Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:83–104
18:83Page 302
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣
And they ask you, [O Muḥammad], about Dhul-Qarnayn. Say, "I will recite to you about him a report."
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٨٣] ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الواو فاعل للناس سواء من اليهود أو من قريش أو من غيرهم.
﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ أي: صاحب ذي القرنين، وكان له ذكر في التاريخ، وقد قال اليهود لقريش: اسألوه عن هذا الرجل؛ إن أخبركم عنه فهو نبيٌّ.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ يعني: قل لمن سألك: ﴿سَأَتْلُو﴾ سأقرأ عليك ﴿مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وليس كلَّ ذكره، بل ذكرًا منه، ما هو كل أحواله، ثم قص الله القصة.
18:84Page 303
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤
Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿مَكَّنَّا لَهُ﴾ أي: ثبَّتْنا له في الأرض؛ وذلك بثبوت ملكه وسهولة سيره وقوته.
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: شيئًا يتوصل به إلى مقصوده.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعمُّ كل شيء، لكن المراد من كل شيء يحتاج إليه، والدليل على هذا أن كل شيء بحسب ما تضاف إليه؛ فأنتم ترون أن الهدهد قال لسليمان عليه الصلاة والسلام عن ملكة سبأ قال: إنها أيش؟ ﴿أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٢٣]، ومعلوم أنها ما أوتيت السماوات ولا الأرض لكن من كل شيء يكون به تمام الملك، كذلك قال الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف ٢٥]، ومعلوم أنها ما دمرت كل شيء، المساكن ما دمرت كما قال عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥].
إذن هنا ﴿آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: من كل شيء يكون به التمكين في الأرض، وقوة السلطة من كل شيء سببًا.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿فَأَتْبَعَ﴾ بمعنى تبع، يعني: أنه –أي: ذا القرنين- انتفع بما أعطاه الله تعالى من الأسباب؛ لأن من الناس من ينتفع، ومن الناس من لا ينتفع لكن هذا الملك انتفع (أَتْبَعَ سَبَبًا) وجال في الأرض.
18:86Page 303
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا ٨٦
Until, when he reached the setting of the sun [i.e., the west], he found it [as if] setting in a body of dark water,1 and he found near it a people. We [i.e., Allāh] said, "O Dhul-Qarnayn, either you punish [them] or else adopt among them [a way of] goodness."
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ موضع غروبها ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ من المعلوم أن المراد المكان الذي تغرب الشمس فيه، وهو البحر؛ لأن الساعي إلى المغرب سوف يصطدم بأيش؟ بالبحر المحيط، والشمس إذا رآها الرائي وجد أنها تغرب فيه.
أرض البحر ﴿حَمِئَةٍ﴾ يعني: مُسْوَدَّة من الماء؛ لأن الماء إذا مكث طويلًا في الأرض صارت سوداء.
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ في هذه العين، ومعلوم أنها تغرب في هذه العين الحمئة حسب رؤية الإنسان، وإلَّا فهي أكبر من الأرض، وأكبر من هذه العين الحمئة وأعظم، وهي تدور على الأرض، لكن لا حرج أن الإنسان يُخْبِر عن الشيء حسب رؤيته إياه.
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ أي: عند هذه العين الحمئة وهو البحر ﴿قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف ٨٦] يعني: أن الله عز وجل خَيَّره بين أن يعذبهم بالقتل، أو غير القتل، أو يحسن إليهم يتخذ فيهم حسنًا؛ وذلك لأن الرجل ملكٌ عادل، ملك عاقل، ويدل لعقله ودينه أنه قال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف ٨٧، ٨٨] حُكم عدل.
18:87Page 303
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨٧
He said, "As for one who wrongs,1 we will punish him. Then he will be returned to his Lord, and He will punish him with a terrible punishment [i.e., Hellfire].
﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ وذلك بالشرك؛ لأن الظلم يطلق على الشرك، وعلى غيره لكن الظاهر -والله أعلم- أن المراد هنا الشرك؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
يقول: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ العذاب الذي يكون تعزيرًا، وعذاب التعزير يرجع إلى رأي الحاكم إما بالقتل أو بغيره.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ وهو الله -عز وجل- ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ لأن العقوبات لا تُطَهِّر الكافرين، المسلم تُطَهِّره العقوبات، الكافر لا، يعذب في الدنيا وفي الآخرة، نعوذ بالله من ذلك.
﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾ نكرًا على المعذب أو نكرًا ينكره المعذَّب؟
الثاني هو المتعيِّن؛ لأن عذاب الله ليس بِنُكر، بل هو حق وعدل، لكنه ينكره المعذَّب، ويرى أنه شديد.
18:88Page 303
وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ٨٨
But as for one who believes and does righteousness, he will have a reward of the best [i.e., Paradise], and we [i.e., Dhul-Qarnayn] will speak to him from our command with ease."
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ وهي الجنة، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ المؤمن العامل للصالحات له جزاء عند مَنْ؟ له جزاء عند الله، وهي الجنة كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] فسرها النبي ﷺ بأن (الحسنى) هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ هذا المؤمن الذي عمل الصالح سيقول له من شأنه أو من أمره اللفظي ﴿يُسْرًا﴾ أي: ما فيه اليسر له، فوُعِدَ هذا وهذا بأمرين؛ الظالم وعده بأمرين وهما: أنه يعذبه، ثم يرد إلى الله فيعذبه، وهذا وعده بأمرين؛ أن له الحسنى، وأنه يعامل بالأيسر.
لكن تأمل في حال المشرك بدأ بتعذيبه ثم ثنَّى بتعذيب الله، المؤمن بدأ بثواب الله أولًا ثم معاملته باليسر ثانيًا، والفرق ظاهر؛ لأن مقصود المؤمن والعامل الصالحات ما هو؟ الوصول إلى الجنة، والوصول إلى الجنة لا شك أنه أفضل وأشرف من أن يقال له قول يسر، وهذا يدل على أن هذا الملك فصيح بليغ ينزِّل القضايا منازلها.
18:89–91Page 303
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٩
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا ٩٠
Until, when he came to the rising of the sun [i.e., the east], he found it rising on a people for whom We had not made against it any shield.
كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا ٩١
Thus.1 And We had encompassed [all] that he had in knowledge.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩، ٩٠] سبحان الله، اتجه أولًا للمغرب ووصل إلى نهاية الأرض اليابسة مما يمكنه أن يصل إليه ثم عاد إلى المشرق، وهكذا في الغالب أن الملك يكون من المشرق إلى المغرب أو المغرب إلى المشرق، والشمال والجنوب لا، أضعف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩/ ١٩) من حديث ثوبان.]] دون شَمالها وجنوبها؛ لأن الشمال والجنوب -كما يعلم كثير من الناس- ليس محلًّا للسُكْنَى، أقصاه من الشمال وأقصاه من الجنوب كله ثلج، ما فيه سكان، السكان يتَّبِعون الشمس من المشرق للمغرب أو من المغرب إلى المشرق.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: موضع طلوعها.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ إلى آخره ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ ليس عندهم بناء، ولا أشجار ظليلة، وبعض العلماء بالغ حتى قال: وليس عليهم ثياب؛ لأن الثياب فيها نوع من الستر -فالله أعلم- المهم أن الشمس تحرقهم، وليس لهم من دونها سترًا، لا أشجار ظليلة، ولا دور، ولا قصور.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: الأمر كما قلنا، يعني: الأمر كذلك حق على حقيقته.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ سبحان الله، يعني: قد علمنا علم اليقين بما عنده من وسائل الملك وامتداده، وغير ذلك من كل ما لديه، والله أعلم.
* الطالب: إعراب ﴿جَزَاءً﴾.
* الشيخ: حال؛ يعني: فلهم الحسنى جزاءً، حال كونها جزاء.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (إذ) ما محلها من الإعراب؟
* الطالب: في محل نصب ظرف زمان.
* الشيخ: أين عاملها؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: التقدير (اذكر)؛ لأن كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل.
قوله: ﴿لِفَتَاهُ﴾؟
* الطالب: يوشع بن نون.
* الشيخ: إي، هذا اسمه يوشع بن نون، ولكن (فتى)؟
* الطالب: خادمه.
* الشيخ: لخادمه. قوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ أين خبر ﴿لَا أَبْرَحُ﴾؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: لا أبرح أسير.
* الشيخ: لا أبرح أسير. أين مكان مجمع البحرين؟
* الطالب: قيل: هو..
* الشيخ: فيه أقوال: لكن أقرب شيء؟
* الطالب: عند التقاء البحرين البحر الأبيض مع البحر الأحمر.
* الشيخ: نعم، في هذا المكان، القرن هذا، فهذا أقرب شيء؛ لأن موسى كان بمصر.
ما الفرق بين قول الخضر لموسى في الأول: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، وفي الثانية قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾؟
* الطالب: أن موسى كرر أن يسأل..
* الشيخ: لكن ما الفرق بين العبارتين: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ و﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾؟
* الطالب: الأولى فيها تخفيف أن عاتبه بخفة؛ يعني..
* الشيخ: أخفُّ عتابًا من الثانية؛ لأنه قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ يعني: لك أو لغيرك، إنك لا تستطيع لكن إذا صرَّح ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يكون أشدَّ وقعًا في نفس موسى وأشدَّ ألمًا في التوبيخ كذا؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾.
الآن لو أقول مثلًا لواحد: ألم أقل: إنك لم تفعل كذا، ما يكون عتاب مواجهة، قد يكون ألم أقل لغيرك مثلًا، لكن ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ أشد عتابًا من الأولى.
في الغلام قتله الخضر خوفًا من أيش؟
* الطالب: خوفًا من أن يدخل على أبويه (...).
* الشيخ: إي نعم، طيب كيف الولد يؤثر على الوالدين؟
* الطالب: يؤثِّر بالحب، ويؤثِّر بكثرة المخالطة.
* الشيخ: نعم، يعني: قد يكونا قد تعلقا به كثيرًا وأحبَّاه كثيرًا، ومثل هذا قد يؤثر عليهما.
هل الخضر نبي؟
* الطالب: ليس نبيًّا.
* الشيخ: على القول الراجح ليس نبيًّا ولا رسولًا.
* الطالب: إنه وليٌّ وإِنَّه عبد صالح.
* الشيخ: إي نعم، والأظهر -والله أعلم- أنه وليٌّ؛ لأن هذه الأشياء كرامات؛ أنه أُكْرِم بما حصل من هذا العلم الذي علمه الله.
* * *
الآن نبدأ في ذي القرنين أولًا: لماذا سُمِّي ذا القرنين؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ فنسأل لماذا سُمِّي ذا القرنين؟
قيل معناه: أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فإن المشرق قَرْن والمغرب قرن كما قال النبي ﷺ: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٧)، ومسلم (٢٩٠٥/ ٤٥) من حديث عبد الله بن عمر.]] فيكون هذا كناية عن أيش؟ عن سعة ملكه.
وقيل: ذو القرنين لقوته؛ ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشدَّ وأقوى، وقيل: ذو القرنين، إنهما علامتان وضعهما على رأسه كالقرن، كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن لم يُبَيِّن، لكن أقرب ما يكون للقرآن الكريم أن معناه المالك للمشرق والمغرب، وهو مناسب تمامًا؛ حيث قال النبي ﷺ في الشمس: «إِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ»[[أخرجه مسلم (٨٣٢/ ٢٩٤) من حديث عمرو بن عبسة السلمي.]]
﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وأخذناها أظن؟ إلى قوله؟
* الطالب: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (...).
الشيخ: نعم، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني: سار واتخذ سببًا يصل به إلى مراده.
18:93Page 303
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣
Until, when he reached [a pass] between two mountains, he found beside them a people who could hardly understand [his] speech.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ﴿السَّدَّيْنِ﴾ هما جبلان عظيمان يحولان بين الجهة الشرقية من شرق آسيا، والجهة الغربية، وهما جبلان عظيمان لكن بينهما منفذ ينفذ منه الناس، بلغ بينهما؛ بين السدين.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾ يعني: لا بينهما، ولا وراءهما ﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾، وقد قيل: إنهم الأتراك تركيا ﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
18:94Page 303
قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤
They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَا يَكَادُونَ يُفْقِهُون قَوْلًا﴾ ، و﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والفرق بينهما ظاهر (لا يَفْقَهُونَ) يعني: هم، (لا يُفقِهون) غيرهم؛ يعني هم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم، وهذه فائدة القراءتين؛ لأن القراءتين كلتاهما صحيح، وكل واحدة تحمل معنى غير معنى القراءة الأخرى، لكن بازدواجهما نعرف أن هؤلاء القوم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٩٤] وحينئذ يقع إشكال؛ كيف يقول: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ثم ينقل عنهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح فصيح؛ ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾؟
الجواب عن هذا سهل جدًّا، وهو أن ذا القرنين أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا، وعنده من المترجمين ما يُعْرَف به ما يريد، وما يَعْرِف به ما يريد غيره على أنه قد يكون الله -عز وجل- قد ألهمه لغة الناس الذين استولى عليهم كلهم، المهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح.
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ نادوه بلقبه تعظيمًا له ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ إلى آخره.
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ هاتان قبيلتان من بني آدم كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي ﷺ «لما حدث الصحابة بأن الله عز وجل يأمر آدم يوم القيامة يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بَعْثًا إلى النار، فيقول: يا رب وما بَعْثُ النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، عَظُمَ ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله، أَيُّنا ذلك الواحد؟ فقال: أَبْشِرُوا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كَثَرَتَاهُ: يأجوج ومأجوج»[[أخرجه الترمذي (٣١٦٩) من حديث عمران بن حصين.]] وبهذا نعرف خطأ من قال: إنهم ليسوا على شكل الآدميين، وأن بعضهم في غاية ما يكون من القصر، وبعضهم في غاية ما يكون من الطول، وأن بعضهم له أذن يفترشها وأذن يلتحف بها، وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافات بني إسرائيل، ولا يجوز أن يُصَدَّق.
بل يقال: إنهم من بني آدم، لكن قد يختلفون كما يختلف الناس في البيئات، الآن تجد مثلًا أهل خط الاستواء بيئتهم غير بيئة الشماليين، كل له بيئة، الشرقيين الآن يختلفون عن وسط الكرة الأرضية هذا ربما يختلفون، أما أن يختلفوا اختلافًا فاضحًا كما يُذْكَر فهذا ليس بصحيح.
﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وبماذا يفسدون؟ الإفساد في الأرض يعُمُّ كل ما كان غير صالح وغير أصلح، يفسدونها في القتل، في النهب، في الانحراف، في الشرك، في كل شيء، المهم أنهم يحتاجون إلى أحد يحميهم من هؤلاء.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يعني حاجزًا يمنع من حضورهم إلينا، فعرضوا عليه أن يعطوه شيئًا، وهذا اجتهاد في غير محله، لكنهم خافوا أن يقول: لا، ولا يمكنهم بعد ذلك، وإلا هذا الاجتهاد كيف يقولون لهذا الملك الذي فتح مشارق الأرض ومغاربها يقولون: ﴿هَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾؟ هذا لا يقال إلا لشخص لا يستطيع، لكنهم قالوا ذلك خوفًا من أن يَرُدَّ طلبهم، يريدون أن يقيموا عليه الحجة بأنهم أرادوا أن يعطوه شيئًا يحميهم به من هؤلاء.
18:95Page 303
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥
He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.
وقال في الجواب: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ﴿مَا﴾ مبتدأ، و﴿خَيْرٌ﴾ خبر المبتدأ، يعني: الذي مكني فيه ربي من الملك والمال والخدم وكل شيء خير من أيش؟ خير من هذا الخرج الذي تعرضونه علي، وهذا كقول سليمان عليه الصلاة والسلام في الهدية -هدية ملكة سبأ- قال أيش؟ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل ٣٦]، وهذا من اعتراف الإنسان بنعم ربه -عز وجل- التي لا يحتاج معها إلى أحد.
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ بقوة بدنية لا بقوة مالية؛ لأنه عنده من الأموال الشيء العظيم.
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ يعني: أكبر مما سألوا، هم سألوا سدًّا، ولكنه قال: ﴿رَدْمًا﴾ يعني: أشدَّ من السدِّ.
18:96Page 303
ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦
Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."
فطلب منهم ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فجمعوه له، و(الزبَر) يعني: القطع من الحديد، فجمعوا الحديد، وجعلوه يساوي الجبال، وهذا يدل على القوة العظيمة في ذلك الوقت، يعني أرطالًا من الحديد تُجْمَع حتى تساوي الجبال الشاهقة العظيمة.
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يعني جانبي الجبلين، ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ يعني: انفخوا على هذا الحديد، وليس المراد بأفواهكم؛ لأن هذا لا يمكن، ولكن انفخوا بالآلات والمعدات التي عنده؛ لأن الله أعطاه ملكًا عظيمًا فنفخوا.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ والحديد معروف أنه إذا أوقد عليه في النار يكون نارًا، تكون القطعة كأنها جمرة، بل هي أشد من الجمرة، ثم طلب أن يأتوا قطرًا يفرغه عليه، القطر: هو النحاس المذاب كما قال الله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ ١٢]، يعني: النحاس أساله الله تعالى لسليمان، بدل ما كان معدنًا قاسيًا يحتاج إلى إخراج بالمعاول، ثم صهر بالنار لا، أسال الله له عين القطر كأنها ماء -سبحان الله- هذا ذو القرنين قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فأفرغ عليه القطر النحاس، اشتبك النحاس مع قطع الحديد، فكان قويًا.
18:97Page 303
فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧
So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.
يقول: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿مَا اسْطَاعُوا﴾، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ معناهما واحد، وسبق في قصة موسى مع الخضر ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ﴾ و﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يعني: أن يصعدوا عليه، لماذا؟ لأنه عالٍ، ولأن الظاهر أنه أملس، فهم لا يستطيعون أن يصعدوا عليه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهنا لم تأت التاء في الفعل الأول، وأتت به ثانيًا، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أيهما أشق أن يصعدوا الجبل أو أن ينقبوا هذا الحديد؟ الثاني أصعب، ولهذا قال: ﴿مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾؛ لأنه حديد ممسوك بالنحاس، فصاروا لا يستطيعون ظهوره لعلوه وملاسته فيما يظهر، ولم يستطيعوا له نقبًا لصلابته وقوته، إذن صار سدًّا منيعًا، وكفى الله شر هؤلاء المفسدين وهم يأجوج ومأجوج.
18:98Page 304
قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨
[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ يقوله مَن؟ يقوله ذو القرنين، وانظر إلى عباد الله الصالحين كيف لا يسندون ما يعملونه لأنفسهم، ولكنهم يسندونه إلى الله -عز وجل- وإلى فضله؛ ولهذا لما قالت النملة حين أقبل سليمان بجنوده على وادي النمل: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل ١٨] قامت خطيبة فصيحة ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٨، ١٩]، هذا أيضًا ذو القرنين -رحمه الله- قال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ وليس بحولي ولا قوتي، ولكنه رحمة به ورحمة بالذين طلبوا منه السد أن حصل هذا الردم المنيع.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف ٩٨] ﴿إِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني: بخروج هؤلاء المفسدين ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: جعل هذا السد دكًا؛ أي: منهدمًا تمامًا وسواه بالأرض، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ؛ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وأشار بالسبابة والوسطى.» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠/ ١) من حديث زينب بنت جحش.]] يعني: شيء يسير، لكن ما ظهر فيه الشقُّ لا بد أن يتوسع.
يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ فما هذا الوعد؟ الوعد أن الله سبحانه وتعالى يخرجهم في آخر الزمان، وذلك بعد خروج الدجال وقتله، يخرج الله هؤلاء يخرجهم في عالم كثير مثل الجراد أو أكثر، حتى إنهم يمرون ببحيرة طبرية ويشربون ماءها، فيمرُّ آخرهم ويقول: قد كان في هذه يومًا ماء من كثرتهم، ثم يُحْصَر عيسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين في جبل الطور، ويلحقهم مشقة، ويرغبون إلى الله تعالى في هلاك هؤلاء، فيرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم حتى يموتوا مِيتَة رجل واحد، يصبحون في ليلة واحدة على كثرتهم مَيِّتِين ميتة رجل واحد حتى تنتن الأرض من رائحتهم، فيرسل الله أمطارًا تحملهم إلى البحر، أو يرسل طيورًا تحملهم إلى البحر، والله على كل شيء قدير.
هذه الأشياء نؤمن بها كما أخبر بها النبي ﷺ، أما كيف تصل الحال إلى ذلك؟ فهذا أمره إلى الله عز وجل.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ يعني: وعد الله تعالى بخروجهم حقًّا، كان حقًّا لا بد أن يقع، كل ما وعد الله بشيء فلا بد أن يقع؛ لأن عدم الوفاء بالوعد إما أن يكون عن عجز، وإما أن يكون عن كذب، والله عز وجل منزه عن أيش؟ عنهما جميعًا عن العجز، وعن الكذب، فهو عز وجل لا يخلف الميعاد لكمال قدرته، وكمال صدقه، ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
18:99Page 304
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ﴿تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ المفسرون الذين رأيت كلامهم يقولون: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: إذا خرجوا صار يموج بعضهم في بعض، ثم اختلفوا في معنى يموج بعضهم في بعض هل معناه أنهم يموجون مع الناس؟ أو يموج بعضهم في بعض يتدافعون عند الخروج من السد؟ وإذا كان أحد من العلماء يقول: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يعني: بعد السد صاروا هم بأنفسهم يموج بعضهم في بعض، إن كان أحد يقول بهذا فهو أقرب إلى سياق الآية، لكن الذي رأيته أنهم يموج بعضهم في بعض يعني: إذا خرجوا.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ يريد الله عز وجل خروجهم.
﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النافخ إسرافيل أحد الملائكة الكرام، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتتح صلاة الليل بهذا الاستفتاح: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠/ ٢٠٠) من حديث عائشة.]] هؤلاء الثلاثة الملائكة الكرام كل واحد منهم موكَّل بما فيه الحياة، جبريل موكل بما فيه حياة القلوب، ميكائيل بما فيه حياة النبات وهو القطر، والثالث إسرافيل بما فيه حياة الناس عند البعث، ينفخ في الصور نفختين؛ الأولى فزع وصعق، ولا يمكن الآن أن ندرك عظمة هذه النفخ، نفخ تفزع الخلائق منه وتَصْعَق بعد ذلك، كلهم يموتون إلا من شاء الله من شدة هذا النفخ، وشدة وقعه، الآن لو أن أحدًا ضرب بمدفع خارج المسجد أيش يكون؟ تفزعون ولَّا ما تفزعون؟ تفزعون، في مسجد جمعة قبل سنوات انفصل الكهرباء في المسجد الجامع، والناس ينتظرون الصلاة، وصار له صوت عظيم ذكروا لنا أن المسجد كله فزع وخرج، نعم هذا النفخ في الصور أشد وأشد ما يمكن أن نتصوره؛ لأن الناس يفزعون، بل فزع من في السماوات، ومن في الأرض، ثم يصعقون -الله أكبر- شيء عظيم كل ما يتصور الإنسان يقشعر جلده من عظمته وهوله فنفخ في الصور.
النفخة الثانية: يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، لا إله إلا الله، النفخة الثانية يقوم الناس من قبورهم أحياء ينظرون ماذا حدث؛ لأن الأجسام في القبور يُنزِّل الله عليها مطرًا عظيمًا، ثم تنمو في داخل الأرض، حتى إذا تكاملت الأجسام نُفخ في الصور نفخة البعث، فقاموا ينظرون ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (جَمَعْنَاهُمْ) مَنْ؟ الخلائق، ﴿جَمْعًا﴾ أي: جمعًا عظيمًا، هذا الجمع يشمل الإنس والجن والملائكة والوحوش وجميع الداوب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، كل الخلائق حتى الملائكة ملائكة السماء كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، يا له من مشهد عظيم، الله أكبر.
18:100Page 304
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
يقول: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف ١٠٠] اللهم أجرنا منها، عرضناها لهم تكون أمامهم، ﴿عَرْضًا﴾ يعني :عرضًا عظيمًا؛ ولذلك نكِّر، يعني: عرضًا عظيمًا تتساقط منه القلوب، وإخبار الله -عز وجل- بذلك لا تظنوا أنها مجرد حكايات تاريخ، المقصود من ذلك هو أن يصلح الإنسان ما بينه وبين الله، وأن يخاف من هذا اليوم، وأن يستعد له، وأن يصور نفسه، وكأنه تحت قدميه كما قال الصديق رضي الله عنه:
كُـــلُّ امْــرِئٍ مُصَبَّــحٌ فِي أَهْلِــــهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
فتصور هذا، وتصور أنه ليس بينك وبينه إلا أن تخرج هذه الروح من الجسد، وحينئذ ينتهي كل شيء.
18:101Page 304
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠٠، ١٠١] هؤلاء الكافرون كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله لا ينظرون إلى ذكر الله، وقد ذكر الله تعالى فيما سبق في نفس السورة أن على قلوبهم أَكِنَّة، فالآن القلوب والأبصار والأسماع كلها مغلقة.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ هل المراد لا يريدون كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة ١١٢] أي: هل يريد؟ أو المعنى أنهم لا يستطيعون سمعًا سمع الإجابة، وليس سمع الإدراك؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل المعنيين جميعًا، وكلاهما حق ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
18:102Page 304
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢
Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أفظن الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء. مَنْ عِبادُه؟ عباده كل شيء فهو عبد لله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، مَن الذي اتُّخذ وليًّا من دون الله؛ يعني: عُبِدَ من دون الله؟
عُبِدت الملائكة، عُبِدت الرسل، عُبِدت الشمس، عُبِد القمر، عُبِدت الأشجار، عُبدت الأحجار، عُبدت البقر، نسأل الله العافية، الشيطان يأتي ابن آدم من كل طريق.
﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أربابًا يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينسون ولاية الله عز وجل؛ يعني: أيظن هؤلاء الذين فعلوا ذلك أنهم ينصرون؟
الجواب: لا، لا ينصرون، ومن ظَنَّ ذلك فهو مخبَّل في عقله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ يعني: أن الله -عز وجل- هيأ النار ﴿نُزُلًا﴾ للكافرين، ومعنى النُّزل: ما يُقَدِّمه صاحب البيت للضيف، هذا النُّزُل، ويحتمل أن يكون بمعنى المَنزِل، وكلاهما صحيح؛ فهم نازلون فيها، وهم يُعْطَونها كأنها ضيافة وبئست الضيافة ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
18:103Page 304
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣
Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ يعني: قل يا محمد للأمة كلها: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.
الجواب: نعم، نريد أن نُخبَر عن الأخسرين أعمالًا حتى نتجنب عمل هؤلاء، ونكون من الرابحين، وقد بَيَّن الله تعالى في سورة العصر أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بأربع صفات ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣].
18:104Page 304
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤
[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."
وهنا يقول: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ يعني: ضاع وبطل في الحياة الدنيا لكنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فغطي عليهم الحق -والعياذ بالله- وظنوا وهم على باطل أن الباطل هو الحق، وهذا كثير، مثلًا اليهود يظنون أنهم على حق، والنصارى يظنون أنهم على حق، والشيوعيون يظنون أنهم على حق، وهات كل واحد منهم يظن أنه على الحق؛ ولذلك مكثوا على ما هم عليه، ومنهم من يعلم أنه ليس على الحق لكنه -والعياذ بالله- لاستكباره واستعلائه، أَصَرَّ على ما هو عليه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences