Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:54–60
18:54Page 300
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤
And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ﴾ [الكهف: ٥٤]، ﴿صَرَّفْنَا﴾ يعني: نوَّعنا، تصريف الشيء يعني تنويعه، كما في قوله تعالى: ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة ١٦٤] أي تنويعها من جنوب إلى شمال، شرق غرب، ﴿صَرَّفْنَا﴾ يعني: نوعنا في هذا القرآن من كل مثل، وهكذا الواقع، فكلام الله صدق، أمثال القرآن تجدها متنوعة تارة لإثبات البعث، وتارة لإثبات وحدانية الله، وتارة لبيان حال الدنيا، وتارة لبيان حال الآخرة، وتارة تكون مطولة، وتارة تكون مختصرة، فهي أنواع، كل نوع في مكانه من البلاغة والفصاحة وغير ذلك.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل جنس وصنف، فهذا مثل لكذا، وهذا مثل لكذا، لماذا؟ من أجل أن يتذكر الناس ويتعظوا ويعقلوها، ولكن يوجد من الناس من لا يتعظ بهذه المُثل بل على العكس.
ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف ٥٤]، قوله: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ﴾، بعض المفسرين يقول: الإنسان يعني الكافر، ولكنّ في هذا نظرًا؛ لأنه لا دليل على هذا، بل نقول: الإنسان من حيث الإنسانية أكثر شيء جدلًا؛ يعني أكثر ما عنده الجدل، هذا من حيث الإنسانية، لكن من حيث الإيمان المؤمن لا يكون مجادلًا، بل يكون مستسلمًا للحق ولا يجادل فيه، ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أُوتِيَ قومٌ الجدلَ إلا ضلّوا» ، أعوذ بالله من ذلك.
وتدبر حال الصحابة رضي الله عنهم تجد أنهم مستسلمون غاية الاستسلام لِما جاءت به الشريعة ولا يجادلون، ولا يقول: لِمَ؟ ولما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ، هل قال الصحابة: لِمَ؟ لا، ما جادلوا، بل قالوا: سمعنا وأطعنا، وكذلك بقية الأوامر، لكن الإنسان من حيث هو إنسان أكثر شيء عنده هو الجدل.
لاحظ إذن إذا مر بك مثل هذا في القرآن الكريم الإنسان لا تحمله على الكافر إلا إذا كان السياق يعيّن ذلك، إذا كان السياق يعيّن ذلك فصار هذا عامًّا أريد به أيش؟ الخاص، لكن إذا لم يكن في السياق ما يعين فاجعله للعموم، لكن اجعله إنسانًا بوصف الإنسانية، والإنسانية إذا غلب عليها الإيمان اضمحل مقتضاها.
﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، هذا وقع في قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما «حين جاء إليهما ووجدهما نائمين، فقال: «أَلَا تَقُومَانِ؟»، قال له علي رضي الله عنه: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، ولو شاء لأيقظنا، فولَّى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذه ويقول: «» ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ «» .
ولا شك الرسول يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الفريضة: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، فعذر النائم، وهو يعلم عليه الصلاة والسلام ذلك لكنه يريد أن يحثهما، وأراد علي رضي الله عنه أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة.
18:55Page 300
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥
And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ ﴾ [الكهف: ٥٥]؛ يعني: ما منع الناس عن الإيمان والاستغفار نقص في البيان؛ لما ذكر أن الله ضرب للناس من كل مثل، وكان الواجب على الإنسان إذا ضربت له الأمثال أن يؤمن، لكنه ما منعه من الإيمان نقص في البيان، الأمر بَيّن واضح ولله الحمد، أتى بها النبي ﷺ بيضاء نقية، لكن العناد، ولهذا قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ يعني: ما ينتظرون إلا سنة الأولين.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾، يستغفروا ربهم يعني يطلبون مغفرته، فالمؤمن كثير الاستغفار، والكافر إذا آمن لا بد أن يستغفر الله عز وجل مما وقع منه من الذنوب، فإذا آمن واستغفر زال عنهم ما كان من الذنوب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال٣٨].
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ يعني: مقابلة ومعاينة ومباشرة، وما سنة الأولين؟ سنة الأولين هي أخذهم بالعذاب العام، هذه سنة الأولين، لكن لم يأخذ الله عز وجل هذه الأمة بعذاب شامل؛ لأن النبي ﷺ «دعا ربه ألا يأخذ أمته بسنةٍ بعامة، فأجاب الله دعاءه» .
18:56Page 300
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ إلى آخره [الكهف: ٥٦]، هذه وظيفة الرسل ﴿مَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ من أولهم -وهو نوح- إلى آخرهم -محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلا لهذين الغرضين، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ يعني: ولم نرسلهم من أجل أن يجبروا الناس على الإيمان أو يهدوا الناس، هم مبشر ومنذر، مبشر من؟ مبشر المؤمنين، كما جاء في أول السورة، ومنذر الكافرين ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف٤].
﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (مبشرين) منصوبة، و(منذرين) منصوبة، على أيش؟ على الحال من المرسلين؛ يعني إلا حال كونهم مبشرين ومنذرين.
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ المجادلة: المخاصمة، وسميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل واحد يجدل حجته للآخر، وتعرفون الجدل هو فتل الحبل حتى يشتد ويقوى، هذا أصل المجادلة، إذن يجادل يعني يخاصم، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ والمخاصمة بالباطل باطلة، مثال ذلك يقولون: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن ٦]، البشر يهدوننا؟! يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون ٢٤]، يقول: إذا كان المشركون وما يعبدون من دون الله حصب جهنم فعيسى من حصب جهنم، وما أشبه ذلك من المجادلة، يجادلون، فيقول: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، وأنواع المجادلة كثيرة.
في مجادلة عيسى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء ١٠١] ومنهم عيسى عليه الصلاة السلام ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
* ويستفاد من الآية: أن كل إنسان يجادل من أجل أن يدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه الآية؛ يعني فيه نصيب من الكفر والعياذ بالله؛ لأن الكافرين هم الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.
فإذا قال قائل: الشبهات التي يوردها من يوردها من الناس كيف يقال: إنها باطل، وهي شبهة؟
قلنا: ينظر للغرض، ما غرضهم بها؟ أن يدحضوا الحق، فمثلًا في الذين ينكرون استواء الله على العرش يقولون: لو استوى على العرش لكان جسمًا. ما قصدهم بهذا؟ إنكار حقيقة الاستواء.
نقول: إذن هؤلاء جادلوا بباطل من أجل إدحاض الحق، وأما مسألة أن الله جسم أو غير جسم فهذا شيء آخر، لكن هم أتوا بهذه الكلمة لأجل أيش؟ إدحاض الحق، ونحن لا ننكر عليهم مسألة أنه جسم أو غير جسم، ننكر أنهم أنكروا حقيقة الاستواء، أما الجسم أو غير الجسم فهذا له بحث آخر، وهو أنه لا ننكر اللفظ ولا نثبت اللفظ، أما المعنى فنقول: إن الله تعالى قائمٌ بذاته موصوف بصفاته، يفعل ما يشاء، يستوي على عرشه، ينزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يعجب، ويفرح، ويضحك، وقل ما شئت، لكن مسألة اللفظ هذا ما نقره إثباتًا ولا نفيًا، المهم أنكم كلما رأيتم شخصًا يريد أن يبطل الحق فله نصيب من هذه الآية.
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾، اتخذوها: أي صيروها، ﴿آيَاتِي﴾ يعني القرآن، ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ أي: ما أنذروا به من العذاب، اتخذوها هزوًا، مثلًا استهزأ الكفار لما أخبر الله عز وجل عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات٦٤] في قعره، فهم يضحكون، كيف تكون شجرة وتخرج في أصل الجحيم؟ وهي أبعد ما يكون عن النار؟ النار حارة جافة، والشجرة رطبة وباردة، كيف يكون هذا؟ فجعلوا يستهزئون ويقولون: هذا من هذيان محمد عليه الصلاة والسلام، فاتخذوا آيات الله واتخذوا ما أنذروا به هزوًا، والله عز وجل قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات ٦٦]، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة٥٤، ٥٥]، أعوذ بالله، يملؤون بطونهم من هذا الزقوم ملئًا تامًا ثم تحترق من العطش، وماذا يسقون؟ يسقون ماءً حارًا، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي على ما في بطونهم من الحميم، ومع ذلك شربًا ليس عاديًا بالنسبة للبشر، ولكنه شرب الإبل الهيم؛ الهائمة العاطشة، هذه الشجرة التي يستهزئون بها هي التي يملؤون منها بطونهم في نار جهنم.
﴿اتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ يعني: القرآن، ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ أي ما أنذروا به من الوعيد سواءٌ جاء الإنذار في القرآن أو في السنة اتخذوه هزوًا، أي أضحوكة ولعبًا وسخرية.
18:57Page 300
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ مرت علينا أولًا في أول السورة، وهذه، فكيف نجمع بينهما ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾؛ لأن ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ معناها لا أحد أظلم، وهذا قد يفيد التناقض، أول السورة ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وهنا يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف ٥٧]، تناقض، أحسن ما قيل في هذا: أن كل معنى فهو بالنسبة لما كان يماثله؛ يعني من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها من الذين يذكرون فيُعْرِضون، قد يذكر الإنسان بشيء ويُعْرض، لكن أشد ما يكون أن يذكر بأيش؟
* طلبة: بآيات الله.
* الشيخ: بآيات الله ثم يُعرض، هذا أشد شيء، في افتراء الكذب، قد يفتري الإنسان الكذب على فلان وفلان، لكن أظلم ما يكون افتراءً عليه هو الله عز وجل، وأنت إذا أخذت بهذه القاعدة سلمت من إشكالات كثيرة.
أما القول: بأن أظلم وأظلم، يشترك المعنيان بالأظلمية فهذا فيه نظر، وإن كان قد قيل به؛ لأنه لا يمكن أن نقول: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ إنه يساوي من افترى على الله كذبًا.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ الكونية أو الشرعية؟ الكونية والشرعية، الكونية أن يقال له: إن كسوف الشمس والقمر يخوف الله بهما عباده، فيعرض عن هذا ويقول: أبدًا، خسوف القمر طبيعي، وكسوف الشمس طبيعي، ولا إنذار ولا نذير، هذا إعراض، أما الآيات الشرعية فكثير يذكر بآيات الله ولكنه يعرض.
﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ يعني: نسي ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي والاستكبار وغير ذلك مما يمنعه عن قبول الحق؛ لأن الإنسان -والعياذ بالله- كلما أوغل في المعاصي ازداد بعدًا عن الإقبال على الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولذلك يجب أن تعلم أن من أشد عقوبات الذنوب أن يعاقب الإنسان بمرض القلب والعياذ بالله، الإنسان إذا عوقب بهلاك حبيب أو فقد محبوب من المال هذه عقوبة لا شك، لكن إذا عوقب بانسلاخ القلب -نسأل الله العافية- هذه أشد ما يكون عقوبة، يقول ابن القيم رحمه الله:
وَاللَّهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّهَــــــــــــــا ∗∗∗ لَعَلَى طَرِيقِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ؎وَإِنَّمَا أَخْشَى انْسِلَاخَ الْقَلْبِ مِنْ ∗∗∗ تَحْكِيمِ هَذَا الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ
هذا الذي يخشاه الإنسان العاقل، أما المصائب الأخرى فهي كفارات، وما ضاع يأتي بدله.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا، ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قلوب مَن؟ مَن ذُكِّر بآيات ربه فأعرض عنها، وأعيد الضمير على مفرد باعتبار المعنى، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ يعني أغطية، والعياذ بالله، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.
* * *
مناقشة لما سبق؛ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لماذا أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم؟
* طالب: (...) إكرامًا لبني آدم.
* الشيخ: نعم، إكرامًا لآدم وبنيه، لو قال قائل: السجود لغير الله شرك فما الجواب؟
* الطالب: الصحيح يا شيخ (...) في القرآن اتباع أمر الله، واتباع أمر الله فهو طاعة، كذكر الله حين يدخل في الخلاء، وحبس الكلام، وذكر الله حين الخلاء يكون طاعة ولا يكون معصية، ولو قلنا..
* الشيخ: أيش لون؟ سردت لنا ها الدنيا هذه ويش..
* الطالب: (...) طاعة يا شيخ.
* الشيخ: أقول لك: كيف يسجد الملائكة لآدم والسجود لغير الله شرك؟
* الطالب: قلنا: صحيح يا شيخ؛ لكن هناك..
* الشيخ: صحيح؟ إذن الملائكة مشركون؟
* الطالب: لا؛ لأن هناك امتثالًا لأمر الله يا شيخ، والامتثال لأمر الله يكون طاعة ولا يكون شركًا.
* الشيخ: يعني إذن لَمَّا أمر الله به لم يكن شركًا، والذي جعله شركًا هو الله عز وجل، الذي جعل السجود لغير الله شركًا هو الله، فإذا أمر به صار طاعة.
لو قال قائل: إن هذا سجود تحية وليس وضع الجبهة على الأرض، ماذا نقول له؟
* طالب: هذا أمر الله به.
* الشيخ: نقول: قولك هذا خلاف؟
* الطالب: خلاف ظاهر الآية.
* الشيخ: خلاف ظاهر القرآن، ولا يمكن أن نصرف الكلام عن ظاهره إلا بدليل، واضح؟
لو قال قائل: هل إبليس من الملائكة؟
* طالب: لا، ليس من الملائكة.
* الشيخ: ليس منهم؟
* الطالب: ليس منهم.
* الشيخ: كيف صح استثناؤه منهم، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾؟
* الطالب: يضبط في الآية بأن إبليس من الجن.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وهذا الاستثناء يسمى عند النحويين استثناءً منقطعًا، جيد.
الاستفهام في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾؟
* طالب: الاستفهام للإنكار والتوبيخ.
* الشيخ: للإنكار.
الفائدة من قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؟
* الطالب: الإغراء والحث على معاداة إبليس وذريته.
* الشيخ: نعم، الإغراء والحث على معاداة إبليس؛ يعني كيف تفعلون وتتخذونه وليًّا وهو عدو، جيد.
هل يستفاد من هذا أن الإنسان إذا أراد أن يحذر شخصًا من شيء فليبين له أضراره؟
* الطالب: نعم يا شيخ يستفاد منه.
* الشيخ: نعم يستفاد من هذا، وكذلك إذا كان يأمره بشيء ينبغي له أن يذكر فوائده ومنافعه حتى يحمل النفس على الترك في المنهيات وعلى الفعل في المأمورات.
ما علاقة قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بما قبلها؟
* الطالب: تجري بيانًا أو عدم علمهم وعدم استحقاقهم.
* الشيخ: بيان عدم استحقاقهم أن يكونوا أولياء؛ لأنهم ليس لهم حق من الربوبية، كذا؟
هل يستفاد من هذه الجملة أن من تحدث عن خلق السماوات والأرض أو عن خلق الإنسان وما أودع الله فيه من القوى فإننا لا نقبل قوله إلا بدليل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم، إلا بدليل حسي نقتنع به.
ما هي وظيفة الرسل؟
* الطالب: هي البلاغ والبشارة والنذارة.
* الشيخ: هل عليهم السيطرة؟
* الطالب: لا، ليس عليهم السيطرة.
* الشيخ: هل عليهم هداية الخلق؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وهو كذلك.
العلماء هل وظيفتهم الدعوة والتبشير والإنذار أو أن يوفقوا الناس للهداية؟
* الطالب: العلماء يا شيخ تبع الرسل.
* الشيخ: تبع الرسل، فإذا كان الرسل ليس عليهم هداية الخلق فالعلماء كذلك، الحمد لله.
* * *
* طالب: قوله تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، هل يؤخذ منها الرد على من قال: إن تسمية المعاصي صغائر لم يرد في القرآن؟
* الشيخ: إن أيش؟
* الطالب: بعضهم يقول يا شيخ: إن تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر لم يرد في النصوص، الوارد تسمية بعض المعاصي كبائر فقط، أمَّا الصغائر لم يرد، هل يؤخذ من الآية الرد عليه؟
* الشيخ: هؤلاء الذين قالوا ذلك عندهم نقص في العقل، العقل ما هو عقل ضد الجنون، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١]، هل هناك كبائر لا يقابلها صغائر؟! الجواب: لا، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢]، واضحة.
هذا نظير من قال: إننا نقول: إن الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص، كيف يزيد؟ هل يتصور زيادة بلا نقص؟ ما يتصور، أما هذا الذي ذُكِر فهذا يدل على أن صغائر الكفار لا تمحى بخلاف المؤمن فإنه إذا اجتنب الكبائر محيت صغائره بذلك.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إن نظرنا في كون إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم بيده، وأسجده الملائكة له يا شيخ احترامًا له وتكريما، ولو نظرت لطاعة الملائكة لله سبحانه وتعالى أكثر من طاعة الكثير من البشر، ويش التفضيل بينهم يا شيخ؟ لأن لو قلنا بالإجمال الملائكة أفضل، وإذا قلنا بالإفراد: إذن آدم خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة؟
* الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل مؤمن البشر أفضل أو الملائكة أفضل؟
أما هل البشر على سبيل العموم أفضل أو الملائكة أفضل؟ فلا شك أن الملائكة أفضل؛ لأن البشر منهم المؤمن ومنهم الكافر، والملائكة كلهم مؤمنون، لكن هل مؤمن البشر أفضل من الملائكة؟
هذه مسألة خاض الناس فيها وعندي أنها من فضول العلم، وأنها تستحق أن يقال فيها: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: أما في النهاية فالبشر أفضل وأما في البداية فالملائكة أفضل؛ لأن الملائكة ما بدر منهم معصية لله عز وجل والملائكة خلقوا من النور والبشر وجدت منهم المعاصي وخلقوا من التراب لكن أنا أقول: ما له داعي، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» ، فلا يدل على التفضيل المطلق للملائكة على البشر، بل خير منهم من هؤلاء فقط بخصوصهم.
* طالب: جزاك الله خيرًا، في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف ١٠٠]، ليس في الآية أن الله أمرهم كما في هذه الآية؟
* الشيخ: أحسنت، يقول: قصة يوسف عليه الصلاة والسلام أنه ﴿رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، وهذا ظاهر أنهم سجدوا على الجباه.
فالجواب: أن هذا كان في شريعة من سبق، أو يقال: إنهم مع الدهشة أرادوا الانحناء، ولكن سقطوا على الأرض، أو يقال إن هذ الرؤيا أريها يوسف من قبل على أنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين، فجعل من هذا إفتاءً بسجودهم له، كما جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام رؤياه إفتاءً بذبح ابنه.
* * *
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف ٥٧].
﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا، ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب مَن إذا ذكِّر بآيات الله أعرض عنها، وحينئذٍ يكون الضمير عاد إلى اللفظ أو المعنى؟ عاد إلى المعنى؛ لأن (مَن) سواء كانت اسمًا موصولًا أو كانت شرطية يجوز في عود الضمير إليها أن يعود على لفظها فيكون مفردًا، وأن يعود إلى معناها فيكون مجموعًا أو مثنى حسب السياق، أفهمتهم؟
فإذا قلت: يعجبني من قام، فهنا راعينا؟ أين الأفهام يا جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعجبني من قام، راعينا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، إذا قلت: يعجبني مَن قاما.
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
إذا قلت: يعجبني من قاموا.
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
يعجبني من قمن؟
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
وقد يراعى المعنى مرة واللفظ مرة أخرى، ويعادل المعنى؛ يعني معناه قد تعود الضمائر مراعاة للأمرين في سياق واحد.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الطلاق ١١] راعى اللفظ؟
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: راعى اللفظ يعني إذا أفرد فهو مراعٍ اللفظ.
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١]، اللفظ أو المعنى؟
* طالب: المعنى.
* طالب آخر: اللفظ.
* الشيخ: ﴿يُدْخِلْهُ﴾؟
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الطلاق ١١]؟
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١]؟
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، شوف السياق واحد فروعي اللفظ أولًا، ثم المعنى ثانيًا، ثم اللفظ ثالثًا.
* * *
يقول عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف ٥٧] أغطية، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: يفقهوا القرآن فلا يفهمونه، وفي هذا الحث على فقه القرآن، وأنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن وأن يتعلم معناه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل .
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف ٥٧] شوف -أعوذ بالله- القلوب عليها غطاء، والآذان فيها صمم لا تسمع، فلا يسمعون الحق ولا يفقهونه.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف ٥٧]، يقول الله عز وجل: إن تدعهم يا محمد إلى الهدى ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا﴾، أي: ما دامت قلوبهم في أَكِنّة وفي آذانهم وقر لن يهتدوا، ومن أين يأتيهم الهدى؟ الآذان لا تسمع الحق، والقلوب لا تفقه الحق والعياذ بالله من أين يهتدوا؟
فإذا قال قائل: هل في هذا تيئيس للرسول عليه الصلاة والسلام من أنه وإن دعا لا يقبل منه، أو فيه تسلية له؟
الثاني: في هذا تسلية له، وأنه إذا لم يقبل الحق هؤلاء فلا عليك منهم لن يهتدوا إذن أبدًا.
18:58Page 300
وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨
And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ﴾ [الكهف: ٥٨]، هذا أيضًا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام من وجه آخر، وهو أن النبي ﷺ قد يقول: لماذا لم يعاجلوا بالعقوبة؟ كيف يكذبونني وأنا رسول الله ولم يعاقبوا؟
فبين الله له أن الرب عز وجل هو ﴿الْغَفُورُ﴾ أي الذي يستر الذنوب، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الذي يلطف بالمذنب، ولهذا قال: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾؛ لأنه لو أراد الله أن يؤاخذ الناس بما كسبوا لعجل لهم العذاب، وقد بَيّن الله عز وجل هذا العذاب في آيات أخرى، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] لأهلكهم في الحال، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ٤٥].
﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف ٥٨]، ﴿بَلْ﴾ هذه للإبطال، إضراب إبطالي؛ يعني: بل لن يسلموا من العذاب إذا أُخّر عنهم.
﴿لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي: ملجأً، متى هذا؟ يوم القيامة، ويحتمل أن يكون ما يحصل للكفار من القتل على أيدي المؤمنين كما قال عز وجل: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، فنقول: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ نقول: هذا يحتمل أن يكون المراد ما سيكون عليهم من القتل والأخذ في الدنيا أو ما سيكون عليهم يوم القيامة الذي لا مفر منه.
18:59Page 300
وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩
And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ﴾ [الكهف: ٥٩]، ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ قد يقول قائل: فيه إشكال ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ والقرى جماد، والجماد لا يعود عليه الضمير بصيغة الجمع؛ يعني ما تقول مثلًا: هذه البيوت عمرناهم، لا، هذه البيوت عمرناها، تلك القرى أهلكناها، فلماذا قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؟
نقول: قال هذا لأن الذي يهلك هم أهل القرى، وفي هذا دليل واضح على أن القرى قد يُراد بها أهلها، وقد يراد بها البناء المجتمع، أفهمتم؟ القرية الآن أو القرى تارة يُراد بها أهلها وتارة يُراد بها المساكن المجتمعة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، المراد بالقرى هنا أهلها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، وقد يراد بها البناء المجتمِع، المجتمِع يسمى قرية.
يقول عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ والمراد بالظلم هنا الكفر، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف ٥٩]؛ يعني: جعلنا لإهلاكهم موعدًا، والله عز وجل يفعل ما يشاء، إن شاء عَجّل بالعقوبة وإن شاء أَخَّر، لكن إذا جاء الموعد لا يتأخر، ولهذا قال نوح عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح ٤]، إذا جاء لا يمكن أن يؤخر، ولكنه أجل مُعين عند الله عز وجل في الوقت الذي تقتضيه حكمته.
18:60Page 300
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠
And [mention] when Moses said to his boy [i.e., servant], "I will not cease [traveling] until I reach the junction of the two seas or continue for a long period."
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ﴾ إلى آخره [الكهف: ٦٠]، ﴿إِذْ قَالَ﴾ مفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر إِذْ قال، وهذه السورة سبحان الله فيها عدد من القصص، موسى عليه الصلاة والسلام بن عمران خطب يومًا في بني إسرائيل فقام أحدهم، وقال: «هل على وجه الأرض أعلم منك؟ قال: لا» .
قال: لا، بناءً على أيش؟ بناءً على ظنه أنه ليس على وجه الأرض أعلم منه فعتب الله عليه في ذلك، لماذا لم يَرُدَّ العلم إلى الله؟ لأنه فوق كل ذي علم عليم، ليس أحد عنده العلم المطلق من البشر، ثم إن قوله: لا، فيه نظر من جهة أخرى، وهو أنه هل طاف بالأرض كلها وعرف أنه لا أحد أعلم منه؟ لا، ثم إنه لا أحد أعلم منه في كل شيء؟ لا، فقال الله عز وجل: «إن لي عبدًا هو أعلم منك»، أين هو؟ قال:« في مجمع البحرين»، وذكر له علامة، ويش العلامة؟
العلامة أن تفقد الحوت، فاصطحب حوتًا معه في مِكْتَل؛ يعني: شيء مثل الزنبيل، وسار هو وفتاه يوشع بن نون، جاء ذلك في البخاري، سارا إلى أين؟ إلى مجمع البحرين؛ لينظر من هذا الذي هو أعلم منه، وليتعلم منه أيضًا، ثم إنهما آويا إلى صخرة وناما، وكان الحوت في المكتل، فلما استيقظا مع السرعة لم يفتشا في المكتل، والحوت بأمر الله خرج ودخل في البحر، ويأتي إن شاء الله بقية القصة في الدرس القادم.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله تعالى أن يبارك لنا في هذا القرآن الكريم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ما معنى أَكِنَّة؟
* طالب: جمع كِنَّات، وهي الأغطية.
* الشيخ: جمع كِنّ، وهي الأغطية.
هل جعل الله تعالى هذه الأكنة، هل هي بسبب منهم أو بمجرد مشيئة؟
* الطالب: لا، بسبب منهم.
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: الدليل ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾.
* الشيخ: لا، الدليل؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس ٤٤].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولها نظائر ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة ١٣].
هل في الآية ما يشير إلى أن من المهم جدًا أن يفقه الإنسان القرآن الكريم دون أن يتلوه مجرد تلاوة؟
* طالب: نعم، في الآية دليل على هذا.
* الشيخ: ما هو الدليل؟
* الطالب: قوله ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ لأنهم عوقبوا..
* الشيخ: ﴿أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كذا؟
من عادة السلف الصالح أنهم؟
* الطالب: أنهم يقرؤون عشر آيات ولا..
* الشيخ: لا يتجاوزون.
* الطالب: حتى يعرفوا معانيها (...).
* الشيخ: والعمل، بارك الله.
في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾؟
* طالب: هذا ليس فيه تيئيس للنبي عليه الصلاة والسلام بل فيه تسلية له.
* الشيخ: فيه تسلية للرسول ﷺ وليس فيه تيئيسًا له، المعنى أنهم لن يهتدوا؛ لأنه علم سبحانه وتعالى أنهم لا يهتدون فلا تحزن عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ماذا يعني بالقرى؟
* طالب: أهل القرى.
* الشيخ: مثل أيش؟ ما تعرف قرية أهلكها الله؟
* الطالب: بلى، مثل..
* الشيخ: قوم نوح.
* الطالب: قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود.
* الشيخ: نعم، وغيرهم.
هل يستفاد من الآية الكريمة أن الظلم سبب للهلاك؟
* طالب: أي نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: قوله ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾.
* الشيخ: ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ فأهلكهم الله لما ظلموا.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾، ما معنى هذا أو صلته باللي قبله؟
* الطالب: يعني: أجل.
* الشيخ: أجل، نعم، لئلا يقول قائل: هل يقع العذاب من حين الظلم أو يتأخر أو ما أشبه ذلك، فيقال: إن الله تعالى قد جعل له موعدًا.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ما هذا الفتى، هل هو ابنه؟
* طالب: لا، ليس ابنه.
* الشيخ: من؟
* طالب: يوشع بن نون يا شيخ.
* الشيخ: اسمه يوشع بن نون لكن ما صلته به؟
* الطالب: فتى لموسى.
* الشيخ: يعني: خادم له، طيب.
سبب هذا القول؟
* الطالب: قال موسى لفتاه إنه (...) بني إسرائيل (...)، فقال له -هذا يوشع بن نون-: هل أعلم منك؟ قال: لا أعلم مني، قال: لا يوجد أعلم مني، عَرَّفه الله سبحانه وتعالى، فقال الله سبحانه وتعالى: يجد عبده في مجمع البحرين هو أعلم منه، فذهب.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف٦٠].
﴿لا أَبْرَحُ﴾ أي: لا أزال، والخبر محذوف، والتقدير: لا أزال أسير حتى أبلغ هذا أو أمضي سنين، فجعل الغاية أحد أمرين: إما أن يبلغ مجمع البحرين ولو في زمن قصير، أو يبقى أزمنة طويلة -إما ثمانون سنة أو أكثر- حتى يصل إلى هذا الرجل الذي أخبره الله عز وجل.
وما مجمع البحرين؟ قيل: إنه مكان الله أعلم به، لكن موسى يعلم، وقيل: إنه ملتقى البحر الأحمر مع البحر الأبيض، وكان فيما سبق بينهما أرض حتى فتحت القناة، وهذا ليس ببعيد أنه قيل له: إن عبدًا من عبادنا في مجمع البحرين وذهب إلى هذا.
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (أو) هنا للتنويع؛ يعني: إما كذا وإما كذا، وقيل: (أو) بمعنى إلا، أي: حتى أبلغ مجمع البحرين إلا أن أمضي حقبًا؛ أي: سنين طويلة قبل مبلغه، لكن الوجه الأول أَسَدّ.
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ فماذا صنع؟ تهيأ لذلك، وسار.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences