Ash-ShawkaniAl‑Anfal · 8:24–29

Ash-Shawkani · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:24–29

8:24–25Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

الأمْرُ هُنا بِالِاسْتِجابَةِ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ هُنا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ كَما وحَّدَهُ في قَوْلِهِ: " ولا تَتَوَلَّوْا " ( الأنْفالِ: ٢٠ ) وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في وجْهِ ذَلِكَ، والِاسْتِجابَةُ: الطّاعَةُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى اسْتَجِيبُوا: أجِيبُوا، وإنْ كانَ اسْتَجابَ يَتَعَدّى بِاللّامِ، وأجابَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ ( الأحْقافِ: ٣١ )، وقَدْ يَتَعَدّى اسْتَجابَ بِنَفْسِهِ كَما قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا أيِ اسْتَجِيبُوا لِما يُحْيِيكم إذا دَعاكم، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ دَعاكم، أيْ إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ حَياتُكم مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ، فالحَياةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ.

قالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: " لِما يُحْيِيكُمُ " الجِهادُ فَإنَّهُ سَبَبُ الحَياةِ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ إذا لَمْ يُغْزَ غَزا، ويُسْتَدَلُّ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إذا بَلَغَهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ رَسُولِهِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يُبادِرَ إلى العَمَلِ بِهِ كائِنًا ما كانَ ويَدَعَ ما خالَفَهُ مِنَ الرَّأْيِ وأقْوالِ الرِّجالِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ باعِثٍ عَلى العَمَلِ بِنُصُوصِ الأدِلَّةِ وتَرْكِ التَّقَيُّدِ بِالمَذاهِبِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يُخالِفُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ كائِنًا ما كانَ.

قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بادِرُوا إلى الِاسْتِجابَةِ قَبْلَ أنْ لا تَتَمَكَّنُوا مِنها بِزَوالِ القُلُوبِ الَّتِي تَعْقِلُونَ بِها بِالمَوْتِ الَّذِي (p-٥٣٤)كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ خافَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ كَثْرَةَ العَدُوِّ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبَدِّلَهم بَعْدَ الخَوْفِ أمْنًا، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم مِنَ الأمْنِ خَوْفًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِقُرْبِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ( ق: ١٦ ) ومَعْناهُ: أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِ القُلُوبِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ.

واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ عِبادِهِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي: " وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وأنَّكم مَحْشُورُونَ إلَيْهِ وهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا، وبِالشَّرِّ شَرًّا.

قالَ الفَرّاءُ: ولَوِ اسْتَأْنَفْتَ فَكَسَرْتَ هَمْزَةَ " إنَّهُ " لَكانَ صَوابًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِثْلَ هَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيِ اتَّقُوا فِتْنَةً تَتَعَدّى الظّالِمَ فَتُصِيبُ الصّالِحَ والطّالِحَ، ولا تَخْتَصُّ إصابَتُها بِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم.

وقَدِ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في دُخُولِ هَذِهِ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ في تُصِيبَنَّ فَقالَ الفَرّاءُ: هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، فَهو جَوابُ الأمْرِ بِلَفْظِ النَّهْيِ: أيْ إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ ( النَّمْلِ: ١٨ ) أيْ إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الجَزاءِ.

وقالَ المِبْرِّدُ: إنَّهُ نَهْيٌ بَعْدَ أمْرٍ.

والمَعْنى: النَّهْيُ لِلظّالِمِينَ: أيْ لا يَقْرَبَنَّ الظُّلْمَ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ، عَنْ سِيبَوَيْهِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، فَإنَّ مَعْناهُ: لا تَكُنْ هاهُنا، فَإنَّ مَن كانَ هاهُنا رَأيْتَهُ.

وقالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ " لا تُصِيبَنَّ " نَهْيٌ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِفِتْنَةٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ،، وزَيْدُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، وأُبَيٌّ،، وابْنُ مَسْعُودٍ " لَتُصِيبَنَّ " عَلى أنَّ اللّامَ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اتَّقَوْا فِتْنَةً واللَّهِ لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مُخالِفًا لِمَعْنى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّها تُفِيدُ أنَّ الفِتْنَةَ تُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً بِخِلافِ قِراءَةِ الجَماعَةِ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ومِن شِدَّةِ عِقابِهِ أنَّهُ يُصِيبُ بِالعَذابِ مَن لَمْ يُباشِرْ أسْبابَهُ، وقَدْ ورَدَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ بِأنَّهُ لا يُصابُ أحَدٌ إلّا بِذَنْبِهِ، ولا يُعَذَّبُ إلّا بِجِنايَتِهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ عَلى العُقُوباتِ الَّتِي تَكُونُ بِتَسْلِيطِ العِبادِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً بِالعُقُوباتِ العامَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَظْلِمُوا قَدْ تَسَبَّبُوا لِلْعُقُوبَةِ بِأسْبابٍ كَتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَتَكُونُ الإصابَةُ المُتَعَدِّيَةُ لِلظّالِمِ إلى غَيْرِهِ مُخْتَصَّةً بِمَن تَرَكَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الظُّلْمِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم﴾ قالَ: لِلْحَقِّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ: قالَ: هو هَذا القُرْآنُ فِيهِ الحَياةُ والثِّقَةُ والنَّجاةُ والعِصْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ بِها بَعْدَ الذُّلِّ، وقَوّاكم بِها بَعْدَ الضَّعْفِ، ومَنَعَكم بِها مِنَ العَذابِ بَعْدَ القَهْرِ مِنهم لَكم، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾» الحَدِيثَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ دُعاءٍ مِنَ اللَّهِ أوْ مِن رَسُولِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ، ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: عِلْمُهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: في القُرْبِ مِنهُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ضَيَّعْتُمُ الخَلِيفَةَ حَتّى قُتِلَ، ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ، قالَ الزُّبَيْرُ: إنّا قَرَأْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ولَمْ نَكُنْ نَحْسَبُ أنّا أهْلُها حَتّى وقَعَتْ فِينا حَيْثُ وقَعَتْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قَرَأ الزُّبَيْرُ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: البَلاءُ والأمْرُ الَّذِي هو كائِنٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وعُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً فَأصابَتْهم يَوْمَ الجَمَلِ فاقْتَتَلُوا، فَكانَ مِنَ المَقْتُولِينَ طَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ وهُما مِن أهْلِ بَدْرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: تُصِيبُ الظّالِمَ والصّالِحَ عامَّةً.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هي مِثْلُ ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ.

8:26–28Page 180

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

(p-٥٣٥)

الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.

والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ فارِسَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَآواكم قالَ: إلى الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا، فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، سَألُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ ما هَذا الأمْرُ ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ.

قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.

وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الكَلْبِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا لُبابَةَ إلى قُرَيْظَةَ وكانَ حَلِيفًا لَهم، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ» .

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ ونَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في " بَراءَةٌ " ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٠٢ ) .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِتَرْكِ فَرائِضِهِ ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ سُنَنِهِ وارْتِكابِ مَعْصِيَتِهِ ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تُنْقِصُوها، والأمانَةُ: الأعْمالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْها العِبادَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِها قَتْلَ عُثْمانَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ في الآيَةِ قالَ: هو الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ.

وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: فِتْنَةُ الِاخْتِبارِ اخْتَبَرَهم، وقَرَأ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ( الأنْبِياءِ: ٣٥ ) .

8:29Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

جَعَلَ - سُبْحانَهُ - التَّقْوى شَرْطًا في الجَعْلِ المَذْكُورِ مَعَ سَبْقِ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَتَّقُونَ أوْ لا يَتَّقُونَ جَرْيًا عَلى ما يُخاطِبُ بِهِ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا، والتَّقْوى: اتِّقاءُ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ والوُقُوعِ في مَناهِيهِ، والفُرْقانُ ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، (p-٥٣٦)والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ لَهم مِن ثَباتِ القُلُوبِ، وثُقُوبِ البَصائِرِ، وحُسْنِ الهِدايَةِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَهُما عِنْدَ الِالتِباسِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ المَخْرَجُ مِنَ الشُّبَهاتِ، والنَّجاةُ مِن كُلِّ ما يَخافُونَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎وكَيْفَ أُرَجّى الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ وما لِي مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ

وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ بِالفُرْقانِ الفَتْحُ والنَّصْرُ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفُرْقانُ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبِمَثَلِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ،: الفُرْقانُ النَّجاةُ.

ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرُ الفُرْقانِ بِالمَخْرَجِ والنَّجاةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ( الطَّلاقِ: ٢ ) وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ.

﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ يَسْتُرُها حَتّى تَكُونَ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ﴿ويَغْفِرْ لَكم﴾ ما اقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئاتِ: الصَّغائِرُ، وبِالذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ: الكَبائِرُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فَهو المُتَفَضِّلُ عَلى عِبادِهِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: هو المَخْرَجُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هو النَّجاةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو النَّصْرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском