At-TabariAl‑Ma'idah · 5:25–27

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:25–27

5:25Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا، من قولهم: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ = أنه قال عندَ ذلك، وغضب من قيلهم له، (5) داعيا: يا رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي= يعني بذلك، لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي.

* * *

= من قول القائل: " ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا "، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره. (6)

* * *

ويعني بقوله: " فافرق بيننَا وبين القوم الفاسقين "، افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا.

* * *

=من قول القائل: " فَرَقت بين هذين الشيئين "، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز: (7)

يَــا رَبِّ فــافْرُقْ بَيْنَــهُ وَبَيْنِـي

أَشَــدَّ مَــا فَــرَّقْتَ بَيْـنَ اثْنَيْـنَ (8)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك:

11686 - حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال، حدثني عمي &; 10-189 &; قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيني وبينهم.

11687 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيننا وبينهم.

11688 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "، فدعا عليهم فقال: " رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها. (9)

11689 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم= كلّ هذا يقول الرجل: " اقض بيننا " (10)

فقضاء الله جل ثناؤه بينه وبينهم: أن سماهم " فاسقين ". (11)

* * *

وعنى بقوله: " الفاسقين " الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه.

* * *

وقد دللنا على أن معنى " الفسق "، الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (12)

* * *

5:26Page 112

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الناصب لِـ" الأربعين ".

فقال بعضهم: الناصب له قوله: " محرّمة "، وإنما حرم الله جل وعزّ على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حَرْب الجبارين (13) = دخولَ مدينتهم أربعين سنة، (14) ثم فتحها عليهم وأسكنهموها، (15) وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن انقضت الأربعون سنة وخرجوا من التيه. (16)

11690 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: " إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين "، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم " فاسقين " بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونـزلوا، (17) فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا= وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. (18) وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نـزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ = وإنما قولهم: حِطَّةٌ ، أن يحطَّ عنهم خطاياهم= فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا: " حنطة "، فقال الله جل ثناؤه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [سورة البقرة: 59]. (19)

* * *

وقال آخرون: بل الناصب لِـ" الأربعين "،" يتيهون في الأرض ". قالوا: ومعنى الكلام: قال، فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين أحد ممن قال: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها، فتيَّههم الله فلم يدخلها منهم أحدٌ.

ذكر من قال ذلك:

11691 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله جل وعزّ: " إنها محرمة عليهم "، قال: أبدًا.

11692 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: " يتيهون في الأرض "، قال: أربعين سنة.

11693 - حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون &; 10-192 &; النحوي قال، حدثني الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: " فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض "، قال: التحريم، التيهاءُ. (20)

11694 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي الآية، فقال الله جل وعز: " فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ". فلما ضُرِب عليهم التيه، ندم موسى. وأتاه قومه الذين كانوا [معه] يطيعونه، (21) فقال له: ما صنعت بنا يا موسى! فمكثوا في التيه. فلما خرجوا من التيه، رُفع المنُّ والسلوى وأكلُوا من البقول. والتقى موسى وعاج، (22) فنـزا موسى في السماء عشرة أذرع (23) = وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع= فأصاب كعب عاج فقتله. (24) ولم يبق [أحد] ممن أبى أن يدخل قرية الجبَارين مع موسى، إلا مات ولم يشهد الفتح. (25) ثم إن الله جل وعز لما انقضت الأربعون سنة، بعث يوشع بن النون نبيًا، (26) فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزم الجبارين واقتحمُوا عليهم يقتُلونهم، (27) فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها. (28)

11695 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، (29) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله جل وعز: لما دعا موسى=" فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ". (30) قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه. (31)

قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة. (32)

11696 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله جل وعزّ: " إنها محرّمة عليهم أربعين سنة "، حرمت عليهم [القُرَى]، (33) فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، (34) =وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا. (35)

11697 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت= من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا= ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، (36) فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، (37) وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم. فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، (38) ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، (39) فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: " إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية "، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، (40) وإنك تحفظ [ذنب] الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. (41) فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، (42) وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، (43) وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، (44) لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، (45) ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، (46) فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه.

=وكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، (47) وكلم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل. (48) وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، (49) ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، (50) من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، (51) فلا تدخلوا الأرض التي رفعت [يدي] إليها، (52) ولا ينـزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة= جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي= بأن يتيهوا في القفار، (53) فيها يموتون.

= فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.

=فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، (54) وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: " لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم ". فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة= يعني من الخيمة (55) = حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. (56) فتيّههم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. =قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، (57) وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان -فيما يزعمون- على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، (58) قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن " الأربعين " منصوبة بـ" التحريم "= وإنّ قوله: " محرمة عليهم أربعين سنة "، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم. (59) فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.

وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، (60) كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها.

11698 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، (61) فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميتًا، فكان جسرًا للناس يمرُّون عليه. (62)

11699 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، (63) فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة. (64)

* * *

ومعنى: " يتيهون في الأرض "، يحارون فيها ويضلُّون= ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: " تائه ". وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه.

11700 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع. (65)

11701 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فلا تأس "، فلا تحزن.

يقال منه: " أسِيَ فلان على كذا يأسىَ أسًى "، و " قد أسيت من كذا "، أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس:

وُقُوفًـا بِهَـا صَحْـبي عَـلَيَّ مَطِيَّهُـمْ

يَقُولُــونَ: لا تَهْلِـكْ أَسًـى وتَجَـمَّل (66)

يعني: لا تهلك حزنًا.

* * *

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

11702 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فلا تأس " يقول: فلا تحزن.

11703 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط، عن السدي: " فلا تأس على القوم الفاسقين "، قال: لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما نَدِم أوحى الله إليه: " فلا تأس على القوم الفاسقين "، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم " فاسقين "، فلم يحزن. (67)

---------------------

الهوامش :

(5) في المطبوعة والمخطوطة: "من قيلهم لهم" ، والسياق يقتضي"له" ، وسياق العبارة: "أنه قال عند ذلك.. داعيًا: يا رب..".

(6) انظر تفسير"ملك" فيما سلف قريبًا ص: 105.

(7) لعله: حبينة بن طريف العكلي. وانظر التعليق التالي. و"حبينة" بالباء ، والنون وأخطأ من ظن أنه بنونين.

(8) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 160 ، وهكذا جاء هناك وهنا. وفي المخطوطة: "يا رب فارق" ، وصححه في المطبوعة ، وجاء تصحيحه موافقًا لما في مجاز القرآن. ولم أجد الرجز بهذا اللفظ ، وظني أنه رجز حبينة بن طريف العكلي ، له خبر طويل (انظر تهذيب إصلاح المنطق 1: 138) ، كان بينه وبين ليلى الأخيلية كلام ، فقال لها: "أما والله لو أن لي منك النصف ، لسببتك سبًا يدخل معك قبرك!!" ثم راجزها وفضحها ، فقال في رجزه ذلك:

جَارِيَــةٌ مــنْ شِـعْب ذي رُعَيْـنِ

حَيَّاكَـــةٌ تَمْشِـــي بِعُلْطَتَيْـــنِ

وَذِي هِبَـــابٍ نَعِــظِ الْعَصْــرَيْنِ

قَــدْ خَلَجَــتْ بحــاجِبٍ وعَيْــنِ

يَــا قَــوْمِ خَــلُّوا بَيْنَهـا وَبَيْنِـي

أَشَــدَّ مَــا خُــلِّي بَيْــنَ اثْنَيْـنَ

لــم يُلْــقَ قَــطُّ مِثْلَنَــا سِـيَّيْنِ

"حياكة" ، تحيك في مشيتها ، أي تتبختر. و"وتتثط بالعلطتان" ، قلادتان أو ودعتان تكون في أعناق الصبيان ، "خجلت العين" واضطربت. يصفها بالغمز للرجال."سيين": مثلين. و"هب التيس هبابًا وهبيبًا" ، هاج ونب للسفاد.

وتجد هذا الشعر وخبره مفرقًا في المؤتلف والمختلف للآمدي: 97 ، وإصلاح المنطق: 89 ، وتهذيب إصلاح المنطق: 138 ، واللسان (خلج) (علط) (نعظ) (عرك) ، والمخصص 2: 47. والشعر بهذه الرواية لا شاهد فيه.

(9) "عجلة" مصدر الواحدة من قولهم: "عجل" ، إذا أسرع.

(10) في المطبوعة: "كل هذا من قول الرجل" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه صواب ، وكأنه يقول"افرق بينا" و"اقض بينا" ، و"افتتح بيننا" كل ذلك يقول الرجل بمعنى"اقض بيننا".

(11) في المطبوعة والمخطوطة: "فقضى الله" ، وآثرت قراءتها كذلك لحسن سياقها ، وهو في المخطوطة يكثر أن يكتب"قضاء" هكذا"قضى" ، كما سلف مرارا.

(12) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف 1: 409 ، 410/2: 118/ ثم 9: 515 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(13) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنما حرم الله جل وعز القوم.." ، والسياق يقتضي ما أثبت ، بزيادة"على".

(14) قوله"دخول" منصوب ، مفعول لقوله: "حرم". وكان في المطبوعة: "ودخول مدينتهم" ، وهو خطأ لا شك فيه ، والكلام لا يستقيم.

(15) في المطبوعة: "وأسكنوها" ، غير ما في المخطوطة لغير علة.

(16) في المطبوعة: "بعد أن قضيت الأربعون سنة" ، غير ما في المخطوطة لغير علة.

(17) في المطبوعة: "حتى يمسوا وينزلوا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب.

(18) قوله: "ما هي قائمة لهم" ، كأنه يعني أن ثيابهم كانت لا تبلي ، بل لا تزال قائمة. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ينشأ" بغير واو ، فزدتها لاقتضاء السياق.

(19) الأثر: 11690- كأن هذا هو الأثر الذي ذكر أبو جعفر إسناده ولم يتمه فيما مضى رقم: 993. فلا أدري أفعل ذلك اختصارا ، أم سقط الخبر من هناك.

(20) الأثر: 11693-"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي".

و"هرون النحوي" ، هو: "هرون بن موسى الأزدي" ، الأعور.

و"الزبير بن الحزيت". ثقات مضوا جميعًا برقم: 4985.

وهذا الخبر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 225 ، 226.

وكان في المطبوعة هنا: "التحريم ، لا منتهى له" ، وهو تصرف معيب بالغ العيب. وفي المخطوطة: "التحريم ، المنتهى" ، فآثرت قراءتها"التيهاء" يقال: "أرض تيه ، وتيهاء" ، ويقال ، "تيه" جمع"تيهاء" ، وهي المفازة يتاه فيها. وفي تاريخ الطبري 1: 226"التحريم: التيه".

(21) هذه الزيادة بين القوسين مما مضى في 2: 98 ، رقم: 991.

(22) في المطبوعة: "عوج" في هذا المكان ، وكل ما سيأتي ، وأثبت ما في المخطوطة.

(23) في المطبوعة: "فوثب" ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة. و"نزا ينزو نزوا" ، وثب. وهي كما أثبتها في تاريخ الطبري 2: 223.

(24) عند هذا الموضع انتهى ما رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.

(25) زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبري ، ولا يستقيم الكلام إلا بها.

(26) في المطبوعة: "بن نون".

(27) في المطبوعة: "يقاتلونهم" ، وأثبت ما في المخطوطة. وفي تاريخ الطبري: "فقتلوهم".

(28) الأثر: 11694- هذا الأثر رواه أبو جعفر مفرقًا بين تاريخه وتفسيره ، كما مر عليك في التعليقات السالفة. ومن عند ذلك الموضع الذي أشرت إليه في ص: 192 التعليق رقم: 5 ، إلى هذا الموضع رواه أبو جعفر في التاريخ 1: 225.

(29) في المخطوطة: "أبو سعد" ، وهو خطأ ، وانظر الأثر السالف رقم: 11668.

(30) في المطبوعة: "قال لما دعا موسى قال الله فإنها محرمة.." ، غير ما في المخطوطة ، مع أنه مطابق لما في تاريخ الطبري.

(31) في المخطوطة؛"جاز العشرين" ، وما في المطبوعة مطابق لما في التاريخ.

(32) الأثر: 11695- هذا الأثر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 225.

(33) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري ، وهي زيادة لا بد منها. وكان في المطبوعة والمخطوطة بعد"وكانوا" بالواو ، والصواب من التاريخ.

(34) "الأطواء" جمع"طوى" (بفتح الطاء ، وكسر الواو ، وتشديد الياء): وهو البئر المطوية بالحجارة ، وهو صفة على"فعيل" بمعنى"مفعول" انتقل إلى الأسماء ، فلذلك جمعوه على"أفعال" كما قالوا: "شريف" و"أشراف" ، و"يتيم" ، و"أيتام".

(35) الأثر: 11696- رواه أبو جعفر في التاريخ 1: 225 ، إلا قوله: "إنما يتتبعون الأطواء".

(36) كان في المطبوعة: "على نار فيه الرمز" ، وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة"على فيه الرمز" كل ذلك غير منقوط ، وصواب قراءته كما أثبت ، فإني أشك في كلمة"نار" التي كانت في المطبوعة ، والتي في المخطوطة غير منقوطة ، فرجحت قراءتها"باب" ، لأنه يكثر في كتاب القوم: "باب خيمة الاجتماع" كما في سفر العدد ، الإصحاح العاشر مثلا. و"خيمة الاجتماع" ، هي التي جاءت في خبر بن إسحق"قبة الزمر" ، و"الزمر" جمع"زمرة" وهي الجماعة. ويقابل ما رواه ابن إسحق هنا في سفر العدد ، الإصحاح الرابع عشر ، "ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع" ، فثبت بهذا أن"خيمة الاجتماع" هي"قبة الزمر". و"القبة" عند العرب. هي خيمة من أدم مستديرة.

هذا ، وخبر ابن إسحق هذا بطوله ، هو ترجمة أخرى للإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. فمن المفيد مراجعته ، كما أسلفت في ص: 183 ، تعليق 2. وسأجتهد في بيان بعض خلاف الترجمة هنا.

(37) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "أضربهم بالموت" ، وفي كتاب القوم"بالوبأ" ، وغير بعيد أن يكون لفظ"الموت" مصحفا عن"الوبأ".

(38) في كتاب القوم: "فيسمع المصريون..".

(39) في المطبوعة: "ساكنو هذه البلاد" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(40) من الحسن أن تقرأ هذا النص في كتاب القوم ، فإنه هناك: "فالآن لتعظم قدرة سيدي كما تكلمت قائلا. الرب طويل الروح ، كثير الإحسان ، يغفر الذنب والسيئة".

(41) في المطبوعة: "إلى ثلاثة أجيال وأربعة" ، وأثبت ما في المخطوطة. و"الأحقاب" جمع"حقب" (بضم فسكون ، أو بضمتين): وهي الدهر ، قيل: ثمانون سنة ، وقيل أكثر. وأما ما بين القوسين فقد استظهرته من كتاب القوم ، فإن الكلام بغيره غير مستقيم. وهو في كتابهم: "بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع".

(42) في المطبوعة: "ولكن قد أتى أني أنا الله" ، غير ما في المخطوطة ، إذ لم يحسن قراءته ، وهو كما أثبته ، وهو في كتاب القوم أيضًا: "ولكن حي أنا فتملأ كل الأرض من مجد الرب".

(43) في المطبوعة والمخطوطة: "ألا ترى القوم" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، وهو بمعناه في كتاب القوم.

(44) في المطبوعة: "وسلوني عشر مرات" ، و"ابتلاه": اختبره ، وفي كتاب القوم: "وجربوني عشر مرات".

(45) في المطبوعة: "التي خلقت" ، وهو ليس صحيح المعنى ، بل هو باطل. وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وهي في كتاب القوم"حلفت" كما هي في رسم المخطوطة ، وكما أثبتها ، واتفقت على ذلك الترجمة القديمة ، وهذه الترجمة التي بين أيدينا. والمعنى في ذلك: الأرض التي أقسمت لآبائهم بعزتي وجلالي أن أجعلها لأبنائهم.

(46) في ترجمة القوم: "وأما عبدي كالب ، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى. وقد اتبعني تمامًا".

(47) في المطبوعة والمخطوطة: "في طريق يحرسون" ، وهو تصحيف وتحريف. والصواب ما أثبته و"بحر سوف" هو المعروف باسم"البحر الأحمر" ، وكان العرب يعرفونه باسم"بحر القلزم" ، و"القلزم": مدينة قديمة كانت قرب أيلة والطور. و"السوف" لعلها نطق قديم لقول العرب"السيف" (بكسر السين) ، وهو ساحل البحر ، ولعله قد سمى به موضع هناك ، فنسب إليه البحر.

(48) "وسوس عليه" ، و"الوسوسة" ، مضت في الأثر رقم: 11663 ، ولم أشرحها هناك.

وأصل"الوسوسة": الصوت من الريح ، أو صوت الحلي والقصب وغيرها. و"الوسوسة" أيضا: كلام خفي مختلط لا يستبين."وسوس الرجل": إذا تكلم بكلام لم يبينه. وهذه ترجمة بلا شك يراد بها الإكثار من الكلام الخفي المبهم ، يتناقله القوم بينهم متذمرين. ويقابله في ترجمة القوم ، في الكتاب الذي بين أيدينا: "قد سمعت تذمر بني إسرائيل.."

(49) في كتاب القوم هكذا: "لأفعلن بكم كما تكلمتم في أذني".

(50) في المطبوعة: "وحسابكم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، يعني: مثل عددكم ، أي جميعا. وفي كتاب القوم: "جميع المعدودين منكم حسب عددكم".

(51) انظر تفسير"الوسوسة" آنفا ص 195 ، رقم: 7.

(52) في المطبوعة والمخطوطة: "التي دفعت إليها" ، وليس له معنى ، فجعلتها"رفعت" وزدت"يدي" بين القوسين استظهارًا من نص كتاب القوم ، وفيه: "التي رفعت يدي لأسكننكم فيها".

(53) في المطبوعة: "قد أتى أني أنا الله......... الذين وعدوا بأن يتيهوا........" ، وأثبتت ما في المخطوطة. وفي كتاب القوم: "........فتعرفون ابتعادي. أنا الرب قد تكلمت ، لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة على. في هذا القفر يفنون وفيه يموتون".

(54) في المطبوعة: "على رأس الجبل" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(55) في المطبوعة: "يعني من الحكمة" ، والصواب ما أثبت ، لأن"التابوت" كان في خيمة. واللفظة في المخطوطة غير بينة الكتابة. وانظر صفة"الخيمة" التي كان فيها التابوت في قاموس كتابهم.

(56) إلى هذا الموضع انتهى الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. وقد تبين أن ما رواه ابن إسحق ، هو ترجمة أخرى لهذا الإصحاح. ولغة ترجمة ابن إسحق تخالف كل المخالفة ، عبارة ابن إسحق في سائر ما كتب من السير ، وفيها عبارات وجمل وألفاظ ، لا أشك في أنها من عمل مترجم قديم. ومحمد بن إسحق مات في نحو سنة 150 من الهجرة ، فهذه الترجمة التي رواها عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قد تولاها بلا ريب رجال قبل هذا التاريخ ، أي في القرن الأول من الهجرة. وهذا أمر مهم ، أرجو أن أتتبعه فيما بعد حتى أضع له تاريًخا يمكن أن يكشف عن أمر هذه الترجمة العتيقة.

(57) في المطبوعة: "التي تتيهوا" بتاءين ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري 1: 226.

(58) من أول قوله: "فلما شب النواشئ" ، إلى هذا الموضع ، مروي في تاريخ الطبري 1: 226.

(59) في المطبوعة: "عوج بن عنق" ، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر ما سلف أنه روى في اسمه"عاج" ص: 192 ، تعليق: 2.

(60) في المطبوعة: "باعوراء" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(61) في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.

(62) الأثر: 11698- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.

(63) في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.

(64) الأثر: 11699- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.

هذا ، وكل ما رواه أبو جعفر من أخبار عوج ، وما شابهه مما مضى في ذكر ضخامة خلق هؤلاء الجبارين ، إنما هي مبالغات كانوا يتلقونها من أهل الكتاب الأول ، لا يرون بروايتها بأسًا. وهي أخبار زيوف لا يعتمد عليها.

(65) الأثر: 11700- انظر الأثر السالف رقم: 11690.

(66) ديوانه: 125 ، من معلقته المشهورة.

(67) الأثر: 11703- هو بعض الأثر السالف قديمًا رقم: 991. وأسقط ناشر المطبوعة الأولى: "فلم يحزن" ، لأنها كانت في المخطوطة: "فلا تحزن" ، فظنها تكرارًا فحذفها ، وهي ثابتة كما كتبتها في الأثر السالف: 991.

5:27Page 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].

القول في تأويل قوله عز وجل : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك (68) = وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، (69) وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي= (70) خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده. (71) فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، (72) وهمَّهم &; 10-202 &; بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم (73) = في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده= عزاءً جميلا. (74)

* * *

واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قَبُول الله عز وجل ما تقبل منه، ومَنِ اللذان قرَّبا؟

فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه، وكان سبب القبول أن المتقبَّل منه قرَّب خير ماله، وقرب الآخر شر ماله، وكان المقرِّبان ابني آدم لصلبه، أحدهما: هابيل، والآخرُ: قابيل.

ذكر من قال ذلك:

11704 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن هشام بن سَعْد، عن إسماعيل بن رافع قال: بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، (75) فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما. (76)

11705 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو قال: إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا= وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه= وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، (77) غير طيبةٍ بها نفسه= وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه. (78)

* * *

وقال آخرون: لم يكن ذلك من أمرِهما عن أمرِ الله إياهما به.

ذكر من قال ذلك:

11706 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدَّق عليه، (79) وإنما كان القربان يقرِّبه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا " لو قربنا قربانًا "! وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله جل وعزّ، أرسل إليه نارًا فأكلته. وإن لم يكن رضيَه الله، خَبَتِ النار. فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإنّ صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنَها، وقرب الآخر بعضَ زرعه. (80) فجاءت النار فنـزلت يينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتَمْشي في الناس وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتُقبِّل منك، ورُدَّ علي؟ فلا والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني!! فقال: لأقتلنَّك! فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. (81)

11707 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إذ قربا قربانًا "، قال: ابنا آدم، هابيل وقابيل، لصلب آدم. فقرّب أحدهما شاةً، وقرب الآخر بَقْلا فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.

11708 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

11709 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذْ قرّبا قربانًا " قال: هابيل وقابيل، فقرب هابيل عَنَاقًا من أحسن غَنَمه، (82) وقرب قابيل زرعًا من زرعه. قال: فأكلت النار العَناقَ، ولم تأكل الزرع، فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

11710 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدا في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا " قال: هو هابيل وقابيل لصُلْب آدم، قربا قربانًا، قرب أحدهما شاة من غنمه، وقرب الآخر بَقْلا فتُقُبِّل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك! فقتله. فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه حَظِيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلما ذهب مَلَك جاء الآخر.

11711 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "، قال: قرّب هذا كبشًا، وقرّب هذا صُبَرًا من طعام، (83) فتقبل من أحدهما، قال: تُقُبل من صاحب الشاة، ولم يتقبل من الآخر.

11712 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "، كان رجلان من بني آدم، فتُقُبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.

11713 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، قال: كان أحدهما اسمه قابيل، والآخر هابيل، أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب زرع، فقرب هذا من أمثل غنمه حَمَلا وقرّب هذا من أرذَلِ زرعه، (84) قال: فنـزلت النار فأكلت الحمل، فقال لأخيه: لأقتلنك!

11714 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، (85) فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، (86) تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي!= ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه. فالله أعلم أيّ ذلك كان= فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه= وبعضهم يقول: قرب بقرة= فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله. (87)

11715 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن ابن مسعود= وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، (88) فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء: " احفظي ولدي بالأمانة "، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، (89) وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنـزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين. (90)

11716 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمَد إلى خير ماشيته فتقرّب بها، فنـزلت عليه نار فأكلته= وكان القربان إذا تُقُبل منهم، نـزلت عليه نار فأكلته. وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطيرُ والسباع= وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه فتقرب به، فلم تنـزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

11717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، قال: هما هابيل وقابيل، قال: كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك!

11718 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " إذ قرّبا قربانًا "، قال: قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق. (91)

* * *

وقال آخرون: اللذان قرّبا قربانًا، وقصَّ الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية: رجلان من بني إسرائيل، لا من ولد آدم لصلبه.

ذكر من قال ذلك:

11719 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القُربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات. (92)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بـِ" ابني آدم " اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ" ابني آدم "، [ابني آدم لصلبه]، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، (93) مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا.

* * *

وقد ذكرنا كثيًرا ممن نُصَّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرًا ممن لم يذكر إن شاء الله.

11720 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسام بن المِصَكّ، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك!= فقال: " بياك "، أضحكك. (94)

11721 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال، قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال:

تَغَــيَّرَتِ الْبِــلادُ وَمَــنْ عَلَيْهَــا

فَلَـــوْنُ الأَرْضِ مُغْــــبَرٌّ قَبِيــحُ

تَغَــيَّرَ كُــلُّ ذِي لَــوْنٍ وَطَعْــمٍ

وَقَــلَّ بَشَاشَــةُ الْوَجْــهِ الْمَلِيــحِ

فأجيب آدم عليه السلام:

أَبَــا هَــابِيلَ قَــدْ قُتِـلا جَمِيعًـا

وَصَــارَ الْحَــيُّ كَـالْمَيْتِ الـذَّبِيـحِ

وَجَــاءَ بِشِــرَّةٍ قَــدْ كَـانَ مِنْهَـا

عَــلَى خَـوْفٍ, فَجَـاءَ بِهَـا يَصِيـحُ (95)

* * *

قال أبو جعفر: وأما القول في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبرَ عبادَه عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قرّبا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك= وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أيّ ذلك كان، فلم يقرّبا ذلك إلا طلب قرْبةٍ إلى الله إن شاء الله.

* * *

وأما تأويل قوله: " قال لأقتلنك "، فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: " لأقتلنك "، فترك ذكر: " المتقبل قربانه " و " المردود عليه قربانه "، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته. وكذلك ترك ذكر " المتقبل قربانه " مع قوله،" قال إنما يتقبل الله من المتقين ".

* * *

وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.

11722 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قال لأقتلنك "، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. (96)

11723 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إنما يتقبل الله من المتقين "، قال يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، (97) وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني!

* * *

ويعني بقوله: " من المتقين "، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته. (98)

* * *

وقد قال جماعة من أهل التأويل: " المتقون " في هذا الموضع، الذين اتقوا الشرك.

ذكر من قال ذلك:

11724 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " إنما يتقبل الله من المتقين "، الذين يتقون الشرك.

* * *

وقد بينا معنى " القربان " فيما مضى= وأنه " الفعلان " من قول القائل: " قرَّب "، كما " الفُرْقان "" الفعلان " من " فرق "، و " العُدْوان " من " عدا ". (99)

* * *

وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمَّتنا، كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يُعْلم المتقبل منها وغير المتقبَّل =فيما ذكر= بأكل النار ما تُقُبل منها، وترك النار ما لم يُتقبّل منها. (100) و " القربان " في أمّتنا، الأعمال الصالحة، من الصَّلاة، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداءِ الزكاة المفروضة. ولا سبيل لها إلى العلم في عاجلٍ بالمتقبَّل منها والمردود. (101)

* * *

وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بَكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقد كنتَ وكنتَ! فقال: يبكيني أنّي أسمع الله يقول: " إنما يتقبل الله من المتقين ".

11725 - حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي قال، حدثني سعيد بن عامر، عن همّام، عمن ذكره، عن عامر. (102)

* * *

وقد قال بعضهم: قربان المتقين، الصلاة.

11726 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليمان، عن عدي بن ثابت قال: كان قربان المتّقين، الصلاة. (103)

----------------------

الهوامش :

(68) أخطأ ناشر المطبوعة الأولى فهم هذه العبارة ، فجعلها"واتل على هؤلاء الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم عليك وعلى أصحابك معك" ، فزاد"عليك" ، وجعل"معهم" ، "معك" فأخرج الكلام من عربية أبي جعفر ، إلى كلام غسل من عربيته.

وسياق الكلام: واتل على هؤلاء اليهود.. وعلى أصحابك معهم". فسبحان من سلط الناشرين على الكاتبين!!

(69) "الختر": هو أسوأ الغدر. وأقبح الخديعة ، وفي الحديث: "ما ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو" ، وفي التنزيل: "وما يحجد بآياتنا إلا كل ختار كفور". ولم يحسن ناشر المطبوعة قراءة"الختر" ، فجعل مكانها"الجور".

(70) قوله"خبر ابني آدم" منصوب ، مفعول قوله: "واتل على هؤلاء اليهود" ، وما بين الخطين ، جملة فاصلة للبيان.

وانظر تفسير"يتلو" فيما سلف 2: 409 ، 411 ، 569/3: 86/6: 466/7: 97. وتفسير"نبأ" فيما سلف 1: 488 ، 489/6: 259 ، 404.

(71) في المطبوعة: "الجائر" ، وانظر تفسير"الختر" فيما سلف تعليق: 2 ، وهي في المخطوطة غير منقوطة.

(72) في المطبوعة: "وخامة غب عدوهم" ، وهو فاسد مريض ، وهي في المخطوطة كما كتبتها غير منقوطة.

(73) يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

(74) السياق: "فإن لك ولهم.. عزاء جميلا".

(75) "أنتج" (بالبناء للمجهول) ، أي: ولد. و"الحمل" (بفتحتين): الخروف.

(76) الأثر: 11704-"هشام بن سعد المدني" ، ثقة ، تكلموا فيه من جهة حفظه. مضى برقم: 5490. وكان في المطبوعة هنا: "بن سعيد" ، والصواب من المخطوطة.

"إسمعيل بن رافع بن عويمر المدني القاص" ، ضعيف جدا ، مضى برقم: 4039.

(77) "الكوزن" ، هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وفي تاريخ الطبري"الكوذر" ، ولم أجدها في شيء مما بين يدي من الكتب. والذي وجدته أن"الدوسر": نبات كنبات الزرع ، له سنبل وحب دقيق أسمر ، يكون في الحنطة ، ويقال هو"الزوان". و"الزوان" (بضم الزاي): ما يخرج من الطعام فيرمي به ، وهو الرديء منه. وقيل: هو حب يخالط الحنطة ، تسميه أهل الشأم: "الشيلم".

(78) الأثر: 11705- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71 ، وسيأتي برقم: 11727 ، مختصرًا. وفي المطبوعة هنا: "أن يبسط يده إلى أخيه" ، زاد"يده" ، وهي ليست في المخطوطة ، ولا في التاريخ ، ولا في هذا الأثر الذي سيرويه مرة أخرى بعد.

(79) في المطبوعة: "فيتصدق" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.

(80) في المطبوعة: "أبغض زرعه" ، غير ما في المخطوطة ، وهي موافقه لما في التاريخ. ويعني بقوله: "بعض زرعه" ، أي: ما اتفق له ، غير متخير كما تخير أخوه. وهو كقوله في الأثر رقم: 11709."زرعا من زرعه".

(81) الأثر: 11706- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71 ، وسيأتي برقم: 11750 ، بزيادة في آخره.

(82) "العناق" (بفتح العين): وهي الأنثى من المعز ما لم تتم سنة.

(83) "الصبر" (بضم الصاد وفتح الباء) جمع"صبرة" (بضم فسكون): كومة من طعام بلا كيل ولا وزن. ويقال: "اشتريت الشيء صبرة" ، أي بلا كيل ولا وزن. وفي المطبوعة: "صبرة" وأثبت ما في المخطوطة.

(84) في المطبوعة: "من أردإ زرعه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(85) في المطبوعة في الموضعين"توأمة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي تاريخ الطبري: "توأمته". و"التوأم" و"التئم" (بكسر فسكون) و"التؤم"(بضم فسكون) ، و"التئيم" ، هو من جميع الحيوان ، المولود مع غيره في بطن ، من الاثنين إلى ما زاد ، ذكرًا كان أوأنثى ، أو ذكرًا مع أنثى.ويقال أيضا"توأم للذكر"و"توأمة" للأنثى.

وفي المخطوطة والمطبوعة في جميع المواضع"قابيل". وأما في التاريخ ، فهو في جميع المواضع"قين" مكان"قابيل" ، وهما واحد ، فتركت ما في المطبوعة والمخطوطة على حاله ، وإن كان يخالف ما رواه أبو جعفر في التاريخ.

(86) في المطبوعة: "وكرهه" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.

(87) الأثر: 11714- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 70.

(88) في المطبوعة: "كان.." بغير واو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(89) "الجذعة" من الضأن والمعز ، الصغير ، لم يتم سنته.

(90) الأثر: 11715- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 68 ، 69.

(91) "العناق": أنثى المعز ، ما لم تتم سنة.

(92) الأثر: 11719-"سهل بن يوسف الأنماطي" ، روى عن ابن عون ، وعوف الأعرابي ، وحميد الطويل ، وغيرهم. روى عنه أحمد ، ويحيى بن معين ، ومحمد بن بشار ، وغيرهم. مترجم التهذيب.

وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71.

وسيأتي رد هذا الذي قاله الحسن فيما سيأتي ص: 219 ، 220.

(93) في المطبوعة ، بغير الزيادة التي بين القوسين. أما المخطوطة ، فكانت العبارة غير مستقيمة ، كتب هكذا: "أنه عني بابني آدم لصلبه بني بنيه الذين بعد منه نسبهم" فالصواب زيادة ما زدته بين القوسين ، وزيادة"لا" كما فعل في المطبوعة السابقة.

(94) الأثر: 11720-"حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي". روى عن الحسن. وابن سيرين ، وقتادة ، ونافع مولى ابن عمر. روى عنه أبو داود الطيالسي ، وهشيم ، ويزيد بن هرون ، وغيرهم. ضعفوه ، حتى قال ابن معين: "كان كثير الخطأ ، فاحش الوهم ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في التهذيب.

(95) الأثر: 11721-"غياث بن إبراهيم النخعي ، الكوفي" ، قال يحيى بن معين: "كذاب خبيث". وقال خالد بن الهياج: "سمعت أبي يقول: رأيت غياث بن إبراهيم ، ولو طار على رأسه غراب لجاء فيه بحديث! وقال: إنه كان كذابًا يضع الحديث من ذات نفسه". مترجم في الكبير 4/1/109 ، وابن أبي حاتم 3/2/57 ، وفي لسان الميزان ، وميزان الاعتدال.

وفي المخطوطة والمطبوعة ، سقط من الإسناد"عن غياث بن إبراهيم" ، وزدته من إسناد أبي جعفر في تاريخه 1: 72 ، وروى الخبر هناك.

(96) الأثر: 11722- هذا ختام الأثر السالف رقم: 11706.

(97) قوله: "بأشر ما عندك" ، أي: "بشر ما عندك" ، وهي لغة قليلة. وقد مضت في الخبر رقم: 5080 ، وانظر التعليق هناك: 5: 85 ، تعليق: 1.

(98) انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).

(99) انظر ما سلف 7: 448.

(100) انظر الأثرين السالفين: 8310 ، 8311.

(101) قوله: "لها" ، الضمير عائد إلى قوله: "أمتنا".

(102) الأثر: 11725-"محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي" ، مضى برقم: 6225 ، 6809.

و"سعيد بن عامر الضبعي" ، ثقة مأمون. مترجم في التهذيب.

و"همام" هو"همام بن يحيى بن دينار الأزدي" ، ثقة صدوق. مترجم في التهذيب.

و"عامر بن عبد الله العنبري" ، هو"عامر بن عبد الله بن عبد قيس العنبري" ، ويقال: "عامر بن عبد قيس" ، أحد الزهاد الثمانية ، وهم: "عامر بن عبد الله بن عبد قيس ، وأويس القرني ، وهرم بن حبان ، والربيع بن خثيم ، ومسروق بن الأجدع ، والأسود بن يزيد ، وأبو مسلم الخولاني ، والحسن بن أبي الحسن البصري". انظر ترجمته في حلية الأولياء 2: 87-95 ، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل: 218- 228. ولم أجد هذا الخبر في أخباره في الكتابين.

(103) الأثر: 11726-"عمران بن سليمان القيسي" ، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في لسان الميزان.

و"عدي بن ثابت الأنصاري" ، ثقة ، إلا أنه كان يتشيع. مات سنة 116. مترجم في التهذيب.

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском