At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:19–21
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
القول في تأويل قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ
قال أبو جعفر: ومعنى " الدين "، في هذا الموضع: الطاعة والذّلة، من قول الشاعر: (28)
وَيَــوْمُ الحَــزْنِ إِذْ حُشِـدَتْ مَعَـدٌّ
وَكَــانَ النَّــاسُ, إِلا نَحْــنُ دِينَـا (29)
يعني بذلك: مطيعين على وجه الذل، ومنه قول القطامي:
كانَتْ نَوَارُ تَدِينُك الأدْيانا (30)
يعني: تُذلك، وقول الأعشى ميمون بن قيس:
هُـوَ دَانَ الـرِّبَابَ إذْ كَـرِهُـوا الـدِّ
ينَ دِرَاكًـا بِغَـــزْوَةٍ وَصِيَــالِ (31)
يعني بقوله: " دان " ذلل = وبقوله: " كرهوا الدين "، الطاعة.
* * *
وكذلك " الإسلام "، وهو الانقياد بالتذلل والخشوع، والفعل منه: " أسلم " بمعنى: دخل في السلم، كما يقال: " أقحط القوم "، إذا دخلوا في القحط،
&; 6-275 &;
" وأربعوا "، إذا دخلوا في الربيع = فكذلك " أسلموا "، إذا دخلوا في السلم، وهو الانقياد بالخضوع وترك الممانعة. (32)
* * *
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: " إنّ الدّين عند الله الإسلام ": إنَّ الطاعةَ التي هي الطاعة عنده، الطاعةُ له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذّلة، وانقيادُها له بالطاعة فيما أمر ونهى، وتذلُّلها له بذلك، من غير استكبار عليه، ولا انحراف عنه، دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودة والألوهة. (33)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
6763 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إنّ الدين عندَ الله الإسلام "، والإسلام: شهادة أنّ لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، (34) وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيرَه ولا يجزى إلا به.
6764 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، حدثنا أبو العالية في قوله: " إن الدين عند الله الإسلام "، قال: " الإسلام "، الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، &; 6-276 &; وإقامُ الصّلاة، وإيتاءُ الزكاة، وسائرُ الفرائض لهذا تَبعٌ.
6765 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: أَسْلَمْنَا [سورة الحجرات: 14]، قال: دخلنا في السِّلم، وتركنا الحرب. (35)
6766 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " إنّ الدين عند الله الإسلام "، أي: ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ، والتصديق للرسل. (36)
* * *
القول في تأويل قوله : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل - وهو " الكتاب " الذي ذكره الله في هذه الآية - في أمر عيسى، وافترائهم على الله فيما قالوه فيه من الأقوال التي كثر بها اختلافهم بينهم، وتشتّتت بها كلمتهم، وباين بها بعضهم بعضًا؛ حتى استحلّ بها بعضُهم دماءَ بعض =" إلا من بعد ما جَاءهم العلم بغيًا بينهم "، يعني: إلا من بعد ما علموا الحقّ فيما اختلفوا فيه من أمره، وأيقنوا أنهم فيما يقولون فيه من عظيم الفِرْية مبطلون. (37) فأخبر الله عباده أنهم أتوا ما أتوا من الباطل، وقالوا من القول الذي هو كفر بالله، على علم منهم بخطأ &; 6-277 &; ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلا منهم بخطئه، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه الاختلافَ الذي هم عليه، تعدِّيًا من بعضهم على بعض، وطلبَ الرياسات والملك والسلطان، كما:-
6767 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وما اختلف الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم "، قال: قال أبو العالية، إلا من بعد ما جاءهم الكتابُ والعلم =" بغيًا بينهم "، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس.
6768 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن ابن عمر: أنه كان يكثر تلاوة هذه الآية: " إنّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم "، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها. مِنْ قِبَلها والله أتِينا! ما كان علينا مَنْ يكون علينا، (38) بعد أن يأخذ فينا كتابَ الله وسنة نبيه، ولكنا أتِينا من قبلها.
6769 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: إن موسى لما حضره الموتُ دعا سبعين حَبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كلّ حبر جُزءًا منه، (39) واستخلف موسى يوشع بن نون. فلما مضى القرن الأول ومضى الثاني ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم - وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين - حتى &; 6-278 &; أهَرقوا بينهم الدماء، ووقع الشرّ والاختلاف. وكان ذلك كله من قبل الذين أتوا العلم، بغيًا بينهم على الدنيا، طلبًا لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلَّط الله عليهم جبابرتهم، فقال الله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ إلى قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ .
* * *
فقولُ الربيع بن أنس هَذا، (40) يدلّ على أنه كان عنده أنه معنيٌّ بقوله: " وما اختلف الذين أوتوا الكتاب "، اليهودُ من بني إسرائيل، دون النَّصارى منهم، وغيرهم. (41)
* * *
وكان غيره يوجه ذلك إلى أن المعنىّ به النصارى الذين أوتوا الإنجيل.
ذكر من قال ذلك:
6770 - حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم "، الذي جاءك، أي أنّ اللهَ الواحدُ الذي ليس له شريك =" بغيًا بينهم "، يعني بذلك النصارى. (42)
* * *
&; 6-279 &;
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ومن يجحدُ حجج الله وأعلامه التي نصَبها ذكرَى لمن عقل، وأدلةً لمن اعتبر وتذكر، فإن الله محص عليه أعماله التي كان يعملها في الدنيا، فمجازيه بها في الآخرة، فإنه جل ثناؤه " سريع الحساب "، يعني: سريع الإحصاء. وإنما معنى ذلك أنه حافظ على كل عامل عمله، لا حاجة به إلى عقد كما يعقده خلقه بأكفِّهم، أو يعونه بقلوبهم، ولكنه يحفظ ذلك عليهم، بغير كلفة ولا مؤونة، ولا معاناة لما يعانيه غيرُه من الحساب. (43)
* * *
وبنحو الذي قلنا في معنى " سريع الحساب "، كان مجاهد يقول:
6771 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب "، قال: إحصاؤه عليهم.
6772 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب "، إحصاؤه.
----------------------------------
الهوامش :
(28) لم أعرف قائله بعد.
(29) سيأتي في التفسير 26: 115 (بولاق) ومعه بيت سنذكره. والشطر الثاني من البيت الأول في اللسان (دين) ، وفي غيره من كتب اللغة. وأنا في شك من صحة هذا البيت ، ولم أعرف"يوم الحزن" ، ما أراد به. وأظن"حشدت" ، "حشرت" من"الحشر" ، والبيت الذي يليه:
عَصَيْنَــا عَزْمَــةَ الجَبَّـارِ, حـتَّى
صَبَحْنَــا الجُــرْفَ ألفًـا مُعْلِمِينَـا
هكذا صححته هنا من معاني القرآن للفراء ، تفسير سورة (ق) مخطوطة ، وهو في المطبوعة من التفسير (26: 115)"صحبنا الخوف أكفًا" وهو كلام لا معنى له. وقد قال الطبري بعد هذا البيت هناك"ويروى: الحوف. وقال: أراد بالجبار: المنذر ، لولايته" وصوابه"الجرف" فإذا كان ذلك كذلك ، فأكبر ظني أنه كما أثبته"الجرف" (بضم الجيم وسكون الراء): وهو موضع بالحيرة كانت به منازل المنذر.
وفي الطبري هناك"صحبنا" وهو خطأ. و"صبحنا" ، من قولهم: "صبح القوم شرًا" أي جاءهم به ، و"صبحتهم الخيل" ، جاءتهم صبحًا. و"ألفًا" يعني: ألف فرس عليها فرسانها. و"المعلم": الفارس يجعل لنفسه علامة الشجعان ، أو جعل على فرسه علامة ، فهو فرس معلم. يريد: غزونا معقل المنذر الجبار ومنازله ، وصبحناه فدمرنا عليه منازله. وفي الطبري"حرمة الجبار" ، والتصحيح من معاني القرآن للفراء ، كما أسلفت.
(30) ديوانه: 15 ، من أبيات جياد وصف فيها صاحبته"أميمة" ، وسماها"جنوب" في البيت الذي رواه الطبري ، وسماها"نوار" ، ويروى: "ظلوم" ، فكان مما قال:
رَمَـتِ المَقَـاتِلَ مِـنْ فُـؤَادِكَ, بَعْدَ ما
كــانَتْ جَــنُوبُ تَــدِينُكَ الأدْيانَـا
""أي": تفعل بك الأفاعيل. ويقال: تستعبدك ، أو: أنها كانت تعذبك. أو تدينك: تجزيك".
وَأَرَى الغَــوَانِي إنّمَــا هِـيَ جِنَّـةٌ
شَــبَهُ الرِّيَــاحِ تَلَــوَّنُ الأَلْوَانَــا
فَـإذَا دَعَـوْنَكَ عَمَّهُـنّ, فَـلاَ تُجِــبْ
فَهُنَــاكَ لاَ يَجِــدُ الصَّفَـاءُ مَكَانَــا
نَسَــبٌ يَـزِيــدُكَ عِنْـدَهُنّ حَقَـارَةً
وعَـــلَى ذَوَاتِ شَــبَابِهِنّ هَوَانَــا
وَإذَا وَعَــدْنَ, فَهُــنَّ أكـثَرُ واعِـدٍ
خُلْفًــا, وَأمْلَــحُ حــانِثٍ أيْمَانَــا
وَإذَا رَأَيْــنَ مِــنَ الشّـبَابِ لدُونَـةً,
فَعَسَــتْ حِبَــالُكَ أَنْ تَكـونَ مِتَانَـا!
وهذا شعر بارع مقدم.
(31) مضى بيان هذا البيت فيما سلف 3: 571.
(32) انظر تفسير"الإسلام" و"السلم" فيما سلف 2: 510 ، 511 / ثم 3: 73 ، 74 ، 92 ، 94 ، 110 / ثم 4: 251-255.
(33) في المطبوعة: "في العبودية والألوهية" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد مضى استعماله العبودة فيما سلف ص: 271 ، تعليق: 1. و"الألوهة ، والإلاهة ، والألوهية": العبادة ، وانظر ما سلف 1: 124 وما قبلها.
(34) قوله: "بما جاء به" ، الضمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأنه قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ، ولا تتم شهادة إلا به ، بأبي هو وأمي. وهكذا ذكره السيوطي بنصه في الدر المنثور 2: 12 ، ونسبه إلى عبد بن حميد أيضًا بهذا اللفظ.
(35) الأثر: 6765- سيأتي في تفسير"سورة الحجرات" (26- 90 بولاق) ، بغير هذا اللفظ مطولا: "وأسلمنا: استسلمنا ، دخلنا في السلم ، وتركنا المحاربة والقتال". وإسناده هو هو.
(36) الأثر: 6766 - رواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق 2: 227 ، وأسقط"من" من قوله: "من التوحيد". وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 6761.
(37) انظر تفسير"البغي" فيما سلف 2: 342 / ثم تفسير مثل هذه الآية فيما سلف 4: 281 ، 282.
(38) في المطبوعة: "ما كان علينا من يكون بعد أن يأخذ فينا..." حذف"علينا" الثانية فاختلط الكلام اختلاطًا ، والصواب من المخطوطة. ومعناه: ما كان يضيرنا أن يكون علينا واليًا كائنًا من كان ، بعد أن يقيم فينا كتاب الله وسنة رسوله؟
(39) هكذا جاء نص هذه العبارة في المخطوطة أيضًا ، وفي الدر المنثور 2: 13 ، كأنه قال: استودع كل حبر جزءًا منه. وهي عبارة فيها ما فيها.
(40) في المطبوعة والمخطوطة: "يقول الربيع بن أنس هذا يدل..." ، وهو فاسد جدًا. فإن هذا قول الطبري وتعليقه على خبر الربيع. والصواب ما أثبت ، كما هو ظاهر.
(41) قوله: "دون النصارى منهم" معناه: دون النصارى من الذين أوتوا العلم. أما قوله: "وغيرهم" ، أي: ودون غير النصارى من الذين أوتوا العلم ، إشارة إلى ما جاء في خبر ابن عمر السالف رقم 6768. وكان في المطبوعة: "دون النصارى منهم ومن غيرهم" ، وهي جملة لا يستقيم معناها ، فحذفت"من" لذلك.
(42) الأثر: 6770- رواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق 2: 227 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6766 ، وقوله: "يعني بذلك النصارى" ، ليس في ابن هشام ، وكأنه من تفسير الطبري للخبر.
(43) انظر معنى"الكفر" و"الآيات" فيما سلف من فهارس اللغة (كفر) ، و (أبى). وتفسير"سريع الحساب" فيما سلف 4: 207 ، وأيضًا: 274 ، 275 / ثم: هذا: 101 ، 102.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
القول في تأويل قوله : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن حاجَّك: يا محمد، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، (44) فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي. وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: " أسلمت وجهي لله "، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه. (45)
* * *
وأما قوله: " ومن اتبعني"، فإنه يعني: وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله معي. و " من " معطوف بها على " التاء " في" أسلمت "، كما:-
6773 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فإن حاجُّوك " أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: " خَلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا "، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق =" فقل أسلمت وَجهي لله ومن اتبعني". (46)
* * *
&; 6-281 &;
القول في تأويل قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " وقل "، يا محمد، = للذين أوتوا الكتاب " من اليهود والنصارى =" والأميين " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب =" أأسلمتم "، يقول: قل لهم: هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين، دون سائر الأنداد والأشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم وإقراركم بربوبيتهم، (47) وأنتم تعلمون أنه لا ربّ غيره ولا إله سواه =" فإن أسلموا "، يقول: فإن انقادوا لإفراد الوحدانية لله وإخلاص العبادة والألوهة له =" فقد اهتدوا "، يعني: فقد أصابوا سبيل الحق، وسلكوا مَحَجَّة الرشد. (48)
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: " فإن أسلموا فقد اهتدوا " عقيب الاستفهام؟ وهل يجوز على هذا في الكلام أن يقال لرجل: " هل تقوم؟ فإن تقم أكرمك "؟
قيل: ذلك جائز، إذا كان الكلام مرادًا به الأمر، وإن خرج مخرج الاستفهام، كما قال جل ثناؤه: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [سورة المائدة: 91]، يعني: انتهوا، وكما قال جل ثناؤه مخبرًا عن الحواريين أنهم قالوا لعيسى: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [سورة المائدة: 112]، وإنما هو مسألة، كما يقول الرجل: " هل أنت &; 6-282 &; كافٌّ عنا "؟ بمعنى: اكفف عنا، وكما يقول الرجل للرجل: " أينَ، أين "؟ بمعنى: أقم فلا تبرح، ولذلك جُوزي في الاستفهام كما جوزي في الأمر في قراءة عبد الله: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ آمِنُوا ) [سورة الصف: 10، 11]، ففسرها بالأمر، (49) وهي في قراءتنا على الخبر. فالمجازاة في قراءتنا على قوله: " هل أدلكم "، وفي قراءة عبد الله على قوله: "آمنوا "، على الأمر، لأنه هو التفسير. (50)
* * *
وبنحو معنى ما قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل:
6774 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين "، الذين لا كتاب لهم =" أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا " الآية. (51)
6775 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين "، قال: الأميون الذين لا يكتبون.
* * *
&; 6-283 &;
القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإن تولوا "، وإن أدبروا مُعرضين عما تدعوهم إليه من الإسلام وإخلاص التوحيد لله رب العالمين، (52) فإنما أنت رسولٌ مبلِّغ، وليس عليك غير إبلاغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه من خلقي، وأداء ما كلَّفتك من طاعتي =" والله بصيرٌ بالعباد "، (53) يعني بذلك: والله ذو علم بمن يقبل من عباده ما أرسلتك به إليه فيطيعك بالإسلام، وبمن يتولَّى منهم عنه معرضًا فيردّ عليك ما أرسلتك به إليه، فيعصيك بإبائه الإسلامَ.
-------------------------
الهوامش :
(44) انظر تفسير"حاج" فيما سلف 3: 120 ، 201 / ثم 5: 429 ، 430.
(45) انظر تفسير"أسلم وجهه" فيما سلف 2: 510-512 ، وتفسير"الإسلام" في مراجعه التي ذكرتها آنفًا ص: 275 تعليق: 1.
(46) الأثر: 6773 - رواه ابن هشام في سيرته 2: 227 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 6770.
(47) "الأشراك" جمع"شريك" ، كما يقال: يتيم وأيتام وشريف وأشراف. وقياسه شركاء ، مثل شرفاء.
(48) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف في فهارس اللغة. وتفسير"الأميين" فيما سلف: 257-259 ، والأثر رقم: 5827 ، وفي كلام الطبري نفسه 5: 441 ، تعليق: 2.
(49) في معاني القرآن للفراء 1: 202"ففسر (هل أدلكم) بالأمر" ، وما هاهنا شبيه بالصواب أيضًا. هذا ، وقراءتنا في مصحفنا"تؤمنون بالله" مكان"آمنوا" في قراءة عبد الله.
(50) هذا نص ما في معاني القرآن للفراء 1: 202.
(51) الأثر: 6774- ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق 2: 227 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6773.
(52) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 2: 162-164 ، 298 ، 299 / ثم 3: 115 ، 131 / ثم 4: 237.
(53) انظر تفسير"بصير بالعباد" فيما سلف آنفًا: 262. والمراجع في التعليق: 3.
3:21Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (54) " إن الذين يكفرون بآيات الله "، أي: يجحدون حجج الله وأعلامه فيكذبون بها، من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، كما:-
6776 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ثم جمع أهل الكتابين جميعًا، وذكر ما أحدثوا وابتدعوا، &; 6-284 &; من اليهود والنصارى فقال: " إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حقّ" إلى قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ . (55)
* * *
وأما قوله: " ويقتلون النبيين بغير حقّ"، فإنه يعني بذلك - أنهم كانوا يقتلون رُسل الله الذين كانوا يُرسَلون إليهم بالنهي عما يأتون من معاصي الله، وركوب ما كانوا يركبونه من الأمور التي قد تقدم الله إليهم في كتبهم بالزجر عنها، نحو زكريا وابنه يحيى، وما أشبههما من أنبياء الله. (56)
* * *
القول في تأويل قوله : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة أهل المدينة والحجاز والبصرة والكوفة وسائر قرأة الأمصار: ( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ )، بمعنى القتل.
* * *
وقرأه بعض المتأخرين من قرأة الكوفة: ( وَيُقَاتِلُونَ )، بمعنى القتال، تأوّلا منه قراءةَ عبد الله بن مسعود، وادعى أن ذلك في مصحف عبد الله: ( وَقَاتَلُوا )، فقرأ الذي وصفنا أمرَه من القراءة بذلك التأويل: ( وَيُقَاتِلُونَ ).
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: " ويقتلون "، لإجماع الحجة من القرأة عليه به، (57) مع مجيء التأويل من أهل التأويل بأن ذلك تأويله.
&; 6-285 &;
ذكر من قال ذلك:
6777 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن معقل بن أبي مسكين في قول الله: " ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس "، قال: كان الوحي يأتي إلى بني إسرائيل فيذكِّرون [قومهم] - ولم يكن يأتيهم كتاب - فيقتلون، (58) فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم، فيذكِّرون قومهم فيقتلون، فهم: الذين يأمرون بالقسط من الناس.
6778 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: " ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس "، قال: هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكِّرونهم، فيقتلونهم.
6779 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: " إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس "، قال: كان ناس من بني إسرائيل ممن لم يقرأ الكتاب، كان الوحي يأتي إليهم فيذكِّرون قومهم فيقتلون على ذلك، (59) فهم: الذين يأمرون بالقسط من الناس.
6780 - حدثني أبو عبيد الرصّابي محمد بن حفص قال، حدثنا ابن حِمْير قال، حدثنا أبو الحسن مولى بني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله، أىّ الناس أشدّ عذابًا يوم القيامة؟ &; 6-286 &; قال: " رجل قتل نبيًّا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس " (60) إلى أن انتهى إلى " وما لهم من ناصرين "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا من أول النهار في ساعة واحدة! فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عُبَّاد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله عز وجل. (61)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: إنّ الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله ونهيه، الذين يَنهونهم عن قتل أنبياء الله وركوب
* * *
&; 6-287 &;
القول في تأويل قوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) فأخبرهم يا محمد وأعلمهم: أنّ لهم عند الله عذابًا مؤلمًا لهم، وهو الموجع.
-----------------
الهوامش :
(54) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك جل ثناءه" والسياق يقتضي ما أثبت.
(55) الأثر: 6776- ابن هشام 2: 227 من بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: 6774.
(56) انظر تفسير"يقتلون النبيين بغير الحق" فيما سلف 2: 140-142.
(57) هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، وهي عبارة لا أرتضيها ، وأظن صوابها"لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به". وانظر معاني القرآن للفراء 1: 202 في بيان قراءة الكسائي هذه.
(58) هكذا نص الطبري ، ونقله كذلك في الدر المنثور 2: 13 وزدت منه ما بين القوسين. ومعنى عبارته أن الوحي كان يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل ، كما هو بين في الروايات الأخرى ، التي رواها البغوي في تفسيره (هامش ابن كثير) 2: 117 ، 118 ، والقرطبي 4: 46.
(59) قوله: "كان ناس من بني إسرائيل. . . كان الوحي يأتي إليهم" بحذف خبر"كان" الأولى ، عبارة فصيحة محكمة في العربية ، قد نبهت إلى مثلها مرارًا فيما سلف.
(60) في المخطوطة والمطبوعة ، والدر المنثور 2: 13"الذين يقتلون النبيين" ، وفي غيرها"ويقتلون" وأثبت ما جاء في رواية ابن أبي حاتم ، فيما أخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 118 ، وهو نص التلاوة.
(61) الأثر: 6780-"أبو عبيد الوصابي: محمد بن حفص الحمصي" مضت ترجمته برقم: 129 (وانظر ما سيأتي رقم: 7009) ، وكان هناك في الإسناد"حدثني أبو عبيد الوصابي ، قال حدثنا محمد بن حفص" فرجح أخي السيد أحمد أن يكون خطأ ، وقد أصاب ، وكان الأجود حذف"قال حدثنا" من ذلك الإسناد.
وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"أبو عبيد الرصافي محمد بن جعفر" والصواب من تفسير ابن كثير 2: 118."وابن حمير" هو: "محمد بن حمير بن أنيس القضاعي" ، روى عن إبراهيم عن أبي عبلة ، ومحمد بن زياد الألهاني ، ومعاوية بن سلام وغيرهم. سئل عنه أحمد فقال: "ما علمت إلا خيرًا" ، وقال ابن معين: "ثقة" وقال ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به". وكان في المطبوعة: "ابن حميد" بالدال ، وهو خطأ ، صوابه من ابن كثير ، والبغوي بهامشه: 2: 118. وهو مترجم في التهذيب. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، وذكر أبا عبيد الوصابي هذا فقال: "أدركته وقصدت السماع منه ، فقال لي بعض أهل حمص: ليس بصدوق ، ولم يدرك محمد بن حمير ، فتركته". أما "أبو الحسن مولى بني أسد" ، فقد ترجمه الحافظ في لسان الميزان 6: 364 قال؛: "أبو الحسن الأسدي" حدثنا عنه أبو كريب. مجهول ، انتهى. ولم ينفرد عنه أبو كريب ، بل روى عنه محمد بن حمير. وقال في روايته"مولى بني أسد ، عن مكحول" ، أخرج حديثه الطبري وابن أبي حاتم ، وذكره أبو حاتم فيمن لا يعرف اسمه". هذا وقد خرجه البغوي من طريق محمد بن عمرو بن حنان الكلبي ، عن محمد بن حمير" (بهامش تفسير ابن كثير 2: 118).
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences