Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:40–49
7:40–42Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِ الجَمْعِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ فَجازَ تَذْكِيرُهُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى التَّأْنِيثِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ تُفْتَحُ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: أنَّها لا تُفَتَّحُ أبْوابُ السَّماءِ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى وأنَّهُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ المَلائِكَةَ إذا انْتَهَوْا بِرُوحِ الكافِرِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا يَسْتَفْتِحُونَ فَلا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ، وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ أبْوابُ السَّماءِ لِأدْعِيَتِهِمْ إذا دَعَوْا، قالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ، وقِيلَ: لِأعْمالِهِمْ: أيْ لا تُقْبَلُ، بَلْ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَيُضْرَبُ بِها في وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَها، لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ العَطْفُ لِجُمْلَةِ " ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ " مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَعُمُّ الأرْواحَ والدُّعاءَ والأعْمالَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ ما ورَدَ مِن أنَّها لا تُفَتَّحُ أبْوابُ السَّماءِ لِواحِدٍ مِن هَذِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى فَتْحِها لِغَيْرِهِ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولِهَذا عَلَّقَهُ بِالمُسْتَحِيلِ، فَقالَ: حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وهو لا يَلِجُ أبَدًا، وخُصَّ الجَمَلُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في كِبَرِ الذّاتِ، وخُصَّ سَمُّ الخِياطِ، وهو ثُقْبُ الإبْرَةِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ غايَةً في الضِّيقِ، والجَمَلُ الذَّكَرُ مِنَ الإبِلِ والجَمْعُ جِمالٌ وأجْمالٌ وجِمالاتٌ، وإنَّما سُمِّيَ جَمَلًا إذا أرْبَعَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، " الجُمَّلُ " بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: القَلْسُ وهو حِبالٌ مَجْمُوعَةٌ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وقِيلَ: الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القُنَّبِ، وقِيلَ: الحَبَلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " الجُمَلُ " بِضَمِّ الجِيمِ وتَخْفِيفِ المِيمِ وهو القَلْسُ أيْضًا.
وقَرَأ أبُو السِّماكِ " الجُمْلُ " بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ وقُرِئَ أيْضًا بِضَمِّهِما.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْغَرُ في سَمِّ الخِياطِ " وقُرِئَ " في سَمِّ " (p-٤٧٥)بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، والسَّمِّ: كُلُّ ثُقْبٍ لَطِيفٍ، ومِنهُ ثُقْبُ الإبْرَةِ، والخِياطُ ما يُخاطُ بِهِ، يُقالُ: خِياطٌ ومَخِيطٌ. " وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ " أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي المُجْرِمِينَ: أيْ جِنْسَ مَن أجْرَمَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.
والمِهادُ: الفِراشُ، والغَواشِ جُمَعُ غاشِيَةٍ: أيْ نِيرانٌ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ كالأغْطِيَةِ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ.
قَوْلُهُ: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أيْ لا نُكَلِّفُ العِبادَ إلّا بِما يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِهِمْ ويَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا نُكَلِّفُهم ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، ومِثْلُهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها ( الطَّلاقِ: ٧ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ " تُكَلَّفُ " بِالفَوْقِيَّةِ ورَفْعِ نَفْسٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ، وخَبَرُهُ أصْحابُ الجَنَّةِ والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ هم فِيها خالِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ أنْ يَنْزِعَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِلِّ عَلى بَعْضِهِمْ حَتّى تَصْفُوَ قُلُوبُهم ويَوَدُّ بَعْضُهم بَعْضًا، فَإنَّ الغِلَّ لَوْ بَقِيَ في صُدُورِهِمْ كَما كانَ في الدُّنْيا لَكانَ في ذَلِكَ تَنْغِيصٌ لِنَعِيمِ الجَنَّةِ، لِأنَّ المُتَشاحِنِينَ لا يَطِيبُ لِأحَدِهِمْ عَيْشٌ مَعَ وُجُودِ الآخَرِ.
والغِلُّ: الحِقْدُ الكامِنُ في الصُّدُورِ، وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تُفاضِلُ المَنازِلِ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا " أيْ لِهَذا الجَزاءِ العَظِيمِ، وهو الخُلُودُ في الجَنَّةِ ونَزْعُ الغِلِّ مِن صُدُورِهِمْ، والهِدايَةُ هَذِهِ لِهَذا هي الهِدايَةُ لِسَبَبِهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِإسْقاطِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها، وما كُنّا نُطِيقُ أنْ نَهْتَدِيَ بِهَذا الأمْرِ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ لَنا ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ اللّامُ لامُ القَسَمِ، قالُوا: هَذا لَمّا وصَلُوا إلى ما وصَلُوا إلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ اغْتِباطًا بِما صارُوا فِيهِ بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِنهم مِن تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وظُهُورِ صِدْقِ ما أخْبَرُوهم بِهِ في الدُّنْيا مِن أنَّ جَزاءَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ هو هَذا الَّذِي صارُوا فِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ وقَعَ النِّداءُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَقِيلَ: لَهم: تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها: أيْ ورِثْتُمْ مَنازِلَها بِعَمَلِكم.
قالَ في الكَشّافِ: بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُهُ المُبْطِلَةُ انْتَهى.
أقُولُ: يا مِسْكِينُ هَذا قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فِيما صَحَّ عَنْهُ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا واعْلَمُوا أنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» والتَّصْرِيحُ بِسَبَبٍ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ سَبَبٍ آخَرَ، ولَوْلا التَّفَضُّلُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العامِلِ بِإقْدارِهِ عَلى العَمَلِ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ أصْلًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّفَضُّلُ إلّا بِهَذا الإقْدارِ لَكانَ القائِلُونَ بِهِ مُحِقَّةً لا مُبْطِلَةً، وفي التَّنْزِيلِ: ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وفِيهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ يَعْنِي لا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ مِن عَمَلِهِمْ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: لا تُفَتَّحُ لَهم لِعَمَلٍ ولا لِدُعاءٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ، وهي تُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ﴾ قالَ: ذُو القَوائِمِ في سَمِّ الخِياطِ قالَ: في خَرْتِ الإبْرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ﴾ قالَ: زَوْجُ النّاقَةِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " الجُمَّلُ " بِضَمِّ الجِيمِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وقالَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ أوْ هو مِن حِبالِ السُّفُنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَمِّ الخِياطِ فَقالَ: الجَمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المِهادُ الفِراشُ، والغَواشِ اللُّحُفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كُلُّ أهْلِ النّارِ يَرى مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ يَقُولُ لَوْ هَدانا اللَّهُ فَيَكُونُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وكُلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَرى مَنزِلَهُ مِنَ النّارِ فَيَقُولُ لَوْلا أنَّ هُدانا اللَّهُ فَهَذا شُكْرُهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: نُودُوا أنْ صِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا، وانْعَمُوا فَلا تَبْأسُوا، وشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا، واخْلُدُوا فَلا تَمُوتُوا» .
7:43–49Page 155
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."
وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦
And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.
۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨
And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."
أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩
[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."
(p-٤٧٦)مُناداةُ أصْحابِ الجَنَّةِ لِأصْحابِ النّارِ لَمْ تَكُنْ لِقَصْدِ الإخْبارِ لَهم بِما نادَوْهم بِهِ، بَلْ لِقَصْدِ تَبْكِيتِهِمْ وإيقاعِ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، و" أنْ قَدْ وجَدْنا " هو نَفْسُ النِّداءِ: أيْ إنّا قَدْ وصَلْنا إلى ما وعَدَنا اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّعِيمِ فَهَلْ وصَلْتُمْ إلى ما وعَدَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، والِاسْتِفْهامُ هو لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ وعَدَ الثّانِي لِكَوْنِ الوَعْدِ لَمْ يَكُنْ لَهم بِخُصُوصِهِمْ، بَلْ لِكُلِّ النّاسِ كالبَعْثِ والحِسابِ والعِقابِ، وقِيلَ: حُذِفَ لِإسْقاطِ الكُفّارِ عَنْ رُتْبَةِ التَّشْرِيفِ بِالخِطابِ عِنْدَ الوَعْدِ " قالُوا نَعَمْ " أيْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا.
وقَرَأ الأعْمَشُ والكِسائِيُّ " نَعِمْ " بِكَسْرِ العَيْنِ.
قالَ مَكِّيٌّ: مَن قالَ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ فَكَأنَّهُ أرادَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ نَعَمِ الَّتِي جَوابٌ وبَيْنَ نَعِمِ الَّتِي هي اسْمٌ لِلْبَقَرِ والغَنَمِ والإبِلِ.
والمُؤَذِّنُ: المُنادِي، أيْ فَنادى مُنادٍ بَيْنَهم: أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، قِيلَ: هو مِنَ المَلائِكَةِ أنْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والبَزِّيُّ بِتَشْدِيدِ أنْ وهو الأصْلُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ أوِ المُفَسِّرَةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنْ " عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
وجُمْلَةُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صِفَةٌ لِلظّالِمِينَ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ " هم "، أوْ " أعْنِي.
والصَّدُّ: المَنعُ: أيْ يَمْنَعُونَ النّاسَ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الحَقِّ ويَبْغُونَها عِوَجًا أيْ يَطْلُبُونَ اعْوِجاجَها: أيْ يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْها ويَقْدَحُونَ في اسْتِقامَتِها بِقَوْلِهِمْ إنَّها غَيْرُ حَقٍّ وإنَّ الحَقَّ ما هو فِيهِ، والعِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي والأعْيانِ ما لَمْ يَكُنْ مُنْتَصِبًا، وبِالفَتْحِ ما كانَ في المُنْتَصِبِ كالرُّمْحِ، وجُمْلَةُ " وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ " أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
والحِجابُ هو السُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ ( الحَدِيدِ: ١٣ ) .
قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ رِجالٌ الأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ، وهي شُرُفاتُ السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَهم، ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ والأعْرافُ في اللُّغَةِ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ( النُّورِ: ٣٧ ) .
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أصْحابِ الأعْرافِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ وشُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، وقِيلَ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ فَرَغُوا مِن شُغْلِ أنْفُسِهِمْ وتَفَرَّغُوا لِمُطالَعَةِ أحْوالِ النّاسِ ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: هم قَوْمُ أنْبِياءُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وقِيلَ: هُمُ العَبّاسُ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَياضِ الوُجُوهِ ومُبْغِضِيهِمْ بِسَوادِها، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هم عُدُولُ القِيامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ وهم في كُلِّ أُمَّةٍ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ النَّحّاسُ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هم مَلائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِهَذا السُّورِ يُمَيِّزُونَ الكافِرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ والنّارَ ذَكَرَهُ أبُو مِجْلَزٍ، وجُمْلَةُ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم صِفَةٌ لِرِجالٍ.
والسِّيما العَلامَةُ: أيْ يَعْرِفُونَ كُلًّا مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلاماتِهِمْ كَبَياضِ الوُجُوهِ وسَوادِها، أوْ مَواضِعِ الوُضُوءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ عَلامَةٍ يَجْعَلُها اللَّهُ لِكُلِّ فَرِيقٍ في ذَلِكَ المَوْقِفِ يَعْرِفُ رِجالُ الأعْرافِ بِها السُّعَداءَ مِنَ الأشْقِياءِ. ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾، أيْ: نادى رِجالُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ حِينَ رَأوْهم أنْ سَلامٌ عَلَيْكم أيْ نادَوْهم بِقَوْلِهِمْ سَلامٌ عَلَيْكم تَحِيَّةً لَهم وإكْرامًا وتَبْشِيرًا، أوْ أخْبَرُوهم بِسَلامَتِهِمْ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ أيْ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ أصْحابُ الأعْرافِ والحالُ أنَّهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، وقِيلَ: مَعْنى يَطْمَعُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَدْخُلُونَها وذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: طَمِعَ بِمَعْنى عَلِمِ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ.
وهَذا القَوْلُ أعْنِي كَوْنَهم أهْلَ الأعْرافِ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: هم أهْلُ الجَنَّةِ: أيْ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ قالُوا لَهم: سَلامٌ عَلَيْكم حالَ كَوْنِ أهْلِ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها والحالُ أنَّهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ إذا صُرِفَتْ أبْصارُ أهْلِ الأعْرافِ تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ: أيْ جِهَةَ أصْحابِ، وأصْلُ مَعْنى تِلْقاءَ جِهَةُ اللِّقاءِ، وهي جِهَةُ المُقابَلَةِ ولَمْ يَأْتِ مَصْدَرٌ عَلى تِفْعالٍ بِكَسْرِ أوَّلِهِ غَيْرُ مَصْدَرَيْنِ، أحَدُهُما هَذا، والآخَرُ تِبْيانٌ، وما عَداهُما بِالفَتْحِ قالُوا أيْ قالَ أهْلُ الأعْرافِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ سَألُوا اللَّهَ أنْ لا يَجْعَلَهم مِنهم.
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا﴾ مِنَ الكُفّارِ يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم أيْ بِعَلاماتِهِمْ قالُوا بَدَلٌ مِن نادى ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ الَّذِي كُنْتُمْ تَجْمَعُونَ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ وما أغْنى عَنْكُمُ اسْتِكْبارُكم.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ: أيْ قالُوا لِلْكُفّارِ مُشِيرِينَ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ صارُوا إلى الجَنَّةِ هَذِهِ المَقالَةَ.
وقَدْ كانَ الكُفّارُ يُقْسِمُونَ في الدُّنْيا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ بِهَذا القَسَمِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لِلْكُفّارِ وتَحْسِيرٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ هَذا تَمامُ كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ: أيْ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فَقَدِ انْتَفى عَنْكُمُ الخَوْفُ والحُزْنُ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أدْخِلُوا " بِكَسْرِ الخاءِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ قالَ: مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ قالَ: مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ والعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا وقَفَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ (p-٤٧٧)تَلا هَذِهِ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ قالَ: هو السُّورُ وهو الأعْرافُ، وإنَّما سُمِّيَ الأعْرافَ لِأنَّ أصْحابَهُ يَعْرِفُونَ النّاسَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: الأعْرافُ سُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الأعْرافُ هو الشَّيْءُ المُشْرِفُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: الأعْرافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الأعْرافُ جِبالٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَهم عَلى أعْرافِها، يَقُولُ عَلى ذُراها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حُبِسَ عَلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الذُّنُوبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: زَعَمُوا أنَّهُ الصِّراطُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: أصْحابُ الأعْرافِ قَوْمٌ كانَتْ لَهم أعْمالٌ أنْجاهُمُ اللَّهُ بِها مِنَ النّارِ، وهم آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، قَدْ عَرَفُوا أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهم مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم يَقِفُونَ عَلى الصِّراطِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ.
وكَذا أخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ ؟ فَقالَ: هم آخِرُ مَن يُفْصَلُ بَيْنَهم مِنَ العِبادِ، فَإذا فَرَغَ رَبُّ العالَمِينَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ العِبادِ قالَ: أنْتُمْ قَوْمٌ أخْرَجَتْكم حَسَناتُكم مِنَ النّارِ ولَمْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ فَأنْتُمْ عُتَقائِي، فارْعَوْا مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتُمْ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مُرْسَلٌ حَسَنٌ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ أراهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُجْمَعُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْمَرُ بِأهْلِ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ ويُؤْمَرُ بِأهْلِ النّارِ إلى النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لِأصْحابِ الأعْرافِ ما تَنْتَظِرُونَ ؟ قالُوا: نَنْتَظِرُ أمْرَكَ، فَيُقالُ لَهم: إنَّ حَسَناتِكم تَجاوَزَتْ بِكُمُ النّارَ أنْ تَدْخُلُوها وحالَتْ بَيْنَكم وبَيْنَ الجَنَّةِ خَطاياكم فادْخُلُوا بِمَغْفِرَتِي ورَحْمَتِي» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَنِيعٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُزَنِيِّ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ ؟ فَقالَ: هم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ في مَعْصِيَةِ آبائِهِمْ، فَمَنَعَهم مِنَ النّارِ قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعَهم مِنَ الجَنَّةِ مَعْصِيَتُهم آباءَهم» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الهِلالِيِّ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ رَجُلٍ مَن مُزَيْنَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قالَ: سَلَّمَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وهم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ أنْ يَدْخُلُوها حِينَ سَلَّمَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: أصْحابُ الأعْرافِ يَعْرِفُونَ النّاسَ بِسِيماهم، أهْلَ النّارِ بِسَوادِ وُجُوهِهِمْ وأهْلَ الجَنَّةِ بِبَياضِ وُجُوهِهِمْ، فَإذا مَرُّوا بِزُمْرَةٍ يُذْهَبُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ قالُوا: سَلامٌ عَلَيْكم وإذا مَرُّوا بِزُمْرَةٍ يُذْهَبُ بِها إلى النّارِ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا﴾ قالَ: في النّارِ ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ قالَ اللَّهُ لِأهْلِ التَّكَبُّرِ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يَعْنِي أصْحابَ الأعْرافِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences