Ibn 'UthayminAl‑Masad · 111:1–5

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

المسد

Al-Masad

The Palm Fiber · Meccan · 5 ayahs

111:1Page 603

تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ١

May the hands of Abū Lahab be ruined, and ruined is he.1

أمَّا السورة الثانية فهي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد ١ - ٥].

سبحان الله! هذا القرآن فيه من الدلالات الكثيرة ما يدلُّ دلالةً واضحةً على أن رسول الله ﷺ حقٌّ، ليس يدعو لِمُلْك ولا لِجَاهٍ، ولا لرئاسة قومه أبدًا، له أعمامٌ -الرسول عليه الصلاة والسلام- انقسموا في معاملته ومعاملة ربِّه عز وجل إلى ثلاثة أقسام: قِسْمٌ آمَنَ به وجاهَدَ معه وأسلمَ لله ربِّ العالمين، وقِسْمٌ سانَدَ وساعَدَ لكنَّه باقٍ على الكفر والعِياذ بالله، وقِسْمٌ عانَدَ وعارَضَ وهو كافر.

أمَّا الأول فالعبَّاس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، والثاني أفضل من الأول؛ لأن الثاني من أفضل الشهداء عند الله عز وجل، «ووَصَفَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أسدُ اللهِ وأسدُ رسولِهِ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢٩٥٢) بسنده من حديث لبيبة الأشهلي رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده إنَّه لَمكتوبٌ عند الله في السماء السابعة: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله».]]، واستُشهِدَ رضي الله عنه في أُحُدٍ في السَّنَة الثالثة من الهجرة، جمعني الله وإيَّاكم به في جنات النعيم.

أمَّا الذي سانَدَ وساعَدَ مع بقائه على الكفر فهو أبو طالب، أبو طالبٍ قام مع النبي ﷺ خيرَ قيامٍ في الدفاع عنه ومساندته، ولكنه -والعياذ بالله- قد سبقتْ له كلمة العذاب، لم يُسْلِم، حتى «في آخِر حياته في آخِر لحظة من الدنيا عَرَضَ عليه النبي ﷺ أنْ يُسْلِم، ولكنه أَبَى، بلْ ومات على قوله: إنه على مِلَّة عبد المطلب»[[أخرج البخاري (١٣٦٠) ومسلم واللفظ له (٢٤ / ٣٩) بسنديهما من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: لَمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أُمَيَّة بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهلٍ وعبد الله بن أبي أُميَّة: يا أبا طالب، أترغب عن مِلَّة عبد المطَّلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالبٍ آخِر ما كلَّمهم: هو على مِلَّة عبد المطَّلب. وأبَى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالبٍ فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].]]، «فشَفَعَ له النبيُّ عليه الصلاة والسلام حتى كان في ضَحْضَاحٍ من نارٍ وعليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه»[[أخرج البخاري (٣٨٨٣) ومسلم واللفظ له (٢٠٩ / ٣٧٥) بسنديهما من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال للنبي ﷺ: ما أغنيتَ عن عمِّك؟ فإنَّه كان يحوطك ويغضب لك. قال: «هو في ضَحضاحٍ من نار، ولولا أنا لَكان في الدرك الأسفل من النار».]].

أمَّا الثالث الذي عانَدَ وعارَضَ فهو أبو لهب، أنزلَ الله فيه سورةً كاملةً تُتلى في الصلوات فرضِها ونَفْلها، في السرِّ والعَلَن، يُثَابُ المرءُ على تلاوتها على كلِّ حرفٍ عَشْر حسنات؛ يعني اللي يقرأ سيرة أبي لهب التي في هذه السورة له في كلِّ حرفٍ عَشْر حسنات، لكن لو تقرأ سيرة أبي بكر من سيرة ابن إسحاق، أو من سيرة البداية والنهاية وغيرها ما حصل لك هذا الأجر، فالإنسان كأنه يُدْعَى دعوةً أكيدةً إلى قراءة سيرة أبي لهب، كلُّ حرفٍ تقرؤه من (تَبَّتْ) لك به عَشْر حسنات.

يقول الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وهذا ردٌّ على قوله -أي: قول أبي لهب- «حين جمعهم النبيُّ ﷺ ليدعوهم إلى الله فبَشَّرَ وأَنْذَرَ، قال أبو لهب: تبًّا لك، أَلِهذا جَمَعْتَنا؟!»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٠١) ومسلم بنحوه (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. هذه الإشارة للتحقير؛ يعني هذا أمْرٌ حقيرٌ ما يحتاج أن يُجمَع له زعماءُ قريش، وهذا كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦] أي: يعيبها ويسبُّها؛ يعني الرسول، قريش تقول: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾، المعنى التحقير، ليس شيئًا، ولا يستحقُّ، ولا يُهتَمُّ به، كما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١].

فالحاصل أن أبا لهب قال: تبًّا لك، ألِهَذا جمعْتَنا؟! فردَّ الله عليه بهذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، والتَّبَاب: الْخَسَار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر ٣٧]. أي: خَسَار. وبدأ بيديه قبل ذاته لأن اليدين هما آلة العمل والحركة والأخذ والعطاء وما أشبهَ ذلك.

وهذا اللقب (أبو لهب) لقبٌ مناسبٌ تمامًا لحالِهِ ومآلِهِ، وجْهُ المناسبة أن هذا الرجل سوف يكون في نارٍ تلظَّى والعياذ بالله، تتلظَّى لَهَبًا عظيمًا، فهي -أي: كُنْيتُه- مطابقة لحالِهِ ومآلِهِ، يقول الشاعر:

وَقَلَّ أَنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ∗∗∗ إِلَّا وَمَعْنَاهُ -إِنْ فَكَّرْتَ- فِيلَقَبِهْ

«ولَمَّا أَقْبل سُهَيلُ بن عمروٍ في قصة غزوة الحديبية قال الرسول ﷺ: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا أُرَاهُ إِلَّا سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٣١) بسندهعن المسور بن مخرمة: قال النبي ﷺ: «هذا مِكْرَز، وهو رجلٌ فاجرٌ». فجعل يكلم النبيَّ ﷺ، فبينما هو يكلمه إذْ جاء سُهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لَمَّا جاء سُهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: «لقد سَهُل لكم من أَمْركم».]]؛ لأن الاسم مطابق للفعل.

111:2Page 603

مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ٢

His wealth will not avail him or that which he gained.

يقول عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ﴿مَا﴾ هذه يحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: أيُّ شيءٍ أَغْنَى عنه مالُه وما كَسَب؟ أيُّ شيء؟ الجواب: لا شيء. ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ نافية؛ أي: ما أَغْنَى عنه؛ أي: لم يُغْنِ عنه مالُه وما كَسَب شيئًا، وكِلا المعنيين متلازمان، ومعناهما أن ماله وما كَسَب لَمْ يُغْنِ عنه شيئًا، مع أن العادة أنَّ المال ينفع؛ المالُ يَفْدي به الإنسانُ نفسَه، لو تسلَّطَ عليه عدوٌّ وقال: أنا أُعطيك كذا وكذا من المال وأطْلِقْني، يُطْلِقه، لكن قد يطلب مالًا كثيرًا أو قليلًا، لو مرض انتفع بماله، لو جاع انتفع بماله، فالمال ينفع، لكن النفع الذي لا يُنجي صاحبَه من النار ليس بنفعٍ، ولهذا قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ يعني: مِن الله شيئًا.

وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ قيل: المعنى: وما كَسَب من الوَلَد، كأنه قال: ما أَغْنَى عنه مالُه ووَلَدُه؛ كقول نوح: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح ٢١]، فجعلوا قوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني بذلك الوَلَد، وأَيَّدوا هذا القولَ بقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه الترمذي (١٣٥٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، والصواب أن الآية أعمُّ من هذا، وأن الآية تشمل الأولادَ وتشمل المالَ المكتسَبَ الذي ليس في يده الآن، وتشمل ما كَسَبه من شرفٍ وجاهٍ، كل ما كَسَبه مما يزيده شَرَفًا وعِزًّا فإنه لا يُغني عنه شيئًا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.

111:3Page 603

سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ ٣

He will [enter to] burn in a Fire of [blazing] flame

﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والسين في قوله: ﴿سَيَصْلَى﴾ للتنفيس المفيد للحقيقة والقُرب؛ يعني أن الله تعالى وَعَدَه أو تَوَعَّدَه بأنه سيصلى نارًا ذات لهب. قلتُ لكم: السين للتحقيق والتقريب؛ يعني أنه سوف يَصْلى عن قريبٍ نارًا ذات لهب؛ لأن البقاء في الدنيا مهما طال فإنَّ الآخِرة قريبة، حتى الناس في البرزخ وإنْ مرَّتْ عليهم ملايينُ السنين فإنها كأنها ساعة؛ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف ٣٥]، وشيءٌ يُقَدَّر بساعةٍ من نهارٍ أظُنُّنَا نتَّفق على أنه قريب ولا شيء.

يقول عز وجل: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (...) السين هذه تفيد التحقيق والتقريب، فكونه يَصْلى النارَ ذاتَ اللهب أمرٌ محقَّقٌ وقريب.

111:4Page 603

وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ ٤

And his wife [as well] - the carrier of firewood.1

﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ يعني: وكذلك امرأتُه مَعَه -والعياذُ بالله- وهي امرأةٌ من أشراف قريش، لكن لم يُغْنِ عنها شَرَفُها شيئًا لكونها شاركتْ زوجَها في العُدوان والإثم والبقاء على الكفر.

وقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قُرِئتْ بالنصب وبالرفع؛ أمَّا النصب فإنها تكون حالًا من (امرأة)؛ يعني: وامرأتُه حالَ كونِها حمَّالةَ الحطب. أو تكون منصوبةً على الذَّمِّ؛ لأن النعت المقطوع يجوز نصبُه على الذَّمِّ؛ أي: أذُمُّ حمَّالةَ الحطب. وأمَّا على قراءة الرفع فهي صفة لـ(امرأة).

﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أيش الحطب اللي هي تَحمِل وتحمله بكثرة؛ يعني ﴿حَمَّالَةَ﴾ صيغة مبالغة؟

ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك تَضَعُه في طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والعياذُ بالله؛ من أجْل أذى الرسول ﷺ.

111:5Page 603

فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِۭ ٥

Around her neck is a rope of [twisted] fiber.

وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ الجِيد: العُنُق، والحبل معروف، والْمَسَد: الليف؛ يعني أنها متقلِّدةٌ حبلًا من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطبَ الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ، نعوذ بالله من ذلك، وهو إشارةٌ إلى دُنُوِّ منزلتها وأنها أهانتْ نفسَها، امرأةٌ من قريش من أكابر قبائل قريش تخرج إلى الصحراء وتضع هذا الحبل في عُنُقها، وهو من الليف، مع ما فيه من المهانة، لكن من أجْل أذِيَّة الرسول عليه الصلاة والسلام، نسأل الله العافية.

وبهذا انتهى الكلام بما يسَّره الله عز وجل على هاتين السورتين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском