Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:49–53
18:49Page 299
وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩
And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.
ثم قال عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف ٤٩]، ﴿وُضِعَ﴾ يعني وُزِّع بين الناس فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: تراهم أيها الإنسان، المجرمين: أي الكافرين، ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي خائفين؛ لأنهم يعلمون عملهم، وهذا يشبه قول الله تعالى عن اليهود الذين قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠]، فتُحُدُّوا، قيل لهم: إن كانت لكم الآخرة فتمنوا الموت، قال الله عز وجل: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴿ ليش؟﴾ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]؛ لأنهم يعرفون أنهم إذا ماتوا عذبوا، ومن كان يعلم أنه إذا مات عُذّب فلا يتمنى الموت أبدا، فهؤلاء مشفقون مما في كتابهم؛ لأنهم يعلمون أنه محتوٍ على الفضائح والسيئات العظيمة.
﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ﴾ إذا عاينوه ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾،﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾: ﴿يَا﴾ حرف نداء، ﴿وَيْلَتَنَا﴾ كيف تنادى الويلة؟ والويلة هي الهلاك، كيف ينادى؟
الجواب: إما أن نجعل ﴿يَا﴾ للتنبيه فقط؛ لأن النداء يتضمن الدعاء والتنبيه، وإما أن نقول: جعلوا ويلتهم كأنها عاقل تنادى، ويكون التقدير: يا ويلتنا احضري، لكن المعنى الأول أقرب؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، ولأنه أبلغ.
* * *
قال الله تبارك وتعالى في قصة الرجلين اللذين تحاورا: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، الجملة في قوله: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾؟
* طالب: حالية.
* الشيخ: حالية، لماذا هو ظالم؟
* الطالب: لكونه ليس شاكرًا لنعم الله عز وجل ومنكرًا للبعث، بالآيات التي تأتي من بعدها تفسر أنه كان منكرًا للبعث و..
* الشيخ: إذن ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر بالله عز وجل.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾؟ ما الذي حمله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا لا، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.
* طالب: ما رأى فيها من القوة (...).
* الشيخ: أي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المنظر يعني الإعجاب، خلاصة ذلك أنه أعجب بها حتى قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، طيب، بماذا كفر هل بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، أو بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾؟
* طالب: بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.
* الشيخ: بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.
كيف نجمع بين قوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾؟
* طالب: بقياس منه، قياس فاسد، وظن أن لو صار البعث يظن أنه كما الله أعطاه في الدنيا من نعم سيعطيه في الآخرة، وهذا قياس فاسد.
* الشيخ: إي، يعني على فرض أن أرد فسأجد خيرًا منها منقلبا.
هل وردت آية مثلها في المعنى لكنها عامة؟
* الطالب: قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠].
* الشيخ: ويش اللي قبلها؟
* الطالب: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى ٤٨].
* الشيخ: نعم، في آخر فصلت.
* الطالب: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٤٩، ٥٠].
* الشيخ: بارك الله فيك، أخوه الذي كان يحاوره قال له: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ ويش المناسبة؟
* طالب: لأنه افتخر عليه بأنه أكثر منه مالًا وأعز نفرًا، فيحتمل أنه قال: إن تفخر علي بذلك وأنا أقل منك مالًا وولدًا، فيحتمل أنه دعا عليه بأن يُذهب الله ما افتخر عليه به.
* الشيخ: يعني كأنه يقول: أنت الآن استذللتني وزعمت أنك أعز مني نفرًا، فدعا عليه بأن يزيل ما افتخر به عليه، هذا احتمال، واحتمال أن (عسى) تكون؟
* طالب: من باب التوقع.
* الشيخ: من باب التوقع.
* الطالب: بأن ينزل الله سبحانه وتعالى عليه ما يستحقه.
* الشيخ: نعم، تمام؛ لأنه ربما هذا الأمر الذي تفتخر به عليّ ربما تنقلب الحال، فيؤتي الله هذا الرجل خيرًا من جنة الثاني، ويرسل عليها حسبانًا من السماء.
هل وقع ما توقعه هذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: اقرأ ما يدل على ذلك؟
* الطالب: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾، تمام.
في قوله الله تبارك وتعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ ليش ما ذكر البنات؟
* الطالب: لأن عادة الإنسان أنهم يتفاخرون بالبنين وليس بالبنات، خاصة في الجاهلية كانوا يفتخرون بالبنين وليس بالبنات.
* الشيخ: يفتخرون بالأموال والبنين.
* الطالب: وليس بالبنات.
* الشيخ: ولا يفتخرون بالبنات، بل بالعكس، اتل علي آية تدل على حالهم بالنسبة للبنات؟
* الطالب: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
* الشيخ: نعم، كمّل؟ ما حفظت القرآن؟ ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، هذا اللي بعده؟
* طالب: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩].
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ أين العامل في ﴿يَوْمَ﴾؟ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾؟
* طالب: ويوم نسير نحن الجبال.
* الشيخ: لا، أين العامل؟
* الطالب: قلنا: فيه ظرف.
* الشيخ: إي، (يوم) ظرف، كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل؟
* طالب: عامل محذوف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: اذكر.
* الشيخ: اذكر ﴿يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾، وما معنى قوله: ﴿تَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾؟
* طالب: خاملة.
* الشيخ: خاملة؟
* الطالب: يعني بارزة ظاهرة.
* الشيخ: بارزة، يعني ظاهرة.
* الطالب: ليس فيها..
* الشيخ: ليس فيها جبال، ولا أودية، وليست كروية حتى يغيب أكثرها عن الرائي، بل تكون مسطحة ممدودة كما جاء في الحديث: «كَمَدِّ الْأَدِيمِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١) من حديث ابن مسعود.]].
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي كتاب هو؟
* طالب: صحائف الأعمال.
* الشيخ: صحائف الأعمال، يعني الذي كتب فيه الأعمال، أحسنت؛ لأن الملائكة الكرام يكتبون كل ما يعمله الإنسان قال الله عز وجل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٦ - ١٨]. ﴿رَقِيبٌ﴾ حاضر ما يغيب، وأي قول يقوله يُكتب.
* * *
* طالب: رضي الله عنك يا شيخ، (...) مثال الجنة، ومثال الأرض والعشب يا شيخ، تختلف عن السياق أن بعض الناس يقول: هذا ما هو (...)، إن قيل: للرجلين، تمثيل الرجلين يدل على أنه صحيح، تمثيل الأرض من بعده يدل على أنها مثل (...).
* الشيخ: صحيح، والراجح أن قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أنه حقيقة ما هو تقدير، هذا هو الراجح؛ لأن هذه المحاورة مع صاحبه تدل على أنه حق، شيء واقع.
* طالب: شيخ عفا الله عنك، وجه قوله: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
* الشيخ: لا، أي نعم، أنت.
* طالب: عفا الله عنكم يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ قلنا في تفسيرها: واذكر أن ربَّك، فكيف نرد يا شيخ على الذين يحرفون قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؟
* الشيخ: نحن لا نرد كل تأويل، نقول: التأويل الذي له دليل نقبله، والتأويل الذي ليس له دليل نرده، فإذا كما يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، فهذا واضح أن المراد جاء هو بنفسه عز وجل، وأما هذا التأويل واذكر أمر ربك، أو ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨]، يعني إذا أردت قراءته، وما أشبه ذلك مما عليه الدليل فهذا لا يُنكر؛ لأن ما دل عليه الدليل إذا صرفنا ظاهر اللفظ إليه يكون هذا هو التفسير، أفهمت؟
* طالب: تفسير آية القرآن بما يناسب علوم العصر الحديثة؟
* الشيخ: إذا صح فلا بأس.
* الطالب: وإذا كان فيه رد تفسير الآية؟
* الشيخ: أقول: إذا صح، لكن بعض الإخوان الذين يفسرون الآيات بما يناسب العصر يُحمّلونها ما لا تتحمل، لكن إذا صح فلا مانع، مثل: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، لو قال الإنسان مثلًا: إن هذا الطائرات التي تحمل الناس الآن ورُبنا يأتي غيرها أيضًا، إن هذه دخلت في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، نقول: هذا صحيح.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، كلمة ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ بين أيديكم الآن، هل هي على القواعد المشهورة في عصرنا؟ مكتوبة على القواعد المشهورة في عصرنا؟ لا؛ لأن (مال) و(هذا) وحدها، وعلى القواعد المعروفة عندنا (ما) وحدها و(لهذا) جميعًا، ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ يعني: أي شيء لهذا الكتاب، ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ يعني أثبتها عددًا، كأنهم يترجلون من هذا، ولكن هذا لا ينفعهم.
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ﴿وَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ هل أعمالهم التي في الدنيا ترجع يوم القيامة؟ لا، بل المراد ﴿وَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ أي: ثواب ما عملوا، أو وجدوا حقيقة ما عملوا، فلا بد من إضمار؛ لأن أعمالهم في الدنيا فنيت بفنائهم لكن كُتبت، فما عملوه يجدونه في هذا الكتاب ﴿حَاضِرًا﴾.
قال الله عز وجل: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لا يظلم أحدا لأيش؟ لكمال عدله عز وجل لا يظلم أحدًا، فلا يزيد على مسيء سيئة واحدة، ولا ينقص من محسن حسنة واحدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢]،
هذه الآية: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ من الصفات المنفية عن الله، صح؟ فيه صفات مثبتة لله؟ نعم، أكثر الصفات المذكورة لنا هي الصفات المثبتة، الصفات المنفية لا يتم الإيمان بها حتى تؤمن بثبوت كمال ضدها، فما ضد الظلم؟
* طلبة: العدل.
* الشيخ: العدل، ولماذا انتفى الظلم عنه؟ لكمال عدله، لا بد من هذا، إذ أن النفي المجرد لا يمكن أن يكون في صفات الله، النفي المجرد المحض لا يمكن أن يكون في صفات الله، انتبه لهذه القاعدة: (النفي المجرد -أي الذي لم يتضمن كمالًا- لا يمكن أن يكون في صفات الله عز وجل، بل لا بد من كل نفي نفاه الله عن نفسه أن يكون متضمنًا لكمال ضده)، لا بد، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (لأن النفي المحض عدم المحض) النفي عدم، هذه واحدة، (ولأن النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم قابليته)، يعني النفي الموصوف به إذا لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم القابلية، وإذا لم يتضمن كمالًا فقد يكون للعكس، انتبهوا لهذه القواعد، إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون لعدم القابلية، كيف ذلك؟ ألسنا نقول: إن الجدار لا يظلم؟ بلى، هل هذا كمال للجدار؟ لا، لماذا؟ لأن الجدار لا يقبل أن يوصف بالظلم، ولا أن يوصف بالعدل، فليس نفي الظلم عن الجدار من كماله.
وقد يكون نفي العيب إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون نقصًا لعجز الموصوف به عن ضده، لو أنك وصفت شخصًا بأنه لا يظلم؛ لأنه رجل قاصر لا يستطيع أن يظلم غيره، بل لا أن يفك حقه من غيره هل هذا ثناء؟ لا، استمع إلى قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْـــــــــــدِرُونَبِــــــــذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
يمدحهم بأيش؟ هل يمدحهم بالوفاء وعدم الظلم أو يذمهم بذلك؟ يذمهم، يعني لا يغدرون بذمة؛ لأنهم ما يقدرون، ولا يظلمون الناس؛ لأنهم لا يقدرون.
فالخلاصة يا إخواننا أن كل وصْف وصَف الله به نفسه وهو نَفْي فإنه يجب أن نعتقد ثبوت أيش؟ كمال ضده.
على هذه القاعدة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف ٣٣]، فنفى العي، وهو العجز عن خلق السماوات والأرض، لأيش؟ لثبوت كمال ضد العجز، وهو القدرة، إذن نؤمن الآن بأن الله سبحانه وتعالى له قدرة لا يلحقها عجز، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، أي: من تعب وإعياء، وذلك لكمال قدرته جل وعلا، وهذه قاعدة تفيدك في باب العقيدة: أن كل شيء نفاه الله عن نفسه فإنما ذلك أيش؟ لثبوت كمال ضده، نفي الظلم؛ لأنه عدل، نفي العجز؛ لأنه قادر، نفي الغفلة؛ لأنه رقيب على كل شيء.
﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ قلنا: لكمال عدله، لكن الجهمية قالوا: لا يظلم لعدم تصور الظلم، ما هو لأنه قادر أن يظلم ولكنه لا يظلم، لا، لعدم تصور الظلم، كيف ذلك؟ قالوا: لأن الخلق كله خلق الله، ملك لله، وإذا كان ملكًا لله فإنه لو عذب محسنًا فقد عذب أيش؟ ملكه، ما فيه ظلم، هو يفعل في ملكه ما شاء.
ولكن قولهم هذا باطل؛ لأن الله عز وجل إذا كان قد وعد المحسنين الثواب والمسيئين العقاب، ثم أحسن المحسن وعذبه وأساء المسيء وأثابه، أقل ما يقال فيه: إنه عز وجل -وحاشاه سبحانه وتعالى- أنه أخلف وعده، هذا أقل ما فيه، وهو لا شك أن هذا منافٍ للعدل وللصدق، فنقول لهم: إن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، حرمته على نفسي، وهذا يدل على أنه قادر عليه لكن حرمه على نفسه لكمال عدله جل وعلا.
إذن نحن نقول: لا يظلم الله أحدًا لأيش؟ لكمال عدله، لا لأن الظلم ممتنع كما قالت الجهمية، وإلى هذا يقول الشيخ ابن القيم في النونية:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ ........................
الظلم ما يمكن يكون لأنه ملكه، فنقول: هذا خطأ، وهذا يستلزم تكذيب الله عز وجل. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.﴾
18:50Page 299
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.
ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الكهف ٥٠] (إذ) هذه تأتي في القرآن كثيرًا، والمعربون يقولون: إنها أيش؟ إن عاملها محذوف، والتقدير اذكر، ﴿إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ﴿المَلائِكَة﴾: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور، وقد أعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله خلقهم من نور، وأعلمنا الله تعالى في القرآن أنه خلق الجن من نار، وأنه خلق البشر من طين، فالمخلوقات التي نعلمها الملائكة من نور، والجن من نار، والإنسان من طين، فالملائكة إذن عالم غيبي، يجب أن نؤمن بهم أو لا؟ يجب وأحد أركان الإيمان.
والملائكة على خلاف الشياطين، كما يتبين من الآية، وهم أقدر من الشياطين، وأطهر من الشياطين، ولهم من النفوذ ما ليس للشياطين، الشياطين لا يمكن أن يلجوا إلى السماء، أليس كذلك؟ بل من حاول أتبع بالشهاب المحرق، والملائكة في السماء يصعدون بأرواح بني آدم إلى أن تصل إلى الله عز وجل، وهم أيضًا قد ملئوا السماوات، فيجب علينا أن نؤمن بالملائكة إيمانًا لا شك فيه، وأنهم عالم غيبي، لكن قد يكونون من العالم المحسوس بقدرة الله عز وجل، كما كان جبريل عليه السلام رآه النبي ﷺ مرتين له ست مئة جناح، سبحان الله! قد سد الأفق وهو واحد، وهذا دليل على عظمة خِلْقته، وعظمة خِلْقة جبريل دليل على عظمة من؟
* الطلبة: الخالق.
* الشيخ: الخالق جل وعلا، أحيانًا يأتي جبريل -اللي هذا وصفه وهذه خلقته- على صورة إنسان، أليس كذلك؟ يأتي على صورة إنسان، لكن ليس تقلبه هكذا بقدرته هو، ولكن بقدرة خالقه جل وعلا، لكن الله أعطاهم قدرة على التكيف والتقلب بإرادة الله سبحانه وتعالى، فالملائكة إذن عالم غيبي في الأصل، وقد يكونون من عالم الشهادة لكن لا دائمًا، بل أحيانًا، والله أعلم.
* * *
يقول: ما رأيكم في تفسير الجلالين وما هو أفضل التفاسير في رأيكم؟
تفسير الجلالين جيد، لكنه لا يصلح إلا لطالب العلم؛ لأنه في الحقيقة تفسيره كأنه رموز، لكنه مملوء علمًا، وأيضًا فيه أشياء تخالف مذهب أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فلا يصح لطالب علم مبتدئ؛ لأنه أرفع مستوى منه، لكن عليك بتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله؛ لأنه سهل ميسر، كل يفهمه حتى العوام يفهمونه، وفيه من الفوائد النوادر التي لا تجدها في غيره.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف دعا أحد الرجلين على صاحبه أن يرسل على جنته حسبانًا من السماء؟ كيف ساغ له أن يدعو الله عز وجل بأن يرسل على جنة صاحبه حسبانًا من السماء؟
* طالب: لأنه ظلمه بالتكبر عليه.
* الشيخ: لأنه ظلمه بتكبره عليه، وهل يجوز للإنسان أن يدعو على ظالمه؟
* الطالب: يؤخذ من هذا أنه يجوز.
* الشيخ: سؤال.
* الطالب: نعم يجوز.
* الشيخ: يجوز أن يدعو على ظالمه بمثل ظلمه إياه، هل أجيبت الدعوة؟
* الطالب: نعم أجيبت (...).
* الشيخ: ماذا صارت نهاية جنته؟
* الطالب: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ هذا اللي حصل (...).
* الشيخ: (...) ويش اللي حصل؟ هذا كل دعاء.
* الطالب: صار الماء غورًا لا يستطيع أن (...).
* الشيخ: أليس الله قال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾؟ هذا محل الشاهد ﴿أُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾.
هل أظهر هذا الندم على ما حصل؟
* طالب: أظهر الندم.
* الشيخ: أظهر الندم، كيف؟
* الطالب: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾.
* الشيخ: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ينظر إليها نظرة حسرة وتحزن.
يقول الله عز وجل مبينًا حال الدنيا كيف؟
* طالب: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾.
* الشيخ: صورة المسألة؟
* الطالب: صورة اختلاط النبات.
* الشيخ: إن الله..
* الطالب: إن الله سبحانه وتعالى أنزل (...) فنبت في الأرض فأصبحت كالربيع فاختلط النبات بعضه ببعض وازدهرت، ثم بعد ذلك أصبح هشيمًا هامدًا، وهكذا الحياة الدنيا، فإنها تزدهر لصاحبها ولكنه إما أن يتركها بالموت، وإما تنفرد وترحل.
* الشيخ: الحياة الدنيا هكذا تكون، إما أن يفارقها صاحبها وإما أن تفارقه، ولا بد.
قوله: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ هل هي بمعنى: قديرًا أو أبلغ؟
* طالب: بمعنى: قديرًا.
* الشيخ: نعم بمعنى: قديرًا، إذن لماذا لم يقل: وكان الله على كل شيء قديرًا كما جاء في آية أخرى؟
* الطالب: لأنها أعم (...).
* طالب آخر: مقتدرًا أبلغ.
* الشيخ: مقتدرًا أبلغ.
* الطالب: لأنه يدل على (...) المعلوم.
* الشيخ: حتى القدرة، لكن لأن صيغة البناء تدل على المبالغة فيها، وأنه أبلغ من ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧].
ذكر الله عز وجل: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ لماذا لم يذكر البنات؟
* طالب: ذكر البنون؛ لأنه جرت عادة العرب بأنهم يفتخرون بالبنين دون البنات.
* الشيخ: نعم، لماذا لم يذكر القصور والمراكب؟
* الطالب: لأنها داخلة في ضمن المال.
* الشيخ: داخلة في المال، جيد.
ما هو القول الجامع في معنى ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾؟
* الطالب: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾، ورد حديث يا شيخ..
* الشيخ: المعنى الجامع، لا.
* الطالب: هي كل ما يبقى من ذكر الله من التسبيح والتكبير والصدقة.
* الشيخ: يعني كل الأعمال الصالحة، يدخل في ذلك التسبيح والتكبير والتهليل، والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم وغير ذلك، كلها داخلة في هذا.
* * *
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾،﴿إِذْ﴾ مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ قلنا للملائكة، يعني اذكر هذا للأمة حتى تعتبر به، ويتبين به فضيلة بني آدم عند الله عز وجل.
﴿إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ﴾ الملائكة: جمع ملك، بعد التصريف المعروف عند أهل الصرف، وهم -كما فسرنا بالأمس- عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قال بعضهم سجود تحية وليس سجودًا على الجبهة، ولكنّ في هذا القول نظرًا؛ لأنهم إنما فروا من كونه سجودًا على الجبهة أن السجود لا يصح إلا لله عز وجل، وأنه شرك، إذا وقع لغير الله، ولكن الذي يجب علينا أن نأخذ الكلام على ظاهره، ونقول: الأصل أنه سجود على الجبهة، وإذا كان امتثالًا لأمر الله لم يكن شركًا، كما أن قتل النفس بغير حق من كبائر الذنوب وإذا وقع امتثالًا لأمر الله كان طاعة من الطاعات.
إن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يذبح ابنه، هو بنفسه باشر الذبح، ولا يخفى ما في هذا من العدوان، ولا يخفى ما في هذا من قطيعة الرحم، لكن لما كان هذا امتثالًا لأمر الله عز وجل صار طاعة.
إذن السجود لآدم لولا أمر الله لكان شركًا، لكن إذا أمر الله به فالأمر كله لله عز وجل، فالصواب أن الآية على ظاهرها، وأن المراد السجود على الجبهة، لكن لما كان بأمر الله كان طاعة لله، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله عز وجل من طين، وخلقه بيده، قال أهل العلم: لم يذكر الله شيئًا بيده إلا آدم وجنة عدن، فإنه خلقها بيده، وكتب التوراة بيده جل وعلا.
فهذه ثلاثة أشياء كلها كانت بيد الله، غير آدم يخلق بالكلمة؛ كن فيكون، آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله تعالى بيده، وآدم نبي وليس برسول؛ لأن أول رسول أرسل إلى البشرية هو نوح، أرسله الله عز وجل لما اختلف الناس، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣]، أي المعنى كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أول رسول نوح عليه الصلاة والسلام وليس آدم، آدم نبي مُكَلَّم، فإذا قال قائل: كيف يكون نبيًّا ولا يكون رسولًا؟ نقول: نعم، يكون نبيًّا ولا يكون رسولًا؛ لأنه لم يكن هناك داع إلى الرسالة، الناس كانوا على ملة واحدة، والبشر لم ينتشروا بعد كثيرًا، ولم يفتتنوا بالدنيا كثيرًا، نفر قليل، فكانوا يَستنُّون بأبيهم ويعملون عمله، ولما انتشرت الأمة وكثرت واختلفوا أرسل الله الرسل.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ امتثالًا لأمر الله ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ لم يسجد، وإبليس هو الشيطان، ولم يسجد، بَيَّن الله ذلك بقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وجملة ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ استئنافية؛ لبيان حال إبليس أنه كان من الجن، أي من هذا الصنف، وإلا فهو أبوهم، لكنه من هذا الصنف.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج عن طاعة الله تعالى في أمره، وأصل الفسوق الخروج، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا انفرجت وانفتحت، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ إلى آخره، إذا قال قائل: ظاهر القرآن أن إبليس كان من الملائكة، فالجواب: لا، ليس ظاهر القرآن؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، ثم ذكر أنه كان من الجن، نعم القرآن يدل على أن الأمر توجه إلى إبليس كما هو قد توجه إلى الملائكة، ولكن لماذا؟ قال العلماء: إنه كان -أي إبليس- يأتي إلى الملائكة ويجتمع إليهم، فوُجِّه الخطاب إلى هذا المجتمع من الملائكة الذين خلقوا من نور، وإلى الشيطان الذي خلق من النار، رجع الملائكة إلى أصلهم، والشيطان إلى أصله، وهو الاستكبار والإباء والمجادلة بالباطل؛ لأنه أبى واستكبر وجادل، ماذا قال لله؟ قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١٢]، كيف تأمرني أن أسجد لواحد أنا خير منه، ثم علل بعلة هي عليه قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، والمخلوق من الطين أحسن من المخلوق من النار؛ لأن المخلوق من النار؛ النار محرقة، ملتهبة، فيها علامة الطيش تجد اللُّهب فيها تروح يمين وشمال، ما لها قاعدة مستقرة، المهم ابن القيم رحمه الله في كتاب إغاثة اللهفان ذكر فروقا كثيرة بين الطين وبين النار، فهو ليس خيرًا من آدم لكونه خلق من النار، ثم على فرض أنه خلق من نار وكان خيرًا من آدم أليس الأجدر به أن يمتثل أمر خالقه؟ بلى، لكنه لم يفعل واستكبر، قال الله عز وجل لَمَّا بين حال هذا الشيطان؛ قال الله عز وجل: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَ﴾ الخطاب يعود لمن اتخذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، فعبدوا الشيطان وتركوا عبادة الرحمن قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فيقول هنا: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ أي: من وُلدوا منه، سئل بعض السلف، سأله أناس من المتعمقين، وقالوا: هل للشيطان زوجة؟ قال: إني لم أحضر العقد، جواب صحيح ولّا لا؟ قال: إني لم أحضر العقد، السؤال: هل له زوجة؟ ما له داعي، نحن نؤمن بأن له ذرية، أما من زوجة أو من غير زوجة ما ندري، أليس الله تعالى خلق حواء مِن مَنْ؟
* الطلبة: من آدم.
* الشيخ: من آدم، فيجوز أن الله عز وجل خلق ذريته منه، كما خلق حواء من آدم، وهذه المسائل -مسائل الغيب- لا ينبغي للإنسان أن يورِد عليها شيئًا يَرِد على مسائل الشاهد؛ لأن هذه أمور فوق مستوانا، نحن نؤمن بأن له ذرية، ولكن هل يلزمنا أن نؤمن بأن له زوجة؟
* طلبة: لا يلزمنا.
* الشيخ: لا يلزمنا، نعم، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ أي: تتولونهم وتأخذون بأمرهم من دون الله عز وجل.
﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ هذا محط الإنكار، يعني كيف تتخذ هؤلاء أولياء وهم أعداء؟ وهذا من السفه، ونقص العقل، ونقص التصرف أن يتخذ الإنسان عدوه وليًّا، قال الله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أي بئس هذا البدل بدلًا لهم، وما هو البدل الخير؟ أن يتخذوا الله وليًّا لا الشيطان.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾، وقوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ هنا يمكن أن نقول: إنها بمعنى الكافرين؛ لأنهم هم الذين اتخذوا الشيطان وذريته أولياء على وجه الإطلاق، ويمكن أن نقول: (الظالمين) تعم الكافرين ومن كان ظلمهم دون الكفر.
18:51Page 299
۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١
I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف ٥١]، يعني أن هؤلاء لا يستحقون أن يُتخذوا أولياء؛ لأنه ليس لهم حظ في الكون والتدبير، فالله عز وجل ما أشهدهم خلق السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض مخلوقة قبل الشياطين، ﴿وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ يعني بعضهم من بعض، يعني ما أشهدت بعضهم خلق بعض، فكيف تتخذونهم أولياء وهم لا شاركوا في الخلق ولا خلقوا شيئًا، بل ولا شاهدوا خلق السماوات والأرض.
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف ٥١]؛ يعني أن هؤلاء لا يستحقون أن يُتّخذوا أولياء؛ لأنهم ليس لهم حظ في الكون والتدبير، فالله عز وجل ما أشهدهم خلق السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض مخلوقةٌ قبل الشياطين.
﴿وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾؛ يعني: بعضهم من بعض؛ يعني ما أشهدت بعضهم خلق بعض، فكيف تتخذونهم أولياء وهم لا شاركوا في الخلق ولا خلقوا شيئًا، بل ولا شاهدوا خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وفي هذه الجملة دليل على أن كل من تكلم في شيء من أمر السماوات والأرض بدون دليل شرعي أو دليل حسي فإنه لا يقبل قوله.
مثلًا لو قال: السماوات تكونت من كذا والأرض تكونت من كذا، وبعضهم يقول: الأرض قطعة من الشمس، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا ندري عن صحته، فإنا نقول له؟ أيش نقول؟ إن الله ما أشهدك خلق السماوات والأرض، ولن نقبل منك أي شيء من هذا إلا إذا وجدنا دليلًا حسيًّا لا مناص لنا منه، فحينئذٍ نؤمن به؛ لأن القرآن لا يعارض الأشياء المحسوسة.
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ الضمير ﴿كُنتُ﴾ يعود إلى الله عز وجل، ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي أنصارًا ينصرون ديني، ليش؟ لأن المضل يصرف الناس عن الدين، فكيف يتخذ الله عز وجل المضلين عضدًا؟ وهو إشارة إلى أنه لا ينبغي لك أنت أيها الإنسان أن تتخذ المضلين عضدًا تنتصر بهم؛ لأنهم لن ينفعوك بل أيش؟ بل سيضرونك.
إذن لا تعتمد على السفهاء ولا تعتمد على أهل الأهواء المنحرفة؛ لأنه لا يمكن أن ينفعوك، بل يضروك، فإذا كان الله عز وجل لم يتخذ المضلين عضدًا فنحن كذلك لا ينبغي لنا أن نتخذ المضلين عضدًا؛ لأنهم ما فيهم خير، وفي هذا النهي عن بطانة السوء، انتبه، النهي عن بطانة السوء وعن مرافقة أهل السوء، وأن يحذر الإنسان من جلساء السوء.
18:52Page 299
وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢
And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٥١، ٥٢]؛ يعني: اذكر يوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم، فينادونهم ولا يستجيبون لهم، وهذا متى؟ هذا يكون يوم القيامة يقال لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؛ لأنه في ذلك الوقت يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]، فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فهذه الأصنام لا تنفع أهلها، بل إنها تلقى هي وعابدوها في النار، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء٩٨].
يقول عز وجل: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف ٥٢]، الموبق: مكان الهلاك؛ يعني جعلنا بينهم شيئًا لا يمكن أن يذهبوا إلى شركائهم، ولا أن يأتوا شركاؤهم إليهم، بل هو مهلكة، وهو عبارة عن تيئيس هؤلاء من أن ينتفعوا بشركائهم يوم القيامة.
﴿جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ أرأيت لو كان بينك وبين صاحبك أو من تنتصر به، لو كان بينك وبينه خندق من نار هل يمكن أن تذهب إليه لتنصره أو يأتي إليك لينصرك؟ لا يمكن، هؤلاء يجعل الله بينهم يوم القيامة موبقًا.
18:53Page 299
وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣
And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ ﴾ [الكهف: ٥٣]، المجرمون: يعني الكافرين، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة٢٢].
﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف ٥٣]، ظنوا بمعنى أيقنوا أنهم مواقعوها، والظن يأتي بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة٤٦]، ﴿يَظُنُّونَ﴾ يعني أيش؟
* طالب: يتيقنون.
* الشيخ: نعم، يوقنون أنهم ملاقو الله، وإلا فالظن الذي هو ترجيح أحد الأمرين المشكوك فيهما لا يكفي في الإيمان، لكنهم يظنون؛ أي يوقنون، هنا رأوها وأيقنوا أنهم مواقعوها.
﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣]، نسأل الله العافية؛ يعني: لم يجدوا مكانًا ينصرفون عنها إليه، وهذا ليس داخلًا في الظن؛ لأنه لو كان داخلًا في الظن لقالوا: ولن، لكن هذا ابتداء؛ يعني أنهم لما رأوها وظنوا أنهم مواقعوها ﴿لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أي: مكانًا ينصرفون إليه لينجو به منها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences