Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:31–39
7:31–33Page 154
۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢
Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣
Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."
هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ وإنْ كانَ وارِدًا عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ والزِّينَةُ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ النّاسُ مِنَ المَلْبُوسِ، أُمِرُوا بِالتَّزَيُّنِ عِنْدَ الحُضُورِ إلى المَساجِدِ لِلصَّلاةِ والطَّوافِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، بَلْ سَتْرُها واجِبٌ في كُلِّ حالٍ مِنَ الأحْوالِ وإنْ كانَ الرَّجُلُ خالِيًا كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، والكَلامُ عَلى العَوْرَةِ وما يَجِبُ سَتْرُهُ مِنها مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، ونَهاهم عَنِ الإسْرافِ فَلا زُهْدَ في تَرْكِ مَطْعَمٍ ولا مَشْرَبٍ، وتارِكُهُ بِالمَرَّةِ قاتِلٌ لِنَفْسِهِ وهو مِن أهْلِ النّارِ، كَما صَحَّ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، والمُقَلِّلُ مِنهُ عَلى وجْهٍ يَضْعُفُ بِهِ بَدَنُهُ ويَعْجَزُ عَنِ القِيامِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ القِيامُ بِهِ مِن طاعَةٍ أوْ سَعْيٍ عَلى نَفْسِهِ وعَلى مَن يَعُولُ مُخالِفٌ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ، والمُسْرِفُ في إنْفاقِهِ عَلى وجْهٍ لا يَفْعَلُهُ إلّا أهْلُ السَّفَهِ والتَّبْذِيرِ مُخالِفٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ واقِعٌ في النَّهْيِ القُرْآنِيِّ، وهَكَذا مَن حَرَّمَ حَلالًا أوْ حَلَّلَ حَرامًا، فَإنَّهُ يَدْخُلُ في المُسْرِفِينَ ويَخْرُجُ عَنِ المُقْتَصِدِينَ.
ومِنَ الإسْرافِ الأكْلُ لا لِحاجَةٍ، وفي وقْتِ شَبَعٍ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ الزِّينَةُ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَلْبُوسٍ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُباحَةِ كالمَعادِنِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنِ التَّزَيُّنِ بِها والجَواهِرِ ونَحْوِها، وقِيلَ: المَلْبُوسُ خاصَّةً ولا وجْهَ لَهُ، بَلْ هو مِن جُمْلَةِ ما تَشْمَلُهُ الآيَةُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن لَبِسَ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ الغالِيَةَ القِيمَةِ إذا لَمْ يَكُنْ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ، ولا حَرَجَ عَلى مَن تَزَيَّنَ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَها مَدْخَلٌ في الزِّينَةِ ولَمْ يَمْنَعْ مِنها مانِعٌ شَرْعِيٌّ، ومَن زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ يُخالِفُ الزُّهْدَ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بِيِّنًا.
وقَدْ قَدَّمْنا في هَذا ما يَكْفِي، وهَكَذا الطَّيِّباتُ مِنَ المَطاعِمِ والمُشارِبِ ونَحْوِهِما مِمّا يَأْكُلُهُ النّاسُ فَإنَّهُ لا زُهْدَ في تَرْكِ الطَّيِّبِ مِنها، ولِهَذا جاءَتِ الآيَةُ هَذِهِ مُعَنْوَنَةً بِالِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ عَلى مَن حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ أوْ حَرَّمَهُ عَلى غَيْرِهِ.
وما أحْسَنَ ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ولَقَدْ أخْطَأ مَن آثَرَ لِباسَ الشَّعْرِ والصُّوفِ عَلى لِباسِ القُطْنِ والكِتّانِ مَعَ وُجُودِ السَّبِيلِ إلَيْهِ مِن حِلِّهِ، ومَن أكَلَ البُقُولَ والعَدَسَ واخْتارَهُ عَلى خُبْزِ البُرِّ، ومَن تَرَكَ (p-٤٧٢)أكْلَ اللَّحْمِ خَوْفًا مِن عارِضِ الشَّهْوَةِ وقَدْ قَدَّمْنا نَقْلَ مِثْلِ هَذا عَنْهُ مُطَوَّلًا.
والطَّيِّباتُ المُسْتَلَذّاتُ مِنَ الطَّعامِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ عامٌّ لِما طابَ كَسْبًا ومَطْعَمًا: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ أنَّها لَهم بِالأصالَةِ وإنْ شارَكَهُمُ الكُفّارُ فِيها ما دامُوا في الحَياةِ " ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ " أيْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُشارِكُهم فِيها الكُفّارُ.
وقَرَأ نافِعٌ " خالِصَةٌ " بِالرَّفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، عَلى أنَّها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى الدُّنْيا لِأنَّ ما بَعْدَها مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حالٌ مِنهُ بِتَقْدِيرِ: قُلْ هي ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا في حالِ خُلُوصِها لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ جَمْعُ فاحِشَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ أيْ ما أُعْلِنَ مِنها وما أُسِرَّ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِفَواحِشِ الزِّنا ولا وجْهَ لِذَلِكَ، والإثْمُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَسَبَّبُ عَنْها الإثْمُ، وقِيلَ: هو الخَمْرُ خاصَّةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎يَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا
وقَدْ أنْكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى مَن جَعَلَ الإثْمَ خاصًّا بِالخَمْرِ.
قالَ النَّحّاسُ: فَأمّا أنْ يَكُونَ الإثْمُ الخَمْرَ فَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ جَمِيعُ المَعاصِي، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎إنِّي وجَدْتُ الأمْرَ أرْشَدُهُ ∗∗∗ تَقْوى الإلَهِ وشَرُّهُ الإثْمُ
قالَ الفَرّاءُ: الإثْمُ ما دُونُ الحَقِّ والِاسْتِطالَةُ عَلى النّاسِ انْتَهى.
ولَيْسَ في إطْلاقِ الإثْمِ عَلى الخَمْرِ ما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ، فَهو أحَدُ المَعاصِي الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها.
قالَ في الصِّحاحِ: وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
شَرِبْتُ الإثْمَ البَيْتَ، وكَذا أنْشَدَهُ الهَرَوِيُّ قَبْلَهُ في غَرِيبَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ " أيِ الظُّلْمُ المُجاوِزُ لِلْحَدِّ، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ ذَنْبًا عَظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ ( النَّحْلِ: ٩٠ ) ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ وأنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ شَرِيكًا لَمْ يُنَزِّلْ عَلَيْكم بِهِ حُجَّةً.
والمُرادُ التَّهَكُّمُ بِالمُشْرِكِينَ، لِأنَّ اللَّهَ لا يُنَزِّلُ بُرْهانًا بِأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ شَرِيكًا لَهُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَتِهِ وأنَّ اللَّهَ قالَهُ، وهَذا مِثْلُ ما كانُوا يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ التَّحْلِيلاتِ والتَّحْرِيماتِ الَّتِي لَمْ يَأْذَنْ بِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَطُفْنَ عُراةً إلّا أنْ تَجْعَلَ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها خِرْقَةً وتَقُولُ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرِّجالً يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالزِّينَةِ.
والزِّينَةُ: اللِّباسُ وما يُوارِي السَّوْءَةَ وما سِوى ذَلِكَ مِن جَيِّدِ البُرِّ والمَتاعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُذُوا زِينَةَ الصَّلاةِ، قالُوا: وما زِينَةُ الصَّلاةِ ؟ قالَ: البَسُوا نِعالَكم فَصَلُّوا فِيها» .
وأخْرَجَ العُقَيْلِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قالَ: صَلُّوا في نِعالِكم» .
والأحادِيثُ في مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في النَّعْلِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ هو تَفْسِيرُ الآيَةِ كَما رُوِيَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ فَلا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُهُما.
وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الواحِدِ لَيْسَ عَلى عاتِقِهِ مِنهُ شَيْءٌ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أحَلَّ اللَّهُ الأكْلَ والشُّرْبَ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أوْ مَخِيلَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ قالَ: في الطَّعامِ والشَّرابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كُلُوا واشْرَبُوا وتَصَدَّقُوا والبَسُوا في غَيْرِ مَخِيلَةٍ ولا سَرَفٍ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوفُ بِالبَيْتِ وهم عُراةٌ يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ فَأُمِرُوا بِالثِّيابِ أنْ يَلْبَسُوها قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ قالَ: يَنْتَفِعُونَ بِها في الدُّنْيا لا يَتْبَعُهم فِيها مَأْثَمٌ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ يُشارِكُونَ المُؤْمِنِينَ في زَهْرَةِ الدُّنْيا وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ قالَ: الوَدَكُ واللَّحْمُ والسَّمْنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ أشْياءَ أحَلَّها اللَّهُ مِنَ الثِّيابِ وغَيْرِها، وهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾ ( يُونُسَ: ٥٩ ) وهَذا هَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي شارَكَ المُسْلِمُونَ الكُفّارَ في الطَّيِّباتِ في الحَياةِ الدُّنْيا فَأكَلُوا مِن طَيِّباتِ طَعامِها ولَبِسُوا مِن جِيادِ ثِيابِها ونَكَحُوا مِن صالِحِي نِسائِها، ثُمَّ يُخْلِصُ اللَّهُ الطَّيِّباتِ في الآخِرَةِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ فِيها شَيْءٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما ظَهَرَ مِنها العُرْيَةُ، وما بَطَنَ الزِّنا، وكانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، (p-٤٧٣)عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ما ظَهَرَ مِنها طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً، وما بَطَنَ الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: والإثْمُ قالَ المَعْصِيَةُ: والبَغْيُ قالَ: أنْ يَبْغِيَ عَلى النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
7:34–39Page 154
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤
And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥
O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦
But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
قَوْلُهُ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ أيْ وقْتٌ مُعَيَّنٌ مَحْدُودٌ يَنْزِلُ فِيهِ عَذابُهم مِنَ اللَّهِ أوْ يُمِيتُهم فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والضَّمِيرُ في " أجَلُهم " لِكُلِّ أُمَّةٍ: أيْ إذا جاءَ أجَلُ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ كانَ ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ واقِعًا في ذَلِكَ الأجَلِ لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ عَنْهُ ساعَةً.
قالَ أبُو السُّعُودِ ما مَعْناهُ: إنَّ قَوْلَهُ: ولا يَسْتَقْدِمُونَ عَطْفٌ عَلى يَسْتَأْخِرُونَ لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ المُسْتَحِيلِ عَقْلًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَجِيءِ: الدُّنُوُّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةً مِنهُ ولَيْسَ بِذاكَ.
وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ( آجالُهم ) بِالجَمْعِ، وخَصَّ السّاعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يَمُوتُ بِأجَلِهِ وإنْ كانَ مَوْتُهُ بِالقَتْلِ أوْ التَّرَدِّي أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ( الحِجْرِ: ٥ ) .
قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم﴾ الآيَةَ، إنْ هي الشَّرْطِيَّةُ وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، ولِهَذا لَزِمَتِ الفِعْلَ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ، والقَصَصُ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والمَعْنى: إنْ أتاكم رُسُلٌ كائِنُونَ مِنكم يُخْبِرُونَكم بِأحْكامِي ويُبَيِّنُونَها لَكم فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ أيِ اتَّقى مَعاصِيَ اللَّهِ وأصْلَحَ حالَ نَفْسِهِ بِاتِّباعِ الرُّسُلِ، وإجابَتِهِمْ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ هي الجَوابُ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، وقِيلَ: جَوابُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَأطِيعُوهم.
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الَّتِي يَقُصُّها عَلَيْهِمْ رُسُلُنا واسْتَكْبَرُوا عَنْ إجابَتِها والعَمَلِ بِما فِيها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِتَكْذِيبِ الآياتِ والرُّسُلِ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ أيْ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وقِيلَ: يَنالُهم مِنَ العَذابِ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ، وقِيلَ: الكِتابُ هُنا القُرْآنُ لِأنَّ عَذابَ الكُفّارِ مَذْكُورٌ فِيهِ، وقِيلَ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
قَوْلُهُ: حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا أيْ إلى غايَةٍ هي هَذِهِ، وجُمْلَةُ يَتَوَفَّوْنَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والمُرادُ بِالرُّسُلِ هُنا مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، وقِيلَ: حَتّى هُنا هي الَّتِي لِلِابْتِداءِ، ولَكِنْ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَها لِابْتِداءِ الكَلامِ بَعْدَها لا يُنافِي كَوْنَها غايَةً لِما قَبْلَها، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَدْعُونَها مِن دُونِ اللَّهِ وتَعْبُدُونَها، وجُمْلَةُ قالُوا ضَلُّوا عَنّا اسْتِئْنافِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ وقَعَتْ هي جَوابًا عَنْهُ: أيْ ذَهَبُوا عَنّا وغابُوا فَلا نَدْرِي أيْنَ هم ؟ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ أقَرُّوا بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، و" في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ مَعَ أُمَمٍ، وقِيلَ: هي عَلى بابِها، والمَعْنى: ادْخُلُوا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: هو قَوْلُ مالِكٍ خازِنِ النّارِ، والمُرادُ بِالأُمَمِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ هُمُ الكُفّارُ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ لَعَنَتْ أُخْتَها أيِ الأُمَّةَ الأُخْرى الَّتِي سَبَقَتْها إلى النّارِ، وجُعِلَتْ أُخْتًا لَها بِاعْتِبارِ الدِّينِ، أوِ الضَّلالَةِ، أوِ الكَوْنِ في النّارِ حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها أيْ تَدارَكُوا، والتَّدارُكُ: التَّلاحُقُ والتَّتابُعُ والِاجْتِماعُ في النّارِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " تَدارَكُوا " عَلى الأصْلِ مِن دُونِ إدْغامٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( حَتّى إذا أدْرَكُوا ) أيْ أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، فَكَأنَّهُ سَكَتَ عَلى إذا لِلتَّذَكُّرِ، فَلَمّا طالَ سُكُوتُهُ قَطَعَ ألِفَ الوَصْلِ كالمُبْتَدِئِ بِها، وهو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎يا نَفْسٌ صَبْرًا كُلُّ حَيٍّ لاقِي وكُلُّ اثْنَيْنِ إلى افْتِراقِ
قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم: أيْ أُخْراهم دُخُولًا لِأُولاهم دُخُولًا، وقِيلَ: أُخْراهم: أيْ سَفَلَتُهم وأتْباعُهم لِأُولاهم لِرُؤَسائِهِمْ وكِبارِهِمْ وهَذا أوْلى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ " رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا " فَإنَّ المُضِلِّينَ هُمُ الرُّؤَساءُ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم أضَلُّوهم لِأنَّهم تَبِعُوهم واقْتَدَوْا بِدِينِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، فَيَصِحُّ الوَجْهُ الأوَّلُ، لِأنَّ أُخْراهم تَبِعَتْ دِينَ أُولاهم. قَوْلُهُ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ الضِّعْفُ الزّائِدُ عَلى مِثْلِهِ مَرَّةً أوْ مَرّاتٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ وقِيلَ: الضِّعْفُ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وجُمْلَةُ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والمَعْنى لِكُلِّ طائِفَةٍ مِنكم ضِعْفٌ مِنَ العَذابِ: أيِ الطّائِفَةِ الأُولى، والطّائِفَةِ الأُخْرى ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ بِما لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذابِ.
٣٩ - وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم أيْ قالَ السّابِقُونَ (p-٤٧٤)لِلّاحِقِينَ، أوِ المَتْبُوعُونَ لِلتّابِعِينَ ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ بَلْ نَحْنُ سَواءٌ في الكُفْرِ بِاللَّهِ واسْتِحْقاقِ عَذابِهِ فَذُوقُوا عَذابَ النّارِ كَما ذُقْناهُ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ مِن مَعاصِي اللَّهِ والكَفْرِ بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «تَذاكَرْنا زِيادَةَ العُمُرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْنا: مَن وصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ في أجَلِهِ فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِزائِدٍ في عُمُرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ولَكِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الذَّرِّيَّةُ الصّالِحَةُ، فَيَدْعُونَ اللَّهَ مِن بَعْدِهِ فَيَبْلُغُهُ ذَلِكَ، فَذَلِكَ الَّذِي يُنْسَأُ في أجَلِهِ» .
وفِي لَفْظٍ: فَيَلْحَقُهُ دُعاؤُهم في قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيادَةُ العُمُرِ.
وهَذا الحَدِيثُ يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ عَنْ إسْنادِهِ فَفِيهِ نَكارَةٌ، وقَدْ جاءَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، بِخِلافِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: ما أحْمَقَ هَؤُلاءِ القَوْمَ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أطِلْ عُمُرَهُ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ قالَ: لَمّا طُعِنَ عُمَرُ قالَ كَعْبٌ: لَوْ دَعا اللَّهَ لَأخَّرَ في أجَلِهِ، فَقِيلَ: لَهُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ ( فاطِرٍ: ١١ ) .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مِنَ الأعْمالِ مَن عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ بِهِ ومَن عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَصِيبُهم مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ما سَبَقَ مِنَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: رِزْقُهُ وأجَلُهُ وعَمَلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في الآيَةِ قالَ: مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: قَدْ خَلَتْ قالَ: قَدْ مَضَتْ ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ قالَ: كُلَّما دَخَلَ أهْلُ مِلَّةٍ لَعَنُوا أصْحابَهم عَلى ذَلِكَ، يَلْعَنُ المُشْرِكُونَ المُشْرِكِينَ، واليَهُودُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، والصّابِئُونَ الصّابِئِينَ، والمَجُوسُ المَجُوسَ، تَلْعَنُ الآخِرَةُ الأُولى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم﴾ الَّذِينَ كانُوا في آخِرِ الزَّمانِ لِأُولاهُمُ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهم ذَلِكَ الدِّينَ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الأُولى والآخِرَةِ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ وقَدْ ضَلَلْتُمْ كَما ضَلَلْنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: عَذابًا ضِعْفًا قالَ: مُضاعَفًا ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَ: مُضاعَفٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ قالَ: تَخْفِيفٌ مِنَ العَذابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences