At-Tabari · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:31–33
5:31Page 112
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
القول في تأويل قوله عز ذكره : فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أحدُ الأدلة على أن القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو، عن الحسن، (139) لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية، لو كانا من بني إسرائيل، لم يجهل القاتلُ دفنَ أخيه ومواراة سوأة أخيه، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه، ولم يكن القاتلُ منهما أخاه عَلِم سنّة الله في عبادِهِ الموتى، (140) ولم يدر ما يصنع بأخيه المقتول. فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينًا حتى أراحت جيفته، (141) فأحب الله تعريفَه السنة في موتى خلقه، فقيَّض له الغرابين اللذين وصف صفتهما في كتابه.
* * *
ذكر الأخبار عن أهل التأويل بالذي كان من فعل القاتل من ابني آدم بأخيه المقتول، بعد قتله إياه.
11752 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي روق الهمداني، عن أبيه، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: " أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب "؟ فدفن أخاه. (142)
11753 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه "، بعث الله جل وعز غرابًا حيًّا، إلى غراب ميت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب " الآية.
11754 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك= وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن عبد الله= وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن. فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه. فلما رآه قال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي"، فهو قول الله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ".
11755 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يبحث "، قال: بعث الله غرابًا حتى &; 10-226 &; حفر لآخر إلى جنبه ميت= وابن آدم القاتل ينظر إليه= ثم بحث عليه حتى غيَّبه. (143)
11756 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " غرابًا يبحث في الأرض "، حتى حفر لآخر ميت إلى جنبه، فغيّبه، وابن آدم القاتل ينظر إليه، حيث يبحثُ عليه حتى غيبه، فقال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الآية.
11757 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض "، قال: بعث الله غرابًا إلى غراب، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فجعل يَحْثِي عليه التراب، (144) فقال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".
11758 - حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض "، قال: جاء غراب إلى غراب ميّت، فحثَى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الآية.
11759 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح، (145) وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله.
11760 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة &; 10-227 &; قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه "، أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك = يعني ابن آدم = ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب " الآية، إلى قوله: " من النادمين ".
11761 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: أما قوله: " فبعث الله غرابًا "، قال: قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه حين رآه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".
11762 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه "، قال: وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ، فقال: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".
11763 - حدثني المثنى قال، حدثنا معلَّى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قول الله: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، قال: بعث الله عزّ وجل غرابًا، فجعل يَبْحَثُ على غراب ميت الترابَ. قال: فقال عند ذلك: " أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ".
11764 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض "، بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الآية.
11765 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت= [قال]: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي" الآية= [إلى قوله: ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ، قال]: (146) ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، (147) أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا! فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك. فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها! (148) قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني! فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، (149) وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله عز وجل من شرقي عدن الجنة. (150)
11766 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعدُ. (151)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: فأثار الله للقاتل (152) =إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول=" غرابًا يبحث في الأرض "، يقول: يحفر في الأرض، فيثير ترابها=" ليريه كيف يواري سوأة أخيه "، يقول: ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه.
* * *
وقد يحتمل أن يكون عُنِيَ بـ" السوأة "، الفرج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة، بذلك جاء تأويل أهل التأويل.
* * *
قال أبو جعفر: وفي ذلك محذوفٌ ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: " فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميتٍ فواراه فيها "، فقال القاتل أخاه حينئذ: " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب "، الذي وارى الغرابَ الآخر الميتَ=" فأواري سوأة أخي"، فواراه حينئذ=" فأصبح من النادمين "، على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه. (153)
* * *
وكل ما ذكر الله عز وجلّ في هذه الآيات، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود= الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم= من بني النضير، (154) إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرَّفهم جل وعز رداءة سجيَّة أوائلهم، (155) وسوء استقامتهم على منهج الحق، مع كثرة أياديه وآلائه عندهم. وضرب مثلهم في غَدْرهم، (156) ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم، بابني آدم المقرِّبَين قرابينهما، (157) اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات. ثم ذلك مثلٌ لهم على التأسِّي بالفاضل منهما دون الطالح. (158) وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
11767 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال، قلت لبكر بن عبد الله، أما بلغك أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله جل وعز ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا خيرَهما ودعوا شرَّهما "؟ قال: بلى.
11768 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابني آدم ضُرِبا مثلا لهذه الأمة، فخذوا بالخير منهما.
11769 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهم ودعوا الشر. (159)
* * *
---------------
الهوامش :
(139) يعني الأثر: 11719 ، وانظر ما سلف أيضًا في ص: 219.
(140) في المخطوطة: "في عاده الموتى" ، وفي المطبوعة: "في عادة الموتى" ، وهذا كلام لا معنى له ، صواب قراءته ما أثبت.
(141) "أراح اللحم" ، أنتن وسطعت له ريح خبيثة.
(142) الأثر: 11752-"يحيى بن أبي روق" ، هو"يحيى بن عطية بن الحارث الهمداني الكوفي. ضعيف. قال يحيى بن معين"ليس بثقة". مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 4/2/180 وأبوه"أبو روق" هو"عطية بن الحارث الهمداني" ، ثقة ، لا بأس به. مضى برقم: 137 ، 9632.
(143) "بحث عليه": يعني حفر التراب عليه وغطاه به.
(144) "حثا عليه التراب يحثوه حثوًا" و"حثى عليه التراب يحثيه حثيًا": هاله. والثاني منهم أعلى من الأول وأفصح. وقد مضت: "حثا" ، وستأتي في الآثار التالية: "يحثو" ، فأغنانا ذكرها هنا عن ذكرها فيما سلف وما سيأتي.
(145) "أروح اللحم ، وأراح". أنتن ، وانظر للتعليق السالف ص: 224 ، تعليق: 4.
(146) زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبري.
(147) في المطبوعة والمخطوطة: "قابيل" ، وفي التاريخ مكان"قابيل" في كل موضع"قين" ، وانظر ص: 205 ، تعليق: 3.
(148) في المخطوطة: "قال ومن عظمت خطيئتي" ، وصوابها"قال قين: عظمت..." كما في التاريخ ولكن المخطوطة جرت هنا على أن تضع"قابيل" مكان"قين" ، فوضع الناشر الأول للتفسير"قال قابيل" وهو حسن.
(149) كانت هذه الجملة في المطبوعة: "ولا يكون كل قاتل قتيلا يجزي واحدا ، ولكن يجزي سبعة" وهي فاسدة كل الفساد ، صححتها من تاريخ الطبري ، ولكني سرت على نهج المخطوطة في وضع"قابيل" مكان"قين" ، فكتبت"من قتل قابيل".
(150) الأثر: 11765- هذا الذي رواه ابن إسحق من قول أهل التوراة ، تجده في كتاب القوم في سفر التكوين ، في الإصحاح الرابع ، وهو ترجمة أخرى لهذه الفقرة من هذا الإصحاح. وانظر ما سلف ص: 183 ، تعليق: 2.
(151) "نشفت الأرض الماء تنشفه نشفًا" (على وزن: علم يعلم): شربته.
(152) انظر تفسير"بعث" فيما سلف 2: 84 ، 85/5: 457.
(153) في المخطوطة: "في قتله أخيه" ، والصواب ما في المطبوعة ، أو تكون: "في قتل أخيه".
(154) السياق: "... عن اليهود... من بني النضير".
(155) في المخطوطة هكذا: "ردأ سجه أوائلهم" وغير منقوطة ، وما في المطبوعة مقارب للصواب.
(156) في المطبوعة: "في عدوهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة.
(157) في المخطوطة والمطبوعة: "قرا بينهم" ، والصواب ما أثبت.
(158) في المخطوطة: "دون الصالح" ، وهو خطأ محض. ولعل الأصل: "بالصالح منهما دون الطالح".
(159) الآثار: 11767- 11769- هذه الثلاثة أخبار مرسلة ، لم أهتد إلى شيء منها في دواوين السنة.
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
القول في تأويل قوله عز ذكره : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " من أجل ذلك "، من جرِّ ذلك وجَريرته وجنايته. يقول: من جرِّ القاتل أخاه من ابني آدم= اللذين اقتصصنا قصتهما= الجريرةَ التي جرَّها، وجنايتِه التي جناها=" كتبنا على بني إسرائيل ".
* * *
يقال منه: " أجَلْت هذا الأمر "، أي: جررته إليه وكسبته،"آجله له أجْلا "، كقولك: " أخَذْته أخذًا "، ومن ذلك قول الشاعر: (1)
وَأَهْــلِ خِبَــاءٍ صَـالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهـمْ
قَـدِ احْـتَرَبُوا فِـي عَـاجِلٍ أَنَـا آجِلُه (2)
يعني بقوله: " أنا آجله "، أنا الجارُّ ذلك عليه والجانِي.
* * *
فمعنى الكلام: من جناية ابن آدم القاتل أخاه ظلمًا، حكمنا على بني إسرائيل أنه من قتل منهم نفسًا ظلمًا، بغير نفس قتلت، فقتل بها قصاصًا (3) =" أو فساد في الأرض "، يقول: أو قتل منهم نفسًا بغير فسادٍ كان منها في الأرض، فاستحقت بذلك قتلها. و " فسادها في الأرض "، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل. (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:
ذكر من قال ذلك:
11770 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل "، يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله جل ثناؤه: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ".
فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدَّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا.
ذكر من قال ذلك:
11771 - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي قال، حدثنا الفضل &; 10-233 &; بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من شدّ على عضُد نبيّ أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا. (5)
11772 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، يقول: من قتل نفسًا واحدًة حرَّمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعًا=" ومن أحياها "، يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرمتها مَخَافتي، واستحياها أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعًا= يعني بذلك الأنبياء.
* * *
وقال آخرون: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، عند المقتول في الإثم=" ومن أحياها "، فاستنقذها من هلكةٍ=" فكأنما أحيا الناس جميعًا "، عند المستنقذ.
ذكر من قال ذلك:
11773 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك= وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة الهمداني، عن عبد الله= وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتَلَ &; 10-234 &; الناس جميعًا "، عند المقتول، يقول: في الإثم=" ومن أحياها "، فاستنقذها من هلكة=" فكأنما أحيا الناس جميعًا "، عند المستنقَذ.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إن قاتل النفس المحرم قتلُها، يصلى النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا=" ومن أحياها "، من سلم من قتلها، فقد سلم من قتل الناس جميعًا.
ذكر من قال ذلك:
11774 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها=" ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: ومن أوبقها.
11775 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: من أوبق نفسًا فكما لو قتل الناس جميعًا، ومن أحياها وسلم من ظُلمها فلم يقتلها، (6) فقد سلم من قتل الناس جميعًا.
11776 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد: " فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، لم يقتلها، وقد سلم منه الناس جميعًا، لم يقتل أحدًا.
11777 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي قال، أخبرنا عبدة بن أبي لبابة قال: سألت مجاهدًا= أو: سمعته يُسْأل= عن قوله: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: لو قتل الناس جميعًا، كان جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغَضِب &; 10-235 &; الله عليه ولَعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا. (7)
11778 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً، عن الأعرج، (8) عن مجاهد في قوله: " فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا، جعل الله جزاءه جهَنّم، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا. يقول: لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك من العذاب= قال ابن جريج، قال مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: من لم يقتل أحدًا، فقد استراح الناسُ منه.
11779 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: أوبق نفسه. (9)
11780 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: في الإثم.
11780 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: " من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء: 93] قال: يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنم.
11781 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: هو كما قال= وقال: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، فإحياؤها: لا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا، يعني: أنه من حرم قتلها إلا بحقٍّ، حَيِي الناس منه جميعًا.
11782 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد: " ومن أحياها "، قال: ومن حرَّمها فلم يقتلها.
11783 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن العلاء قال: سمعت مجاهدًا يقول: " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من كف عن قتلها فقد أحياها.
11784 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: هي كالتي في" النساء ": وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء: 93]، في جزائه.
11785 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فكأنما قتل الناس جميعًا " كالتي في" سورة النساء "، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في جزائه=" ومن أحياها "، ولم يقتل أحدًا، فقد حيِيَ الناس منه.
11786 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: التفت إلى جلسائه فقال: هو هذا وهذا. (10)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، لأنه يجب عليه من القِصاص به والقوَد بقتله، مثلُ الذي يجب عليه من القَوَد والقصاص لو قتل الناس جميعًا.
ذكر من قال ذلك:
11787 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا "، قال: يجب عليه من القتل مثلُ لو أنه قتل الناس جميعًا. قال: كان أبي يقول ذلك.
* * *
وقال آخرون معنى قوله: " ومن أحياها ": من عفا عمن وجب له القِصَاص منه فلم يقتله.
ذكر من قال ذلك:
11788 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، يقول: من أحياها، أعطاه الله جل وعزّ من الأجر مثلُ لو أنه أحيا الناس جميعًا=" أحياها " فلم يقتلها وعفا عنها. قال: وذلك وليّ القتيل، والقتيل نفسه يعفو عنه قبل أن يموت. قال: كان أبي يقول ذلك:
11789 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن في قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من عفا.
11790 - حدثنا سفيان قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمه. (11)
11791 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن." ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا "، قال: العفو بعد القدرة.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، ومن أنجاها من غَرَق أو حَرَقٍ. (12)
ذكر من قال ذلك:
11792 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: من أنجاها من غَرَق أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ.
11793 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، قال: من غرَق أو حَرَق أو هَدَمٍ. (13)
11794 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل عن خصيف، عن مجاهد: " ومن أحياها "، قال: أنجاها.
* * *
وقال الضحاك بما:-
11795 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك قال: " من قتل نفسًا بغير نفس "، قال: من تورَّع أو لم يتورَّع. (14)
11796 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فكأنما أحيا الناس جميعًا "، يقول: لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرَّمًا.
* * *
وقال قتادة والحسن في ذلك بما:-
11797 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: " من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض "، قال: عَظُم ذلك.
11798 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس " الآية، من قتلها على غير نفس ولا فسادٍ أفسدته=" فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " عظُم والله أجرُها، وعظُم وزرها! فأحيها يا ابن آدم بما لك، وأحيها بعفوك إن استطعت، ولا قوة إلا بالله. وإنا لا نعلمُه يحل دم رجل مسلمٍ من أهل هذه القبلة إلا بإحدى ثلاث: رجل كفرَ بعد إسلامه، فعليه القتل= أو زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم= أو قتل متعمدًا، فعليه القَوَد.
11799 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال: تلا قتادة: " من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: عظم والله أجرُها، وعظم والله وِزْرها!
11800 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سلاّم بن مسكين قال، حدثني سليمان بن علي الربعي قال: قلت للحسن: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس " الآية، أهي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إِي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل! وما جعل دماءَ بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا؟ (15)
11801 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سمعت خالدًا أبا الفضل قال: سمعت الحسن تلا هذه الآية: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ إلى قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا "، ثم قال: عظَّم والله في الوزر كما تسمعون، ورغَّب والله في الأجر كما تسمعون! إذا ظننت يا ابن آدم، أنك لو قتلت الناس جميعًا، فإن لك من عملك ما تفوز به من النار، كذَبَتْك والله نفسك، وكذَبَك الشيطان. (16)
11802 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن الحسن في قوله: " فكأنما قتل الناس جميعًا " قال: وِزْرًا=" ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " قال: أجرًا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: تأويل &; 10-241 &; ذلك: أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا= أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها= فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [سورة النساء: 93].
* * *
وأما قوله: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا " فأولى التأويلات به، قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدّم على قتله، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [سورة البقرة: 258]. فكان معنى الكافر في قيله: أَنَا أُحْيِي ، (17) أنا أترك من قَدَرت على قتله- وفي قوله: وَأُمِيتُ ، قتله من قتله. (18) فكذلك معنى " الإحياء " في قوله: " ومن أحياها "، من سلِمَ الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم=" فكأنما أحيا الناس جميعًا ".
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع. فكان معلومًا بذلك أن معنى " الإحياء ": سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس- وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض. (19)
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به: أن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قصَّ الله قَصَصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدَّمت، من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ إلى هذا الموضع=" بالبينات "، يعني: بالآيات الواضحة والحجج البيِّنة على حقيقة ما أرسلوا به إليهم، (20) وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم، وأداء فرائضِ الله عليهم.
=يقول الله عز ذكره: " ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون "، يعني: أن كثيرًا من بني إسرائيل.
* * *
=و " الهاء والميم " في قوله: " ثم إن كثيرًا منهم "، من ذكر بني إسرائيل، وكذلك ذلك في قوله: " ولقد جاءتهم ".
* * *
=" بعد ذلك "، يعني: بعد مجيء رسل الله بالبينات (21) .
=" في الأرض لمسرفون "، يعني: أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمر الله ونهيه، ومحادُّو الله ورسله، باتباعهم أهواءَهم. وخلافهم على أنبيائهم، وذلك كان إسرافهم في الأرض. (22)
-----------------
الهوامش :
(1) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن فقال: "قال الخنوت ، وهو توبة بن مضرس ، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وإنما سماه الخنوت ، الأحنف بن قيس. لأن الأحنف كلمه ، فلم يكلمه احتقارًا له ، فقال: إن صاحبكم هذا الخنوت! والخنوت: المتجبر الذاهب بنفسه ، المستصغر للناس".
و"الخنوت" (بكسر الخاء ، ونون مشددة مفتوحة ، واو ساكنة).
وذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف ص: 68 وقال: "وقتل أخواه ... فأدرك الأخذ بثأرهما... وجزع على أخويه جزعًا شديدًا ، ... وكان لا يزال يبكي أخويه ، فطلب إليه الأحنف أن يكف ، فأبى ، فسماه: الخنوت = وهو الذي يمنعه الغيظ أو البكاء من الكلام".
ونسبه التبريزي في شرح إصلاح المنطق ، والشنتمري في شرح ديوان زهير إلى خوات بن جبير الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذي يذكر في خبر ذات النحيين.
وألحق بشعر زهير بن أبي سلمى ، في ديوانه (شرح الشنتمري).
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 163 (وفيه مراجع) ، وشرح إصلاح المنطق 1 : 14 ، وشرح شعر زهير للشنتمري: 33 ، واللسان (أجل) ، وفي رواية لابن برى ، في اللسان.
وَأَهْــل خِبَــاء آمِنِيــن، فَجَـعْتُهُمْ
بِشَــيْءٍ عَزِيـزٍ عَـاجِل أَنَـا آجِلُـهْ
وَأَقْبَلْـتُ أَسْـعَى أَسْـأَلُ الْقَـوْمَ مَالَهُمْ
سُـؤَالَكَ بِالَّشْـيءِ الَّـذِي أَنْـتَ جَاهِلُهْ
ويروى الشطر الأول ، من البيت الثاني:
فَـأَقْبَلَتْ فِـي السَّـاعِينَ أَسْـأَلُ عَنْهُمُ
وفي المخطوطة: "قد اصرموا" ، غير منقوطة ، والصواب من المراجع.
(3) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 169 ، تعليق 1. والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف 1 : 287 ، 406/ 4 : 238 ، 239 ، 243 ، 424/ 5 : 372/ 6 : 477.
(5) الأثر: 11771-"أبو عمار المروزي" ، هو: "الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت". روى عن ابن المبارك ، والفضل بن موسى ، وابن أبي حازم ، وابن عيينة ، وغيرهم. روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه. ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/389 ، وابن أبي حاتم 1/2/50.
و"الفضل بن موسى السيناني" ، أبو عبد الله المروزي. ثقة ثبت روى له الجماعة. مترجم في التهذيب.
و"الحسين بن واقد المروزي" ، مضى برقم: 4810 ، 6311.
(6) في المطبوعة: "وسلم من طلبها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(7) هذا تضمين آية"سورة النساء": 93.
(8) في المطبوعة: "قراءة عن الأعرج" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(9) في المطبوعة: "أوبق نفسا" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(10) كأنه يعني بقوله: "هو هذا وهذا" ، أن قتل نفس محرمة بغير نفس أو فساد في الأرض قتل للناس جميعًا ، وإحياؤها إحياء للناس جميعًا.
(11) "الحميم": ذو القرابة القريب.
(12) "الحرق" (بفتحتين): النار ولهبها ، كالحريق. وفي الحديث: "الحرق والغرق والشرق شهادة" (كل ذلك بفتحات).
(13) "الهدم" (بفتحتين). وهو البناء المهدوم ، وفي حديث الشهداء: "وصاحب الهدم شهادة".
(14) كأنه يعني: من تورع عن قتلها ، أو لم يتورع ولكنه لم يقتل ، فكأنما أحيى الناس جميعا.
(15) الأثر: 11800-"سلام بن مسكين بن ربيعة الأزدي" ، "أبو روح" ، ثقة. مضى برقم: 692.
و"سليمان" بن علي الربعي الأزدي". ثقة. مترجم في التهذيب.
(16) الأثر: 11801-"سعيد بن زيد بن درهم الأزدي" ، أخو: حماد بن زيد. تكلموا فيه ، ووثقوه فقالوا: "صدوق حافظ" ، وأعدل ما قيل فيه ما قاله ابن حبان: "كان صدوقا حافظًا ، ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم ، حتى لا يحتج به إذا انفرد". مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/432 ، وابن أبي حاتم 2/1/21.
و"خالد ، أبو الفضل". قال البخاري في الكبير 2/1/153: "خالد بن أبي الفضل ، سمع الحسن. روى عنه سعيد بن زيد قوله... وكنيته خالد بن رباح أبا الفضل ، فلا أدري هو ذا أم لا"؟ كأن البخاري يعني هذا الأثر.
ثم ترجم"خالد بن رباح الهذلي" 2/1/136 ، وقال: "سمع منه وكيع" ، ولم يذكر"سعيد بن زيد". وقال: "قال يزيد بن هرون ، أخبرنا خالد بن رباح أبو الفضل".
وأما ابن أبي حاتم فقد ترجم في الجرح والتعديل 1/2/346: "خالد بن الفضل. روي عن الحسن. روى عنه سعيد بن زيد. سمعت أبي يقول ذلك".
ثم ترجم في 1/2/330. و"خالد بن رباح الهذلي ، أبو الفضل ... روى عن الحسن...." ، ولم يذكر في الرواه عنه"سعيد بن زيد".
وترجم له الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: 112 ، وفي لسان الميزان 2: 374 ، "خالد بن رباح الهذلي ، أبو الفضل البصري" ، ونقل عن ابن حبان في الضعفاء أن كنيته"أبو الفضل" ثم قال: "ولما ذكره في الطبقة الثالثة من الثقات قال: خالد بن رباح أبو الفضل ، يروي عن الحسن. روى عنه سعيد بن زيد". قال ابن حجر: "فما أدري ، ظنه آخر ، أو تناقض فيه؟".
أما ترجمته في لسان الميزان ، فلم يذكر كنيته هناك ، ونقل بعض ما جاء في تعجيل المنفعة.
والظاهر أن"خالدًا أبا الفضل" ، هو"خالد بن رباح الهذلي" نفسه ، وأن ما جاء في ابن أبي حاتم"خالد بن الفضل" خطأ أو وهم. والظاهر أيضًا أنه توقف في أمر"خالد بن أبي الفضل" ، ورجح أن يكون خطأ من الرواة ، وأن الراوية"خالد أبو الفضل". وهو"خالد بن رباح الهذلي" نفسه.
(17) في المطبوعة والمخطوطة هنا: "أنا أحيي وأميت" ولا شك أن قوله: "وأميت" تكرار ، فتركته.
(18) انظر ما سلف: 5: 432.
(19) انظر تفسير"الإحياء" فيما سلف 5: 432 ، وما بعدها.
(20) في المطبوعة: "على حقية" ، فعل بما كان في المخطوطة ، كما فعل بأخواتها من قبل ، انظر ما سلف ، كما أشرت إليه في ص: 19 ، تعليق: 3 ، والمراجع السابقة هناك.
(21) انظر تفسير"البينات" فيما سلف 9: 360 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(22) انظر تفسير"الإسراف" فيما سلف 7 : 272 ، 579.
5:33Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
القول في تأويل قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم الفساد في الأرض الذي ذكره في قوله : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض } أعلم عباده ما الذي يستحق المفسد في الأرض من العقوبة والنكال , فقال تبارك وتعالى : لا جزاء له في الدنيا إلا القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض , خزيا لهم ; وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا فعذاب عظيم . ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية . فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب , كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض , فعرف الله نبيه صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم . ذكر من قال ذلك : 9214 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق , فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ; فخير الله رسوله , إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . 9215 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , قال : كان قوم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق , فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض ; فخير الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم , فإن شاء قتل , وإن شاء صلب , وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف * - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , فذكر نحوه . وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين . ذكر من قال ذلك : 9216 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين بن واقد , عن يزيد , عن عكرمة والحسن البصري , قالا : قال : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى : { إن الله غفور رحيم } نزلت هذه الآية في المشركين , فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل ; وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه , لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب . 9217 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن أشعث , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : نزلت في أهل الشرك . وقال آخرون : بل نزلت في قوم من عرينة وعكل ارتدوا عن الإسلام , وحاربوا الله ورسوله . ذكر من قال ذلك : 9218 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , عن أنس : أن رهطا من عكل وعرينة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف وإنا استوخمنا المدينة . فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع , وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها . فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم , واستاقوا الذود , وكفروا بعد إسلامهم . فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم , فقطع أيديهم وأرجلهم , وسمل أعينهم , وتركهم في الحرة حتى ماتوا . فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا روح , قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله , عن قتادة , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه القصة . 9219 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق , قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا أبو حمزة , عن عبد الكريم وسئل عن أبوال الإبل , فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين , فقال : كان ناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نبايعك على الإسلام ! فبايعوه وهم كذبة , وليس الإسلام يريدون . ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح , فاشربوا من أبوالها وألبانها " . قال : فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ , فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : قتلوا الراعي , وساقوا النعم ! فأمر نبي الله فنودي في الناس , أن : يا خيل الله اركبي . قال : فركبوا لا ينتظر فارس فارسا . قال : فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم , فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم , فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم , فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : فكان نفيهم أن نفوهم , حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم , ونفوهم من أرض المسلمين , وقتل نبي الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين قال : فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد . قال : " نهى عن المثلة , وقال : ولا تمثلوا بشيء " قال : فكان أنس بن مالك يقول ذلك , غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم . قال : وبعضهم يقول : هم ناس من بني سليم , ومنهم من عرينة وناس من بجيلة ذكر من قال ذلك 9220 - حدثني محمد بن خلف , قال : ثنا الحسن بن هناد , عن عمرو بن هاشم , عن موسى بن عبيد , عن محمد بن إبراهيم , عن جرير , قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة حفاة مضرورين , فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح , ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم . قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم . في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم , فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف , وسمل أعينهم , وجعلوا يقولون : الماء ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " النار " حتى هلكوا . قال : وكره الله سمل الأعين , فأنزل هذه الآية : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى آخر الآية 9221 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن , عن عروة بن الزبير . وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , وسعيد بن عبد الرحمن , وابن سمعان , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : أغار ناس من عرينة على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستاقوها وقتلوا غلاما له فيها , فبعث في آثارهم فأخذوا , فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم . 9222 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث , عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد , عن عبد الله بن عبد الله , عن عبد الله بن عمر - أو عمرو , شك يونس - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , ونزلت فيهم آية المحاربة . 9223 - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : ثنا الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي قلابة , عن أنس , قال : قدم ثمانية نفر من عكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأسلموا , ثم اجتووا المدينة , فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها , ففعلوا , فقتلوا رعاتها , واستاقوا الإبل . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم قافة , فأتي بهم , فقطع أيديهم وأرجلهم , وتركهم فلم يحسمهم حتى ماتوا . 9224 - حدثنا علي , قال : ثنا الوليد , قال : ثني سعيد , عن قتادة , عن أنس , قال : . كانوا أربعة نفر من عرينة وثلاثة من عكل , فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم , وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرة , فأنزل الله جل وعز في ذلك : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . 9225 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , عن ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية , فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين , وهم من بجيلة , قال أنس : فارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي , واستاقوا الإبل , وأخافوا السبيل , وأصابوا الفرج الحرام . 9226 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : أنزلت في سودان عرينة , قال : أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر , فشكوا ذلك إليه , فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقة , فقال : " اشربوا من ألبانها وأبوالها " . فشربوا من ألبانها وأبوالها , حتى إذا صحوا وبرءوا , قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل . وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم معرفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا , بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ما فعل وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك ; لأن القصص التي قصها الله جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم , فأن يكون ذلك متوسطا منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق . وقلنا : كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك . وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا , فتأويلها : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا , ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا , ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات , ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون , يقول : لساعون في الأرض بالفساد , وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حربا لله ولرسوله , فمن فعل ذلك منهم يا محمد , فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض . فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده , ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين ؟ قيل : جاز أن يكون ذلك كذلك ; لأن حكم من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ذمتنا وملتنا واحد , والذين عنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة , وإن كان داخلا في حكمها كل ذمي وملي , وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحا نزولها فيمن نزلت فيه . وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين , فقال بعضهم : ذلك حكم منسوخ , نسخه نهيه عن المثلة بهذه الآية , أعني بقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } الآية , وقالوا : أنزلت هذه الآية عتابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بالعرنيين . وقال بعضهم : بل فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدا , لم ينسخ ولم يبدل . وقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادا بالحرابة . قالوا : والعرنيون ارتدوا وقتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله , فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام والذمة . وقال آخرون : لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين , ولكنه كان أراد أن يسمل , فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم يعرفه الحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم . ذكر القائلين ما وصفنا : 9227 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا , فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك , وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي , ولم يسمل بعدهم غيرهم . قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو , فأنكر أن تكون نزلت معاتبة , وقال : بلى كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم , ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم من حارب بعدهم فرفع عنهم السمل 9228 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثني أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأتي بهم - يعني العرنيين - فأراد أن يسمل أعينهم , فنهاه الله عن ذلك , وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه واختلف أهل العلم في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه , فقال بعضهم : هو اللص الذي يقطع الطريق . ذكر من قال ذلك : 9229 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن عطاء الخراساني في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } الآية , قالا : هذا هو اللص الذي يقطع الطريق , فهو محارب . وقال آخرون : هو اللص المجاهر بلصوصيته , المكابر في المصر وغيره . وممن قال ذلك الأوزاعي . 9230 - حدثنا بذلك العباس عن أبيه عنه , وعن مالك والليث بن سعد وابن لهيعة . 9231 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : قلت لمالك بن أنس : تكون محاربة في المصر ؟ قال : نعم , والمحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء , فكان ذلك منه على غير نائرة كانت بينهم ولا ذحل ولا عداوة , قاطعا للسبيل والطريق والديار , مخيفا لهم بسلاحه , فقتل أحدا منهم قتله الإمام كقتله المحارب ليس لولي المقتول فيه عفو ولا قود . 9232 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : سألت عن ذلك الليث بن سعد وابن لهيعة , قلت : تكون المحاربة في دور المصر والمدائن والقرى ؟ فقالا : نعم , إذا هم دخلوا عليهم بالسيوف علانية , أو ليلا بالنيران . قلت : فقتلوا أو أخذوا المال ولم يقتلوا ؟ فقال : نعم هم المحاربون , فإن قتلوا قتلوا , وإن لم يقتلوا وأخذوا المال قطعوا من خلاف إذا هم خرجوا به من الدار , ليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم من محاربة من حاربهم في حريمهم ودورهم . 9233 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : قال أبو عمرو : وتكون المحاربة في المصر شهر على أهله بسلاحه ليلا أو نهارا . قال علي : قال الوليد : وأخبرني مالك أن قتل الغيلة عنده بمنزلة المحاربة . قلت : وما قتل الغيلة ؟ قال : هو الرجل يخدع الرجل والصبي , فيدخله بيتا أو يخلو به فيقتله ويأخذ ماله , فالإمام ولي قتل هذا , وليس لولي الدم والجرح قود ولا قصاص . وهو قول الشافعي . حدثنا بذلك عنه الربيع . وقال آخرون : المحارب : هو قاطع الطريق ; فأما المكابر في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكم المحاربين . وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه . 9234 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا بشر بن المفضل , عن داود بن أبي هند , قال : تذاكرنا المحارب ونحن عند ابن هبيرة في ناس من أهل البصرة , فاجتمع رأيهم أن المحارب ما كان خارجا من المصر . وقال مجاهد بما : . 9235 - حدثني القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قال : الزنا والسرقة , وقتل الناس , وإهلاك الحرث والنسل . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن محمد بن عبد الرحمن , عن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد : { ويسعون في الأرض فسادا } قال : الفساد : القتل , والزنا , والسرقة . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب , قول من قال : المحارب لله ورسوله من حارب في سابلة المسلمين وذمتهم , والمغير عليهم في أمصارهم وقراهم حرابة . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب ; لأنه لا خلاف بين الحجة أن من نصب حربا للمسلمين على الظلم منه لهم أنه لهم محارب , ولا خلاف فيه . فالذي وصفنا صفته , لا شك فيه أنه لهم مناصب حربا ظلما . وإذ كان ذلك كذلك , فسواء كان نصبه الحرب لهم في مصرهم وقراهم أو في سبلهم وطرقهم في أنه لله ولرسوله محارب بحربه من نهاه الله ورسوله عن حربه .ويسعون في الأرض فسادا
القول في تأويل قوله تعالى : { ويسعون في الأرض فسادا } فإنه يعني : يعملون في أرض الله بالمعاصي من إخافة سبل عباده المؤمنين به , أو سبل ذمتهم وقطع طرقهم , وأخذ أموالهم ظلما وعدوانا , والتوثب على حرمهم فجورا وفسوقا .أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض
القول في تأويل قوله تعالى : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } يقول تعالى ذكره : ما للذي حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ملة الإسلام أو ذمتهم إلا بعض هذه الخلال التي ذكرها جل ثناؤه . ثم اختلف أهل التأويل في هذه الخلال أتلزم المحارب باستحقاقه اسم المحاربة , أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفا باختلاف أجرامه ؟ فقال بعضهم : يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه , مختلفا باختلاف أجرامه ذكر من قال ذلك : 9236 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي . عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا حارب فقتل , فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخذ المال وقتل , فعليه الصلب إن ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخذ ولم يقتل , فعليه قطع اليد والرجل من خلاف إن ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخاف السبيل , فإنما عليه النفي . 9237 - حدثنا ابن وكيع وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن حماد , عن إبراهيم : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المال , قطعت يده ورجله من خلاف . وإذا أخاف السبيل ولم يأخذ المال وقتل , صلب . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم - فيما أرى - في الرجل يخرج محاربا , قال : إن قطع الطريق وأخذ المال قطعت يده ورجله , وإن أخذ المال وقتل قتل , وإن أخذ المال وقتل ومثل : صلب . 9238 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . قال : إذا قتل وأخذ المال وأخاف السبيل صلب , وإذا قتل لم يعد ذلك قتل , إذا أخذ المال لم يعد ذلك قطع , وإذا كان يفسد نفي . 9239 - حدثني المثنى , قال ثنا الحماني , قال ثنا شريك , عن سماك , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي . 9240 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن حصين , قال : كان يقال : من حارب فأخاف السبيل وأخذ المال ولم يقتل : قطعت يده ورجله من خلاف . وإذا أخذ المال وقتل : صلب . 9241 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , أنه كان يقول في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } حدود أربعة أنزلها الله . فأما من أصاب الدم والمال جميعا : صلب ; وأما من أصاب الدم وكف عن المال : قتل ; ومن أصاب المال وكف عن الدم : قطع ; ومن لم يصب شيئا من هذا : نفي . 9242 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي . قال : نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسمل أعين العرنيين الذين أغاروا على لقاحه , وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه . فنظر إلى من أخذ المال ولم يقتل فقطع يده ورجله من خلاف , يده اليمنى ورجله اليسرى . ونظر إلى من قتل ولم يأخذ مالا فقتله . ونظر إلى من أخذ المال وقتل فصلبه . وكذلك ينبغي لكل من أخاف طريق المسلمين وقطع أن يصنع به إن أخذ وقد أخذ مالا قطعت يده بأخذه المال رجله بإخافة الطريق , وإن قتل ولم يأخذ مالا قتل , وإن قتل وأخذ المال : صلب . 9243 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا فضيل بن مرزوق , قال سمعت السدي يسأل عطية العوفي , عن رجل محارب خرج , فأخذ ولم يصب مالا ولم يهرق دما . قال : النفي بالسيف ; وإن أخذ مالا فيده بالمال ورجله بما أخاف المسلمين ; وإن هو قتل ولم يأخذ مالا : قتل ; وإن هو قتل وأخذ المال : صلب . وأكبر ظني أنه قال : تقطع يده ورجله . 9244 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عطاء الخراساني وقتادة في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : هذا اللص الذي يقطع الطريق , فهو محارب . فإن قتل وأخذ مالا : صلب ; وإن قتل , ولم يأخذ مالا : قتل ; وإن أخذ مالا ولم يقتل : قطعت يده ورجله ; وإن أخذ قبل أن يفعل شيئا من ذلك : نفي . 9245 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير , قال : من خرج في الإسلام محاربا لله ورسوله فقتل وأصاب مالا , فإنه يقتل ويصلب ; ومن قتل ولم يصب مالا , فإنه يقتل كما قتل ; ومن أصاب مالا ولم يقتل , فإنه يقطع من خلاف ; وإن أخاف سبيل المسلمين نفي من بلده إلى غيره , لقول الله جل وعز : { أو ينفوا من الأرض } . 9246 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : كان ناس يسعون في الأرض فسادا وقتلوا وقطعوا السبيل , فصلب أولئك . وكان آخرون حاربوا واستحلوا المال ولم يعدوا ذلك , فقطعت أيديهم وأرجلهم . وآخرون حاربوا واعتزلوا ولم يعدوا ذلك , فأولئك أخرجوا من الأرض . 9247 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن أبي هلال , قال : ثنا قتادة , عن مورق العجلي في المحارب , قال : إن كان خرج فقتل وأخذ المال : صلب ; وإن قتل ولم يأخذ المال : قتل ; وإن كان أخذ المال ولم يقتل : قطع ; وإن كان خرج مشاقا للمسلمين : نفي . 9248 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن حجاج , عن عطية العوفي , عن ابن عباس , قال : إذا خرج المحارب وأخاف الطريق وأخذ المال : قطعت يده ورجله من خلاف ; فإن هو خرج فقتل وأخذ المال : قطعت يده ورجله من خلاف ثم صلب ; وإن خرج فقتل ولم يأخذ المال : قتل ; وإن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ المال : نفي . 9249 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : ثني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي ; وعن أبي معاوية , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } قالا : إن أخاف المسلمين , فاقتطع المال , ولم يسفك : قطع ; وإذا سفك دما : قتل وصلب ; وإن جمعهما فاقتطع مالا وسفك دما : قطع ثم قتل ثم صلب . كأن الصلب مثلة , وكأن القطع { السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } , وكأن القتل . النفس بالنفس . وإن امتنع فإن من الحق على الإمام وعلى المسلمين أن يطلبوه حتى يأخذوه فيقيموا عليه حكم كتاب الله , أو ينفوا من الأرض من أرض الإسلام إلى أرض الكفر . واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا , بأن قالوا : إن الله أوجب على القاتل القود , وعلى السارق القطع ; وقالوا : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال : رجل قتل فقتل , ورجل زنى بعد إحصان فرجم , ورجل كفر بعد إسلامه " قالوا : فحظر النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث , فإما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالا , فذلك تقدم على الله ورسوله بالخلاف عليهما في الحكم . قالوا : ومعنى قول من قال : الإمام فيه بالخيار إذا قتل وأخاف السبيل وأخذ المال ; فهنالك خيار الإمام في قولهم بين القتل أو القتل والصلب , أو قطع اليد والرجل من خلاف . وأما صلبه باسم المحاربة من غير أن يفعل شيئا من قتل أو أخذ مال , فذلك ما لم يقله عالم . وقال آخرون : الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله في كتابه . ذكر من قال ذلك : 9250 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن عطاء , وعن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد في المحارب : أن الإمام مخير فيه أي ذلك شاء فعل . 9251 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن عبيدة , عن إبراهيم : الإمام مخير في المحارب , أي ذلك شاء فعل : إن شاء قتل , وإن شاء قطع , وإن شاء نفى , وإن شاء صلب . 9252 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن الحسن في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : يأخذ الإمام بأيهما أحب . * - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عاصم , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : الإمام مخير فيها . 9253 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , مثله . 9254 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , قال : قال عطاء : يصنع الإمام في ذلك ما شاء : إن شاء قتل , أو قطع , أو نفى , لقول الله : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } فذلك إلى الإمام الحاكم يصنع فيه ما شاء . 9255 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , قال : من شهر السلاح في فئة الإسلام , وأخاف السبيل , ثم ظفر به وقدر عليه , فإمام المسلمين فيه بالخيار , إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله . 9256 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , قال : أخبرنا أبو هلال , قال : أخبرنا قتادة , عن سعيد بن المسيب , أنه قال في المحارب : ذلك إلى الإمام , إذا أخذه يصنع به ما شاء . * - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن أبي هلال , قال : ثنا هارون , عن الحسن في المحارب , قالا : ذاك إلى الإمام يصنع به ما شاء . * - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن عاصم , عن الحسن : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : ذلك إلى الإمام . واعتل قائلو هذه المقالة بأن قالوا : وجدنا العطوف التي بأو في القرآن بمعنى التخيير في كل ما أوجب الله به فرضا منها , وذلك كقوله في كفارة اليمين : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } , وكقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } , وكقوله : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قالوا : فإذا كانت العطوف التي بأو في القرآن في كل ما أوجب الله به فرضا منها في سائر القرآن بمعنى التخيير , فكذلك ذلك في آية المحاربين الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه قبل التوبة . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم , فأوجب على مخيف السبيل منهم إذا قدر عليه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل : النفي من الأرض ; و إذا قدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها : الصلب ; لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة . فأما ما اعتل به القائلون : إن الإمام فيه بالخيار من أن " أو " في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض , فنقول : لا معنى له ; لأن " أو " في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها , وقد بينت كثيرا من معانيها فيما مضى وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله . فأما في هذا الموضع فإن معناها : التعقيب , وذلك نظير قول القائل : إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة , أو يرفع منازلهم في عليين , أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين . فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله , فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ومنزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه , بل المعقول عنه أن معناه : أن جزاء المؤمن لم يخلو عند الله من بعض هذه المنازل , فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات , والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة , والظالم لنفسه دونهما , وكل في الجنة كما قال جل ثناؤه : { جنات عدن يدخلونها } فكذلك معنى العطوف بأو في قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية , إنما هو التعقيب . فتأويله : إن الذي يحارب الله ورسوله , ويسعى في الأرض فسادا , لن يخلو من أن يستحق الجزاء بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره , لا أن الإمام محكم فيه , ومخير في أمره كائنة ما كانت حالته , عظمت جريرته أو خفت ; لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شهر السلاح مخيفا السبيل وصلبه , وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدا , وكان له نفي من قتل وأخذ المال وأخاف السبيل . وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل قتل رجلا فقتل , أو زنى بعد إحصان فرجم , أو ارتد عن دينه " وخلاف قوله : " القطع في ربع دينار فصاعدا " وغير المعروف من أحكامه . فإن قال قائل : فإن هذه الأحكام التي ذكرت كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير المحارب , وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به ؟ قيل له : فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه , فإن ادعى عنه صلى الله عليه وسلم حكما خلاف الذي ذكرنا , أكذبه جميع أهل العلم ; لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة , وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب . قيل له : فإن أحسن حالاتك أن يسلم لك أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت , وما قاله من خالفك فما برهانك على أن تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله . وبعد : فإذا كان الإمام مخيرا في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك , أفله أن يصلبه حيا ويتركه على الخشبة مصلوبا حتى يموت من غير قتله ؟ فإن قال : ذلك له , خالف في ذلك الأمة . وإن زعم أن ذلك ليس له , وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله , ترك علته من أن الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " تأتي بمعنى التخيير , وقيل له : فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده , حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟ وقيل له : هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت وأبى ذلك حيث جعلته له , فرق من أصل أو قياس ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر . وذلك ما 9257 - حدثنا به علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , عن ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية , فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين , وهم من بجيلة . قال أنس : فارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي , وساقوا الإبل , وأخافوا السبيل , وأصابوا الفرج الحرام . قال أنس : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب , فقال : " من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته . ومن قتل فاقتله . ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه " . وأما قوله : { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } فإنه يعني جل ثناؤه : أنه تقطع أيديهم مخالفا في قطعها قطع أرجلهم , وذلك أن تقطع أيمن أيديهم وأشمل أرجلهم , فذلك الخلاف بينهما في القطع . ولو كان مكان " من " في هذا الموضع " على " أو الباء , فقيل : أو تقطع أيديهم وأرجلهم خلاف أو بخلاف , لأديا عما أدت عنه " من " من المعنى . واختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في هذا الموضع . فقال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه , أو يهرب من دار الإسلام . ذكر من قال ذلك : 9258 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : يطلبهم الإمام بالخيل والرجال حتى يأخذهم , فيقيم فيهم الحكم , أو ينفوا من أرض المسلمين . 9259 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : نفيه : أن يطلب . 9260 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { أو ينفوا من الأرض } يقول : أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب . 9261 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني عبد الله بن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب , عن كتاب أنس بن مالك , إلى عبد الملك بن مروان : أنه كتب إليه : " ونفيه : أن يطلبه الإمام حتى يأخذه , فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله جل وعز بما استحل " . 9262 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد , قال : فذكرت ذلك لليث بن سعد , فقال : نفيه : طلبه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ , أو يخرجه طلبه من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب , إذا كان محاربا مرتدا عن الإسلام . قال الوليد : وسألت مالك بن أنس , فقال مثله . 9263 - حدثني علي , قال : ثنا الوليد , قال : قلت لمالك بن أنس والليث بن سعد : . وكذلك يطلب المحارب المقيم على إسلامه , يضطره بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين , أو أقصى جوار المسلمين , فإن هم طلبوه دخل دار الشرك ؟ قالا : لا يضطر مسلم إلى ذلك . 9264 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك : { أو ينفوا من الأرض } قال : أن يطلبوه حتى يعجزوا . * - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , فذكر نحوه . 9265 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص بن غياث , عن عاصم , عن الحسن : { أو ينفوا من الأرض } قال : ينفى حتى لا يقدر عليه . 9266 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله , عن أبيه عن الربيع بن أنس في قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : أخرجوا من الأرض أينما أدركوا , أخرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو . 9267 - حدثنا الحسن , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : ثنا معمر , عن الزهري في قوله : { أو ينفوا من الأرض } قال : نفيه : أن يطلب فلا يقدر عليه , كلما سمع به في أرض طلب . 9268 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني سعيد , عن قتادة : { أو ينفوا من الأرض } قال : إذا لم يقتل ولم يأخذ مالا , طلب حتى يعجز . 9269 - حدثني ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرني نافع بن يزيد , قال : ثني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي , وعن أبي معاوية , عن سعيد بن جبير : { أو ينفوا من الأرض } من أرض الإسلام إلى أرض الكفر . وقال آخرون : معنى النفي في هذا الموضع : أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها . ذكر من قال ذلك : 9270 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد , عن سعيد بن جبير : { أو ينفوا من الأرض } قال : من أخاف سبيل المسلمين نفي من بلده إلى غيره , لقول الله عز وجل : { أو ينفوا من الأرض } . 9271 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب وغيره , عن حبان بن شريح , أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في اللصوص , ووصف له لصوصيتهم وحبسهم في السجون , قال : قال الله في كتابه : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } , وترك : { أو ينفوا من الأرض } فكتب إليه عمر بن عبد العزيز : أما بعد , فإنك كتبت إلي تذكر قول الله جل وعز : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } , وتركت قول الله : { أو ينفوا من الأرض } , فنبي أنت يا حبان ابن أم حبان ! لا تحرك الأشياء عن مواضعها , أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل من غير ما أشبهك به ؟ إذا أتاك كتابي هذا فانفهم إلى شغب . * - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني الليث , عن يزيد وغيره بنحو هذا الحديث , غير أن يونس قال في حديثه : كأنك عبد بني أبي عقال من غير أن أشبهك به . * - حدثني يونس , قال أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن يزيد بن أبي حبيب , أن الصلت كاتب حبان بن شريح , أخبرهم أن حبان كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أن ناسا من القبط قامت عليهم البينة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا , وأن الله يقول : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } وسكت عن النفي , وكتب إليه : فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء الله فيهم , فليكتب بذلك . فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه , قال : لقد اجتزأ حبان . ثم كتب إليه إنه قد بلغني كتابك وفهمته , ولقد اجتزأت كأنما كتبت بكتاب يزيد بن أبي مسلم أو علج صاحب العراق من غير أن أشبهك بهما , فكتبت بأول الآية ثم سكت عن آخرها , وإن الله يقول : { أو ينفوا من الأرض } فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبت به , فاعقد في أعناقهم حديدا , ثم غيبهم إلى شغب وبدا . قال أبو جعفر : شغب وبدا : موضعان . وقال آخرون : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : الحبس , وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب في قول من قال : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : هو نفيه من بلد إلى بلد غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه , حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه . وإنما قلت ذلك أولى الأقوال بالصحة ; لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت . وإذ كان ذلك كذلك , وكان معلوما أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب : القتل أو الصلب , أو قطع اليد والرجل من خلاف , بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه ; كان معلوما أن النفي أيضا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها , ولو كان هروبه من الطلب نفيا له من الأرض , كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه . وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدا له بعد القدرة عليه . وإذ كان كذلك , فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران , وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها أو السجن . فإذ كان كذلك , فلا شك أنه إذا نفي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم ينف من الأرض , بل إنما نفي من أرض دون أرض . وإذ كان ذلك كذلك , وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض , كان معلوما أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها , فيكون منفيا حينئذ عن جميعها , إلا ما لا سبيل إلى نفيه منه . وأما معنى النفي في كلام العرب : فهو الطرد , ومن ذلك قول أوس بن حجر : ينفون عن طرق الكرام كما ينفي المطارق ما يلي القرد ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء : النفاية . وأما المصدر من نفيت , فإنه النفي والنفاية , ويقال : الدلو ينفي الماء . ويقال لما تطاير من الماء من الدلو النفي , ومنه قول الراجز : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي ومنه قيل : نفى شعره : إذا سقط , يقال : حال لونك ونفى شعرك .ذلك لهم خزي في الدنيا
القول في تأويل قوله تعالى : { ذلك لهم خزي في الدنيا } يعني جل ثناؤه بقوله : { ذلك } هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا في الدنيا , من قتل , أو صلب , أو قطع يد ورجل من خلاف { لهم } يعني لهؤلاء المحاربين { خزي في الدنيا } يقول هو لهم شر وعار وذلة , ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة , يقال منه : أخزيت فلانا فخزي هو خزيا .ولهم في الآخرة عذاب عظيم
وقوله : { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } يقول عز ذكره لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا فلم يتوبوا من فعلهم ذلك , حتى هلكوا في الآخرة مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا , والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم , يعني : عذاب جهنم .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences