At-Tabari · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:97–99
9:97Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
القول في تأويل قوله : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الأعراب أشدُّ جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ نفاقًا، من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير, فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوق الله.
* * *
وقوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله)، يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله، (19) وذلك فيما قال قتادة: السُّنن.
17092- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزل الله على رسوله)، قال: هم أقل علمًا بالسُّنن.
17093- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش, عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صُوحان وهو يحدث أصحابه, وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد, فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني, وإن يدك لَتُرِيبُني ! فقال زيد: وما يُريبك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمالَ؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله: (الأعرابُ أشدُّ كفرًا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنـزلَ الله على رسوله). (20)
* * *
وقوله: (والله عليم حكيم)، يقول: (والله عليم)، بمن يعلم حدودَ ما أنـزل على رسوله, والمنافق من خلقه، والكافرِ منهم, لا يخفى عليه منهم أحد =(حكيم)، في تدبيره إياهم, وفي حلمه عن عقابهم، مع علمه بسرائرهم وخِداعهم أولياءَه. (21)
---------------------
الهوامش :
(19) انظر تفسير " حدود الله " فيما سلف 8 : 68 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(20) الأثر : 17093 - " عبد الرحمن بن مغراء الدوسي " ، ثقة ، متكلم فيه . مضى برقم : 11881 . وكان في المطبوعة : " عبد الرحمن بن مقرن " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فبدل من عند نفسه .
و "زيد بن صوحان العبدي " ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 13486 .
وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات 6 : 84 ، 85 من طريق يعلي بن عبيد ، عن الأعمش ، عن إبراهيم.
(21) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .
9:98Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده =(مغرما)، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا =(ويتربص بكم الدوائر)، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، (22) أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ ومجيء محبوب, (23) وغلبة عدوٍّ لكم. (24) يقول الله تعالى ذكره: (عليهم دائرة السوء)، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم, ونـزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون, ولا بكم =(والله سميع)، لدعاء الداعين =(عليم) بتدبيرهم، وما هو بهم نازلٌ من عقاب الله، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه. (25)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17094- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر)، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا, ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول: (ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء)؟
* * *
واختلفت القرأة في قراءه ذلك.
فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين, بمعنى النعت لـ " الدائرة ", وإن كانت " الدائرة " مضافة إليه, كقولهم: " هو رجل السَّوْء ", " وامرؤ الصدق ", من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً. (26)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: (عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ) ، بضم السين، كأنه جعله اسمًا, كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: " عليهم دائرة السُّوء " فضم, لم يقل: " هذا رجل السُّوء " بالضم, و " الرجل السُّوء ", (27) وقال الشاعر: (28)
وكُـنْتُ كَـذِئْبِ السَّـوْءِ لَمَّـا رَأَى دَمًا
بِصَاحِبِـه يَوْمًـا أحَـالَ عَـلَى الـدَّمِ (29)
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين, بمعنى: عليهم الدائرة التي تَسُوءهم سوءًا. كما يقال: " هو رجل صِدْق "، على وجه النعت.
---------------------
الهوامش :
(22) انظر تفسير " التربص " فيما سلف ص : 291 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(23) في المطبوعة " ونفى محبوب " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي سيئة الكتابة .
(24) انظر تفسير " الدوائر " فيما سلف 10 : 404 .
(25) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
(26) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 449 ، 450 .
(27) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 450 .
(28) هو الفرزدق .
(29) ديوانه : 749 ، وطبقات فحول الشعراء : 306 ، والحيوان 5 : 319 ، 6 : 298 ، واللسان (حول) ، وغيرها كثير ، من أبيات لها خبر طويل . وقوله : " أحال على الدم " ، أي : أقبل عليه . والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا ، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله ، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله ، وترك الإنسان ( من كلام الجاحظ ) . وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله :
فَتًـى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ , إن رَأَى
بِصَاحِبِــهِ يَوْمًـا دَمًـا فَهْـوَ آكِلُـهُ
.
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يصدِّق الله ويقرّ بوحدانيته، وبالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب, وينوي بما ينفق من نفقة في جهاد المشركين، (30) وفي سفره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (قربات عند الله)، و " القربات " جمع " قربة ", وهو ما قرَّبه من رضى الله ومحبته =(وصلوات الرسول)، يعني بذلك: ويبتغي بنفقة ما ينفق، مع طلب قربته من الله، دعاءَ الرسول واستغفارَه له.
وقد دللنا، فيما مضى من كتابنا، على أن من معاني " الصلاة "، الدعاء، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (31)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17095- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله (وصلوات الرسول)، يعني: استغفار النبيّ عليه الصلاة والسلام.
17096- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول)، قال: دعاء الرسول: قال: هذه ثَنِيَّةُ الله من الأعراب. (32)
17097- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، قال: هم بنو مقرِّن، من مزينة, وهم الذين قال الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ، [سورة التوبة: 92]. قال: هم بنو مقرّن، من مزينة = قال: حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ، ثم استثنى فقال: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، الآية.
17098- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا جعفر, عن البختريّ بن المختار العبدي قال، سمعت عبد الرحمن بن معْقل قال: كنا عشرة ولد مقرّن, فنـزلت فينا: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)، إلى آخر الآية. (33)
* * *
قال أبو جعفر: قال الله: (ألا إنها قُرْبة لهم)، يقول تعالى ذكره: ألا إنّ صلوات الرسول قربة لهم من الله.
وقد يحتمل أن يكون معناه: ألا إنّ نفقته التي ينفقها كذلك، قربةٌ لهم عند الله =(سيدخلهم الله في رحمته)، يقول: سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله برحمته الجنة =(إن الله غفورٌ)، لما اجترموا =(رحيم)، بهم مع توبتهم وإصلاحهم أن يعذبهم. (34)
------------------------
الهوامش:
(30) في المطبوعة: "ينوي بما ينفق"، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .
(31) انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلا ) .
(32) " الثنية " ، ما استثنى من شيء ، وفي حديث كعب الأحبار : " الشهداء ثنية الله في الأرض " ، يعني هم من الذين استثناهم الله من الصعقة الأولى ، تأول ذلك في قوله تعالى : (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) ، فجعل منهم الشهداء ، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
(33) الأثر : 17098 - " البختري بن المختار العبدي " ، ثقة . مترجم في الكبير 1 2 136 وابن أبي حاتم 1 1 427 .
و " عبد الرحمن بن معقل المزني " ، تابعي ثقة ، وعده بعضهم في الصحابة لهذا الحديث .
فقال الحافظ بن حجر : " إنما عنى بقوله : كنا = أباه وأعمامه ، وأما هو فيصغر عن ذلك . ومن أعمامه عبد الرحمن بن مقرن ، ذكره ابن سعد في الصحابة " . وهو مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 122 ، وابن أبي حاتم 2 2 284 .
وكان في المطبوعة : " عبد الله بن مغفل " ، غير ما في المخطوطة ، وبدل ، وصحف ، وأساء إساءة لا يعذر فيها .
(34) انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) ، ( رحم ) .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences