Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:144–146
2:144–146Page 22
قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤
We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.
وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥
And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦
Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الفاء ذكرنا أنها للتفريع، واللام في قوله: ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ موطئة للقسم، فالجملة إذن مؤكدة بثلاثة، بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، والنون، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، وأتى بها بصيغة التعظيم ﴿لَنُوَلِّيَنَّكَ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى عظيم، فالنون هنا للعظمة، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ المعنى: فلنجعلنك تتولى قبلة، فلنجعلنك تتولى قبلة، وعلى هذا فتكون الكاف مفعولًا أول، و(قبلة) مفعولًا ثانيًا، وقيل: إن المعنى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: فلنحولنك، وعلى هذا المعنى يكون قوله: ﴿قِبْلَةً﴾ منصوبًا بنزع الخافض، أي: فلنحولنك إلى قبلة ترضاها، مفهوم؟ وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ معنى القبلة الشيء الذي يُستقبل ويوليه الإنسان وجهه، وقوله: ﴿قِبْلَةً﴾ نُكِّرت للتعظيم (قبلة)، وقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تطمئن إليها وتحبها وتقبلها، والرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ هذا وهذا، لكنه يحب أن يُصرف إلى الكعبة.
قال الله تعالى بعد أن قدم هذه المقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَلِّهِ: اسْتَقْبِله، استقبل بوجهك، وقوله: ﴿وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾، (وجه) مفعول أول، و(شطر) مفعول ثان، والمراد بالشطر هنا الجهة، يعني جهة المسجد الحرام، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، المراد به أيضًا جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلًا لها، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، المسجِد في الأصل مكان السجود، وقيل: إن المسجَد مكان السجود، مسجَد بالفتح، والمسجِد المكان المعد للسجود، فيكون بينهما فرق، بينهما فرق هو أن المكان المبني المعد للسجود يسمى مسجِد بالكسر، وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَد، وقوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، (الحرام) صفة مشبهة من الحُرم وهو المنع، وسمي حرامًا؛ لأنه يُمنع فيه من أشياء لا تُمنع في غيره، ولأنه محترم معظم، والمراد به أيش؟ المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة وما حولها من البناء المعروف، وقوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، عَدَل عن قوله عن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام إلى الخطاب لأمته، فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ لأن خطاب النبي ﷺ خطاب له وللأمة؛ إذ إنه الإمام، والخطاب إذا وُجِّه للإمام فهو خطاب له ولأمته، ونظير ذلك أن الوزير مثلًا يقول للقائد: اتجه إلى كذا، المعنى اتجه ومن يتبعك من الجنود، فهكذا الخطاب الموجه للرسول ﷺ يكون له وللأمة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، فخاطب النبي ﷺ أولًا، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾؛ لأن الحكم له ولأمته، على أنه إن كانت هذه الآية بعد نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فإنما وجَّه الخطاب إلى الأمة؛ لأنه لا يمكن أن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام طلاق، قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، هذه (حيثما) ظرف مكان لكنها شرطية زيدت عليها (ما) لفظًا لا معنى للتوكيد، ويجوز في غير القرآن أن تقول: حيث كنت، ولكنها في القرآن لا تغيَّر، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ هذا فعل الشرط، أين جواب الشرط؟
كان في مكة ومن كان (...) ومن كان بعيدًا عنها، ولهذا جاء التعبير بقوله: ﴿شَطْرَهُ﴾، أي: نحوه؛ ويشمل من كان في جوف الكعبة ولّا لا؟ نعم يشمله؛ لأنه لعموم قوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، إذن إذا كان في جوف الكعبة يَستقبل أمام وجهه من أي الجهات كان، أليس كذلك؟ من أي الجهات إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحًا ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لا بد من شاخص يكون بين يديه، حتى يصح أن يقال إنه ولّى وجهه شطره، طيب إذا كنا خارج البيت لكن في المسجد ندور عليه ولّا لا؟ ندور عليه؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم ما ولّينا وجوهنا نحوه أي شطره، يصير من خرج عن مُسامكته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن، وإذا ابتعدنا فإننا، بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبِل المسجد، وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة، لكن هذا تقريبي، إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين لا يخرج عن مسامكتها، ومن لا يمكنه مشاهدتها لبُعد أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
* طالب: وإن حال عمود يا شيخ بينهما؟
* الشيخ: لا، حال عمود يمكن أن يتجه، يعني في المسجد؟
* الطالب: عمود أو شيء موضوع (...)؟
* الشيخ: إي هذا يمكن يصيب عينها ولو حال.
* طالب: ما هو مقصود النظر المقصود الجهة.
* الشيخ: إي نعم المقصود أنك تكون أنت محاذيًا لها.
* طالب: على هذا القول ما يجوز أن يصلى فوق ظهر الكعبة؟
* الشيخ: نعم على القول بأنه لا بد من شاخص ما نصلي فوق سطحها، لكن سطحها فيه جدار، السطح فيه جدار، فيه جدار يصل إلى فوق الركبة، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، ما فيه شيء أبدًا؛ ولذلك قلت لك: عتبة الباب تجزئ عند الذين يقولون: لا بد من شاخص، يقولون: عتبة الباب تجزئ.
* الطالب: (...) يصلي ولا؟
* الشيخ: لا، بس يقولون المهم أن يكون شاخص بين يديه، يعني يكون شيء مرتفع يكون بين يديه.
وقوله: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يشمل من كان في الطائرة؟ نعم، أو في الباخرة، أو في القطار، أو في السيارة فلا بد أن يستقبل القبلة، ولكن عند ذكر الفوائد سنذكر إن شاء الله ما يُستثنى من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة والإنجيل، والذين أوتوه هم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ اللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بـ (إنّ) واللام، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَنَّهُ﴾ أي: استقبالك المسجد الحرام، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، لكنهم -والعياذ بالله– يشوهوه، وإلا فهم يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيستقبل الكعبة، من أين علموا ذلك؟ مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ، فإنهم يعلمون أن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾، العلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا وأيش بعد؟ مطابقًا للواقع، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ذكرنا أن الحق معناه الشيء الثابت، فإن أضيف إلى الخبر فهو الصدق، وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وقوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، الرب تقدمنا مرارًا وتكرارًا أنه الخالق المالك الكامل السلطان، وإنما أضاف الربوبية هنا إليهم ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ لإقامة الحجة عليهم، حيث يعترفون بربوبيته، ومن اعترف بربوبيته لزم أن يعترف بأحكامه وتصرفه؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء، وإلا فهو رب الجميع، لكن هذا فائدة إضافته إليهم.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هنا حجازية ولّا تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: وأيش الدليل؟
* طالب: لأنها عملت.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: وتدخل حتى التميمية.
* طالب: أقول: القرآن بقراءة الحجاز.
* الشيخ: هذه صح؛ لأن القرآن بلغة قريش، والدليل على هذا قوله في سورة يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: بشرٌ، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١]، فالقرآن بلغة قريش، وقريش حجازيون ليسوا تميميين، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾، الباء زائدةٌ إعرابًا مفيدة معنى، ما فائدتها؟
* الطلبة: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، إذن الباء حرف جر من حيث الإعراب زائد، و(غافل) خبر (ما) منصوب بها وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله: ﴿بِغَافِلٍ﴾ الغفلة: اللهو والسهو عن الشيء، وقوله: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) اسم موصول تفيد العموم، يعني عن أي عمل يعملونه، سواء كان عملًا قلبيًّا أم جارحيًّا، يعني أن يتعلق بالجوارح أو يتعلق بالقلوب، فيشمل الاعتقاد ويشمل القول والفعل، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يفيد التهديد لهؤلاء؛ لأن الغرض من هذه الجملة تهديدهم على مخالفتهم، حيث أنكروا ما يعلمون أنه الحق من ربهم، وهذه الصفة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من صفات الله الإيجابية ثبوتية أو السلبية؟ السلبية المنفية، وقد ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لا يُقصد بها مجرد السلب والنفي، وإنما يقصد بها مع ذلك إثبات كمال الضد، فمثلًا ﴿مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تستلزم كمال العلم والمراقبة لأعمالهم الذي لا يعتريها أي غفلة، وقد ذكرنا فيما سبق أن النفي المجرد لا يستلزم كمالًا؛ لأنه قد يستلزم نقصًا وقد لا يدل على مدح ولا نقص، أو نسيتم؟ مثال النفي الذي يستلزم النقص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذه ليست تستلزم الكمال، ما يمكن يكون نفي لله يستلزم النقص أبدًا، يعني نفي الغفلة ما تستلزم النقص؛ لأنه لكماله ليس بغافل، من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو نفي، نفي شيء مذموم، وهو ما يستلزم الكمال، بل هو نقص.
* طالب: قولك: الضعيف لا يظلم.
* الشيخ: ممكن.
* الطالب: ما ظلم لضعفه لأنه عاجز عن الظلم.
* طالب: من غير القرآن ولا من القرآن؟
* الشيخ: لا، من غير القرآن.
* الطالب:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
* الشيخ: صح
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
عندما أسمع هذا الكلام أقول: إن هؤلاء القوم أوفياء وغير معتدين، أوفياء لا يغدرون بذمة، غير معتدين لا يظلمون الناس، والواقع أنه وصفهم بالنقص، وصفهم بالنقص، فهمتم؟ وكذلك قول الشاعر:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْـلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السوءِإِحْسَانَاهذا يذمهم ولا يمدحهم؟
* طالب: الظاهر إنه يمدحهم.
* الشيخ: ظاهر الكلام أنه يمدحهم والواقع أنه يريد؟
* الطلبة: الذم.
* الشيخ: إي نعم، أما الذي لا يستلزم نقصًا ولا مدحًا فمثل لو قلت: جدارنا لا يظلم أحدًا، الجدار لا يظلم أحد؛ لأنه غير قابل للظلم، فنفي الظلم عنه ليس مدحًا لكن بالنسبة لله عز وجل الأمر بالعكس، كل صفة منفية عنه فإنها تستلزم كمال ضدها من المدح.
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، في ﴿لَئِنْ﴾ أمران متنازعان: قسم وشرط؛ قسم مدلول عليه باللام؛ لأن اللام واقعة في جواب القسم المقدَّر، أي: والله لئن، الثاني المنازِع للقسم (إن) الشرطية، وكل من القسم والشرط يحتاج إلى جواب، أين الجواب في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؟ قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، هذا الجواب هل هو جواب للشرط أو جواب للقسم؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: جواب للشرط؟
* طالب: للقسم قبل الشرط.
* الشيخ: لا، هذا جواب للقسم، يقول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
والمؤخر الآن هو الشرط، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿مَا تَبِعُوا﴾ جوابًا للقسم لا محل له من الإعراب؛ لأن جملة جواب القسم ليس لها محل من الإعراب، وجواب الشرط المحذوف دل عليه جواب القسم، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ إن وأيش؟
* الطلبة: شرطية.
* الشيخ: شرطية، و ﴿أَتَيْتَ﴾ بمعنى جئت، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصطحبًا لكل آية، ﴿آيَةٍ﴾ أي: علامة على صدق ما أتيت به إليهم، لئن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به، ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، أيّ شيء قبلته؟ الكعبة، يعني لا يتبعون هذه القبلة ولا يتولونها، لو تأتيهم بكل آية، وذلك لأنهم لا يريدون الحق، وإنما هم معاندون؛ لأن الذي يعلم الحق ولا يتبعه معاند، ما فيه فائدة، تأتيه بكل آية ما يفهم ما يقبل، وقوله: ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ قد نقول: إنهم كما لا يتبعون قبلته لا يتبعون دينه أيضًا، نعم لا يتبعون دينه؛ لأنه من لازم اتباع الدين أن يتبعوا القبلة، وقوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، قد يقول قائل: إن هذه القبلة من خصائص هذه الأمة؛ لأنه أضافها إليهم، فقال: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، ولكن الظاهر والله أعلم أن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران ٩٦].
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة.
قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، الواو هنا واو العطف ولّا واو الاستئناف؟
* طالب: واو العطف.
* الشيخ: الواو هذه عاطفة أو استئنافية؟
* طالب: استئنافية.
* الشيخ: هذه استئنافية؛ لأننا لو جعلناها عاطفة على قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ لصار المعنى: وما أنت بتابع قبلتهم في حال إتيانك بالآيات التي تدل على صدق ما جئت به، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبعهم مطلقًا، وهذا هو السر في التعبير والله أعلم للجملة الاسمية في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾، و(هم)، أتى بالجملة الفعلية في قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، فهم لا يتبعون قبلة الرسول، والنبي عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يكون تابعًا لقبلتهم؛ لأن قبلتهم هذه منكرة لم يأت بها الشرع، ثم لو فُرِض أن الأديان التي هم عليها قد جاءت بهذه القبلة فإنها نُسِخَت بقبلة الإسلام، وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، وأيش اللي ناصب ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾؟
* طالب: باسم الفاعل.
* الشيخ: إي نعم، منصوبة باسم الفاعل، طيب في غير القرآن لو أضيف (بتابعِ قبلتِهم) صحَّ وكانت الإضافة لفظية.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ﴿مَا بَعْضُهُمْ﴾، أي: الذين أوتوا الكتاب، ﴿بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، فاليهود ما تتبع قبلة النصارى، والنصارى ما تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار، واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق، ولهذا يكذِّبون عيسى ﷺ ويقولون إنه -والعياذ الله- ولد زنا، وفعلًا حاولوا قتله وشُبِّه لهم فقتلوا الشبيه، وصاروا يقولون: إننا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، يفتخرون بذلك، قتلهم الله، هؤلاء بعضهم لبعض عدو، لكنهم مع ذلك بالنسبة للمسلمين بعضهم لبعض ولي، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، فبعضهم يتولى بعضًا على المسلمين لكن بالنسبة لإقرار بعضهم على دين بعض لا يقرون، هؤلاء لا يقرون اليهود، وهؤلاء لا يقرون النصارى، ولهذا سبق لنا أن اليهود قالت: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣].
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، هل لكل من اليهود والنصارى قبلة ولّا لا؟
* الشيخ: إي نعم، هذه نحتاج تنبيه عليها، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، قبلة اليهود إلى بيت المقدس، إلى الصخرة، وقبلة النصارى إلى المشرق، يتجهون نحو الشمس، فاليهود يقولون للنصارى: أنتم ضالون، والنصارى يقولون لليهود: أنتم ضالون، ولا يتبع بعضهم بعضًا في القبلة، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿ولئن أتيت﴾، ففيها قسم وشرط، والجواب للقسم ولّا للشرط؟ للقسم، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾، ولهذا لم تقترن بالفاء، ولو كانت جوابًا للشرط لوجب اقترانها بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخطاب لمن؟ للنبي ﷺ، و(إن) الشرطية لا تقتضي أو لا تستلزم وجود شرطها، لا تستلزم وجود الشرط، (إن) الشرطية لا تستلزم وجود الشرط، وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول ﷺ يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ لا، ما يمكن، كيف يقول: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾، نقول: هذه لا تستلزم جواب شرطها، جواب وقوع الشرط، ما تستلزم، ألم يقل الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: وهل يمكن هذا؟ لا، ألم يقل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] وهذا يمكن ولّا لا؟ ما يمكن، إذن فالشرط المعلق بـ(إن) لا يستلزم الوقوع، ولاحظوا الفرق نحن لسنا نقول: لا يمكن وقوعه، نقول: لا يستلزم الوقوع، بمعنى أنه قد يقع في بعض الأشياء، وقد لا يقع في بعض الأشياء، ما أدري اللغة مفهومة؟ أقول: فرق بين لا يستلزم الوقوع، وبين لا يقتضي الوقوع، إذا قلنا: لا يقتضي الوقوع، هذا ليس بصحيح؛ فإن المعلق بـ(إن) قد يقع، وإذا قلنا: لا يستلزم، فالمعنى ليس بلازم الوقوع، ليس بلازم، قد يعلق بـ(إن) وهو غير ممكن، وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع (هوى)، والأصل في الهوى، الهوى بمعنى الميل، ومنه يقال للنجم: هوى، إذا مال وسقط، ويطلق الهوى في الغالب على الميل عن الحق، ويقابله الهدى، فيقال: اتَّبَعَ الهوى بعد الهدى، فهمتم؟ وهل يطلق الهوى على الهدى؟ إن صح الحديث وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، والبيهقي في المدخل (٢٠٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر، ولكن مع ذلك فالغالب أن الهوى يكون في الشر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ متعلق بـ(اتبعت).
* طالب: الحديث هذا ما يصح.
* الشيخ: أقول: إن صح، إذا ما صح ما عاد يكون فيه شاهد على أن الهوى يأتي بمعنى الهدى.
* الطالب: الحديث النظر فيه من باب اللغة بغض النظر عن صحته؟
* الشيخ: لا، بس لو ما صح فإنه لا يصح أن نقول: إن الهوى يكون في الشيء المحمود؛ لأن كل ما في القرآن والسنة من ذكر الهوى فإنها في الأشياء المذمومة.
* طالب: هذا الحديث وإن كنا نقول قدح بعضهم في سنده وبعضهم حسنه، لكن شاهده من القرآن ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٦٥].
* الشيخ: إي هو معناه صحيح، المعنى لا شك صحيح، لكن اللفظ، طيب قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هذا متعلق بـ(اتبعت)، يعني إذا وقع هذا الاتباع بعد العلم فإنه يكون الظلم، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، وردت في القرآن على ثلاثة أوجه: هذا أحدها، والثاني: ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد ٣٧]، والثالث: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة ١٢٠]، كذا؟ أما ﴿بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ و﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ فلا فرق بينهما، إلا أنه عبر بـ(ما) عن (الذي)، وأما ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ فهي أبلغ من قوله: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ﴾، أشد؛ لأن (مِن) تدل على أنه جاءه العلم وتَمَهَّل، وحصل هذا الأمر بعد مجيء العلم، نظير ذلك - أن دخول (من) يكون أبلغ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] أشد من قوله: و(بيننا وبينك حجاب)؛ لأن (من) تدل على مسافة قبل الحجاب ثم حجاب، بخلاف (وبيننا وبينك حجاب) فهي ما تدل على هذا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، المراد بالعلم أيش؟ علم الشريعة والوحي الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿إِنَّكَ﴾ هذه جواب القسم، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (إذن)، هي (إذٍ) اللي مرت علينا بالإضافة ولّا غيرها؟
* طالب: لا، هذه ظرف.
* الشيخ: هي ظرف ما فيه شك، لكن حين قلنا: إنها (إِذْ، وإِذَنْ، وإِذَا)، وأن هذه الأدوات الثلاث تنازعت الأزمنة: (إِذْ) للماضي، و(إذَا) للمستقبل، و(إذن) للحاضر، يعني ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ في حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم، في هذه الحال ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، الله، أكده بـ(إن) و(إذن) واللام، في قوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وصدق الله عز وجل، اللي يتبع أهواء الضالين والمغضوب عليهم بعد ما جاءه العلم الصحيح الشرعي فهو لا شك من الظالمين، وتأمل اللطف في الخطاب للرسول ﷺ، لم يقل: إنك إذن ظالم، قال: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا لا شك أنه أيش؟ تلطف في الأسلوب؛ لأني الآن لو أقول لك: أنت رجل ظالم، أيهما أشد وقعًا، أو أن أقول: أنت من الظالمين؟ الأول أشد وقعًا، أشد وقع في النفس، ولهذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من باب التلطف في الأسلوب للرسول ﷺ، نظيره شوف، نظيره قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣] عندما تقرأ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تظن أن العابس والمتولي مَن؟ غير الرسول عليه الصلاة والسلام، غير الرسول، تظن أنه رجل آخر، ولكن المراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، النبي ﷺ، فعليه يكون الله عز وجل تلطف في الأسلوب بالنسبة لقوله: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الظالمين فيها ضمير مستتر يعود على من؟ على غير الرسول، على الظالم، لكن لو قال: إنك ظالم، صار الضمير يعود عليه نفسه، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طالب: خاص بالرسول ولّا..؟
* الشيخ: وأيش اللي خاص؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ..﴾؟
* الشيخ: لا، الرسول وغيره. وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
* طالب: شيخ، (...)؟
* الشيخ: لا، المراد الظالمين الذين لم يعدلوا في تصرفهم؛ لأن الظلم هو في الأصل النقص، وهو عدم العدل، فقد يكون يصل إلى درجة الكفر وقد لا يصل، حسب ما اتبع فيه، إن اتبعهم في أمر لا يُخرج عن الملة لم يكن خارجًا عن الملة، وإن اتبعهم في أمر يخرج صار خارجًا.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، فأين الخبر؟
* طالب: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: أعطيناهم، والإيتاء هنا شرعي ولا كوني؟
* الطلبة: كوني وشرعي.
* الشيخ: نعم جامع بينهما، كونيًّا شرعيًّا؛ لأن الكتاب شرعي، والإعطاء هنا كوني، قدر الله تعالى أن ينزل عليهم الكتاب فنزل، وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، الفعل هنا ناصب مفعولين، أولهما: الهاء، والثاني: الكتاب، أصلهما المبتدأ والخبر ولّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إي نعم، إذن من أخوات (كسا) الذي قال فيها ابن مالك:
وَالثَّانِي مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا ∗∗∗ .......................
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الضمير في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، الكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية، أي؟
* طالب: أي يعلمون..
* الشيخ: لا لا، قصدي ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ﴾ الكاف؟
* الطالب: للتشبيه.
* الشيخ: للتشبيه، وهي حرف جر، و(ما)؟
* طالب: مصدرية.
* الشيخ: مصدرية، أي؟
* الطالب: يعلمون.
* الشيخ: لا، أوِّلها بمصدر، أي: كمعرفة أبنائهم، نعم، وهنا عبر بـ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ دون (يعلمونه)؛ لأن الغالب أن العلم يعبَّر به عن الأمور المعقولة التي تدرَك بالحس الباطن، والمعرفة تطلق أو يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس، فأنا أقول لك: أعرفت فلانًا؟ أو أقول لك: أعلمت فلانًا، وأيش تقول؟
* الطلبة: عرفت.
* الشيخ: عرفت فلان، ما تقول: علمت، لكني أقول: أعرفت فلانًا فعلمتَ ما فعل، فهنا جعلنا العلم في الفعل، والمعرفة في الجسم، فهنا (يعرفونه) ليست بمعنى (يعلمونه)؛ لأن المعلومات تكون في المعقولات أو في الصفات، أما في الأشخاص فإنه يطلق فيها المعرفة، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾ جمع (ابن) وخصه دون البنت؛ لأن تعلق الإنسان بالذكر أقوى من تعلقه بالأنثى فهو به أعرف، أليس كذلك؟
* طالب: ما تعم البنت؟
* الشيخ: لا الابن ما تعم البنت، الأولاد هي اللي تعم البنت والولد.
* الطالب: تغليبًا؟
* الشيخ: لا لا، ما هو تغليبًا، ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾؛ لأن تعلق الإنسان بالابن أكثر من تعلقه بالبنت، فيكون معرفته له أكثر من معرفته للبنت، واضح؟ هذا هو السبب في أنه عبر بالأبناء دون البنات.
* طالب: والبنون بردو الأولاد الذكور فقط؟
* الشيخ: لا، البنون ذكور فقط، عبر بالأبناء دون الأولاد أو دون البنات؛ لأن تعلق الإنسان بالابن الذكر أكثر من تعلقه بالبنت فيكون به أعرف، يكون به أعرف، وقد ذكر الله عن الإنسان أنه إذا بُشِّر بالأنثى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨]، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف ١٧]، ولهذا يجزئ في غسل بول الذكر، يجزئ فيه النضح دون بول الأنثى الصغيرة اللي ما تاكل الطعام، أو الذكر الصغير اللي ما ياكل الطعام، الذكر يجزئ فيه النضح، والأنثى لا بد فيه من الغسل، وذلك لأن الابن يُلْطَف به أكثر من البنت في الغالب، وهناك بعد علة أخرى وعلة ثالثة قرأناها في الفقه، العلة الثانية هي أن بول الذكر ينتشر؛ لأنه يخرج بارزًا بقوة فيلوث من الثياب ما هو أكثر فيشق التحرز منه، وقالوا أيضًا: إن الذكر أقوى طبيعة من الأنثى، وأنه يُلَطِّف الفضلات أكثر من تلطيف الأنثى، وقيل: لأن الأنثى خلقت من دم، والذكر من طين، لكن هذا ما هو بصحيح، إنما الاعتبارات الأولى هي أقرب، وقال بعضهم: إنه تعبدي ما نعرف الحكمة، وعلى كل حال هذه مسألة ما هي من بحثنا، إنما نقول: عبر بالأبناء لهذا السبب، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، الله أكبر، العدل في التعبير القرآني، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ﴾، يعني طائفة منهم تكتم الحق، وعُلم من ذلك أن طائفة أخرى لا تكتم الحق، وهذا هو الواقع، فإن من النصارى كالنجاشي مَن آمن، ومن اليهود كعبد الله بن سلام مَن آمن ولم يكتم الحق، لكن فريقًا منهم يكتمون الحق، أي يخفونه فلا يبينونه، ما يبينونه - والعياذ بالله - ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف إنكم تتبينون الهدى من محمد وأصحابه، إذا بيّنتموه يحاجونكم به عند الله، أفلا تعقلون؟ فهم يتواصون بالكتمان، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾، أين فاعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾؟
* الطلبة: الواو.
* الشيخ: الواو، يعني: يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه حق، وهذا أبلغ في الذم؛ أن يكونوا كاتمين الحق وهم يعلمون به، فيكونون قد كتموه عن علم فهم عامدون ظالمون، ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون به.
قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
* * *
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
من هنا ابتدأ الحكم بتغيير القبلة، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رؤية الله عز وجل، من قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن فوائدها: جواز النظر إلى السماء، ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، وأنه ليس سوء أدب مع الله إلا في حال الصلاة، في حال الصلاة لا يجوز أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء.
* ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.
أن يتوجه إلى الكعبة ولكن هل فعل؟
* الطلبة: لم يفعل.
* الشيخ: لم يفعل إلا بعد أن أمره الله به.
* ومنها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، فإن ضمير الجمع هنا للتعظيم.
* ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لقوله:﴿تَرْضَاهَا﴾ مع قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾.
* ومن الفوائد: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء، حيث عبر به عن سائر الجسم، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
* ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه لقوله: ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وإذا ولَّى الإنسان وجهه فإنه ينظر تلقاء وجهه. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور عند المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه، وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ »[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦٥٦١) من حديث ابن سيرين.]]. وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظر إلى موضع السجود، وأما المأموم فينظر إلى إمامه، واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري وهي:« أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَمَا صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ، فقال لهم: «وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت وَتَأَخَّرْتُ»[[أخرجه البخاري (١٢١٢) من حديث عائشة.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها: أنه لما صُنع له المنبر قام يصلي عليه فكان يقوم ويركع ويرفع، فإذا أراد السجود نزل وقال: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤ / ٤٤) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] وهذا دليل على أنهم يرونه.
* ومنها أيضًا: أنهم لما أخبروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام« كان يقرأُ في صلاةِ السِّرِّ، قيل لهم: بمَ تعرفون ذلك؟ قالوا: باضْطِرابِ لحيتِهِ »[[أخرجه البخاري (٧٤٦) من حديث خباب بن الأرت.]]. وهذه كلها في الصحيح، فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الإتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم وقد يجلس، ساهيًا مثلًا، فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به، أما الإمام والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود، وهذا القول لا بأس به، ولا سيما إذا كان المأموم محتاجًا إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع مثلًا فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به أو نحو ذلك.
* طالب: إذا كان بعيدًا يلحظ عليه؟
* الشيخ: إي نعم، يلحظ عليه إن احتاج الالتفات ولا بدون التفات؟ ولقد استثنى بعض العلماء الذين يقولون إنه ينظر إلى موضع السجود استثنوا من ذلك إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى إشارته لقول ابن الزبير أو الزبير نسيت «كانَ لا يُجاوِزُ بصرُهُ إشارَتَهُ »[[أخرجه أبو داود (٩٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير.]] فعند التشهد عند الإشارة تنظر إلى الأصبع.
ومنها مما يستثنى من ذلك عند بعضهم إذا كنت في المسجد الحرام، إن كنت مشاهدًا الكعبة فإنك تنظر إلى الكعبة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences