُصَّ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا عَلى القَتْلِ وحْدَهُ، وتِلْكَ الآياتُ شامِلَةٌ لَهُ ولِغَيْرِهِ، وهَذا مَعْلُومٌ مِن لُغَةِ العَرَبِ الَّتِي هي المَرْجِعُ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences