Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:124–126

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:124–126

2:124–126Page 19

۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤

And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥

And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

ثم قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] من المبتلِي؟ الله، (إبراهيم) هو الذي يلي الفعل؟ وابن مالك يقول:

وَالْأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَا ∗∗∗ وَالْأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَاولكنه قال: ؎وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلَافِ الْأَصْلِ ∗∗∗ ......................... وهذا مما جاء على خلاف الأصل، فـ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول مقدم، و﴿رَبُّهُ﴾ فاعل مؤخر، وهذا الترتيب على هذا الوصف على هذا الوجه واجب ولَّا جائز؟

* الطلبة: واجب.

* الشيخ: واجب؛ لأن الضمير لو قدمت فاعل عاد الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة وهذا ممنوع؛ ولهذا قال:

........................ ∗∗∗ وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ وهذا شاذ ما يقاس عليه، أما نظير الآية: ؎وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ ∗∗∗ ..................... ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ إبراهيم فيها قراءة: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهَامَ رَبُّهُ﴾ إبراهام، لغة عربية تقرأ باللغة العربية (إبراهام).

* طالب: إبراهام؟

* الشيخ: بالميم، المهم أنه بدل الياء الألف، بدل (إبراهيم) (إبراهام).

* طالب: سبعية؟

* الشيخ: إي، سبعية.

* طالب: اختلفت الحروف؟

* الشيخ: لا، ما اختلفت.

* طالب: فالياء؟

* الشيخ: إي، لكن تكتب الألف ياء بالرسم العثماني تكتب قصاد الياء.

وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم، وهي من الربوبية الخاصة؛ لأنه سبق لنا أن قلنا: إن الربوبية بإزاء العبودية، فكما أن العبودية نوعان: خاصة وعامة، فالربوبية أيضًا نوعان: خاصة، وعامة، وقد اجتمعا في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ١٢١] هذه عامة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] هذه خاصة، فهنا ربوبية خاصة، ولا شك أن ربوبية الله سبحانه وتعالى للرسل، ولا سيما أولو العزم منهم وهم؟

* طالب: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ.

* الشيخ: نعم، أنها أخص الربوبيات.

وقوله: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا الذي ابتلي به، والابتلاء هو الاختبار والامتحان، هذه الكلمات، ما هذه الكلمات؟ هل هي كونية، أو شرعية، أو من الكونيات والشرعيات؟ الله سبحانه وتعالى أطلقها، فهي كلمات كونية وشرعية، أو جامعة بينهما، فما هذه الكلمات؟ اختلف فيها المفسرون، وأصح الأقوال فيها: أنها كل ما أمر الله به إبراهيم كونًا أو شرعًا، كل ما أمره به، أو قدَّره عليه فهي كلمات، فمن ذلك مثلًا ابتلي بالأمر بذبح ابنه، ذبحه ولَّا لا؟

* الطلبة: ذبحه.

* الشيخ: ذبحه؟

* طالب: ما ذبحه.

* الشيخ: إي نعم، يعني قال الله له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥] فهو ذبحه حكمًا، وإن لم يذبحه حقيقة، امتثل لأمر الله، وهذا امتحان ولَّا لا؟ امتحان من أعظم الامتحانات، كذلك أيضًا امتحنه الله تعالى بأن أوقدت له النار وألقي فيها، وهذا من الكلمات الكونية، صبر ولَّا لا؟ صبر، صبر واحتسب، وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر ومصابره، أو أمره به كذلك فهو داخل في قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ هذا هو الصحيح، ومنهم من قال: إن الكلمات التي ابتلاه بها: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وهذا في الحقيقة ما فيه امتحان، بل هذا نتيجة الامتحان لما امتحنه الله ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أتم هذه الكلمات الكونية أو الشرعية، من الذي يستطيع أن يتم كل كلمات الله عز وجل الكونية والشرعية؟ ما كل أحد يصبر على ذلك إلا من وفقه الله؛ ولهذا وصف الله إبراهيم بأنه وَفَّى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم ٣٧] أي: تمم ما أمره الله به، وابتلاه به.

لما أتمهن، الله جل وعلا أكرم من عبده، أعطاه الله هذه الإمامة، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولَّا لا؟ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة ٢٤]، هذه واحدة، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ هذه الثانية، إبراهيم من هؤلاء الجنس ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.

﴿جَاعِلُكَ﴾ مُصَيِّرك، وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من (جعل) التي بمعنى (صَيَّر)، والمفعول الأول الكاف اللي هي في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني ﴿إِمَامًا﴾.

والإمام من يقتدى به سواء في الخير أو في الشر، لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير.

فإذا قال قائل: أرونا دليلًا على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟

قلنا: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص٤١]، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وُزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وهذا لأنه إمام، صار متبوعًا.

﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامة ولَّا لا؟ عامة فيمن أتى بعده، لا من كان قبله، لكن فيمن أتى بعده صار إمامًا، حتى لخاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] فهو إمام.

﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: واجعل من ذريتي إمامًا، وهنا ﴿مِنْ﴾ هذه للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ يحتمل لبيان الجنس، وبناء على ذلك تصلح ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ لجميع الذرية، يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة، ويحتمل أن يكون للتبعيض، وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إمامًا، أيهما أقرب؟

* الطلبة: للجنس.

* الشيخ: يعني: أنه سأل الله أنه يجعل كل ذريته أئمة؟ يحتمل هذا وهذا، لكن مهما كان، سواء قلنا: إنها لبيان الجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدًا فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا حتى البعض ما كل البعض يكون إمام، على كل حال إنه سواء قلنا للجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أجابه إجابة مقيدة فقال: ﴿لَا يَنَالُ﴾ أي: لا يصيب، ﴿عَهْدِي﴾ أي: تعهدي لك بهذا، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الظالمين من ذريتك، سواء كان الظلم عامًّا أو خاصًّا، أكبر أو أصغر، فالظالم لا يكون إمامًا؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ﴿عَهْدِي﴾ فاعل، و﴿الظَّالِمِينَ﴾؟ مفعول به، يعني: أجعل من ذريتك إمامًا، ولكن الظالم لا يدخل في ذلك؛ ولهذا لم يول الله تعالى ظالمًا على وجه التعهد، ولكنه قد يرد عليك أن من ذرية إبراهيم من هو ظالم، ولكن ليس ظلمًا أكبر ولَّا لا؟ مثل من؟

* طالب: الحجاج.

* الشيخ: أي بس ما هم بأئمة، مثلًا من خلفاء بني أمية من هو ظالم، من خلفاء بني عباس من هو ظالم، لكنه ما سمعنا أن أحدًا منهم ظلم ظلمًا أكبر يخرج به من الإسلام، ويأتي إن شاء الله تحقيق لهذه المسألة.

قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ما معنى الابتلاء؟

* طالب: الاختبار.

* الشيخ: الاختبار، وما الذي نصب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؟

* الطالب: مفعول.

* الشيخ: مفعول لأيش؟

* الطالب: مفعول لـ﴿ابْتَلَى﴾.

* الشيخ: أين الفاعل؟

* الطالب: ﴿رَبُّهُ﴾.

* الشيخ: ﴿رَبُّهُ﴾.

في ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قراءتان؟

* طالب: فيه ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وفيه ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ .

* الشيخ: إبراهام، في كل موضع في البقرة، كل ما جاءت في البقرة ففيها قراءتان إبراهام وإبراهيم، في غير البقرة فيه اختلاف.

ما هي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم؟ ما هي الكلمات؟ هل هي كونية ولا شرعية؟

* طالب: كونية وشرعية.

* الشيخ: كونية وشرعية؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: اثبت؟ نعم، زين، الكونية مثل؟

* الطالب: الكونية مثل: (...) في النار.

* الشيخ: إلقاؤه في النار، زين، والشرعية؟

* الطالب: الشرعية، مثل ما ترك زوجته وابنه، وعندما قتل ابنه.

* الشيخ: أُمِر بذبح ابنه.

* الطالب: أُمِر بذبح ابنه.

* الشيخ: وكذلك أيضًا تكسير الأصنام وغيره، إذن الصحيح أن هذه الكلمات معينة ولا غير معينة؟

* طالب: غير معينة.

* الشيخ: غير معينة، لكنها كلمات عظيمة فيها ابتلاء وامتحان.

قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ويش معنى ﴿إِمَامًا﴾؟

* طالب: يعني: الإمام هو القدوة الذي يؤتم به.

* الشيخ: في الخير أو في الشر؟

* طالب: في الخير، وتكون في الشر.

* الشيخ: وتكون في الشر، مثل؟

* طالب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] .

* الشيخ: إي، ﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.

وقوله: ﴿إِمَامًا﴾ ما الذي نصبها؟

* طالب: ﴿إِمَامًا﴾؟

* الشيخ: نعم.

* طالب: نصبها (جاعل).

* الشيخ: (جاعل) على أنها؟

* الطالب: مفعول.

* الشيخ: أول، ولا ثان، ولا ثالث؟

* طالب: ثانٍ.

* الشيخ: ثان؟

* طالب: الكاف الأول و﴿إِمَامًا﴾ ثانٍ.

* الشيخ: و﴿إِمَامًا﴾ ثان.

* طالب: وإمامًا ثان.

* الشيخ: ثان؛ لأن ﴿جَاعِلُ﴾ من جعل، وهي تنصب.

* طالب: مفعولين.

* الشيخ: مفعولين.

قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ويش معنى قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟

* طالب: أي: واجعل من ذريتي.

* الشيخ: أئمة.

* الشيخ: هل أجاب الله هذا الدعاء؟

* طالب: أجابه إجابة مقيدة.

* الشيخ: مقيدة؟ في قوله؟

* طالب: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

* الشيخ: في قوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

ما المراد بالعهد هنا؟

* طالب: الإمامة.

* الشيخ: لا ينال عهدي؟ من يعرف؟ يعني: ما أتعهد به لك لا ينال الظالمين، يعني: كأنه يقول: أتعهد لك بذلك وأعطيك به عهدًا إلا أنه لا ينال الظالمين.

قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (إذ) هذه ظرفية، وهي متعلقة بمحذوف تقديره؟

* طالب: اذكر.

* الشيخ: اذكر، يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس.

و﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى صيرنا.

و﴿الْبَيْتَ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني، والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله عز وجل، وأتي بها ثم بـ (أل) للتفخيم والتعظيم، يعني: البيت المعهود الذي لا يجهل ولا ينسى، جعلناه مثابة.

المثابة بمعنى المرجع، أي: يثوب الناس إليه ويرجعون إليه في كل أقطار الدنيا، سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجًا أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم في صلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم، فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم وليلة، بل هو من شروط صحة صلاتهم.

وقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ أي: وجعلناه أمنًا للناس.

«وَلَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس ولفظ البخاري: «فلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلَي ولا لأَحَدٍ بعدِي، أُحِلّتْ لِي ساعَةً مِن نَهَارٍ». ]] للضرورة فقط؛ لأنه ما يمكن أن يُخلص هذا البيت من هذا الشرك إلا بهذا الإحلال، أحلها الله له ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي. ]] فإذن حرمت حتى على الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى كونها أمنًا، قال عليه الصلاة والسلام مجيبًا عن سؤال قد يُفرض: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[سبق تخريجه. ]].

والحكم لله العلي الكبير أذن للرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الساعة، ولكن لم يأذن لأحد، وهذا إذن هذا معنى كونه أمنًا أن الناس يأمنون، وإنما كان أمنًا؛ لأنه مكان عبادات ومناسك، ومشاعر، فلو أنه كان مخافة ما أدى الناس فيه عباداتهم على الوجه الأكمل، ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمنًا، وبهذا نعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم-والعياذ بالله- من أعظم الناس جرمًا؛ لأن الله تعالى جعل هذا البلد آمنًا في كل وقت، فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن إلا لأجلها، فهذا- والعياذ بالله- انتهاك لحرمات الله عظيم، ولهذا يجب أن يكون هذا البلد آمنًا، ولما طُعن ابن عمر رضي الله عنه وهو على راحلته في مِنى، طعنه أحد الخوارج طعنه بخنجر معه حتى لزقت رجله بالركاب رضي الله عنه، جاءه الحجاج يعوده.

* طالب: ابن عمر كان؟

* الشيخ: إي نعم ابن عمر، جاءه الحجاج يعوده فقال له: أنت الذي فعلت بنا هذا، فقد كنت أنهاك أن يحمل أحد السلاح في الحرم[[أخرجه البخاري (٩٦٦).]] فهذا دليل على أن هذا البيت آمِن أمن كامل، قال لله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]. وهذا المأمن عام حتى للكفار إلا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] دفاعًا ولَّا طلبًا؟

* الطلبة: دفاعًا.

* الشيخ: دفاعًا، وفرق بين قتل الدفاع وقتل الطلب.

* طالب: هل الجعل هنا كوني أو شرعي؟

* الشيخ: لا هذا شرعي.

* طالب: شيخ، لو (...) في دين كفار ما يستقل منه؟

* الشيخ: يعني ما يمكن يتولى عليها الكفار أبدًا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث ابن عباس.]] ولا يمكن إنه يهاجر إلا إذا كان بلد كفر.

﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥] اتخذوا: اجعلوا.

* الطالب: (...) يا شيخ، ما يرد على هذا؟

* الشيخ: لا، ما يرد على هذا؛ لأن هذا يسلط عليه ولا يبقى فيه.

وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ أي صَيّروا، أو اجعلوا، وفيها قراءتان إحداهما: ﴿اتَّخِذُوا﴾ بفعل الأمر، والثانية: ﴿اتَّخَذُوا﴾ بفعل الماضي، أي: واتخذ الناس، مثابة للناس واتخذوا من مقام إبراهيم. أو: واتخذوا أنتم من مقام إبراهيم مصلى. وقوله: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام مكان القيام، ويطلق إطلاقين: إطلاقًا عامًّا وهو مكان قيامه في العبادة، وإطلاقًا خاصًّا وهو مقامه لبناء الكعبة، فعلى الأول الإطلاق الأول يكون جميع مواقف الحج ومشاعر الحج يكون من مقام إبراهيم، عرفتم؟

على الإطلاق الأول أن المراد بالمقام مقامه للعبادة يشمل جميع مشاعر الحج: عرفة، مزدلفة، الجمرات، والصفا، والمروة، إلى آخره، وعلى القول الثاني الخاص الإطلاق الخاص يُطلق على الحجر المعين الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليرفع قواعد البيت، وهو هذا المقام المشهور، معروف للجميع. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مصلى، هل المراد مكان للصلاة اللغوية وهي الدعاء؟ أو مكان للصلاة الشرعية؟

* الطلبة: الشرعية.

* الشيخ: على الأول، على الأول يكون مكانًا للدعاء، وعلى الثاني مكانًا للصلاة الشرعية المعروفة، والرسول ﷺ حين أقبل عليه بعد ما طاف قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام فسرها بالمعنى الخاص، بالمقام الخاص، ولكن كثيرًا من المفسرين فسروها بالمعنيين، وقالوا: إن هذا ذكر لبعض أفراد العام؛ لأنه يدخل فيه، الخاص يدخل في العام، ولا عكس.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام الخاص الذي هو الحجر الذي كان يرفع عليه بناء الكعبة اختلف المؤرخون هل كان لاصقًا بالكعبة، أو كان منفصلًا عنها في مكانه الآن؟

فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقًا بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة، أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنه لا يجوز أن يُغيّر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقره، وإذا أقره النبي عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نؤخره عنه، وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها بعض العلماء، وممن قرظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة، بناء على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أُخِّر، وهذا لا شك أنه لو أُخر عن مكانه فيه دفع مفسدة؛ وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في أيام المواسم، وفيها نوع مضرة أو نوع مفسدة؛ وهي أنه يُبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم ولَّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: في غير أيام المواسم المطاف يكاد يكون خاليًا ما هو كثير الناس، نخليه مثلًا عند الرواق معناه أنه يبعد عليهم أنه يبعد على الناس، (...) يعني المصالح متعارضة هنا؛ هل الأولى بقاؤه في مكانه أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يُبقى ما كان على ما كان، وحذرًا أيضًا من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة، ومسألة التضييق؛ تضييق المصلين على الطائفين، هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت، أو بالمنع بالقهر إذا لم تُفد، وهي في الحقيقة في ظني أنها في السنوات الأخيرة قلَّت بعض الشيء، في هذا العام أشوف أنها قليلة؛ لأن الناس صار عندهم توعية.

* طالب: لو يؤخر يا شيخ يصير ملعبة (...) حد يؤخره، كل خليفة يصير له نظر.

* الشيخ: والله يمكن، كل واحد يصير له نظر.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك ركعتي المقام إذا كان في أثناء الحج يزدحم المسجد يجوز صلاتهما في خارج المسجد؟

* الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأن هاتان الركعتان مشروعتان، ولهما مكان أفضل من غيره؛ وهو خلف المقام، فإذا لم يتيسر المكان بقيت المشروعية.

* الطالب: حتى لو خارج المسجد؟

* الشيخ: حتى لو خارج، عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاهما في ذي طوى في مكان بعيد.

* طالب: الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يعني سنة إن الواحد (...) بعد الطواف؟

* الشيخ: إي نعم، سنة. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مفعول ثاني لـ (اتخذوا) ولَّا مفعول أول؟

* الطلبة: مفعول أول.

* الشيخ: مفعول أول؟ والثاني؟

* الطلبة: الجار والمجرور.

* الشيخ: الجار والمجرور المقدر، وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ هل هو منصوب بالفتحة ولَّا بفتحة مقدرة؟

* طالب: الأخير، منصوب بفتحة مقدرة.

* الشيخ: بفتحة مقدرة، ولهذا هو مكتوب بالياء، يعني أنه معتل بالألف مُصلًّى فهو منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والتنوين الذي فيه؟

* طالب: تخفيف.

* الشيخ: عوض، عوضًا عن الألف المحذوف. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أو ﴿إِلَى إِبْرَاهَامَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥]. ﴿عَهِدْنَا﴾ العهد: الوصية لما هو هام، وليست مجرد الوصية بل لا تكون عهدًا إلا إذا كان الأمر هامًّا، ومنه مثلًا: عهد أبو بكر بالخلافة إلى عمر؛ أي: أوصى بها إليه، ومعلوم أن أهم ما يكون من أمور المسلمين الخلافة.

وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه، وهو الذي قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢].

وقول من قال: إنه إسحاق بعيد، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه عمهم، أبو العرب، ولكن من تأمل آية الصافات أو آيات الصافات علم علمًا يكاد قريبًا من اليقين أن الذبيح إسماعيل؛ لأن الله تعالى ذكر في أثناء هذه الآيات قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد ما ذكر القصة كاملة قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١١٢، ١١٣] فكيف يكون بالأول يتحدث عن همه بذبحه والمحاورة التي جرت بينه وبينه، ثم يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾؟

البشارة ما تكون إلا بعد، فلو كان إسحاق هو الذبيح ما استقام أن يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾.

وقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ ﴿عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ (أن) هذه مخففة من الثقيلة؟

* طالب: مصدرية.

* الشيخ: ما هي مصدرية.

* طالب: مفسرة.

* الشيخ: المفسرة يكون بعدها أمر ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ﴾ [المؤمنون ٢٧] الظاهر أنها مصدرية.

* طالب: ﴿طَهِّرَا﴾ أليست أمر؟

* الشيخ: إيه لها علة، صحيح، طهِّرا، نعم، فعلًا إذن تصلح أن تكون تفسيرية؛ لأن عهدنا فيه معنى القول دون حروفه، فتكون تفسيرية؛ أي: أن العهد هو قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ طهِّرا: فعل أمر وقوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ المراد به الكعبة، وأضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تشريف، وليست إضافة جزء ولا إضافة صفة، فهي إضافة تشريف، وبهذا نعرف أن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين أو ثلاثة؟

* طالب: ثلاثة.

* الشيخ: الأول: أن تكون عينًا قائمة بنفسها.

الثاني: أن تكون وصفًا في ذلك العين أو في تلك العين.

والثالثة: أن تكون وصفًا لله، فإذا كان عينًا قائمة بنفسها فإضافته إضافة تشريف؛ مثل: ناقة الله، وبيت الله، وإذا كان وصفًا يتصل بعين مثل: الروح إذا قلنا إنها وصف، أو أنها جسم يتصل بجسم آخر مخلوق فهو أيضًا مخلوق، فهو إضافة تشريف وهو مخلوق مثل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر ٢٩] وإذا كان وصفًا فإنه يكون صفة لله، يعني إذا كان المضاف معنى لا يقوم بغير الله فإنه يكون وصفًا لله مثل: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦]، ومثل: عزة الله، وقدرة الله، وما أشبه ذلك، هنا من القسم الأول ﴿بَيْتِيَ﴾ البيت عين قائمة بنفسها، فإضافته إليه من باب إضافة تشريف.

وقوله: ﴿بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني للذين يطوفون به، والثاني: ﴿الْعَاكِفِينَ﴾ الذين يقيمون فيه للعبادة، والثالث: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الذين يصلون فيه، وعبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها، وقد تقدم لنا بعيدًا بأنه إذا أُطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلًا على أن هذا الجزء ركن فيه ما تصح بدونه، هنا بدأ بالطائفين لاختصاصهم بذلك البيت، ثم ثنَّى بالعاكفين؛ لأنها أوسع دائرة من الطائفين، لكنها مختصة بالمساجد، ثم قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ هذه لا تختص بالمساجد، «جُعِلَتِ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فإذن يكون الله سبحانه وتعالى بدأ بالأخص فالأخص، أخص ما يكون بالبيت الحرام الطواف، ثم الاعتكاف، أما الصلاة فلا تختص بمكان، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن ملكًا من الملوك نذر لله نذرًا أن أعبد الله عبادة لا يشاركني فيها أحد فاستفتى بعض أهل العلم قالوا: أيش لون؟ إن صمت يجوز أن يكون فيه ناس صائمين، إن صليت يجوز فيه ناس يصلون، إن تصدقت يجوز فيه ناس يتصدقون، فذهبوا إلى عالم من العلماء فقال لهم: أخلوا له المطاف؛ يعني خلوه يطوف وحده، وحينئذٍ يشاركه أحد ولَّا لا؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ما يمكن يشاركه أحد؛ لأنه بالحقيقة ما أحد يطوف أبدًا إلا بهذا البيت.

* طالب: خالف النص: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨) من حديث جبير بن مطعم.]]؟

* الشيخ: لا، المهم إن هذا حل المسألة، أما عاد كونه يجوز أو ما يجوز هذا هم يمنعون لغير هذا السبب، لكنه ما فيه؛ يعني ما يمكن الوفاء بهذا النذر إلا بهذا.

* طالب: ما يمكن يا شيخ (...).

* الشيخ: أين؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: هذا يمكن بدون منع الناس، هذا يمكن لو يجي في آخر الليل؛ يعني في غير المواسم أحيانًا تجدوه فاضي، فارغًا أو يجي مثلًا بعد طلوع الشمس دائمًا إلى في أيام الاعتمار اللي ما فيه

* الطالب: أو برمضان في الظهيرة أحيانًا.

* الشيخ: المهم على كل حال يمكن يجد. وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ طهر للطائفين؛ اللام هذه للتعليل؛ أي: لأجلهم. وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الركع معروف أنها جمع (راكع)، والسجود جمع (ساجد)، وتصح أن تكون مصدرًا، (سَجَدَ، يَسْجُدُ، سُجُودًا)، لكن سجود وقعود هي مصدر وفي نفس الوقت جمع، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١ / ٧٧)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك. ]] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.

* طالب: شيخ، الركع السجود غير (...).

* الشيخ: وأيش لون؟

* الطالب: غير الركع السجود (...).

* الشيخ: وخص الركوع السجود؛ لأنهما أفضل هيئة، الركوع أفضل هيئة من القيام، والسجود أفضل منه؛ ولهذا نقول: القيام فضل الركوع والسجود بذكره، فإن ذكر القيام ما هو؟

* الطلبة: القرآن.

* الشيخ: كلام الله عز وجل، أفضل من كل شيء، وذكر التسبيح، وذكر الركوع والسجود هو التسبيح، والتسبيح أقل حرمة من القرآن، وإن كان التسبيح لا شك أنه تعظيم لله، لكنه ما مثل القرآن، فالله سبحانه وتعالى حكيم جعل لكل من أركان الصلاة ما يخصه، هذا اختصه بفضل ذكره، وهذا اختصه بفضل هيئته.

* طالب: شيخ، ما نقول أن الركع السجود أخص أوصاف الصلاة؛ يعني ما هو راكع ولا ساجد لله وهو (...)؟

* الشيخ: وأيش لونه؟

* الطالب: يعني أخص أوصاف الصلاة؟

* الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن سجود التلاوة سجود بلا صلاة.

* الطالب: على القول بهذا.

* الشيخ: ما يصح.

* طالب: يا شيخ، ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ﴾ (من) هنا كيف تباينية ولَّا تبعيضية؟ ثم ما يمكن لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى هنصلي فوق الحجر؟

* الشيخ: قوله: اتخذوا من، هذه لبيان الجنس بيانية؛ يعني اتخذوا من هذا المقام، ويجوز أن تُضمن معنى (في)؛ أي اتخذوا في هذا المقام مكانًا للصلاة.

* طالب: لكن المقام ما دام هو الحجر أصبح ما يمكن يتخذونه مصلى؟

* الشيخ: إيه، اتخذوا منه ما هو معناها عليه، اتخذوا منه مكانًا، والرسول فسره بأنه يكون يصلي إلى جنبه.

* الطالب: ما بيرجح هذا أنه مناسك الحج على العموم (...) مقام إبراهيم على العموم هو (...) الحج؟

* الشيخ: هو الحقيقة، كل له مُرجح، أما تفسير النبي عليه الصلاة والسلام فلا شك أنه واضح أنه أراد هذا المقام، وإذا أردنا بالعموم بيرد عليه استعمال الصلاة في اللغة.

يقول: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.

* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ قلت: إن إبراهيم هو اللي بنى البيت يا شيخ، لماذا قال: طهِّرا؟

* الشيخ: نعم، ولكن إسماعيل كان مساعدًا له ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة ١٢٧].

* الطالب: لا لا، قصدي يعني كيف يطهر شيئًا طاهرًا هو اللي بنى البيت؟

* الشيخ: إيه، ولو بناه، وأيش؟! يمكن يأتي هذا البيت يجيه نجاسة، يجيه أقذار فيطهراه.

* طالب: قوله: ﴿طَهِّرَا﴾ أمر جه أثناء البناء؟

* الشيخ: يجوز أنه يكون أمر في أثناء البناء؛ لأنه قد يرد عليه شيء في أثناء البناء أو بعده، ما هو مستحيل.

* طالب: يشمل الطهارة حسية ومعنوية؟

* الشيخ: والله فيها نظر؛ المعنوية إلا إذا كان من باب القياس، إذا وجب التطهير من الحسية فمن المعنوية أولى.

* الطالب: (...) هذا؟

* الشيخ: ما هو الظاهر؛ لأنه قال: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ما قال: طهراه وأطلق، والتطهير ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ما يناسبه إلا الطهارة الحسية.

* الطالب: (...) الطائفين والعاكفين (...) وجدت أصنام فما يستطيعون؟

* الشيخ: لا، يستطيعون، فيه ثلاث مئة وستين صنم والناس يطوفون حولهم.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ يعني واذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ونقول فيها ما قلنا بالأول القراءة ﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ﴿اجْعَلْ﴾ صيِّر. ﴿هَذَا﴾ المشار إليه مكة. وقوله: ﴿بَلَدًا﴾ البلد: اسم لكل مكان مسكون، سواء كان ذلك مدينة كبيرة أو مدينة صغيرة كله يسمى بلدًا، وقد سمى الله تعالى مكة بلدًا كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣]، وسماه الله تعالى قرية كما في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣].

وقوله: ﴿آمِنًا﴾ قال بعض المفسرين: أي: آمنًا مَن فيه؛ لأن البلد نفسه ما يوصف بالأمن والخوف؛ البلد أرض وبناء، فلا يوصف بالأمن والخوف، وإنما الذي يكون آمنًا أهله، أما هو فيكون أمنًا، والذي ينبغي أن يجعل على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمنًا، وإذا أمن البلد أمن من فيه وهو أبلغ؛ لأنه مثلًا لو جاء أحد وهدم البناء ما كان البناء آمنًا، صار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يتلفه، فكونه آمنًا أبلغ من أن نفسره بـ (آمنًا أهله)؛ لأنه يشمل البلد ومن فيه، ولهذا قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ فرّق ما قال: ارزقه؛ لأنه لا يُرزق. ﴿ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ ﴿ارْزُقْ﴾: فعل أمر أو فعل دعاء؟

* الطلبة: دعاء.

* الشيخ: دعاء، و﴿أَهْلَهُ﴾ مفعول أول. و﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مفعول ثاني.

وقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾، وارزق أهله من آمن، عرفتم؟

وإنما احترز إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العموم تأدبًا بتأديب الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤] فتأدب في طلب الرزق أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد، عرفتم؟ إذن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ محلها من الإعراب؟

* طالب: بدل من أهله.

* الشيخ: النصب بدلًا من أهله، بدل بعض من كل، ولا بدل كل من كل؟

* الطلبة: بعض من كل.

* الشيخ: بعض من كل. ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أجاب الله دعاءه فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني وأرزق من كفر أيضًا. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ لكن ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ إلى آخره.

وقوله سبحانه وتعالى عن إبراهيم: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما هو الإيمان؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: التصديق المقرون بالقبول والإذعان، هذا في الشرع؛ التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ لأن مجرد التصديق ليس إيمانًا شرعًا؛ فأبو طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ لكنه ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له وينقاد، فالإيمان شرعًا؟

* الطلبة: التصديق المقرون بالانقياد والإذعان.

* الشيخ: التصديق المقرون بالقبول والإذعان؛ يعني الانقياد، ولهذا قال أهل السنة والجماعة: الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان، فهو مركب من هذه الثلاثة، ولا يمكن يكون الإيمان شرعًا بدونهم. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن كما سبق كم؟

* الطالب: ثلاثة.

* الشيخ: ثلاثة أو أربعة؟ يتضمن الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، فالإيمان بوجوده ما يكفي عن البقية، ولهذا يقول: أنا أعجب من بعض الناس لما أن أحد الروس صعد فوق الجاذبية، ورأى ما حوله من النجوم والكواكب، ورأى الأرض وأنها ككرة في يد الصبي، قال: والله ما خلق هذا إلا قاهر عظيم، ولكنه ما آمن إلا بس إن هذا الشيء ما أنتج نفسه، بعض الناس كان يطبل ويزمر، قال: الحمد لله، هذا آمن، وهل آمن هذا؟

* طالب: لا، ما آمن.

* الشيخ: ما آمن، ما آمن حتى يصدق بالله ووجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، الربوبية أن تؤمن بأن الله تعالى له الخلق والأمر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فهو الخالق الذي له الأمر الكوني والشرعي، ولذلك- بلا شك- أن الحكم بغير ما أنزل الله يتضمن أو يدخل في توحيد الربوبية لا في توحيد الألوهية. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١] فالحاصل أن هذا الإيمان بالربوبية؛ الإيمان بالخلق والأمر، أن الله هو الخالق وحده، المالك وحده، الذي له الأمر المطلق وحده.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском