Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:36–48
18:36Page 298
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦
And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."
ثم أضاف إلى ذلك: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف ٣٦]، والعياذ بالله، أنكر البعث؛ لأن إذا كانت جنته لا تبيد فهو يقول: وأيضًا أنا لا أبيد، ولا موت ولا بعث، ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ والمراد بالساعة ساعة البعث.
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾، ﴿لَئِنْ رُدِدْتُ﴾ يعني على فرض أن تقوم الساعة، وأُرَد إلى الله، ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا، فكأنه يقول: إن الله لما أنعم الله عليه في الدنيا فلا بد أن يُنعم عليه في الآخرة، وهذا قياس فاسد؛ لأنه لا يلزم من التنعيم في الدنيا أن يُنعَّم الإنسان في الآخرة، ولا من كون الإنسان لا ينعم في الدنيا ألا ينعم في الآخرة، لا تلازم بين هذا وهذا، بل إن الكفار يُنعّمون في الدنيا وتُعجّل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولكنهم في الآخرة يعذبون.
إذن ﴿لَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ لا إشكال فيها، فإن بعض الناس يقول: كيف يكون هذا وهو قد أنكر البعث؟ والجواب أيش؟ أنه على سبيل الفرض، يعني إن رددت فسأجد خيرًا من ذلك، وهذا كقوله تبارك وتعالى في سورة فصلت: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٤٩، ٥٠]، هذا مثل هذا، فهم قاسوا أمر الآخرة على أمر الدنيا ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾.
18:37Page 298
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧
His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، أي: يناقشه في الكلام، ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، ذكّره أصله، والهمزة هنا للإنكار، ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، أما قوله: ﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ فلأن آدم أبو البشر خلق من تراب، وأما من نطفة فلأن بني آدم خلقوا من نطفة، يعني فكأنه يقول: إن الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا قادر على أيش؟ على البعث الذي أنت تنكره، ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ﴾ يعني: عدلك وصَيّرك رجلًا، وهذا الاستفهام للإنكار بلا شك، ثم هل يمكن أن نجعله للتعجب أيضًا؟ يمكن أن يكون للإنكار والتعجب، يعني كيف تكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا؟ نعم، ويستفاد من هذا أن منكِر البعث كافر، ولا شك في هذا كما قال عز وجل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧].
18:38Page 298
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨
But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، أصل ﴿لَكِنَّا﴾ لكن أنا، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا، وأدغمت النون الساكنة الأولى في النون الثانية المفتوحة فصارت ﴿لَكِنَّا﴾، وهل تقرأ بالألف وصلًا ووقفًا أو بالألف وقفًا فقط؟
فيها قراءتان؛ فمنهم من قال: تقرؤها بالألف ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ وصلًا ووقفًا، ومنهم من قال: إنك إذا وقفت وقلت: ﴿لَكِنَّا﴾ تقف، إذا وقفت فبالألف، وإن أدرجت فبدون ألف؛ فتقول: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فهما قراءتان.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١]، وعلى هذا فتكون (هو) ضمير الشأن، يعني: الشأن أن الله تعالى ربي ولا أشرك بربي أحدًا، وهذا كقول ابن آدم لأخيه قابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]، يعني: أنت كفرت ولكني أنا أعتز بإيماني وأؤمن بالله عز وجل.
18:39Page 298
وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩
And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩] يعني: هلّا ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾، أي: حين دخولك إياها، ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، حتى تجعل الأمر مفوضًا إلى من؟ إلى الله عز وجل، وقوله: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيها وجهان:
الوجه الأول: أن ﴿مَا﴾ اسم موصول خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا ما شاء الله.
والثاني: أن ﴿مَا﴾ شرطية، و﴿شَاءَ اللَّهُ﴾ فعل الشرط، وجوابه محذوف، والتقدير ما شاء الله كان.
﴿لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ يعني تفويض القوة إلى الله عز وجل، فهو الذي له القوة المطلقة، القوة جميعا، يعني: وهذه الجنة ما صارت بقوتك أنت ولا بمشيئتك أنت، ولكنها بمشيئة الله وقوته، وينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء من ماله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، حتى يُفوّض الأمر إلى الله عز وجل لا إلى حوله وقوته، وقد جاء في الأثر: أن من قال ذلك في شيء يعجبه من ماله فإنه لن يرى فيه مكروهًا.
قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي﴾ [الكهف ٣٩، ٤٠]، ﴿إِنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط (تَرَ)، والنون للوقاية، والياء محذوفة للتخفيف، والأصل: إن ترني، ﴿أَنَا﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
﴿أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ يعني: أنت إن احتقرتني بكوني أقل منك مالا وأقل منك ولدا، ولست مثلك في عزة النفر.
18:40Page 298
فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠
It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ إلى آخره، جملة ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ هي جواب الشرط، وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ هل هي للترجي أو للتوقع؟ فيها احتمالان:
الاحتمال الأول: أنها للترجي، وأن هذا دعا أن يؤتيه الله خيرًا من جنته، وأن يرسل على جنته حسبانًا من السماء؛ لأنه احتقره واستذله، فدعا عليه بمثل ما فعل به من الظلم، ولا حرج على الإنسان أن يدعو على ظالمه بمثل ما ظلمه.
الوجه الثاني: أنه دعا عليه من أجل أن يعرف -هذا المفتخر- يعرف ربه عز وجل، ويدع الإعجاب بالمال، وهذا من مصلحته، فكأنه دعا أن يؤتيه الله ما يستأثر به عليه خيرًا من جنته، وأن يُتلف هذه الجنة حتى يعرف هذا الذي افتخر بجنته وعزة نفره، أن الأمر أمر الله عز وجل، فكأنه دعا عليه بما يضره لمصلحةٍ هي أيش؟ هي أعظم، كون الإنسان يعرف نفسه ويرجع إلى ربه خير له من أن يفخر بماله ويعتز به، هذا إذا جعلنا عسى للترجي.
ويحتمل أن تكون عسى للتوقع لا للترجي، المعنى إن كنت ترى هذا فإنه يُتوقع أن الله تعالى يُزيل عني ما عبتني به، ويُزيل عنك ما تفتخر به، وأيًّا كان فالأمر وقع، إما استجابة لدعائه وإما تحقيقًا لتوقعه.
﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾، على أيش؟ على جنته ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، والمراد بالحسبان هنا ما يدمرها من صواعق، أو عذاب آخر.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ خص السماء؛ لأن ما جاء من الأرض قد يدافع؛ لأن لو نفرض أنه جاءت أمطار وسيول جارفة يمكن أن تُدافع، نيران محرقة تسعى وتُحرق أمامها يمكن أن تُدافع، لكن من السماء صعب.
﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، ﴿تُصْبِحَ صَعِيدًا﴾ يعني: لا نبات فيها، ﴿زَلَقًا﴾ يعني: قد غمرتها المياه حتى صارت زلقًا.
18:41Page 298
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١
Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١]، عكس الزلق، بمعنى ألا يوجد فيها ماء، فدعا دعوة يكون فيها زوال هذه الجنة إما بماء يغرقها حتى تصبح أيش؟
* طالب: هشيمًا (...).
* الشيخ: لا، ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾، وإما بغور لا سقيا معه؛ لقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، وكلا الأمرين تدمير وتخريب، الفيضانات تدمر المحصول، وغور الماء حتى لا نستطيع أن نطلبه لبعده في قاع الأرض أيضًا يدمر المحصول.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ﴾، ﴿غَوْرًا﴾ بمعنى غائر، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، فماذا كان بعد هذا التوقع أو بعد هذا الدعاء؟
18:42Page 298
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢
And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1
قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف ٤٢] أحيط بثمر من؟ صاحب الجنتين، فهلكت الجنتان ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ﴾ إلى آخره، أصبح يُقلب كفيه من الندم، تعرفون الإنسان إذا ندم يُقلب كفيه: ويش اللي حصل؟ ويش اللي كان؟ ﴿عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾، وهذا يدل على أنه أنفق فيها شيئًا كثيرًا، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ نعوذ بالله ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾، خاوية: يعني هامدة، ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ جمع عرش، أو عريش، وهو ما يوضع لتتمدد عليه أغصان الأعناب وغيرها، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
لكن بعد أن فات الأوان يتندم: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، ولكن الندم بعد فوات الأوان لا ينفع، إنما ينفع من سمع القصة، من سمع القصة فسوف ينتفع، أما من وقعت عليه فلا ينفعه؛ لأنه قد فات الأوان.
18:43Page 298
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣
And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف ٤٣]، الله أكبر، الذي كان يفتخر به يقول: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، لم تنفعه، لم تمنعه من عقوبة الله عز وجل، ولم ينتصر هو بنفسه، ففاته ما كان يفتخر به؛ لأنه -والعياذ بالله- كفر وحاور المؤمن وعوقب بهذه العقوبة.
18:44Page 298
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤
There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.
قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف ٤٤]، ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ فيها قراءتان: ﴿الوِلَايَةُ﴾ و﴿الْوَلَايَةُ﴾، فـ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بمعنى النصرة، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال ٧٢]، والوِلاية بمعنى الملك والسلطة، فيوم القيامة لا نصرة ولا ملك إلا لمن؟ لله الحق سبحانه وتعالى، وإذا كان ليس هناك انتصار ولا سلطان إلا لله فإن جميع من دونه لا يفيد صاحبه شيئًا.
﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله، ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ من غيره، إذا أثاب على العمل فهو ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾؛ لأن غير الله إن أثاب يثيب على العمل بمثله، وإن زاد يزيد شيئًا يسيرًا، أما الله عز وجل فإنه يثيب العمل بعشرة أمثاله إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كذلك هو ﴿خَيْرٌ عُقْبًا﴾ جل وعلا؛ لأن من كان عاقبته نصر الله عز وجل وتولِّيه فلا شك أن هذا خير من كل ما سواه، جميع العواقب التي تكون للإنسان على يد البشر تزول، لكن العاقبة التي عند الله عز وجل لا تزول.
انتهى ضرب المثل عند هذا، وفيه عبر كثيرة، فوائد، لكن من شرطنا في هذا الدرس ألا نذكرها.
18:45Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
يقول ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ [الكهف ٤٥]، مثل آخر، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ يعني اجعل لهم مثلًا، ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وهو المطر، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾، اختلط به يعني: أن الرياض صارت مختلطة بأنواع النبات المتنوع في أزهاره وأوراقه وأشجاره، كما تشاهدون في وقت الربيع، كيف تكون الأرض، سبحان الله، كأنها وشي من أحسن الوشيات، ﴿اخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ من كل نوع، ومن كل جنس.
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، (أصبح) يعني هذا النبات المختلط المتنوع ﴿أَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾؛ هامد، ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تحمله، هذا مَثل الحياة الدنيا، الآن الدنيا تزدهر للإنسان، وتزهو له، وإذا بها تخمد، بأي شيء؟ بموته أو فقد الدنيا، لا بد من هذا، إما أن يموت الإنسان وإما أن يفقد الدنيا.
هذا مَثل مطابق تمامًا، وهذا النوع من الأمثال ضربه الله تعالى في عدة سور من القرآن الكريم حتى لا نغتر بالدنيا ولا نتمسك بها، والعجب أننا مغترون بها، متمسكون بها مع أن أكدارها وهمومها وغمومها أكثر بكثير من صفوها وراحتها، والشاعر الذي قال:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَر
لا يريد فيما يظهر لنا المعادلة، لكن المعنى أنه ما من سرور إلا ومعه إساءة، وما من إساءة إلا معها سرور، لكن صفوها أقل بكثير من أكدارها، حتى المُنَعّمون بها ليسوا مطمئنين إليها، كما قال الشاعر الآخر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِالْمَـــــــــــــــــــــــــوْتِ وَالْهَرَمِ
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، كان الله تعالى على كل شيء مقتدرًا، ما وُجد قادر على إعدامه وما عُدم قادر أيش؟
* طالب: على إيجاده.
* الشيخ: على إيجاده، وليس بين الإيجاد والعدم إلا كلمة كن، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
18:46Page 299
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦
Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.
ثم قال عز وجل مقارنا لما يبقى وما لا يبقى، قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف ٤٦]، المال من أي نوع، سواء كان من العروض أو النقود أو الآدميين أو البهائم، ﴿وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولا تنفع الإنسان في الآخرة إلا ما قدم منها.
وذكر البنين دون البنات؛ لأنه جرت العادة أنهم لا يفتخرون إلا بأيش؟ إلا بالبنين، والبنات في الجاهلية مَهينات قد أهن بأعظم المهونة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل ٥٨]، أي: صار وجهه مسودًا وقلبه ممتلئًا غيظًا ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩]، يعني يختفي منهم، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل ٥٩]، ثم يقدر في نفسه ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل ٥٩]، بقي قسم ثالث: أن يمسكه على عز، وهذا عندهم غير ممكن، ليس به إلا أحد أمرين: إما أن يمسكه على هون وذل، أو يدسه في التراب يئده؛ قال الله عز وجل: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل ٥٩].
﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الإنسان يتجمل بها، يتجمل عنده أولاد، قدر نفسك أنك صاحب قِرَى، يعني أنك مضياف، وعندك شباب خمسة، عشرة، يستقبلون الضيوف، تجد أن هذا في غاية ما يكون من السرور والراحة، هذه زينة، أليس كذلك؟ كذلك قَدِّر نفسك أنك تسير على فرس، وحولك هؤلاء الشباب يحوطونك من اليمين والشمال، ومن الخلف والأمام، ستجد شيئًا عظيمًا من الزينة، ولكن هناك شيء خير من ذلك، قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ هي الأعمال الصالحة من أقوال وأفعال، ومنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومنها الصدقات، وغير ذلك، هذه هي الباقيات الصالحات.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾، ولا شك أن الأمر كما قال ربنا عز وجل: خَيْرٌ ثَوَابًا؛ أي: أجرًا ومثوبة، ﴿وخير أملًا﴾ أي: مؤملًا يؤمله الإنسان؛ لأن هذه الباقيات الصالحات كما وصف الله باقيات، أما الدنيا فهي أيش؟
* طلبة: فانية.
* الشيخ: فانية وزائلة.
18:47Page 299
وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧
And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.
ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف ٤٧]، اذكر يوم نسير، وعلى هذا فـ﴿يَوْمَ﴾ ظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر يوم نسير الجبال.
﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ إلى آخره، يعني: اذكر لهم للناس هذه الحال، وهذا المشهد العظيم يوم نسير الجبال، وقد بَيّن الله عز وجل في آية أخرى أنه يسيرها فتكون سرابًا، وتكون كالعهن المنفوش، وذلك أن الله تعالى يدك الأرض، وتصبح الجبال كثيبًا مهيلًا ثم تتطاير في الجو، هذا معنى تسييرها.
ومن ذلك، من الآيات الدالة على هذا قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨]، بعض الناس قال: إن هذه الآية في النمل، يعني دوران الأرض، وأنك ترى الجبال تظنها ثابتة ولكنها تسير، وهذا غلط، وقول على الله تعالى بلا علم؛ لأن سياق الآية متى؟ يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل ٨٧ - ٨٩]، والآية واضحة أنها يوم القيامة.
وأما زعم هذا الرجل القائل بذلك بأن يوم القيامة تكون الأمور حقائق، وهنا يقول: ﴿تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا﴾ فلا حسبان في الآخرة فهذا غلط أيضًا؛ لأنه إذا كان الله أثبت هذا فيجب أن نؤمن به، ثم إن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت﴾ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج ١، ٢]، فإذا قلنا: إن زلزلة الساعة هي قيامها فأثبت الله أن الناس يراهم الرائي ويظنهم سكارى وما هم بسكارى.
على كل حال هذه قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها، الواجب علينا أن نجري الآيات على ظاهرها، وأن نعرف السياق بأنه يُعَين المعنى، فكم من جملة في سياق جمل أخرى لو كانت في غير هذا السياق لكان لها معنى، ولكنها في هذا السياق يكون لها المعنى المناسب للسياق، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة، الأرض؛ لأنها تكون قاعًا واحدًا، وهي الآن ما هي بارزة؛ لأنها مكورة أكثرها الآن غير بارز لنا أليس كذلك؟
ثم إن البارز لنا أيضًا كثير منه مختفٍ في الجبال لا نراه، لكن يوم القيامة لا جبال ولا كروية، تُمَد الأرض مد الأديم كما قال الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٣]، ﴿إِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ معناها الآن غير ممدودة، الآن هي مكورة لكن يوم القيامة تُمَد، سبحان الله العظيم.
﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ يعني: جمعناهم؛ أي: الناس جميعًا، بل إن الوحوش تُحشر كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥]، بل غير الوحوش أيضًا كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، لما ذكر الدواب كلها، قال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، أتلو الآية كلها أحسن: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ كل شيء يحشر، ولهذا يقول عز وجل هنا: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ يعني الناس جميعًا، وفي الآيات الأخرى أنه تحشر الوحوش، وأنها تحشر جميع الدواب.
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، الله أكبر، ﴿نُغَادِرْ﴾ يعني نترك، ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ كل الناس يُحْشرون، إن مات في البر حُشر، في البحر حُشر، في أي مكان، لا بد أن يُحشر يوم القيامة ويجمع.
18:48Page 299
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨
And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] ﴿عُرِضُوا﴾ من العارض؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله عز وجل، ويحتمل أن الملائكة تأتي بعلم الله وتعرضهم عليه، ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ وهو الله سبحانه وتعالى.
﴿صَفًّا﴾ يعني: حال كونهم صفا، بمعنى صفوفا، فيحاسبهم جل وعلا، «أما المؤمن فإنه يخلو به سبحانه وتعالى وحده ويقرره بذنوبه، ويقول له: عملت كذا وعملت كذا، فيُقِر، فيقول له أكرم الأكرمين: إني قد سترتها عليك بالدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، اللهم لك الحمد، يغفرها الله عز وجل يوم القيامة فلا يؤاخذه عليها، وفي الدنيا يسترها، وهذا هو الواقع، الآن كم من ذنوب عندك في الخفاء؟ كثيرة، سواء كانت عملية في الجوارح الظاهرة أو عملية من عمل القلوب، تُستر، سوء الظن موجود، الحسد موجود، إرادة السوء بالمسلم -ما هو بكل المسلمين- موجود، وهو مستور عليك، أعمال أخرى من أعمال الجوارح موجودة، ولكن الله تعالى يسترها على العبد، إننا نؤمل إن شاء الله أن الذي سترها علينا في الدنيا أن يغفرها لنا في الآخرة، يغفرها الله عز وجل يقول: أغفرها لك اليوم.
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، الله أكبر، الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، وقد، والقسم المقدر، يعني: والله لقد جئتمونا.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ليس معكم مال، ولا ثياب، ولا غير ذلك، بل ربما نقول: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، بل ما فُقِد منكم يرد إليكم، كما جاء في الحديث الصحيح أنهم «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦) من حديث عائشة بنحوه.]]، جمع أَغْرَل، وهو الذي لم يُختن، يعني سبحان الله، قلفة الذكر التي أخذت في الدنيا ختانًا ترجع يوم القيامة.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، شوف، يعرضون على الله صفًّا، ويقال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ويقال: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، هذا إضراب انتقال، فهم يوبخون، ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ فلا مفر لكم، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فلا مال عندكم ولا أهل، ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، وهذا الزعم تبين بطلانه أو صحته؟ تبين بطلانه فهو باطل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences