At-Tabari · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:55–57
9:55Page 196
فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥
So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.
القول في تأويل قوله : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: فلا تعجبك، يا محمد، أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا, إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك التقديمُ، وهو مؤخر.
* ذكر من قال ذلك:
16804- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم)، قال: هذه من تقاديم الكلام, (1) يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا, إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.
16805- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا, بما ألزمهم فيها من فرائضه.
* ذكر من قال ذلك:
16806- حدثت عن المسيّب بن شريك, عن سلمان الأنصري, عن الحسن: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)، قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله. (2)
16807- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)، بالمصائب فيها, هي لهم عذابٌ، وهي للمؤمنين أجرٌ.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا, التأويلُ الذي ذكرنا عن الحسن. لأن ذلك هو الظاهر من التنـزيل, فصرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهره، أولى من صرفه إلى باطنٍ لا دلالةَ على صحته.
وإنما وجَّه من وجَّه ذلك إلى التقديم وهو مؤخر, لأنه لم يعرف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا، وجهًا يوجِّهه إليه, وقال: كيف يعذِّبهم بذلك في الدنيا, وهي لهم فيها سرور؟ وذهبَ عنه توجيهه إلى أنه من عظيم العذاب عليه إلزامُه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه, إذ كان يلزمه ويؤخذ منه وهو غير طيِّب النفس، ولا راجٍ من الله جزاءً، ولا من الآخذ منه حمدًا ولا شكرًا، على ضجرٍ منه وكُرْهٍ.
* * *
وأما قوله: (وتزهق أنفسهم وهم كافرون)، فإنه يعني وتخرج أنفسهم, فيموتوا على كفرهم بالله، وجحودهم نبوّةَ نبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
يقال منه: " زَهَقَت نفس فلان, وزَهِقَت ", فمن قال: " زَهَقت " قال: " تَزْهَق ", ومن قال: " زَهِقت ", قال: " تزهق "، " زهوقًا "، ومنه قيل: " زَهَق فلان بين أيدي القوم يَزْهَق زُهُوقا " إذا سبقهم فتقدمهم. ويقال: " زهق الباطل "، إذا ذهب ودرس. (3)
---------------------
الهوامش :
(1) هذه أول مرّة أجد استعمال "تقاديم" جمعًا في هذا التفسير. وهي جمع "تقديم" كأمثاله من قولهم "التكاذيب"، "والتكاليف"، و "التحاسين"، و "التقاصيب" ، وما أشبهها .
وكان في المخطوطة: "هذه من تقاديم الله، ليعذبهم بها في الآخرة" ، ولكن ناشر المطبوعة نقل هذا النص الثابت في المطبوعة ، من الدر المنثور 3 : 249 ، وكأنه الصواب ، إن شاء الله ، ولذلك تركته على حاله .
وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 442 .
(2) الأثر : 16806 - " المسيب بن شريك التميمي ، أبو سعيد " ، ترك الناس حديثه ، وقال البخاري : " سكتوا عنه " . مترجم في الكبير 4 1 408 ، وإن أبي حاتم 4 1 294 ، وميزان الاعتدال 3 : 171 ، ولسان الميزان 6 : 38 .
و "سلمان الأنصري" ، هكذا في المخطوطة ، وفي المطبوعة " الأقصري " ، ولم أستطع أن أعرف شيئًا عن هذا الاسم.
(3) لا أدري ما هذا ، فإن أصحاب اللغة لم يذكروا في مضارع اللغتين إلا "تزهق" بفتح الهاء، أما الأخرى فلا أدري ما تكون، ولا أجد لها عندي وجهًا، فتركتها على حالها لم أضبطها.
9:56Page 196
وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦
And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.
القول في تأويل قوله : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويحلف بالله لكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون كذبًا وباطلا خوفًا منكم: (إنهم لمنكم) في الدين والملة. يقول الله تعالى، مكذّبًا لهم: (وما هم منكم)، أي ليسوا من أهل دينكم وملتكم, بل هم أهل شكٍّ ونفاقٍ =(ولكنهم قوم يفرقون)، يقول: ولكنهم قوم يخَافونكم, فهم خوفًا منكم يقولون بألسنتهم: " إنا منكم ", ليأمنوا فيكم فلا يُقْتَلوا.
* * *
9:57Page 196
لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧
If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.
القول في تأويل قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لو يجد هؤلاء المنافقون " ملجأ ", يقول: عَصَرًا يعتصِرون به من حِصْن, ومَعْقِلا يعتقِلون فيه منكم =(أو مغارات)،
* * *
= وهي الغيران في الجبال, واحدتها: " مغارة ", وهي " مفعلة "، من: " غار الرجل في الشيء، يغور فيه "، إذا دخل, ومنه قيل، " غارت العين "، إذا دخلت في الحدقة.
* * *
(أو مدَّخلا)، يقول: سَرَبًا في الأرض يدخلون فيه.
* * *
وقال: " أو مدّخلا "، الآية, لأنه " من ادَّخَل يَدَّخِل ". (4)
* * *
وقوله: (لولَّوا إليه)، يقول: لأدبروا إليه، هربًا منكم (5) =(وهم يجمحون). يقول: وهم يسرعون في مَشْيِهم.
* * *
وقيل: إن " الجماح " مشيٌ بين المشيين، (6) ومنه قول مهلهل:
لَقَـدْ جَمَحْـتُ جِمَاحًـا فِـي دِمَـائِهِمُ
حَـتَّى رَأَيْـتُ ذَوِي أَحْسَـابِهِمْ خَـمَدُوا (7)
* * *
وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة, لأنهم إنما أقاموا بين أَظْهُرِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله، لأنهم كانوا في قومهم وعشيرتهم وفي دورهم وأموالهم, فلم يقدروا على ترك ذلك وفراقه, فصانعوا القوم بالنفاق، ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر ودعوى الإيمان, وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم. فقال الله واصِفَهم بما في ضمائرهم: (لو يجدون ملجأ أو مغاراتٍ)، الآية.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16808- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (لو يجدون ملجأ)، " الملجأ " الحِرْز في الجبال, " والمغارات "، الغِيران في الجبال. وقوله: (أو مدَّخلا)، و " المدّخل "، السَّرَب.
16809- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا لولّوا إليه وهم يجمحون)، " ملجأ ", يقول: حرزًا =(أو مغارات)، يعني الغيران =(أو مدخلا)، يقول: ذهابًا في الأرض, وهو النفق في الأرض, وهو السَّرَب.
16810- وحدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا)، قال: حرزًا لهم يفرُّون إليه منكم.
16811- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا)، قال: محرزًا لهم, لفرُّوا إليه منكم = وقال ابن عباس: قوله: (لو يجدون ملجأ)، حرزًا =(أو مغارات), قال: الغيران =(أو مدّخلا)، قال: نفقًا في الأرض.
16812- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا)، يقول: " لو يجدون ملجأ "، حصونًا =(أو مغارات)، غِيرانًا =(أو مدخلا)، أسرابًا =(لولوا إليه وهم يجمحون).
--------------------
الهوامش :
(4) في المطبوعة : " أو مدخلا الآية ، لأنه " ، وهو خطأ في الطباعة فيما أرجح ، زاد " الآية لشبهه بقوله : " لأنه " بعده ، وخالف الطابع المصحح ، فأثبت له ما صححه ! !
(5) انظر تفسير "التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(6) هذا نص نادر لا تجده في كتاب اللغة، فليقيد فيها هو وشاهده.
(7) لم أجد هذا البيت فيما وقفت عليه من شعر مهلهل. وقوله : " خمدا " ، أي : سكنوا فماتوا، كما تنطفئ الجمرة.
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences