Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:50–58
7:50–54Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١
Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.
وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣
Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ الإفاضَةُ: التَّوْسِعَةُ، يُقالُ: أفاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، طَلَبُوا مِنهم أنْ يُواسُوهم بِشَيْءٍ مِنَ الماءِ أوْ بِشَيْءٍ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ أوِ الأطْعِمَةِ، فَأجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ أيِ الماءَ وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَلا نُواسِيكم بِشَيْءٍ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِن أهْلِ النّارِ كانَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِ الأعْرافِ الجَنَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةُ الكافِرِينَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَرَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ . الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ نِسْيانًا كَنِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا: أيْ كَما نَسُوا، وكَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ: أيْ يُنْكِرُونَها.
واللّامُ في ولَقَدْ جِئْناهم جَوابُ القَسَمِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ (p-٤٧٨)لِلْمُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ، وعَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ عالِمِينَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةً لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ويَجُوزُ هُدًى ورَحْمَةٍ بِالخَفْضِ عَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ.
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ بِالهَمْزِ مِن آلَ، وأهْلُ المَدِينَةِ يُخْفُونَ الهَمْزَةَ.
والنَّظَرُ الِانْتِظارُ: أيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا ما وُعِدُوا بِهِ في الكِتابِ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَؤُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَأْوِيلُهُ جَزاؤُهُ، وقِيلَ: عاقِبَتُهُ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
ويَوْمَ ظَرْفٌ لِيَقُولَ: أيْ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ أيْ تَرَكُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ تَأْوِيلُهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْنا ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ اسْتِفْهامٌ مِنهم، ومَعْناهُ التَّمَنِّي " ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " مَنصُوبٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نُرَدُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى: أيْ هَلْ يَشْفَعُ لَنا أحَدٌ أوْ نُرَدُّ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ " أوْ نُرَدَّ فَنَعْمَلَ " بِنَصْبِهِما، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتُ فَنُعْذَرا
وقَرَأ الحَسَنُ بِرَفْعِهِما، ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَنا شُفَعاءُ يُخَلِّصُونا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ صالِحًا غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنَ المَعاصِي " قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم " أيْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَكانَتْ أنْفُسُهم بَلاءً عَلَيْهِمْ ومِحْنَةً لَهم فَكَأنَّهم خَسِرُوها كَما يَخْسَرُ التّاجِرُ رَأْسَ مالِهِ، وقِيلَ: خَسِرُوا النَّعِيمَ وحَظَّ الأنْفُسِ " وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ " أيِ افْتِراؤُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ.
والمَعْنى أنَّهُ بَطَلَ كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا أوْ غابَ عَنْهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فَلَمْ يَنْفَعْهم ولا حَضَرَ مَعَهم.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ هَذا نَوْعٌ مِن بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ وجَلِيلِ قَدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإيجادِ الَّذِي يُوجِبُ عَلى العِبادِ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ.
وأصْلُ سِتَّةَ سِدْسَةُ أُبْدِلَتِ التّاءُ مِن أحَدِ السِّينَيْنِ وأُدْغِمَ فِيها الدّالُّ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّكَ تَقُولُ في التَّصْغِيرِ سُدَيْسَةُ، وفي الجَمْعِ أسْداسٌ، وتَقُولُ جاءَ فُلانًا سادِسًا.
واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، قِيلَ: هَذِهِ الأيّامُ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وهَذِهِ الأيّامُ السِّتُّ أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، وهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِها في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُ لَها كَوْنِي فَتَكُونُ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُعَلِّمَ عِبادَهُ الرِّفْقَ والتَّأنِّيَ في الأُمُورِ، أوْ خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ لِكَوْنِ لِكُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُ أجَلًا، وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ( ق: ٣٨ ) .
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾: قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى هَذا عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا، وأحَقُّها وأوْلاها بِالصَّوابِ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصّالِحِ أنَّهُ اسْتَوى سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِلا كَيْفٍ بَلْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، والِاسْتِواءُ في لُغَةِ العَرَبِ هو العُلُوُّ والِاسْتِقْرارُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوى عَلى ظَهْرِ دابَّتِهِ: أيِ اسْتَقَرَّ، واسْتَوى إلى السَّماءِ: أيْ صَعِدَ، واسْتَوى: أيِ اسْتَوْلى وظَهَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ
واسْتَوى الرَّجُلُ: أيِ انْتَهى شَبابُهُ، واسْتَوى: أيِ انْتَسَقَ واعْتَدَلَ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْنى اسْتَوى هُنا: عَلا، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأوْرَدَ بِهِمْ ماءً ثَقِيفًا بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ وقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمانِيُّ فاسْتَوى
أيْ عَلا وارْتَفَعَ.
والعَرْشُ قالَ الجَوْهَرِيُّ: هو سَرِيرُ المَلِكِ.
ويُطْلَقُ العَرْشُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ مِنها عَرْشُ البَيْتِ: سَقْفُهُ، وعَرْشُ البِئْرِ: طَيُّها بِالخَشَبِ، وعَرْشُ السِّماكِ: أرْبَعَةُ كَواكِبَ صِغارٌ، ويُطْلَقُ عَلى المُلْكِ والسُّلْطانِ والعِزِّ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎تَدارَكْتُما عَبْسًا وقَدْ ثُلَّ عَرْشُها ∗∗∗ وذُبْيانُ إذْ زَلَّتْ بِأقْدامِهِما النَّعْلُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتُ عُرُوشَهم ∗∗∗ بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎رَأوْا عَرْشِي تَثَلَّمَ جانِباهُ ∗∗∗ فَلَمّا أنْ تَثَلَّمَ أفْرَدُونِي
وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ صِفَةُ عَرْشِ الرَّحْمَنِ وإحاطَتِهِ بِالسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وما عَلَيْهِما، وهو المُرادُ هُنا.
قَوْلُهُ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أيْ يَجْعَلُ اللَّيْلَ كالغِشاءِ لِلنَّهارِ فَيُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ضِياءَهُ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يُغَشِّي " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: أغْشى يُغْشِي، وغَشّى يُغَشِّي، والتَّغْشِيَةُ في الأصْلِ: إلْباسُ الشَّيْءِ الشَّيْءَ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ يُغْشِي اللَّيْلَ بِالنَّهارِ اكْتِفاءً بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ ( النَّحْلِ: ٨١ ) .
وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ " يُغْشِي اللَّيْلُ النَّهارَ " عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّيْلِ، ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ مُغْشِيًا اللَّيْلَ النَّهارَ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ حالَ كَوْنِ اللَّيْلِ طالِبًا لِلنَّهارِ طَلَبًا حَثِيثًا لا يَفْتُرُ عَنْهُ بِحالٍ، وحَثِيثًا صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يَطْلُبُهُ طَلَبًا حَثِيثًا: أوْ حالٌ مِن فاعِلِ يَطْلُبُ.
والحَثُّ: الِاسْتِعْجالُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ ولّى حَثِيثًا: أيْ مُسْرِعًا.
قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ: مَعْطُوفٌ عَلى السَّماواتِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِها كُلِّها عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ، وعَلى الثّانِي: الإخْبارُ عَنْ هَذِهِ بِالتَّسْخِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ إخْبارٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ بِأنَّهُما لَهُ، والخَلْقُ: المَخْلُوقُ، والأمْرُ: كَلامُهُ، وهو كُنْ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ( النَّحْلِ: ٤٠ )، أوِ المُرادُ بِالأمْرِ ما يَأْمُرُ بِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، أوِ التَّصَرُّفُ في مَخْلُوقاتِهِ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ في ذَلِكَ الأمَدِ اليَسِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ وتَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، وأنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ قالَ: (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ كَثُرَتْ بَرَكَتُهُ واتَّسَعَتْ، ومِنهُ بُورِكَ الشَّيْءُ وبُورِكَ فِيهِ، كَذا قالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ في تَبارَكَ مَعْناهُ تَعالى وتَعاظَمَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ رَبِّ العالَمِينَ في الفاتِحَةِ مُسْتَكْمَلًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ: يا أخِي أغِثْنِي فَإنِّي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأفِضْ عَلَيَّ مِنَ الماءِ، فَيُقالُ: أجِبْهُ، فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: مِنَ الطَّعامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَسْقُونَهم ويَسْتَطْعِمُونَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ قالَ: طَعامُ الجَنَّةِ وشَرابُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ يَقُولُ: نَتْرُكُهم في النّارِ كَما تَرَكُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم﴾ قالَ: نُؤَخِّرُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: هَلْ ﴿يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ قالَ: عاقِبَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ جَزاؤُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُكَذِّبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قالَ: كُلُّ يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والإقْرارُ بِهِ إيمانٌ، والجُحُودُ كُفْرٌ.
وأخْرَجَ اللّالكائِيُّ عَنْ مالِكٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ كَيْفَ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ؟ فَقالَ: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والِاسْتِواءُ مِنهُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الدُّعاءِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: أنا ضامِنٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ العِشْرِينَ آيَةً في كُلِّ لَيْلَةٍ أنْ يَعْصِمَهُ اللَّهُ مِن كُلِّ سُلْطانٍ ظالِمٍ، ومِن كُلِّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، ومِن كُلِّ سَبْعٍ ضارِي، ومِن كُلِّ لِصٍّ عادِي: آيَةَ الكُرْسِيِّ، وثَلاثَ آياتٍ مِنَ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ( الأعْرافِ: ٥٤ - ٥٦ ) وعَشْرًا مِن أوَّلِ سُورَةِ الصّافّاتِ، وثَلاثَ آياتٍ مِنَ الرَّحْمَنِ، أوَّلُها ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ ( الرَّحْمَنِ: ٣٣ - ٣٥ ) وخاتِمَةَ الحَشْرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أبِي مَرْزُوقٍ قالَ: مَن قَرَأ عِنْدَ نَوْمِهِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ، بَسَطَ عَلَيْهِ مَلَكٌ جَناحَهُ حَتّى يُصْبِحَ وعُوفِيَ مِنَ السَّرَقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ صاحِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: مَرِضَ رَجُلٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ فَجاءَهُ زُمْرَةٌ مِن أصْحابِهِ يَعُودُونَهُ، فَقَرَأ رَجُلٌ مِنهم ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ كُلَّها، وقَدْ أصْمَتَ الرَّجُلُ فَتَحَرَّكَ ثُمَّ اسْتَوى جالِسًا، ثُمَّ سَجَدَ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ حَتّى كانَ مِنَ الغَدِ مِنَ السّاعَةِ الَّتِي سَجَدَ فِيها، قالَ لَهُ أهْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافاكَ، قالَ: بُعِثَ إلى نَفْسِي مَلَكٌ يَتَوَفّاها، فَلَمّا قَرَأ صاحِبُكُمُ الآيَةَ الَّتِي قَرَأ سَجَدَ المَلَكُ وسَجَدْتُ بِسُجُودِهِ، فَهَذا حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ مالَ فَقَضى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ قالَ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِهِ ويَطْلُبُهُ سَرِيعًا حَتّى يُدْرِكَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَلْبَسُ اللَّيْلُ النَّهارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَثِيثًا﴾ قالَ: سَرِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ قالَ: الخَلْقُ ما دُونَ العَرْشِ، والأمْرُ ما فَوْقَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: الخَلْقُ هو الخَلْقُ، والأمْرُ هو الكَلامُ.
7:55–58Page 157
ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥
Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1
وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.
وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨
And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.
أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الدّاعِي مُتَضَرِّعًا بِدُعائِهِ مُخْفِيًا لَهُ، وانْتِصابُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً عَلى الحالِ: أيْ مُتَضَرِّعِينَ بِالدُّعاءِ مُخْفِينَ لَهُ، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيِ ادْعُوهُ دُعاءَ تَضَرُّعٍ ودُعاءَ خُفْيَةٍ.
والتَّضَرُّعُ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ والخُشُوعُ والِاسْتِكانَةُ، والخُفْيَةُ: الإسْرارُ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِعِرْقِ الرِّياءِ، وأحْسَمُ لِبابِ ما يُخالِفُ الإخْلاصَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ أيِ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وفي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَن جاوَزَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، وتَدْخُلُ المُجاوَزَةُ في الدُّعاءِ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
ومِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ: أنْ يَسْألَ الدّاعِي ما لَيْسَ لَهُ كالخُلُودِ في الدُّنْيا، أوْ إدْراكِ ما هو مُحالٌ في نَفْسِهِ، أوْ بِطَلَبِ الوُصُولِ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ في الآخِرَةِ أوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ صارِخًا بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومِنهُ قَتْلُ النّاسِ وتَخْرِيبُ مَنازِلِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ وتَغْوِيرُ أنْهارِهِمْ.
ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ الكُفْرُ بِاللَّهِ والوُقُوعُ في (p-٤٨٠)مَعاصِيهِ، ومَعْنى بَعْدَ إصْلاحِها: بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إعْرابُهُما يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وفِيهِ أنَّهُ يُشْرَعُ لِلدّاعِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ دُعائِهِ خائِفًا وجِلًا طامِعًا في إجابَةِ اللَّهِ لِدُعائِهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ عِنْدَ الدُّعاءِ جامِعًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ.
والخَوْفُ: الِانْزِعاجُ مِنَ المَضارِّ الَّتِي لا يُؤْمَنُ مِن وُقُوعِها، والطَّمَعُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ الأُمُورِ المَحْبُوبَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبَةٌ مِن عِبادِهِ المُحْسِنِينَ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ كانَ إحْسانُهم، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِلْعِبادِ إلى الخَيْرِ وتَنْشِيطٌ لَهم، فَإنَّ قُرْبَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفَوْزُ بِكُلِّ مَطْلَبٍ مَقْصُودٌ لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ في وجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ " رَحْمَةَ اللَّهِ " حَيْثُ قالَ: قَرِيبٌ ولَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِها بِمَعْنى العَفْوِ والغُفْرانِ، ورَجَّحَ هَذا التَّأْوِيلَ النَّحّاسُ.
وقالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرَحُّمِ، وحَقُّ المَصْدَرِ التَّذْكِيرُ.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: أرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرَ، وتَذْكِيرُ بَعْضِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأنْشَدَ:
؎فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَذْكِيرُ " قَرِيبٌ " عَلى تَذْكِيرِ المَكانِ: أيْ مَكانٌ قَرِيبٌ.
قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: وهَذا خَطَّأٌ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ القَرِيبَ إذا كانَ بِمَعْنى المَسافَةِ فَيُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإنْ كانَ بِمَعْنى النَّسَبِ فَيُؤَنَّثُ بِلا اخْتِلافٍ بَيْنَهم.
ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: يُقالُ في النَّسَبِ قَرِيبَةُ فُلانٍ، وفي غَيْرِ النَّسَبِ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ فَيُقالُ: دارُكَ عَنّا قَرِيبٌ وفُلانَةٌ مِنّا قَرِيبٌ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ( الأحْزابِ: ٦٣ ) ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎لَكَ الوَيْلُ أنْ أمْسَنِي ولا أُمُّ هاشِمٍ ∗∗∗ قَرِيبٌ ولا البَسْباسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرا
ورَوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ خَطَّأ الفَرّاءَ فِيما قالَهُ وقالَ: إنَّ سَبِيلَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ أنْ يَجْرِيا عَلى أفْعالِهِما، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُ الرَّحْمَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ جازَ في خَبَرِها التَّذْكِيرُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ.
قَوْلُهُ: " وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وثُبُوتِ إلاهِيَّتِهِ.
ورِياحٌ جَمْعُ رِيحٍ، وأصْلُ رِيحٍ رُوحٌ، وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو " نُشُرًا " بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ جَمْعُ ناشِرٍ عَلى مَعْنى النَّسَبِ: أيْ ذاتِ نُشُرٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ عامِرٍ " نُشْرًا " بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الشِّين مِن نَشَرَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " نَشْرًا " بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ يَرْجِعُ إلى النَّشْرِ الَّذِي هو خِلافَ الطَّيِّ فَكَأنَّ الرِّيحَ مَعَ سُكُونِها كانَتْ مَطْوِيَّةً ثُمَّ تُرْسَلُ مِن طَيِّها فَتَصِيرُ كالمُنْفَتِحَةِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ مُتَفَرِّقَةٌ في وُجُوهِها عَلى مَعْنى نَنْشُرُها هاهُنا وهاهُنا.
وقَرَأ عاصِمٌ بُشْرًا بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وإسْكانِ الشِّينِ جَمْعُ بَشِيرٍ: أيِ الرِّياحُ تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ ( الرُّومِ: ٤٦ ) .
قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرَ: أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرْسِلُ الرِّياحَ ناشِراتٍ أوْ مُبَشِّراتٍ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ " أقَلَّ فُلانٌ الشَّيْءُ: حَمَلَهُ ورَفَعَهُ، والسَّحابُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والمَعْنى: حَتّى إذا حَمَلَتِ الرِّياحُ سَحابًا ثِقالًا بِالماءِ الَّذِي صارَتْ تَحْمِلُهُ سُقْناهُ أيِ السَّحابَ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أيْ مُجْدِبٍ لَيْسَ فِيهِ نَباتٌ، يُقالُ: سُقْتُهُ لِبَلَدِ كَذا، وإلى بَلَدِ كَذا، وقِيلَ: اللّامُ هُنا لامُ العِلَّةِ: أيْ لِأجْلِ بَلَدٍ مَيِّتٍ، والبَلَدُ هو المَوْضِعُ العامِرُ مِنَ الأرْضِ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ أيْ بِالبَلَدِ الَّذِي سُقْناهُ لِأجْلِهِ أوْ بِالسَّحابِ: أيْ أنْزَلْنا بِالسَّحابِ الماءَ الَّذِي تَحْمِلُهُ أوْ بِالرِّيحِ: أيْ فَأنْزَلْنا بِالرِّيحِ المُرْسَلَةِ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ الماءَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ هُنا بِمَعْنى مِن: أيْ فَأنْزَلْنا مِنهُ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ أيْ بِالماءِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ أيْ مِن جَمِيعِ أنْواعِها.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ، وهو إخْراجُ الثَّمَراتِ نُخْرِجُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ حَشْرِهِمْ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَذَكَّرُونَ؛ فَتَعْلَمُونَ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِكم كَما قَدَرَ عَلى إخْراجِ الثَّمَراتِ الَّتِي تُشاهِدُونَها.
قَوْلُهُ: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ .
أيِ التُّرْبَةُ الطَّيِّبَةُ يَخْرُجُ نَباتُها بِإذْنِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ إخْراجًا حَسَنًا تامًّا وافِيًا ﴿والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا﴾ أيْ والتُّرْبَةُ الخَبِيثَةُ لا يَخْرُجُ نَباتُها إلّا نَكِدًا: أيْ لا خَيْرَ فِيهِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نَكْدًا " بِسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ " نَكَدًا " بِفَتْحِ الكافِ: أيْ ذا نَكَدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ نَكِدًا بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ.
وقُرِئَ " يُخْرِجُ " أيْ يُخْرِجُهُ البَلَدُ، قِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ التَّشْبِيهُ شَبَّهَ تَعالى السَّرِيعَ الفَهْمِ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ، والبَلِيدَ بِالبَلَدِ الخَبِيثِ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: هَذا مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ، فَشَبَّهَ القَلْبَ القابِلَ لِلْوَعْظِ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ والنّائِي عَنْهُ بِالبَلَدِ الخَبِيثِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: هو مَثَلٌ لِقَلْبِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: هو مَثَلٌ لِلطَّيِّبِ والخَبِيثِ مِن بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ ويَعْتَرِفُونَ بِنِعْمَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ قالَ: السِّرُّ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ في الدُّعاءِ ولا في غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: التَّضَرُّعُ عَلانِيَةٌ والخُفْيَةُ سِرٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ يَعْنِي مُسْتَكِينًا، وخُفْيَةً: يَعْنِي في خَفْضٍ وسُكُونٍ في حاجاتِكم مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ يَقُولُ: لا تَدْعُوا عَلى المُؤْمِنِ والمُؤْمِنَةِ بِالشَّرِّ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ والعَنْهُ ونَحْوَ ذَلِكَ فَإنَّ ذَلِكَ عُدْوانٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨١)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قالَ: لا تَسْألُوا مَنازِلَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا فَرَضِيَ قَوْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ ( مَرْيَمَ: ٣ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قالَ: بَعْدَما أصْلَحَها الأنْبِياءُ وأصْحابُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ في الآيَةِ قالَ: أحْلَلْتُ حَلالِي وحَرَّمْتُ حَرامِي وحَدَّدْتُ حُدُودِي فَلا تُفْسِدُوها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ قالَ: خَوْفًا مِنهُ وطَمَعًا لِما عِنْدَهُ ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ فَهو مِنَ المُفْسِدِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ الرِّيحَ فَيَأْتِي بِالسَّحابِ مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ طَرَفِ السَّماءِ والأرْضِ مِن حَيْثُ يَلْتَقِيانِ فَيُخْرِجُهُ مِن ثَمَّ، ثُمَّ يَنْشُرُهُ فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ يَفْتَحُ أبْوابَ السَّماءِ فَيَسِيلُ الماءُ عَلى السَّحابِ، ثُمَّ يُمْطِرُ السَّحابُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: يَسْتَبْشِرُ بِها النّاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: هو المَطَرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ قالَ: كَذَلِكَ تَخْرُجُونَ، وكَذَلِكَ النُّشُورُ كَما يَخْرُجُ الزَّرْعُ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ قالَ: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُخْرِجَ المَوْتى أمْطَرَ السَّماءَ حَتّى يُشَقِّقَ عَنْهُمُ الأرْضَ، ثُمَّ يُرْسِلُ الأرْواحَ فَيَهْوِي كُلُّ رُوحٍ إلى جَسَدِهِ، فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى بِالمَطَرِ كَإحْيائِهِ الأرْضَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الآيَةَ قالَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ، يَقُولُ: هو طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ، كَما أنَّ البَلَدَ الطَّيِّبَ ثَمَرُها طَيِّبٌ ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ ضُرِبَ مَثَلًا لِلْكافِرِ كالبَلَدِ السَّبَخَةِ المالِحَةِ الَّتِي لا تَخْرُجُ مِنها البَرَكَةُ، فالكافِرُ هو الخَبِيثُ وعَمَلُهُ خَبِيثٌ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences