Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:61–82
18:61Page 300
فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١
But when they reached the junction between them, they forgot their fish, and it took its course into the sea, slipping away.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ ﴾ أي: بين البحرين، ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف ٦١]، ﴿نَسِيَا﴾ أضاف الفعل إليهما، مع أن الناسي هو الفتى، وليس موسى، لكن القوم إذا كانوا في شأن واحد وفي عمل واحد نُسِب فعل الواحد منهم أو الطائفة منهم إلى الجميع، ولهذا يخاطب الله عز وجل بني إسرائيل في عهد الرسول ﷺ، فيقول: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة٥٠]، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، مع أنهم ما قالوا هذا لكن قاله أجدادهم.
﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ نسيان ذهول أو نسيان ترك؟ نسيان ذهول، وليس نسيان ترك، وهذا من حكمة الله عز وجل أن الله أنساهما ذلك لحكمة، ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
وهذا الحوت جعله الله سبحانه وتعالى علامة لموسى، أنك متى فقدت الحوت فثم مجمع البحرين، وهذا الحوت سبق لنا في الليلة الماضية أنه كان في مِكْتَل، وكان يقتاتان منه، لما وصلا إلى مكان ما ناما فيه عند صخرة، فلما استيقظا وإذا الحوت ليس موجودًا، لكنه -أي الفتى- لم يتفقد المكتل، ونسي شأنه وأمره، هذا الحوت -سبحان الله- طلع، خرج من المكتل ودخل في البحر، وجعل يسير في البحر والبحر ينحاز عنه.
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف ٦١]؛ أي: مثل السرب، السرب: السرداب؛ يعني أنه يشق الماء ولا يتلاءم الماء، وصفه بعض التابعين قال: هكذا؛ يعني: حجز، وهذا من آيات الله، وإلا فقد جرت العادة أن الحوت إذا انغمس في البحر أيش يعمل البحر؟ يتلاءم عليه، لكن هذا الحوت من آيات الله، أولًا: إذا كان قد ذبح أو قد مات وأنهما يقتاتان منه، كونه حيي، وقام ودخل البحر وصار طريقه على هذا الوجه، هذا من آيات الله عز وجل.
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الضمير يعود على أيش؟ على الحوت، ﴿سَبِيلَهُ﴾: طريقه، ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ يعني: مثل السَرَب، السرب ما نسميه إحنا بالسرداب؛ يعني الشق الطويل.
18:62Page 301
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢
So when they had passed beyond it, [Moses] said to his boy, "Bring us our morning meal. We have certainly suffered in this, our journey, [much] fatigue."
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ ﴾ [الكهف: ٦٢] الفاعل موسى وفتاه، ﴿جَاوَزَا﴾ يعني تعديا ذلك المكان، قال موسى لفتاه ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف ٦٢]، وهذا لا شك أنه في الصباح؛ لأن الغداء هو الطعام الذي يؤكل في الغداة.
﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف ٦٢] أي: تعبًا، قوله: ﴿مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾: ليس المراد من سفرهم من حين ابتدأا السفر، ولكن من حين فارقا الصخرة، ولذلك طلب الغداء، من حين فارق الصخرة تعب وطلب الغداء، قال أهل العلم: وهذا من آيات الله عز وجل، فقد سارا قبل ذلك مسافة طويلة ولم يتعبا، ولما جاوزا المكان تعبا سريعًا من أجل ألا يتماديا في البعد عن المكان.
18:63Page 301
قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣
He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ﴾ أرأيت يعني: تنبه أو بمعناها، ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي رجعنا إليها واتخذناها مأوى؛ لأنهما ناما، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ما معنى نسيت؟ يعني نسيت أن أتفقده وأسعى في شأنه، وإلا فالحوت معروف كان في المكتل، لكن نسي هل هو باق أو لم يبق؟
﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قوله: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ هذه بدل من الهاء في ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ يعني: ما أنساني ذكره إلا الشيطان.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿سَبِيلَهُ﴾ يعني طريقه، ﴿عَجَبًا﴾ أي محل عَجَب، وهو محل عجب، ماء سَيَّال يمر به هذا الحوت ويكون طريقه سربًا، فكان هذا الطريق للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عَجَبًا، ولنا أيضًا عجبًا؛ لأن الماء عادة يتلاءم على ما يمر به، لكن هذا الحوت بإذن الله لم يتلاءم.
18:64Page 301
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤
[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ﴾ [الكهف: ٦٣، ٦٤]، يقول موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي ما كنا نطلب؛ لأن الله أخبره بأنه إذا فقد الحوت فذاك محل اتفاقه مع مَن؟ مع الخضر، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف ٦٤] يعني: رجع، بعد أن أخذ مسافة تعب فيها.
﴿ارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ يعني: يقصان آثارهما لئلا يضيع عنهما المحل الذي كانا أويا إليه، ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ أي: يقصان الأثر.
18:65Page 301
فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥
And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ﴾ [الكهف: ٦٥]، وهو الخضر، كما صح عن ذلك عن النبي ﷺ.
﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل هو من العباد الصالحين؟ أو من الأولياء الذين لهم كرامات؟ أو من الأنبياء؟ أو من الرسل؟ كل ذلك ممكن، لكن النصوص تدل على أنه ليس برسول ولا نبي، إنما هو عبد صالح أعطاه الله تعالى كرامات؛ ليتبين بذلك أن موسى لا يحيط بكل شيء علمًا، وأنه يفوته من العلم شيء كثير.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥]، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ هي أن الله تعالى جعله من أوليائه، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ يعني علمًا لا يطلع عليه الناس، علم خاص بالله عز وجل، وهو علم الغيب في هذه القصة المعينة، وليس علم نبوة، ولكنه علم خاص؛ لأن هذا العلم الذي اطلع عليه الخضر لا يمكن إدراكه، أليس كذلك؟ لا يمكن إدراكه، ليس شيئًا مبنيًّا على المحسوس فيبنى المستقبل على الحاضر، شيء غائب، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ أي معلومات لا يطلع عليها البشر.
18:66Page 301
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦
Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"
يقول الله عز وجل: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف ٦٦]، تأمل هذا الأدب من موسى عليه الصلاة والسلام، مع أن موسى أفضل منه ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب٦٩]، ومع ذلك يتلطف بهذا؛ لأنه سوف يأخذ منه علمًا لا يعلمه موسى، ففي هذا دليل على أنه ينبغي لطالب العلم أن يتلطف مع شيخه ومع أستاذه، وأن يعامله بالإكرام.
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى﴾ فهو قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، وهذا عرض، عرض رقيق، وأيضًا بَيَّن له أنه لا يريد أن يتبعه ليأكل من أكله ويشرب من شربه، لا، ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
الخضر لا شك أن سيفرح ممن يأخذ منه العلم، وكل إنسان أعطاه الله علمًا فينبغي أن يفرح أن يؤخذ منه هذا العلم؛ لأن العلم الذي يؤخذ من الإنسان في حياته ينتفع به بعد وفاته، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه» .
(67-69)
فقال له: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف ٦٧، ٦٨].
﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، وبين له عذره في أنه لا يستطيع، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، وأين الدليل للخضر أن موسى لم يحط بذلك خبرًا؟
لأنه قال: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾، وهذا يدل على أنه لا علم له فيما عند الخضر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف ٦٨، ٦٩].
وهذا الذي قاله موسى عليه السلام قاله فيما في نفسه في تلك الساعة أنه سيصبر، لكنه علقه بمشيئة الله؛ لئلا يكون ذلك اعتزازًا بنفسه وإعجابًا بها، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وهذا كقول إسماعيل بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما قال له أبوه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات ١٠٢]، قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي﴾ أيش؟ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، موسى عليه الصلاة والسلام قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾، وأيضًا أصبر على ما تفعل وأمتثل ما به تأمر.
﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وعده بشيئين: الصبر على ما يفعل، والثاني: الائتمار بما يأمر، والانتهاء عما ينهى.
18:67Page 301
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧
He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.
No commentary for this ayah
18:68Page 301
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨
And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"
No commentary for this ayah
18:69Page 301
قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩
[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."
No commentary for this ayah
18:70Page 301
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠
He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."
﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٦٩، ٧٠]؛ يعني: حتى أذكر لك السبب، ﴿إِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾، ومعلوم أنه سيتبعه، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ كل ما فعلت لا تسألني عنه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، و﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية؛ يعني: إلى أن أحدث لك منه ذكرًا، وهذا توجيه من مُعلِّم لمن يتعلم منه، ألَّا يتعجل في الرد على معلمه، بل ينتظر حتى يحدث له من ذلك ذكرًا، وهذا لا شك أنه من آداب المتعلم ألَّا يتعجل بالرد حتى يتبين الأمر ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
18:71Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١
So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."
﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴾ [الكهف: ٧١] (انطلقا) الفاعل من؟ موسى والخضر، وسكت عن الفتى، فهل الفتى تأخر، أو أنه ركب، لكن لما كان تابعًا لم يكن له ذِكْر؟ الذي يظهر -والله أعلم- أنه كان تابعًا، لكن لما لم يكن له تعلق بالمسألة، والأصل هو موسى، طُوِي ذِكْره، وهو أيضًا تابع، ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾؛ يعني: هما يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فركبا فيها، لما ركبا في السفينة قام الخضر فخرقها، خرقها بالمخراق؟
لا، لكنه قلع إحدى خشبها الذي يدخل منه الماء، فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف ٧١] وهذا إنكار، إنكار ممن؟ من موسى على الخضر، مع أنه قال له: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ ولكنه لم يصبر؛ لأن هذه مشكلتها عظيمة، سفينة في البحر يخرقها فتغرق.
و(اللام) في قوله: ﴿لِتُغْرِقَ﴾ ليست للتعليل ولكنها للعاقبة؛ يعني أنك إذا خرقتها غرق، وإلا لا شك أن موسى عليه الصلاة والسلام لا يدري ما غرض الخضر، ولا شك أيضًا أنه يدري أنه لا يريد أن يغرق أهلها؛ لأنه لو أراد أن يغرق أهلها لكان أول من يغرق هو وموسى، لكن اللام هنا للعاقبة، ولام العاقبة ترد في غير موضع حتى في القرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص٨]، لو سألنا أي إنسان: هل آل فرعون التقطوا موسى ليكون عدوًّا لهم وحزنًا؟ أبدًا لكن هذه الغاية.
﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف ٧١] أي عظيمًا؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان شديدًا قويًّا في ذات الله، فهو أنكر عليه وبَيَّن أن فعله ستكون عاقبته الإغراق، وزاده توبيخًا في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: عظيمًا، والجملة هنا مؤكدة بكم مؤكدات يا إخوان؟ ثلاثة مؤكدات: (اللام)، و(قد)، والقسم المُقَدّر الذي تدل عليه اللام، وقلنا: عظيمًا، ومنه قول أبي سفيان لهرقل لما حدثه عن الرسول ﷺ، وبين له حاله وصفاته ومكارم أخلاقه وانصرف مع قومه، قال: «لقد أَمِر أَمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر »، يعني بابن أبي كبشة الرسول ﷺ، وأمِر أمره: يعني عَظُم، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
18:72Page 301
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢
[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٢].
الجواب بلى، ولّا لا؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: اعتذر موسى.
18:73Page 301
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٣]، ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وسبب نسيان موسى أن الأمر عظيم اندهش له، أن تخرق السفينة وهو على ظهرها والخضر على ظهرها وأهلها معه، هذه توجب أن الإنسان ينسى ما سبق من شدة وَقْع ذلك في نفسه، اعتذر ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بنسياني، ولهذا نقول في إعراب (ما) إنها مصدرية، أي: بنسياني ذلك، وهو قولك: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ يعني لا تثقل عليَّ وتُعَسّر عليَّ الأمور، وكأن هذا -والله أعلم- توطئة لما يأتي بعد.
18:74Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٤] انطلقا منين؟ من السفينة بعد أن أرست على الميناء، ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ﴾ [الكهف ٧٤]، هنا قال: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ ولم يقل: قتله، وفي السفينة قال: ﴿خَرَقَهَا﴾ ولم يقل: فخرقها؛ لأن قتل النفس كأنه تأنى فيه قليلًا يعني كأن شيئًا حصل قبل القتل فقتله، الغلام والصغير، موسى عليه الصلاة والسلام ما صبر.
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ -وفي قراءة ﴿زَاكِيَةً﴾ - ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف ٧٤]، قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾؛ لأنه غلام صغير، والغلام الصغير تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات، إذن فهو زكي؛ لأنه صغير، فلا تكتب عليه السيئات وتكتب له الحسنات.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يعني أنه لم يقتل أحدًا حتى تقتله، ولكن لو أنه قتل هل يُقتل أو لا؟ شريعتنا لا يقتل، غير المكلف لا يقتل بالعمد؛ لأنه لا عمد له.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ هذه العبارة أشد من العبارة الأولى، الأولى ماذا قال؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، لكن هنا قال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا عظيمًا أن تقتل نفسًا، والفرق بين هذا وهذا أن خرق السفينة قد يكون به الغرق وقد لا يكون، وهذا اللي هو حصل لم تغرق السفينة، وأما قتل النفس فهو منكر حالًا ما فيه احتمال.
18:75Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٤، ٧٥] هنا فيها لوم أشد على موسى، في الأول قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، في الثاني قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾؛ يعني: كأنك لم تفهم ولن تفهم، ولذلك الناس يفرقون بين الجملتين، لو أنك كلمت شخصًا في شيء وخالف، تقول في الأول: ألم أقل إنك، لكن: ألم أقل لك؛ يعني: الخطاب ورد عليك ورودًا لا خفاء فيه ومع ذلك خالفت، فصار لوم الخضر لموسى في الثانية أيش؟ أشد. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
18:76Page 302
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
فقال له موسى، لما رأى أنه لا عذر له: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؛ يعني: امنعني عن صحبتك، وفي قول موسى: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام يرى أنه أعلى منه منزلة، وإلا لقال: إن سألتك عن شيء بعدها أيش؟ فلا أصاحبك، لكن قال: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ يعني: وامنعني من ذلك.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف ٧٦] يعني أنك وصلت إلى حال تُعْذَر فيها؛ لأنه كم أنكر عليه من مرة؟ مرتين، مع أن موسى التزم بألا يسأل قال: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
18:77Page 302
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧
So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ ﴾ [الكهف: ٧٧]، ولم يعين الله عز وجل القرية، فلا حاجة إلى أن نبحث عن هذه القرية، نقول: قرية أبهمها الله فنبهمها، ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف ٧٧] يعني: طلبا من أهلها طعامًا، ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف ٧٧]، ولا شك أن هذا خلاف كمال الإيمان؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ، لكن هؤلاء أبوا أن يضيفوهما، وكان جزاؤهم ألا يعاملوا إلا بمثل ما فعلوا، لكن الأمر وقع على خلاف ذلك، والله عز وجل ييسر لعبده المؤمن ما يكون به الخير.
«بعث النبي ﷺ سرية، فنزلوا ضيفًا على قوم، ولكن القوم أبوا أن يضيفوهم، فتنحوا ناحية، فسلط الله على رئيسهم عقربًا لدغته، وكانت شديدة، فقال بعضهم لبعضهم: هل من راقٍ؟ قالوا: لا نعلم إلا كان هؤلاء الرهط، فأتوا إلى الصحابة قالوا: إن سيدهم قد لدغ، فهل عندكم من راق؟ قالوا: نعم، لكننا لا نرقيه إلا بكذا وكذا من الغنم، قال: لكم هذا، فذهب أحد رجال السرية، وجعل يقرأ على هذا اللديغ سورة الفاتحة، فقام كأنما نشط من عقال» .
فانظر إلى لطف الله عز وجل حيث يسر للصحابة ضيافة رغمًا على هؤلاء الذين أبوا أن يضيفوهم، وصاحبهم لم يمسه سوء إلا وجع اللدغة وانتهى بقراءة الرجل عليه، المهم أن موسى والخضر استطعما أهل القرية ولكن أبوا أن يضيفوهما، قال: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف ٧٧] ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ كيف يريد أن ينقض؟ هل الجدار له إرادة؟
الجواب: نعم، له إرادة، وذلك ميله، فإن ميله يدل على إرادة السقوط، ولا تتعجب إذا كان للجماد إرادة، فها هو أُحُد قال فيه النبي ﷺ: «إِنَّهُ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والمحبة وصف زائد على الإرادة، وهو جماد.
وأما قول بعض الناس الذين يجوزون المجاز في القرآن وقالوا: إن هذا كناية وليس للجدار إرادة، فلا وجه له.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي أنه مائل يريد أن يسقط، ﴿فَأَقَامَهُ﴾ من أقامه؟ أقامه الخضر، لكن كيف أقامه؟ الله أعلم، قد يكون أقامه بيده وأن الله أعطاه قوة واستقام الجدار، وقد يكون بناه البناء المعتاد، المهم أنه أقامه.
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف ٧٧]، هذه عبارة لينة جدًا ليست كالعبارة الأولى، ما أنكر عليه أن يبنيه، ولا قال: كيف تبنيه وقد أبوا أن يضيفونا، بل قال: ﴿لَوْ شِئْتَ﴾، وهذا لا شك أسلوب رقيق، عرض، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد قدم ما يجعله لا ينكر على الخضر.
18:78Page 302
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨
[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ﴾ [الكهف: ٧٨]، القائل الخضر؛ يعني: انتهى ما بيني وبينك، فلا صحبة، ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ أي: سأخبرك عن قرب، ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، وإنما قلت: سأخبرك عن قرب؛ لأن السين تدل على القرب بخلاف سوف، وهي أيضًا تفيد مع القرب التحقيق، ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ أي: بتفسيره وبيان وجهه.
18:79Page 302
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩
As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ ﴾ [الكهف: ٧٩]، ويريد بها السفينة التي خرقها، فـ(أل) في السفينة لأيش؟
* طالب: للعهد الذكري.
* الشيخ: للعهد الذكري، نعم، ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ يعني: التي خرقها، ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾؛ يعني أنهم يطلبون الرزق فيها، مساكين فقراء، والجمع أقله ثلاثة، قد يكون ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين، عددهم ليس بضروري أن نعرفه.
﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾؛ يعني أن أجعل فيها عيبًا، لماذا؟ قال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، حتى إذا مرت بهذا الملك قال: هذه سفينة معيبة لا حاجة لي فيها؛ لأنه لا يأخذ إلا السفن الصالحة الجيدة، أما هذه فلا حاجة له فيها، وهذا منه أخذ الناس أن الإنسان الذي يخاف على نفسه العين ينبغي ألا يظهر بالمظهر الذي يلفت النظر؛ خوفًا من العين؛ يعني لا يلبس الثياب الجميلة جدًا التي تلفت النظر، أو يتزين زينة تلفت النظر، هل مثلًا لو فرضنا أن الرجل هذا له عينان واسعتان جميلتان قويتا النظر، هل مثلًا نقول: امش وأنت مغمض؟
* طلبة: يلبس نظارات.
* الشيخ: ممكن يلبس نظارات، أو إذا لم يكن عنده نظارات يقلل من فتح العينين؛ لئلا يصاب بأذى، على كل حال صار له وجهة نظر، فعل الخضر له مبرر، ومنه يؤخذ فائدة عظيمة، وهي إتلاف بعض الشيء لإصلاح باقيه، إتلاف بعض الشيء لإصلاح باقيه هذا شيء جائز، والأطباء الآن يعملون به، تجده مثلًا يأخذ من الفخذ قطعة ليصلح بها شيئًا في الوجه أو في الرأس أو ما أشبه ذلك ولا بأس به.
وأخذ من ذلك العلماء رحمه الله أن الوقف إذا دمر وخرب فلا بأس أن يباع بعضه ويصلح به الباقي.
﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، إذن زال الإشكال في مسألة السفينة.
18:80Page 302
وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠
And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ﴾ [الكهف: ٨٠]، الغلام صغير، كان أبواه مؤمنين، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ ﴿خَشِينَا﴾ قال هنا بالجمع، وهو بالنسبة للخضر واقع، وبالنسبة لموسى متوقع، أما السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ﴾ ولم يقل: أردنا؛ لأن موسى قد لا يُتَوقع أنه يريد ذلك، لكن موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من المصلحين يخشون أن يكفر الإنسان بسبب شيء من الأشياء، فهذا والله أعلم وجه كون ﴿أَرَدْتُ﴾ بالإفراد و﴿خَشِينَا﴾ بالجمع.
﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ فأعلمه الله عز وجل بأن مآل هذا الغلام أيش؟ الكفر، وأنه ربما يرهق والديه؛ يعني: يكرههما على الطغيان والكفر، إما لمحبتهما إياه أو لغير ذلك من الأسباب، وإلا فالغالب أن الوالد يؤثر على الولد، لكن قد يؤثر الولد على الوالد، كما أن الغالب أن الزوج يؤثر على زوجته وقد تؤثر الزوجة على زوجها.
18:81Page 302
فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١
So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴾ [الكهف: ٨١]؛ يعني أن إذا قتلناه فعند الله ما هو خير وأبقى، ﴿أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ أي: في الدين، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: في الصلة؛ يعني أنه أراد هو وموسى -تحقيقًا بالنسبة للخضر وتقديرًا بالنسبة لموسى- أن الله يخلف عليهما من هو أزكى منهما في الدين، وأوصل منهما في الرحم، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
بقي شيء ثالث، الآن عرفنا وجهة النظر في قتل الغلام، فهل يؤخذ من ذلك أن يقتل الكافر خوفًا من أن ينشر كفره في الناس؟ نعم، لا شك، فالداعي إلى الكفر يقتل خوفًا من أن ينشر كفره في الناس.
18:82Page 302
وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢
And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف ٨٢]، غلامين صغيرين يتيمين قد مات أبوهما، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ تحت أيش؟ الجدار، ﴿كَنْزٌ﴾ أي: مال مدفون.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، أراد الله عز وجل أن يبلغا أشدهما؛ أي: يبلغا ويكبرا، حتى يصلا إلى سن الأشد، وهو أربعون سنة عند كثير من العلماء.
فالداعي إلى الكفر يُقْتَل؛ خوفًا من أن ينشر كفرَه في الناس.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف ٨٢] غلامين صغيرين يتيمين قد مات أبوهما.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ تحت أيش؟ الجدار، ﴿كَنْزٌ﴾ أي: مال مدفون ﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أراد الله عز وجل ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: يبلغا ويَكْبُرا حتى يصلا إلى سن الأَشُدِّ وهو أربعون سنة عند الكثير من العلماء.
﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ لأنه سيبقى تحت الجدار، ولو أن الجدار انهدم وانقض لبرز الكنز وأخذه الناس.
قال: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فكان من شكر الله عز وجل لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفًا بأبنائه، وهذا من بركة الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ وهنا ما قال: فأردنا، ولا قال: فأردت، قال: (أَرَادَ رَبُّكَ)؛ لأن بقاء الغلامين حتى يبلغا الأَشُدَّ ليس للخضر ولا لموسى فيه أي شيء، لكن الخشية خشية ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تكون من موسى ومن الخضر، وإرادة عيب السفينة تكون من الخضر، وفعلًا عابها، لكن مسألة نشأة الغلامين على طاعة الله عز وجل حتى يكبرا ويستخرجا كنزهما ليس لموسى ولا للخضر فيها آية.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ منين؟ من تحت الجدار.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ هذه مفعول لأجله العامل فيه (أراد)، يعني: أراد الله ذلك رحمة منه جل وعلا.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يعني: ما فعلت هذا الشيء عن ذكاء مني أو عقل مني، ولكنه بإلهام من الله عز وجل وتوفيق؛ لأن هذا الشيء فوق ما يدركه العقل البشري.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (تأويله) يعني: تفسيره؛ لأنه في الأول قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ ثم ختم ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ أي: تفسير، ويحتمل أن يكون المراد بالتأويل هنا في الثانية العاقبة، يعني: ذلك عاقبة ما لم تستطع عليه صبرًا؛ لأن التأويل يراد به العاقبة ويراد به التفسير.
وقوله: ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ وفي الأول قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ الإتيان باللغتين يعني: أن استطاع واسطاع، ويستطيع ويسطيع، كل منها لغة صحيحة عربية.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ في هذه القصة من العبر شيءٌ كثير لو أردت أن يقوم كل واحد بذكر فوائد من تصويرها أو مشهدها، هل لكم طاقة بذلك؟ يعني مثلًا؛ واحد يأخذ القصة من حين خرج موسى عليه الصلاة والسلام إلى أن آوى إلى الصخرة وفارقها، ثم من ركوبه مع الخضر السفينة وما جرى من الخضر على السفينة، وبيان السبب في ذلك ثم الغلام، ثم الجدار، يعني: أربعة، كل واحد يأخذ موضوعًا.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٨٣]..
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه خليها للباحث.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذه للباحث.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كل القصة ولا بعضها؟
* الطالب: لأن موسى يا شيخ في بعض القصة؛ لأن موسى أعلم من الخضر وأفضل من الخضر، فهو كليم الله سبحانه وتعالى ومن أولي العزم الخمسة، لكن معنى القصة هنا امتحان لموسى بما سبق من كلامه، والخضر أطلعه الله على شيء على قتل الغلام، وخرق السفينة بمنزلة الغيب، لا (...) خرق السفينة، قتل الغلام والجدار، يعني: أقرب ما يكون لمسألة الغيب، والغيب ما يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إي، هذا أطلعه الله عليه، والله عز وجل قد يطلع بعض الأولياء على الغيب.
* الطالب: لكن موسى يا شيخ أفضل منه.
* الشيخ: ولو كان أفضل منه قد يغيب عن موسى شيء، ويتضح لغيره مثل الآن يوجد مثلًا فضائل في الصحابة، لبعض الصحابة فضل لم يحصل لأبي بكر ولا لعمر.
* الطالب: (...) في قول الله عز وجل: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ ألا يمكن لقائل أن يقول: إن الرحمة هنا رحمة النبوة كما في قول نوح عليه السلام: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود ٢٨] ، وقول صالح عليه السلام: ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود ٦٣]؟
* الشيخ: (...) هذا لا يدل على أنه نبي، بل هو رجل صالح، حتى كل صالح فإن الله تعالى قد رحمه؛ ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٩]، كل عبد صالح فهو مرحوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هو أقرب ما يكون لو قلنا به ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (...) الرحمة لكل أحد، نعم.
* الطالب: ما وجه إنكار الخضر على موسى في قوله: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ما (...) هذا عرض عليه، ما فيه لا إنكار ولم يقل: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا يتضمن الإنكار، يعني: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ هو عرض لطيف، لكن وراءه انتقاد.
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ استدل البعض على إثبات العلم اللدني، وما ضابط ذلك؟
* الشيخ: لا، نقول: كل شيء لا يمكن للإنسان أن يتوصل إليه بنفسه، فهو من لدن الله عز وجل، وأما ما قاله الصوفية: العلم اللدني وأنه يقول: إنه حضر مع الله في الليلة الماضية وسهر مع الله وأعطاني علمًا وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافاتهم، أليس هكذا؟
* الطالب: يقولون هكذا.
* الشيخ: نعم، يقولون هكذا.
* الطالب: شيخ، بالنسبة للخضر والقول عنه إنه عائش (...)؟
* الشيخ: لا، الخضر لا شك أنه مات في وقته، ولهذا لم يجر له ذكر لا مع عيسى ولا مع غيره من الأنبياء، ولا مع محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو كان حيًّا حياة الآدميين لوجب عليه أن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأن يأتي إليه، ويشاركه في جهاده، وأيضًا فقد قال النبي ﷺ في آخر حياته:« إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤)، ومسلم (٢٥٣٧/ ٢١٧) من حديث عبد الله بن عمر.]] لا، هو مات في وقته.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences