Ibn 'UthayminAt‑Takathur · 102:1–8

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

التكاثر

At-Takathur

The Rivalry in world increase · Meccan · 8 ayahs

102:1–2Page 600

أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ١

Competition in [worldly] increase diverts you

حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ٢

Until you visit the graveyards.1

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

نفتتح هذا اللِّقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ سورة النبأ حيث وصلْنا إلى سورة التكاثر.

يقول الله عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] هذه الجملة جملةٌ خبريَّة يُخبر الله عز وجل بها العباد مخاطبًا لهم يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ومعنى ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أي: شَغَلَكم حتى لَهَوْتم عمَّا هو أهمُّ من ذِكْر الله تعالى والقيام بطاعته، والخطاب هنا لجميع الأُمَّة، إلا أنه يُخصَّص بمن شَغَلَتْهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهُم قليل، وإنما نقول: هُم قليل؛ لأنه ثَبَت في الصحيحين «أنَّ الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) واللفظ له، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم. يقول: لبَّيك ربَّنا وسعدَيْك. فيُنادى بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تُخرِج من ذرِّيتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب، وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين...» الحديث.]]. واحدٌ في الجنَّة والباقي في النار، وهذا عددٌ هائلٌ؛ إذا لم يكن من بني آدم إلا واحدٌ من الألْف من أهل الجنة والباقون من أهل النار إذَنْ فالخطاب بالعموم في مِثْل هذه الآية جارٍ على أَصْله؛ لأن الواحد من الألْف ليس بشيء بالنسبة إليه.

وأمَّا قوله: ﴿التَّكَاثُرُ﴾ فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكلِّ ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدلُّ لذلك قولُ صاحب الجنة لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤]، فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخَر مالًا وأوسعَ تجارةً، وقد يتكاثر الإنسانُ بقبيلته يقول: نحن أكثر منهم عددًا، كما قال الشاعر:

وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــــا الْــعِـــــــــزَّةُلِلْـــــكَــــــــاثِرِ

(أَكْثر منهم حصًى) لأنهم كانوا فيما سبق يعدُّون الأشياء بالحصى؛ فمَثَلًا: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف، والآخَرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أيش؟ أَكْثرَ وأَعَزَّ، فيقول الشاعر:

وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــا الْـــعِــــــــزَّةُلِلْــــكَـــــــاثِرِ

كذلك يتكاثر الإنسانُ بالعِلم فتجده يَفْخر على غيره بالعِلم، لكنْ إنْ كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإنْ كان بالعلم غير الشرعي فهو إمَّا مباحٌ وإمَّا محرَّمٌ، المهم أنَّ مِمَّا يقع فيه التكاثر العِلم، وهذا هو الغالب على بني آدم؛ التكاثر، فيتكاثرون في هذه الأمور عمَّا خُلِقوا له من عبادة الله عز وجل.

وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: إلى أن زُرْتم المقابر؛ يعني: إلى أن متُّم، فالإنسانُ مجبولٌ على التكاثر إلى أن يموت، بلْ كلَّما ازداد به الكِبَر ازداد به الأَمَل، فهو يشيبُ في السِّنِّ ويشبُّ في الأَمَل، حتى إن الرجل له تسعون سَنَةً مثلًا تجد عنده من الآمال وطول الأَمَل ما ليس عند الشابِّ الذي له خمس عشرة سَنَة، هذا هو معنى الآية الكريمة؛ أي: إنَّكم تَلَهَّيتم بالتكاثُر عن الآخرة إلى أن متُّم.

وقيل: إن معنى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى أصبحتم تتكاثرون بالأموات كما تتكاثرون بالأحياء، فيأتي إنسانٌ ويقول: أنا قبيلتي أكثرُ من قبيلتك، وإذا شئتَ فاذهبْ إلى القبور، عُدَّ القبورَ مِنَّا وعُدَّ القبورَ منكم، فأيُّنا أكثر؟ لكن هذا قولٌ ضعيفٌ بعيدٌ من سياق الآية، والمعنى الأول هو الصحيح، أنه أيش؟ أنَّكم تتكاثرون إلى أن تموتوا.

وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ استدلَّ به عمر بن عبد العزيز رحمه الله على أن الزائر لا بدَّ أن يرجع إلى وطنه، وأنَّ القبور ليست بدار إقامة، وكذلك يُذكَر عن بعض الأعراب أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: واللهِ لَنُبْعَثَنَّ. لماذا؟ لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع، فقال: واللهِ لَنُبْعَثَنَّ. وهذا هو الحق، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها يقول عن الرجل إذا مات: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، أنَّ هذا كلامٌ باطلٌ وكَذِبٌ؛ لأن القبور ليس هي المثوى الأخير، بل لو أن الإنسان اعتقد مدلولَ هذا اللفظ لصار أيش؟ كافرًا بالبعث، والكفر بالبعث رِدَّةٌ عن الإسلام، لكن كثيرًا من الناس يأخذون الكلمات على عواهنها ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثةٌ عن الملحدين الذين لا يُقِرُّون بالبعث بعد الموت.

102:3–4Page 600

كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣

No! You are going to know.

ثُمَّ كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٤

Then, no! You are going to know.

ثم قال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] قيل: إن ﴿كَلَّا﴾ بمعنى الرَّدْع؛ يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًّا.

ومعنى ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم إذا رجعتم إلى الآخرة وأنَّ هذا التكاثر لا ينفعكم، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم[[أخرجه مسلم (٢٩٥٨ / ٣) من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، ولفظه: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلْتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأَبليْتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ؟».]] «أنَّ العبد يقول: مَالِي ومَالِي». يعني: يفتخر به «وَلَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»، والباقي تاركه لغيرك، وهذا هو الحقُّ؛ الآن أموالُنا التي بين أيدينا إمَّا أن نأكلها فتفنى، وإمَّا أن نَلْبسها فأيش؟ فتبلى، وإمَّا أن نتصدق بها فنُمضيها وتكون أمامنا يوم القيامة، وإمَّا أن نتركها لغيرنا، لا يمكن أن يخرج المالُ الذي بأيدينا عن هذه القِسمة الرباعية.

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخِرة.

﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذه الجملة تأكيدٌ للرَّدْع مرَّةً ثانية.

102:5–6Page 600

كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ٥

No! If you only knew with knowledge of certainty...1

لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ ٦

You will surely see the Hellfire.

ثم قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥] يعني: حقًّا لو تعلمون عِلْم اليقين لَعرفتم أنكم في ضلال، ولكنَّكم لا تعلمون عِلْم اليقين لأنكم غافلون لاهون في هذه الدنيا، ولو عَلِمتم عِلْمَ اليقين لَعرفتم أنَّكم في ضلالٍ وفي خطأٍ عظيمٍ.

ثم قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٦، ٧] ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ هذه الجملة مستقِلَّة ليست جواب (لَوْ)، ولهذا يجب على القارئ أن يقِفَ عند قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، ونحن نسمع كثيرًا من الأئمة الذين عندهم عِلْمٌ يَصِلُون فيقولون: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، وهذا الوصل إمَّا غفلةٌ منهم ونسيانٌ، وإمَّا أنهم لم يتأمَّلوا الآيةَ حقَّ التأمُّل، وإلا لو تأمَّلوها حقَّ التأمُّل لَوجدوا أن الوصل يُفسد المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ صار رؤيةُ الجحيم مشروطةً بماذا؟ بعِلْمهم، وهذا ليس بصحيح، لذلك يجب التنبُّه والتنبيه لهذا، إذا سمعتم أحدًا يقرأ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ نبِّهوه؛ قل: يا أخي، وَصْلُك يُوهِم فساد المعنى، وأنت قِفْ؛ أولًا: لأنها رأسُ آية، والمشروع أن يقِفَ الإنسانُ عند رأس كلِّ آية، وثانيًا: أنَّ الوصل يُفسد المعنى.

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ إذَنْ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا صِلَةَ لها بما قبلها، وهي جملةٌ قَسَميَّة فيها قَسَمٌ مقدَّر، والتقدير: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجحيمَ. ولِهذا يقول المعربون في إعرابها: إنَّ اللام موطِّئةٌ للقَسَم، وجملة (تَرَوُنَّ) هي جواب القَسَم، والقَسَم محذوفٌ والتقدير: واللهِ لَتَرَوُنَّ الجحيمَ. و﴿الْجَحِيمَ﴾ اسمٌ من أسماء النار.

102:7Page 600

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ٧

Then you will surely see it with the eye of certainty.1

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] تأكيدٌ لرؤيتها. ومتى تُرى؟ تُرى يوم القيامة، يؤتى بها تُجَرُّ بسبعين ألْف زِمام، كلُّ زِمام يجرُّه سبعون ألْف مَلَك[[أخرج مسلم (٢٨٤٢ / ٢٩) عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زِمام، مع كلِّ زِمامٍ سبعون ألف مَلَكٍ يجرُّونها».]]، فما ظنُّك بهذه الدار والعياذ بالله، إنها دارٌ كبيرةٌ عظيمةٌ؛ لأن فيها سبعين ألف زِمام، كلُّ زِمام يجرُّه سبعون ألف مَلَك، والملائكة عِظامٌ شِدادٌ، فهي نارٌ عظيمةٌ أعاذنا الله وإيَّاكم منها.

102:8Page 600

ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨

Then you will surely be asked that Day about pleasure.1

﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٨] يعني: ثم في ذلك الوقت في ذلك الموقف العظيم تُسألون عن النعيم.

واختلف العلماء رحمهم الله في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ هل المراد الكافر أم المراد المؤمن والكافر، والصواب أن المراد المؤمنُ والكافرُ، كلٌّ يُسأل عن النعيم، لكن الكافر يُسأل سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ، والمؤمن يُسأل سؤالَ تذكيرٍ، والدليل على أنه عامٌّ ما جرى في قصَّة النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر «حيثُ خرجوا ذات يومٍ من الجوع، فذهبوا إلى بُستانِ رجُلٍ يُقال له أبو الهيثم بن التَّيِّهان فاستأذنوا، فقال النبي ﷺ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، وكانت امرأتُه وراءَ الباب فلمْ تَرُدَّ عليهم، فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، فلمْ تَرُدَّ، فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، فلمْ تَرُدَّ، فانصرفَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه»؛ لأن الإنسان إذا استأذن ثلاثًا ولم يؤذَن له فإنه يَرْجِع، «فلَحِقَتْهم وقالت: إنِّي سمعتُ سلامَكم، ولكنِّي أحببتُ أن أزداد في الخير.» يعني الرسول يدعو بالسلام عليهم، أحبَّتْ أنَّه يتكرَّر دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لهم، «فرجعوا فسألوا عن زوجها فقالت: إنه ذهبَ يستعذِبُ الماءَ -أي: يأتي بالماء العذب الطيِّب- فجلسوا، ثم جاء الرجُل ففرح بهم فرحًا عظيمًا وقال: إنه لا أحدَ أَكْرمُ أضيافًا منِّي اليوم، ثم قَطَعَ لهم عِذْقًا من نَخْلٍ وأتى به وألقاه بين أيديهم، فقال النبي ﷺ: «هَلَّا جَنَيْتَ؟». (جَنَيْتَ) يعني خَرَفْتَ، وتعلمون أن الخراف أن يأخذ الإنسانُ الرُّطَبَ فقط، «فقال: أردتُ يا رسول الله أن يكون بين أيديكم البُسر والرُّطَب والمذنِّب». لأن العِذْق يشمل هذا وهذا، يشمل كلَّ الثلاثة، «فأكلوا، ثم دَعَوْا بالماء فشَرِبوا، فقال رسول الله ﷺ: «مَاءٌ طَيِّبٌ، وَطَعَامٌ طَيِّبٌ، وَظِلٌّ طَيِّبٌ، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»[[أخرج أبو يعلي (٢٥٠) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد، فقال: «ما أخرجك هذه الساعة؟». قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. وجاء عمر بن الخطاب فقال: «يا ابن الخطاب، ما أخرجك؟». قال: أخرجني الذي أخرجكما يا رسول الله. فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدِّثهما، ثم قال: «هل بِكُما من قوَّة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًّا؟». قلنا: نعم. قال: «مُرُّوا بنا إلى منزل ابن التَّيِّهان أبي الهيثم الأنصاري». فتقدَّم رسول الله ﷺ بين أيدينا فسلَّم فاستأذن ثلاث مرَّاتٍ، وأمُّ الهيثم وراء الباب تسمع الكلام وتريد أن يزيدها رسول الله ﷺ، فلمَّا أراد رسول الله ﷺ أن ينصرف خرجتْ أمُّ الهيثم تسعى خلفهم فقالت: يا رسول الله، قد واللهِ سمعتُ تسليمك، ولكنِّي أردتُ أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ خيرًا، وقال: «أين أبو الهيثم؟ ما أراه». قالت: هو قريبٌ، ذهب يستعذبُ لنا من الماء، ادخلوا فإنَّه يأتي الساعةَ إن شاء الله. فبسطتْ لهم بساطًا تحت شجرةٍ، فجاء أبو الهيثم وفَرِح بهم وقرَّت عينُه بهم، وصَعِد على نخلةٍ فَصَرمَ لهم عِذْقًا، وقال رسول الله ﷺ: «حسْبُك يا أبا الهيثم». قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسْره ومن رُطَبه ومن تَذْنوبه. ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه ...» الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي (٢٣٦٩): فقال النبي ﷺ: «أفلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبه؟». فقال: يا رسول الله، إني أردتُ أن تختاروا. أو قال: تخيَّروا من رُطَبه وبُسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء ...» الحديث.]]، وهذا دليل على أن الذي يُسأل المؤمن والكافر، لكن يختلف السؤال؛ سؤال المؤمن سؤال أيش؟ تذكير بنعمة الله عز وجل عليه؛ حتى يفرح ويعلم أن الذي أَنْعَمَ عليه في الدنيا ينعم عليه في الآخرة؛ بمعنى أنه إذا تكرَّمَ بنعمته عليه في الدنيا تكرَّمَ عليه بنعمته في الآخرة، أمَّا الكافر فإنه سؤال توبيخٍ وتنديم.

نسأل الله تعالى أن يستعملنا وإيَّاكم في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا مَعُونًا على طاعته، إنَّه على كل شيء قدير.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском