Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:150–153

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:150–153

2:150–153Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٥٠]. هذه الجملة تقدم الكلامُ عليها، وكُررت للتوكيد وتوطئةً لما بعدها؛ لأن الفائدة هنا التوكيد والتوطئة لما بعدها، وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ﴾، وقلنا قبل قليل: إن التكرار في مثل هذه الأمور الهامة يراد منه ثلاثة أمور: الإثبات، والتثبيت، والمدافعة؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.

* طالب: من قال يا شيخ: تنزل على الأحوال؟

* الشيخ: لا ما هو بظاهر؛ لأنها عامة، كل واحدة منها عامة، ولذلك لو جاءت واحدة منها بدون الأُخريين لكان الحكم واحدا. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ اللام هنا للتعليل، اقترنت بها (أنْ) المصدرية، و(لا) النافية و﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ(أن) المصدرية، ولا يضر الحيلولةُ بين الناصب والمنصوب بـ(لا) النافية. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ وأيش إعرابه؟ اسم (يكون) إن كانت ناقصة، أو فاعلٌ إن كانت تامة. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ ﴿لِلنَّاسِ﴾ مَن المراد بالناس؟ الآية مجملة فتشمل كلَّ من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود والمشركون، أما اليهود فقالوا: إن الرجل ترك الملة إلى ملة آبائه فهو رجل يتعبد بهواه وليس على هدى. هذه حجة اليهود، والعياذ بالله! بالأمس الأدنى كان يتَّجه إلى بيت المقدس، والآن أخذته العصبية فاتجه إلى الكعبة، وهذا لا شك أنه ظلم، ظلم من اليهود ولّا هم يعرفون في كتبهم كما ذكر بعض أهل العلم أن محمدا ﷺ سيتجه إلى الكعبة فيكون من صفاته؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الحجة أيضًا لليهود، الحجة لليهود يعني ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، إن هذا التعليل تعليلٌ للبقاء لا للانتقال؛ يعني لئلا يكون للناس عليكم حجة لو بقيتم على بيت المقدس، فما الحجة إذن؟ الحجة أن يقول اليهود: إن محمدا يتجه إلى الكعبة، وعلى هذا فتكون حجة اليهود من وجهين، من الوجهين السلبي والإيجابي، يعني أنكم إن بقيتم احتج عليكم اليهود بأن هذا ليس محمدا الذي أخبرَتْ به التوراة؛ لأن محمدا الذي أخبرت به التوراة يتجه إلى الكعبة. حجة أخرى أنهم يقولون: لو كان محمد رسولا ما صار بالأمس يتجه إلى بيت المقدس والآن يتجه إلى الكعبة، ولكنه رجلٌ يتبع هواه ويداهن، ففي الأول داهننا ثم بعد ذلك أخذته العصبية فاتجه إلى قبلة آبائه وأجداده، فصار حجةُ اليهود من وجهين، سواءٌ إن بقي فحجتُهم أنه لما لم يتجهوا إلى القبلة ما صار الرسولَ المنتظرَ، وإن تحول حجتهم أنه يتعبد بهواه، ما هو على هدى من الله -والعياذ بالله- إذن يكون التعليل هنا تعليلًا للتحول وللبقاء، ذكر بعض العلماء أن الناس يدخل فيها المشركون أيضًا، يدخل فيها المشركون، يحتجون على الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا، وخالفنا في قبلتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فيحتجون بهذا، أنتم تعرفون أهل الباطل يموّهون، يعني يقلبون -والعياذ بالله- ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢] يقلبون الحق باطلا؛ لأنهم يريدون غرضا والله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بمثل هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويجعلون من الحق باطلا، وإلا فكيف يمكن أن يكون حجة لهؤلاء وهؤلاء؟ ما في حجة، بل إن تحوله مع تخوفه العظيم عليه الصلاة والسلام مما وقع من الاعتراضات والمضايقات، وتعرفون المسألة احنا ما ندرك حقيقتها، حقيقة اللي حصل، كونه يتحول مع توقعه لهذه المعارضات؛ لأن الله قال له سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ إذن المسألة سيكون فيها أخذٌ وردٌّ ومضايقات، تحوله مع هذه التوقعات وأيش يدل عليه؟ يدل على صدقه، وفي الحقيقة ليس دليلا على ما يزعم هؤلاء، بل هو أكبر دليل على صدقه وأنه يتعبد بوحي من الله عز وجل، قيل له: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، وقيل: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، ما يريد هو أن يتبع هواه، بل يتبع ما جاءه من الوحي.

وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على المؤمنين عموما، للرسول عليه الصلاة والسلام ولأتباعه؛ لأن كل حجة يحتج بها على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تَبِعوه لأنه على الحق، فإذا جاء من يلبِّس صار ذلك تلبيسا لطريقهم ومنهاجهم، فهو حجة على الجميع، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ ﴿حُجَّةٌ﴾ هل هذه حجة حقيقية أو حجة باطلة؟ حجة باطلة، ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦] باطلة، فالاحتجاجات ليست كلُّها مقبولة، إن كانت بحق فهي مقبولة وحجة، وإلا فهي باطلة ولو أقيمت أو ولو صيغت صيغة الدليل والبرهان، حتى لو صاغها من يحتج بها صيغة الدليل والبرهان فإنها تعتبر باطلة، أرأيتم احتجاج الفلاسفة؟ على طريقتهم، احتجاج المعتزلة على طريقتهم، احتجاج الجهمية على طريقتهم، احتجاج القدرية على طريقتهم وهكذا، هذه الحجج هم يأتون بحجج عظيمة لكنها كما قيل:

حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ

نعم، ما تقوم لهم حجة، حججهم كلها تعتبر شُبَهًا باطلة، هؤلاء الذين يريدون أن يحتجوا على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى مكة أو إلى المسجد الحرام، هل هذه الحجة صحيحة؟ كلا، بل هي من أبطل الحجج، ولكن مع ذلك لا مانع أن الإنسان يتسلح، ولو للحجج الباطلة؛ ولهذا قال الله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بالذين ظلموا المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوُونَ للحق مهما تبيّن، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اختُلف في إلا هنا، هل هي متصلة أو منقطعة؟ بمعنى: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل، ومنهم من قال: إنه منقطع، فالذين قالوا: إنه منقطع قالوا: إلا بمعنى لكن؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم، خذوا بالكم. ومن قال: إنه متصل قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فيكون مستثنى من الناس؛ لأن الناس منهم ظالم ومنهم من ليس بظالم، والأقرب عندي -والله أعلم- أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ هذا عام شامل، لكن من ظلم منهم من اليهود أو المشركين فإنه لن يرعَوِيَ لهذه الحكمة التي أبانها الله عز وجل؛ لئلا تنتفي حجة هؤلاء الظالمين.

* طالب: شيخ، ما يرد بأنه من قال: الاستثناء متصل ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، هم احتجوا، لو قلنا: اتصال الاستثناء ما لهم حجة ما ذكر لهم حجة؟

* الشيخ: اللي يقرب لي من هذا السياق أنه منقطع.

* الطالب: شيخ ما معناه على أن يكون متصل؟

* الشيخ: يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إن الله تعالى بيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنه ما أحد يحتج عليهم إلا الظالمين، ولكن في الحقيقة هذا ضعيف المعنى، ضعيف جدا، فالذي يظهر لي أن الاستثناء منقطع. قال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الله أكبر، يعني مهما قالوا من الكلام ومهما قالوا من زخارف القول ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم، لا تخشوهم، فالخشية والخوف متقاربان إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن الخشية لا تكون إلا مع العلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] بخلاف الخوف، فقد يخاف الإنسان من الْمَخُوف وهو لا يعلم عن حاله، أما الخشية فلا يكون إلا مع العلم. والفرق الثاني: يقولون: إن الخشية تكون لعِظَم المخشيِّ، والخوف لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوفُ ليس بعظيم، فتقول مثلا: الصبي يخاف من المراهق، نعم، لأيش؟ لضعفه، هكذا فُرِّق، وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر، لكن الفرق الأول واضح وهو أن الخشية إنما تكون مع العلم.

* طالب: (...) فرق إن الخشية أشد من الخوف من حيث وضعُها؟

* الشيخ: لا، ما هو بظاهر ولّا بعضهم قال: إنها أشد؛ لأن هذه المادة، الخاء والشين، تدل على القوة ومنه الشيخ الكبير، لكن فيها نظر.

وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ تخشوا مَن؟ الذين ظلموا، مهما كان ظلمهم لا تخشاهم ما دمتَ على حق لا تخاف من أحد، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أتى بعد النهي بالأمر؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، أَزِلِ الموانعَ أولًا ثم أثبت، فأولًا فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن لخشية الله من قلبك، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلا، فإذا كان المحل قابلا، حينئذ يكون الوارد عليه واردا على شيء لا ممانعة فيه ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ والأمر هنا، كما سيأتينا إن شاء الله في الفوائد، الأمر ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأي شيء؟ للوجوب، الوجوب بلا شك، الواجب على المرء أن يخشى الله وحده، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؛ إتمامُ الشيء بلوغ غايته، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، لئلا يكون للناس ولأُتم، ﴿أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ والإتمام بلوغ الشيء غايته، والغالب أنه يكون في الكمال، وقوله: ﴿نِعْمَتِي﴾ النعمة ما هي؟ هي ما يَنْعَمُ به الإنسان، ويقال: نِعمة، ويقال: نَعمة، لكن الغالب في النعمة أن تكون في الخير، والنَّعمة التنعُّم من غير شكر كما قال تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٧]، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هذه نزلت متى؟ متى نزلت ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟

* طالب: بعد سورة البقرة، في أول الهجرة.

* الشيخ: في أول الهجرة عند تحويل القبلة؛ يعني في السنة الثانية، ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، نعم لا تعارضها؛ لأن المراد في آية المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] الإتمامُ العام في كل الشريعة، وأما هنا ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الشريعة الخاصة وهي استقبال الكعبة بدلا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن «الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقلِّب وجهَه في السماء ينتظرُ متى يُؤمر بالتوجّه إلى الكعبة »[[أخرجه البخاري (٣٩٩) من حديث البراء.]]، فهذه لا شك أنها من نعمة الله عز وجل أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كما قال بعض أهل العلم: هو قبلة جميع الأنبياء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، أن الكعبة قبلة جميع الأنبياء، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق هذا مما غيروه في دينهم.

وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أضاف الله تعالى النعمة إليه؛ لأنه صاحبها هو الذي يُسديها ويوليها على عباده، ولولا هذه النعمة العظيمة ما بقي الناس طرفة عين، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧] في النعمة قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وفي الغضب ما قال: صراط الذين غضبتَ عليهم بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعم، وهي نظير قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ثم إن المغضوب عليهم.. الغضب على هؤلاء ليس من الله فقط، بل من الله سبحانه وتعالى ومن أوليائه من الرسل وأتباعهم. ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ (لعل) هنا أيش معناها؟

* طالب: للتعليل..

* الشيخ: للتعليل؛ يعني ولأجل أن تهتدوا، والهداية كما مر علينا نوعان: هداية علمية، وهداية عملية، ويقال: هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فالهداية العلمية معناها: أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، والعملية: أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى وسيلة والثانية غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل، بل إن العلم بدون عمل يكون وبالا على من رُزقه.

وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ هذه هي العلة الثالثة من هذه العلل، العلة الأولى ما هي؟ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، والعلة الثانية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، والثالثة: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ وهنا الهداية شاملة للهداية العلمية والعملية يعني: علما وعملا، ووجه كونها شاملة: أنهم ما علموا أن مرضاتَ الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علَّمهم الله، ثم إن الله وفَّقهم للاهتداء إليها، هل مانعوا؟ أبدًا، بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلُّون صلاة الفجر، وكان الإمام إلى الشمال والمأمومون إلى الجنوب فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، فماذا صنعوا؟ توجَّهوا في صلاتهم إلى الكعبة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦ / ١٣) من حديث ابن عمر.]]، فصار الإمام نحو الجنوب والمأمومون نحو الشمال وكلهم وجوههم إلى الكعبة، هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمر الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات والمضايقات، وأيش يدل عليه؟ على قوة إيمانه، وثقته بربه سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على كل مؤمن إذا جاء أمرُ الله أن يمتثل الأمرَ، والله سبحانه وتعالى سيجعل له من أمره يسرا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور، لا يقول: والله هذا أخشى من المضايقات، أخشى أن الناس يعيرونني، أخشى أن الناس يستهزئون بي، هذا لا يضر، فـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨].

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة ١٥٠، ١٥١] هذه أيضًا مِنَّةٌ رابعة وُجهت إلى المؤمنين ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾؛ يعني: هذا داخل في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾، كما أنكم أيضًا، كما أنكم قد أُرسل فيكم هذا الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.. إلى آخره؛ يعني: معناه أن نعمة الله علينا التوجُّه إلى الكعبة بدلا عن بيت المقدس أنها عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول ﷺ عظيمة، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ والإرسال بمعنى البعث، والبعث بمعنى الإرسال أيضًا، يعني أنه مرسل من الله؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة وكيف يُعبد؟

* طالب: يعبد بما شرع.

* الشيخ: نعم بما شرع، وكيف نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به وهذا مما لا يرضاه؟ لا يمكن ذلك إلا بواسطة الرسل، لو أن الإنسان وُكِلَ إلى عقله بالعبادة ما عرَف يعبد الله، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: ولو وكل إلي عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله، لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب ويمشي، ولو أن الإنسان وكل إلى عقله بالعبادة ما كانت أمتنا أمةً واحدة، فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؟ ومثلٌ بسيط: لو قيل لك: تطهر للصلاة ولم يبيَّن لك هذا الطهور، كيف تتطهر؟ يجي واحد يمكن يقول لك: التطهر لازم أني أتطهر من الإبهام إلى الإبهام، نعم، ويجي واحد يقول: ما أطهر إلا الكف والجبهة والأنف والركبتين وأطراف القدمين؛ لأنها اللي بيشمل السجود، ويجي آخر ويكون عنده شكل ثان، فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده، ما عرفنا كيف نعبده؟ وهذه من نعمة الله بإرسال هذا الرسول محمد ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر: «لقد تُوفّي رسول الله ﷺ وما طائرٌ يُقلّب جناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَر لنا منه علمًا، حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام »[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١) من حديث أبي ذر.]]. وهذا عام في كل شيء، كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا ودنيانا فقد علَّمنا إياه هذا الرسول؛ ولهذا قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ما سبق، هل المراد منكم نسبا أو منكم جنسا؟ وقد سبق لنا أنه إذا قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨] فالمراد الجنس، وإذا قيل: منكم أو منهم فالمراد النسب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وقد قال الله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤] والمؤمنون فيهم العرب وغير العرب.

﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ ما معنى يتلو؟ يقرأ، يقرأ عليكم آياتنا، فيأتي بها كما سمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٧- ١٩] ثلاث مراحل: جمع وقرآن بواسطة جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بيانه للناس كلهم بيانه معنًى ولّا لفظا؟ لفظا ومعنى؛ ولهذا القرآنُ -والحمد لله- مبيَّنٌ لفظُه ومعناه، ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباها نسبيًّا بحيث يشتبه على شخص دون آخر، أو في حال دون أخرى (...).

أنه تقرير له (...)، ما تقولون؟ سؤال: هل قوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هل هو تقرير لما سبق أو هو زائد على ما سبق؟

* طالب: زائد.

* الشيخ: إذا كان زائدًا على ما سبق، فأين ما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام خارجًا عن الكتاب والسنة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لكن رجحنا أنها عامة، فالظاهر لي أن القول بأنه من باب تقدير ما سبق ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أنه أولى؛ لأنه لو قال قائل: يعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمور الآخرة؛ قلنا: هو داخل في الكتاب والسنة ما يخرج عنها، مهما قدرت من التقديرات وجدته داخلا في الكتاب والسنة، لكنه ذكر للتقرير وبيان النعمة في أنه يعلمنا ما لم نكن نعلم، إذن الأصل في بني آدم الجهل أو العلم؟ الأصل الجهل؛ لأن العلم وارد، فكل ما عَلِمنا من العلم فإنه في الحقيقة وارد على الجهل، وهو مما يدل على نقص الإنسان حيث كان الأصل فيه الجهل، ولكنه يتعلم بتعليم الله.

وقوله: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هذا ليس على عمومه فإنه يخص منه ما لا يمكن الاطلاع عليه من علم الغيب، فعلم الساعة مثلا، عُلِّمْنَا إياه؟ ما علمنا إياه مع أننا لا نعلمه؛ لأن هناك أشياء من أمور الغيب ما تعلم، حتى أقرب الأمور إلينا ما نعلمها، وهي الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] فعلى هذا يكون ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما لم تكونوا تعلمون لكن مما تحتاجون إلي العلم به، أما ما لا يمكن العلم به؛ فإن هذا ما عَلِمناه ولا عَلَّمناه مثل أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله؛ كعلم الساعة ونزول المطر وعلم المستقبل، إلا ما أَطْلع الله عليه رسوله، وكذلك العلم بكيفية أسماء الله وصفاته، فإن هذا لا يمكن الإحاطة به، فكل ما يتعلق بصفات الله فعلمُه لا يمكن الإحاطة بكيفيته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مع رؤيتها له، مع رؤيتها لله لكنها لا تدركه، وهذا في الآخرة، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣] أخبرنا الله عن أفعال كثيرة من أفعاله؛ كاستوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه للفصل بين عباده، وغير ذلك من أفعاله، وهل نحن نعلم الكيفية؟ ما نعلمها، أخبرنا الله تعالى عن نفسه أنه يعجب؛ لقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بقراءة بضم التاء وهي قراءة سبعية ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، وكذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الله أنه يضحك: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]] فهل يمكن لنا أن نتصور أو أن نبين هذه الكيفية؟ لا، لا يمكن أن نتصورها ولا أن نبين هذه الكيفية؛ لأن هذا مجهول، هذا مجهول لنا، ولا يمكننا الإحاطة به.

ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

أولًا: إعراب الآية:

﴿اذْكُرُونِي﴾: فعل أمر؟ فيها نون الوقاية وياء المفعول به وواو الفاعل، كم من كلمة صارت؟ أربع كلمات: فعل أمر، والواو فاعل، نون وقاية، ياء مفعول، هذا فعل أمر جوابُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، لماذا سُكِّنَ الفعل؟ لأنه كان جوابا للأمر، وهو قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، فقوله تعالى: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يعني: عمل وجزاء، العمل: ذكر الله عز وجل، والجزاء: ذكر الله لعبده، أيُّهما أعظم؟ معلوم الأخير، يعني كون الله يذكرُك أعظمُ من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران ٣١] تحبوا الله

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا هو الغاية، الغاية والقصد أن الله يحبك، ما هو أن تحب الله؛ ولهذا لم يأتِ الجواب على الوجه المتوقع، الوجه المتوقع: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبوا الله، لكن الجواب: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن الشأن كلَّ الشأن أن يحبك الله، هنا ﴿اذْكُرُونِي﴾ هذا ذكر الإنسان لربه، لكن الشأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ فعل أمر، وبماذا يكون ذكرُ الله؟ يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، الأصل: ذكر القلب «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وذكرُ الله باللسان أو بالجوارح بدون القلب هو قصور، ما هو ذكر، الحقيقة أن الذكر ذكر الله تعالى بالقلب، وكيف أذكره بالقلب؟ أذكره بالقلب أن الإنسان بقلبه ينيب إلى الله، ويتوكل عليه ويرجوه ويخافه ويستحضر حُبَّه وعظمته وغير ذلك، وهذا أمر لازم للإنسان، كذلك أيضًا الإنسان يشاهد في الكون أشياء كلها من آيات الله، يشاهد الشمس بعظمتها وانتظامها وطلوعها وغروبها، كذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الليل والنهار والأحوال ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] إلى غير ذلك، نستدل بهذه الأشياء على من؟ على من دبَّر هذه الأشياء وخلق هذه الأشياء، وكل شيء منها له دلالة خاصة، منها ما يدل على العظمة، ومنها ما يدل على قوة السلطان، ومنها ما يدل على الحكمة، وكلُّها حكمة لكن بعضها أخص من بعض في الدلالة، هذا ذكر القلب بالمحبة والتعظيم والإنابة والخوف والرجاء والتفكر.. إلى غير ذلك.

ذكرُ الله باللسان يشمل الذكر المعروف مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر، وما أشبه ذلك، ويشمل قراءة القرآن، ويشمل الدعاء، ويشمل كلَّ قول يقرِّب إلى الله عز وجل؛ لأن كل قول يقرب إلى الله فهو من الطاعة، والطاعة مأمور بها، وفاعل الطاعة يستشعر أنه يفعلها لأي شيء؟ طاعةً لله وتقرُّبًا إليه، إذن فيكون هذا ذكر، يكون هذا ذكر الله عز وجل، وإذا جعلنا الذكر بهذا المعنى العام أمكن للإنسان أن يجعل جميع أقواله ذكرا لله إذا وفق؛ ولهذا ممكن أن تكون عادة الذاكرين عبادة، وأن تكون عبادة الغافلين عادة، كل هذا من أجل النية، يكون الذكر بالجوارح، كيف الذكر بالجوارح؟ القيام بالصلاة والركوع والسجود، والجهاد، والزكاة، كلُّها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعا لله، وحينئذ تكون ذاكرا لله في هذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥] قال بعض العلماء: ولما تضمنته من ذكر الله أكبر، وهذا أحد القولين في هذه الآية.

* طالب: (...).

* الشيخ: هذه المسألة يجب أن نعرف المعاني إذا قرنت مع غيرها فُسِّرت بخاصة، وعند الإطلاق تشمل، مثلا: عندنا الفقير والمسكين إذا قُرنا فُسر كلُّ واحد بما يختص به، البر والتقوى إذا قرنا جميعا فسر كل واحد بما يختص بها، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر، فالذكر عند الإطلاق، أما إذا قال مثلا: هذا الرجل قرأ القرآن وذكر الله، يكون هنا قراءة القرآن خاصة والذكر خاص.

وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ هل هي من صفات الله؟ وهل هي من الذاتية؟ وهل هي من الإيجابية أو السلبية؟ الجواب عن الأول من صفات الله ولّا لا؟ من صفات الله، وعن الثاني هل هي ذاتية أو فعلية؟ فعلية، وعن الثالث إيجابية أو سلبية؟ إيجابية كذا.

وقوله: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ هنا مطلق، ولكن يتبين من صيغة الأمر والجزاء أن يكون الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ﴾ فاذكروني، بفتح الياء؛ يعني ياء المتكلم، يجوز إسكانها وفتحها وحذفُها تخفيفًا، لكنها في القرآن تتوقف على السماع، إنما من حيث اللغة العربية يجوز فيها الفتح والإسكان وأيش بعد؟ والحذف، لكن بالنسبة للقرآن تتوقف على السماع، وهنا فيها قراءة ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.

وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ﴿اشْكُرُوا﴾ فعل أمر من شَكَرَ، وقد اختلف أهل العلم بالعربية هل ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ هي اشكروني أو غيرها؟ فقال بعضهم: إنها هي هي، وأنَّ شَكَرَ تتعدى بنفسها وتتعدى باللام، فيقال: شكرَهُ، ويقال: شكرَ له. وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها وأن شكر تتعدى بنفسها دائما، وأن المفعول هنا في نحو ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ محذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك، والخلاف في هذا لا يترتب عليه كبيرُ فائدة؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد بهذا الأمر القيامُ بشكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيِه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، خدوا بالكم، فسببه أخص من سبب الحمد، ومتعلَّقُه أعم من متعلَّقِ الحمد، أرجو أن تنتبهوا، الحمد يكون باللسان لكن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، فإذا كان سببه إنعام المحمود كان من الشكر، أعني الحمد، أما الشكر؛ فإن سببه واحد، ما هو؟

* طالب: النعمة.

* الشيخ: النعمة، نعمة المشكور، أما متعلَّقُه فثلاثة: يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح، خذوا بالكم من الفرق بين الحمد والشكر، أكثر الناس ما يعرفون الفرق بينهما، فيختلفان إذن من حيث السبب، ويختلفان من حيث المتعلَّق، سبب الحمد أيش قلنا؟ كمال المحمود وإحسان المحمود، فالله جل وعلا يُحمد على كماله وعلى إنعامه، وسبب الشكر؟ النعمة، نعمة المشكور، أما المتعلق؛ فالحمد يكون باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وعليه قول الشاعر:

أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا

فـ(يدي): هذا الشكر للجوارح، (لساني): باللسان يعني القول، و(الضمير المحجَّبَ): القلب.

ما هو الشكر بالقلب؟ الشكر بالقلب أن يُقِرَّ الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عز وجل، فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي في جامعه (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس.]]، فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله، أحب الله؛ لأن النفوس مجبولة على محبة مَن يحسن إليها، هذا تعلُّق الشكر بالقلب، تعلقه باللسان التحدث بنعمة الله لا افتخارا بل شكرا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، وقال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة، والترمذي في جامعه (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد، واللفظ له.]]. أما الشكر بالجوارح؛ فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جُعلت له، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له، فإن هذا من شكر النعمة.

وقوله تعالى: ﴿اشْكُرُوا لِي﴾ على القول بأن شَكَرَ تتعدى بنفسها أو اللام، لا إشكال في الموضوع؛ لأن المعنى: اشكروا لي واشكروني واحد، أما على القول الثاني: أن شَكَرَ تتعدى بنفسها فاللام هنا للإخلاص؛ يعني اشكروا لي لا لغيري، فيكون هنا بيان المشكور له وهو الله عز وجل؛ لأنه هو أهل الشكر.

وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أصله: لو قال قائل: كيف ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (لا) ناهية وهنا جاءت النون مع أنها من الأفعال الخمسة؟ فالجواب: أن النون هنا للوقاية وليست نون الإعراب، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ولّا ﴿يَسْتَعْجِلُونِ﴾؟ يستعجلونِ، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠] فالنون هنا للوقاية، وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تجحدوني أو تجحدوا نعمتي، بل قوموا بشكرها وإعلانها وإظهارها؛ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمةً فإنه يحب منه أن يُرى أثرُ نعمته عليه، إذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه؛ أولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفا بعلمه يقوم ويعمل بما علم. الثاني: من ظهور العلم بالتعليم، يعلِّم الناس ما استطاع، وليس بلازم أن يعلِّمَه في حلقات، قد يعلِّمُ شخصا يصلي إلى جنبه فيخل بأمر من الأمور في الصلاة فيُعَلِّمُهُ، هذا من طرق التعليم. الثالث: من آثار نعمة العلم: أن يدعو الإنسان إلى الله على بصيرة، أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم بالدعوة إلى الله يتكلم بقدر ما يستطيع، حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى عزيمة مثلًا ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم، وكان بعض أهل العلم في مسألة فهو فيما حضر، بعض الناس من أهل العلم يكون معه كتاب إما معه بنفسه أو مع أحد من تلاميذه، فيقرأ الكتاب على الحاضرين ويستفيد ويفيد، وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا وصاروا يترقبونه منه، أما إذا لم يعودهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده، سؤالٍ مثلا حتى ينفتح المجال للناس ويسألون وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها، وهذا لا شك أنه نقص وإن كانوا قد لا يأثمون، لكنه نقص، فالذي ينبغي لطالب العلم حتى وإن لم يُسأل أن يورد هو سؤالًا؛ لأجل أن يفتح الباب للحاضرين فيسألوه، «وقد جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها وقال النبي عليه الصلاة والسلام:«هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنه هو عَلَّمَ جبريل، الذي يجيب مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا جعله معلما؟ لماذا جعله معلما، وهو يسأل؟

* طالب: لأنه صدقه.

* الشيخ: لا.

* طالب: لأنه سأله وبسبب سؤاله..

* الشيخ: صار العلم، نعم؛ لأنه تسبَّبَ لهذا العلم، المهم أننا نقول: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إنه من كفر النعمة أن لا يظهر أثرُها على من أنعم الله عليه، فإنه ينبغي للإنسان ألَّا يسترها؛ لأن الكفر في الأصل هذه المادة (كاف، فاء، راء)، وأيش أصلها في اللغة؟ الستر، ومنه الكُفُرَّى اللي يسميه العوام: الكافور، حق النخل؛ لأنه يستر الثمرة، فالإنسان الذي لا يُرى عليه أثر النعمة فهو في الحقيقة ما أظهرها بل جحدها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском