Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:180–187
7:180Page 174
وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠
And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.
. هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ عَلى الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ: أيِ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ لِدَلالَتِها عَلى أحْسَنِ مُسَمًّى وأشْرَفِ مَدْلُولٍ، ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوهُ بِها عِنْدَ الحاجَةِ، فَإنَّهُ إذا دُعِيَ بِأحْسَنِ أسْمائِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ الإجابَةِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وسَيَأْتِي، ويَأْتِي أيْضًا بَيانُ عَدَدِها آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الإلْحادُ: المَيْلُ وتَرْكُ القَصْدِ، يُقالُ: لَحَدَ الرَّجُلُ في الدِّينِ وألْحَدَ: إذا مالَ، ومِنهُ اللَّحْدُ في القَبْرِ لِأنَّهُ في ناحِيَةٍ، وقُرِئَ " يَلْحَدُونَ " وهُما لُغَتانِ، والإلْحادُ في أسْمائِهِ - سُبْحانَهُ - يَكُونُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا بِالتَّغْيِيرِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم أخَذُوا اسْمَ اللّاتِ مِنَ اللَّهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، ومَناةَ مِنَ المَنّانِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلَيْها بِأنْ يَخْتَرِعُوا أسْماءً مِن عِنْدِهِمْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِها، أوْ بِالنُّقْصانِ مِنها بِأنْ يَدْعُوهُ بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ ومَعْنى ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهم، وعَلى هَذا المَعْنى فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الوَعِيدُ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ( المُدَّثِّرِ: ١١ )، وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ ( الحِجْرِ: ٣ ) وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِنُزُولِ العُقُوبَةِ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ.
وقَدْ ذَكَرَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ يَقُولُ في صِلاتِهِ يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا فَما بالُ هَذا يَدْعُو رَبَّيْنِ اثْنَيْنِ ؟ حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وأبُو عِوانَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» .
وفِي لَفْظِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وأبِي نُعَيْمٍ: «مَن دَعى بِها اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ» .
وزادَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ «يُحِبُّ الوِتْرَ: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، السَّلامُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخالِقُ، البارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفّارُ، القَهّارُ، الوَهّابُ، الرَّزّاقُ، الفَتّاحُ، العَلِيمُ، القابِضُ، الباسِطُ، الخافِضُ، الرّافِعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللَّطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الحَفِيظُ، المَقِيتُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الواسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المُجِيدُ، الباعِثُ، الشَّهِيدُ، الحَقُّ، الوَكِيلُ، القَوِيُّ، المَتِينُ، الوَلِيُّ، الحَمِيدُ، المُحْصِي، المُبْدِئُ، المُعِيدُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، الواجِدُ، الماجِدُ، الأحَدُ، الصَّمَدُ، القادِرُ، المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظّاهِرُ، الباطِنُ، الوالِي، المُتَعالِي، البَرُّ، التَّوّابُ، المُنْتَقِمُ، العَفُوُّ، الرَّؤُوفُ، مالِكُ المُلْكِ، ذُو الجَلالِ والإكْرامِ، المُقْسِطُ، الجامِعُ، الغَنِيُّ، المُغْنِي، المانِعُ، الضّارُّ، النّافِعُ، النُّورُ، الهادِي، البَدِيعُ، الباقِي، الوارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» .
هَكَذا أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذِهِ الزِّيادَةَ عَنِ الجُوزْجانِيِّ عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أبِي حَمْزَةَ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعَةً وقالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْلَمُ في كَثِيرِ شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرُ الأسْماءِ إلّا في هَذا الحَدِيثِ.
ورَواهُ ابْنُ حِبّانَ، في صَحِيحِهِ وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ صَفْوانَ بِإسْنادِهِ السّابِقِ.
ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فَسَرَدَ الأسْماءَ المُتَقَدِّمَةَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ أنَّ سَرْدَ الأسْماءِ في هَذا الحَدِيثِ مُدْرَجٌ فِيهِ.
وإنَّما ذَلِكَ كَما رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعانِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ: أيْ أنَّهم جَمَعُوها مِنَ القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وأبِي زَيْدٍ اللُّغَوِيِّ.
قالَ: ثُمَّ لْيُعْلَمْ أنَّ الأسْماءَ الحُسْنى لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في التِّسْعَةِ والتِسْعِينَ بِدَلِيلِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ الجُهَنِيِّ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما أصابَ أحَدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ فَقالَ اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وأمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجَلاءَ حُزْنِي وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وحُزْنَهُ وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَجًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَعَلَّمُها ؟ فَقالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَها أنْ يَتَعَلَّمَها» .
وقَدْ أخْرَجَهُ الإمامُ أبُو حاتِمِ بْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ بِمِثْلِهِ. انْتَهى.
وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ حَزْمٍ: جاءَتْ في إحْصائِها - يَعْنِي الأسْماءَ الحُسْنى - أحادِيثُ مُضْطَرِبَةٌ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ أصْلًا.
وقَدْ أخْرَجَها بِهَذا العَدَدِ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَراهُ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ كِلاهُما في الدُّعاءِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ: (p-٥١٥)أسْألُ اللَّهَ الرَّحْمَنَ، الرَّحِيمَ، الإلَهَ، الرَّبَّ، المَلِكَ، القُدُّوسَ، السَّلامَ، المُؤْمِنَ، المُهَيْمِنَ، العَزِيزَ، الجَبّارَ، المُتَكَبِّرَ، الخالِقَ، البارِئَ، المُصَوِّرَ، الحَلِيمَ، العَلِيمَ، السَّمِيعَ، البَصِيرَ، الحَيَّ، القَيُّومَ، الواسِعَ، اللَّطِيفَ، الخَبِيرَ، الحَنّانَ، المَنّانَ، البَدِيعَ، الغَفُورَ، الوَدُودَ، الشَّكُورَ، المَجِيدَ، المُبْدِئَ، المُعِيدَ، النُّورَ، البارِئَ، وفي لَفْظٍ: القائِمَ، الأوَّلَ، الآخِرَ، الظّاهِرَ، الباطِنَ، العَفُوَّ، الغَفّارَ، الوَهّابَ، الفَرْدَ، وفي لَفْظٍ: القادِرَ، الأحَدَ الصَّمَدَ، الوَكِيلَ، الكافِيَ، الباقِيَ، المُغِيثَ، الدّائِمَ المُتَعالِيَ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، المَوْلى، البَصِيرَ، الحَقَّ، المَتِينَ، الوارِثَ، المُنِيرَ، الباعِثَ، القَدِيرَ، وفي لَفْظٍ: المُجِيبَ، المُحْيِيَ، المُمِيتَ، الحَمِيدَ، وفي لَفْظٍ: الجَمِيلَ، الصّادِقَ، الحَفِيظَ، المُحِيطَ، الكَبِيرَ، القَرِيبَ، الرَّقِيبَ، الفَتّاحَ، التَّوّابَ، القَدِيمَ، الوِتْرَ، الفاطِرَ، الرَّزّاقَ، العَلّامَ، العَلِيَّ، العَظِيمَ، الغَنِيَّ، المَلِكَ، المُقْتَدِرَ، الأكْرَمَ، الرَّؤُوفَ، المُدَبِّرَ، المالِكَ، القاهِرَ، الهادِيَ، الشّاكِرَ، الكَرِيمَ، الرَّفِيعَ، الشَّهِيدَ، الواحِدَ، ذا الطَّوْلِ، ذا المَعارِجِ، ذا الفَضْلِ، الخَلّاقَ، الكَفِيلَ، الجَلِيلَ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: سَألْتُ أبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصّادِقَ عَنِ الأسْماءِ التِّسْعَةِ والتِسْعِينَ الَّتِي مَن أحْصاها دَخْلَ الجَنَّةَ ؟ فَقالَ: هي في القُرْآنِ، فَفي الفاتِحَةِ خَمْسَةُ أسْماءٍ: يا اللَّهُ، يا رَبُّ، يا رَحْمَنُ، يا رَحِيمُ، يا مَلِكُ، وفي البَقَرَةِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ اسْمًا: يا مُحِيطُ، يا قَدِيرُ، يا عَلِيمُ، يا حَكِيمُ، يا عَلِيُّ، يا عَظِيمُ، يا تَوّابُ، يا بَصِيرُ، يا ولِيُّ، يا واسِعُ، يا كافِي، يا رَؤُوفُ، يا بَدِيعُ، يا شاكِرُ، يا واحِدُ، يا سَمِيعُ، يا قابِضُ، يا حَيُّ، يا قَيُّومُ، يا غَنِيُّ، يا حَمِيدُ، يا غَفُورُ، يا حَلِيمُ، يا إلَهُ، يا قَرِيبُ، يا مُجِيبُ، يا عَزِيزُ، يا نَصِيرُ، يا قَوِيُّ، يا شَدِيدُ، يا سَرِيعُ، يا خَبِيرُ، وفي آلِ عِمْرانَ: يا وهّابُ، يا قائِمُ، يا صادِقُ، يا باعِثُ، يا مُنْعِمُ، يا مُتَفَضِّلُ، وفي النِّساءِ: يا رَقِيبُ، يا حَسِيبُ، يا شَهِيدُ، يا مُقِيتُ، يا وكِيلُ، يا عَلِيُّ، يا كَبِيرُ، وفي الأنْعامِ: يا فاطِرُ، يا قاهِرُ، يا لَطِيفُ، يا بُرْهانُ، وفي الأعْرافِ: يا مُحْيِي، يا مُمِيتُ، وفي الأنْفالِ: يا نِعْمَ المَوْلى، ويا نِعْمَ النَّصِيرُ، وفي هُودٍ: يا حَفِيظُ، يا مَجِيدُ، يا ودُودُ، يا فَعّالُ لِما تُرِيدُ، وفي الرَّعْدِ: يا كَبِيرُ، يا مُتَعالِي، وفي إبْراهِيمَ: يا مَنّانُ، يا وارِثُ، وفي الحِجْرِ: يا خَلّاقُ، وفي مَرْيَمَ: يا فَرْدُ، وفي طه: يا غَفّارُ، وفي قَدْ أفْلَحَ، ( سُورَةِ المُؤْمِنُونَ ) يا كَرِيمُ، وفي النُّورِ: يا حَقُّ، يا مُبِينُ، وفي الفُرْقانِ: يا هادِي، وفي سَبَأٍ: يا فَتّاحُ، وفي الزُّمَرِ: يا عالِمُ، وفي غافِرٍ: يا قابِلَ التَّوْبِ، يا ذا الطَّوْلِ، يا رَفِيعُ، وفي الذّارِياتِ: يا رَزّاقُ، يا ذا القُوَّةِ، يا مَتِينُ، وفي الطُّورِ: يا بَرُّ، وفي اقْتَرَبَتْ: ( أيْ: سُورَةِ القَمَرِ ) يا مُقْتَدِرُ، يا مَلِيكُ، وفي الرَّحْمَنِ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا رَبَّ المَشْرِقَيْنِ، يا رَبَّ المَغْرِبَيْنِ، يا باقِي، يا مُعِينُ، وفي الحَدِيدِ: يا أوَّلُ، يا آخِرُ، يا ظاهِرُ، يا باطِنُ، وفي الحَشْرِ: يا مَلِكُ، يا قُدُّوسُ، يا سَلامُ، يا مُؤْمِنُ، يا مُهَيْمِنُ، يا عَزِيزُ، يا جَبّارُ، يا مُتَكَبِّرُ، يا خالِقُ، يا بارِئُ، يا مُصَوِّرُ، وفي البُرُوجِ: يا مُبْدِئُ، يا مُعِيدُ، وفي الفَجْرِ: يا وتْرُ، وفي الإخْلاصِ: يا أحَدُ، يا صَمَدُ، انْتَهى.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في التَّلْخِيصِ أنَّهُ تَتَبَّعَها مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ إلى أنْ حَرَّرَها مِنهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ ثُمَّ سَرَدَها، فابْحَثْهُ.
ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، وهي في القُرْآنِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، قالَ لَها: قُومِي فَتَوَضَّئِي، وادْخُلِي المَسْجِدَ فَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ادْعِي حَتّى أسْمَعَ، فَفَعَلَتْ، فَلَمّا جَلَسَتْ لِلدُّعاءِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ وفِّقْها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِجَمِيعِ أسْمائِكَ الحُسْنى كُلِّها ما عَلِمْنا مِنها وما لَمْ نَعْلَمْ، وأسْألُكَ بِاسْمِكَ العَظِيمِ الأعْظَمِ الكَبِيرِ الأكْبَرِ الَّذِي مَن دَعاكَ بِهِ أجَبْتَهُ، ومَن سَألَكَ بِهِ أعْطَيْتَهُ، قالَ النَّبِيُّ: أصَبْتِيهِ أصَبْتِيهِ» .
وقَدْ أطالَ أهْلُ العِلْمِ الكَلامَ عَلى الأسْماءِ الحُسْنى حَتّى أنَّ ابْنَ العَرَبِيِّ في شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، حَكى عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ جَمَعَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أسْماءِ اللَّهِ ألْفَ اسْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ قالَ: الإلْحادُ، أنْ يَدْعُوَ اللّاتَ والعُزّى في أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الإلْحادُ التَّكْذِيبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: اشْتَقُّوا العُزّى مِنَ العَزِيزِ، واشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: الإلْحادُ المُضاهاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ " يَلْحَدُونَ " مِن لَحَدَ، وقالَ: تَفْسِيرُها يُدْخِلُونَ فِيها ما لَيْسَ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُشْرِكُونَ.
7:181–187Page 174
وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١
And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢
But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤
Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences