Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:150–153, continued
* الشيخ: مجلدات عظيمة لا يستطاع حفظه، وتمل تلاوته، ويشق على الناس التزامه، لكن جعل هذه الأمور لها أصولًا ثم جعل فروعها، الأمور الكونية خاصة، الأمور الشرعية إلى الله ورسوله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] لكن الأمور الكونية وُكلت للإنسان، ذُكرت الأصول والتوجيهات العامة، ثم قيل للإنسان: اعمل، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]. فتحت لنا الأبواب وعلينا أن نعمل.
والحاصل أن قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وأنا لو أورد عليَّ إنسان وقال: طيب وأيش يدرينا الآن على علم الكيمياء هو موجود بالقرآن؟ نعم، نقول: الأصول موجودة، لكن التفاصيل موكولة إلى تجارب الناس؛ لأن هذا الحكمة تقتضيه.
ثم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢].
* يستفاد من هذه الآية: وجوب ذكر الله، من أين نأخذها؟
* طالب: من الأمر.
* الشيخ: من الأمر، نعم ووجوب ذكر الله، مطلق الذِّكر واجب، يجب على كل إنسان أن يذكر ربه، بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله يكون عليه تِرة خسارة وحسرة يوم القيامة، فأنت مأمور بذكر الله، لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام، وإلى واجب ومن واجباته، وإلى سنة من سننه بحسب ما تقتضيه الشريعة التفصيلية، إنما مطلق الذكر وأيش حكمه؟
* طالب: واجب.
* الشيخ: واجب ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن من ذكر الله ذكره الله، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب الأمر، جواب الأمر، ولهذا جُزمت، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، فهمتم؟
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله للعبد كذكر العبد لله، أي أنه إذا ذكر الإنسان ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، من أين نأخذها؟
* الطلبة: من الحديث.
* الشيخ: لا، ما هو من الحديث من الآية.
* طالب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
* الشيخ: وأيش وجهه أنه إن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه، وإن ذكره في نفسه ذكره في نفسه؟
* الطالب: الحديث؟
* الشيخ: لا ما نبغي الحديث، نبغي من الآية؟
* الطالب: لأن ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لله.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ ولم يفصل.
* طالب: شيخ؛ لأنه قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ وأذكركم جزاء، والجزاء موافق للعمل.
* الشيخ: صح؛ لأن ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾ وجزاء، والجزاء مرتب على العمل يكون من جنسه، فإذا كان الله عز وجل جعل العقوبة بقدر الذنب فالمثوبة أيضًا بقدر العمل، فوجه الدلالة؛ أنه جعل قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جوابًا على قوله: ﴿اذْكُرُونِي﴾، والجواب والجزاء يقتضي أن يكونا متساويين، بمعنى أن هذا على وصف هذا.
* ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر، هذه الفائدة الثالثة أظن؟
فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد، وذكر الله للعبد هذا أمر يعني له شأن كبير، شأن عظيم ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: نضرب مثل: هذا إنسان قدم عليه رجل من السفر ولما سلم عليه قال: والله الملك يسأل عنك، وأيش يصير هذا الذي قيل له: الملك يسأل عنك؟ وأيش يصير؟ يفرح؟
* الطلبة: أكيد.
* الشيخ: ما شاء الله (...) يفرح، أنا أنا يذكرني الملك؟! عاد ملك الملوك إذا ذكرك وأيش يكون المنزلة؟ أعظم وأعظم ما يخطر بالبال، ولهذا تكلمنا قبل يعني مرارًا أنه ليس الشأن بأن تذكر الله أو بأن تحب الله، ولكن الشأن أن يذكرك الله، اللهم اذكرنا فيمن عندك.
الشأن أن يذكرك الله عز وجل، وأن يحبك الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] فجعل الجواب ما قال اتبعوني تصدقوا في دعواكم قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ يعني تناله أن الله يحبكم.
* ومن فوائد الآية: وجوب الشكر لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وبالمقابل تحريم الكفر، كفر النعمة بأن تُصرف في غير وجهها، فيستعان بها على معصية الله، أو تُمتهن وتذل، ولا تستعمل فيما خلقت له، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يسوق بقرة، نسيت هل هو راكبها أو غير راكبها، المهم أنها التفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا لم نخلق لهذا[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة. ]]، فالنعمة إذا صرفت في غير ما خُلقت له فهو نوع من الكفر، خلق الله لنا الطعام لنأكله، فإذا ألقيناه في المزابل كأننا قلنا: ما نبغي فضل الله، في غنى عنه، نسأل الله العافية، فالنعمة إذن شكرها أن تصرف في طاعة المنعِم وفيما أنعم به، وفي الجهة التي أنعم الله بها علينا من أجلها.
وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ يستفاد منه تحريم كفر النعمة لقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وعندي إشكال من الناحية الإعرابية لأننا ما تكلمنا وقت التفسير، وهي أنه كيف كسرت نون الأفعال الخمسة مع أن نون الأفعال الخمسة مفتوحة، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١١، ١٢] وهنا قال: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؟
* طالب: الياء محذوفة (...).
* الشيخ: لا ما هي موجودة يا أخي.
* طالب: الياء الياء.
* طالب آخر: (...) أصلها (...) الوقاية.
* الشيخ: أصلها أيش؟
* الطالب: لا تكفروني.
* الشيخ: طيب هذه ﴿تكفرونِ﴾.
* طالب: حذفت الياء في تكفرون.
* طالب: نون وقاية وليست نون الرفع.
* الشيخ: إيه، بس ما ترون؟
* طالب: هذه نون الوقاية (...).
* الشيخ: إي، هذه نون الوقاية، النون هذه للوقاية وليست نون الفعل؛ يعني نون الرفع، وأصلها لو لم تكن مجزومة، هي جُزمت وحذفت النون للجزم، لو لم تُجزم لكانت تكفرونني، نعم ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: تكفرونني لما جُزمت حذفت النون فصارت تكفروني، وأين الياء؟
* الطالب: حُذفت لتوالي.
* طالب: حذفت للترخيم.
* الشيخ: حذفت لا للترخيم بل للتخفيف، حذفت للتخفيف، الترخيم في الندا فقط.
إذن الفعل هنا مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية، والياء ياء المتكلم محذوفة للتخفيف.
* من فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص، من أين تؤخذ؟
من قوله: ﴿لِي﴾ ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يعني مخلصين لله عز وجل؛ لأن الشكر طاعة، والطاعة لا بد فيها من الإخلاص ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠].
* طالب: في الآية تقرر أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه؟
* الشيخ: إي نعم، فيها أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه إي نعم. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في هذا دليل على فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان، من أين يؤخذ؟ من قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا شك أن الإيمان من أفضل أوصاف الإنسان، وكذلك عبودية الله عز وجل- ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين- من أشرف أوصاف الإنسان، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته يقول:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَاعَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
يقول: لا تقولي: يا محمد، يا علي، يا خالد، تقولي: يا عبد فلانة؛ فإنه أشرف أسمائي. ولهذا وصف الله نبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف المقامات عند الرسالة، وعند التحدي، وعند النصرة؛ المهم المقامات الشريفة.
* ومن فوائد الآية: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة لقوله ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة ١٥٣].
* ومن فوائد الآية: بيان آثار الصلاة الحميدة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين على الأمور.
* ومن فوائد الآية: جواز الاستعانة بغير الله فيما يكون عونًا فيه لقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فاستعانة العبادة لله عز وجل والاستعانة بما يكون سببًا للعون، سببًا صحيحًا للعون هي جائزة أيضًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان لقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ فإن توجيه الخطاب للمؤمنين يدل على أن هذا من مقتضى الإيمان، مثل أن تقول: يا رجل انتبه؛ المعنى أن من صفات الرجولة، أو من مقتضيات الرجولة الانتباه، وتقول: يا كريم، أعطِ المسكين، ومن مقتضى الكرم إعطاء المساكين، فمن مقتضى الإيمان أن الإنسان إذا حصل عليه ضيق أن يستعين بالصلاة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر أوْ لا؟ لأنه يعين على الأمور، والصبر ثقيل على النفس ثقيل جدًّا؛ لأنه مثلًا تجد الإنسان إذا أصابه شيء أو ضيق وده بس يتحرك، لكن عندما يطمئن نفسه يصبرها يصبر والعاقبة للمتقين، ولهذا قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] ما قال فاشكر مع إن هذا علم، تلاه الله عليه لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ لأيش قال فاصبر وهو علم يستحق الشكر؟
هذا إشارة إلى إن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازعه ويضاده، ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣] بعدها ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان ٢٣] فستجد معارضة وممانعة عظيمة، ولكن لا تطع آثمًا ولا كفورًا، واضح يا جماعة؟
إذن الصبر شاق على النفوس لكن يجب على الإنسان يصبر لو قالت له نفسه الأمارة بالسوء والعجلة: افعل تخلص، لا اصبر، ولهذا من لم يفق للصبر فاته خير كثير، والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج، الغالب أن اللي يصبر ولا سيما بإخلاص وحسن نية فإنه ينتظر الفرج، وانتظار الفرج عبادة وباب للفرج لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]، مثلًا رجل أُصيب بحادث في ماله، تعب تعبًا عظيمًا نفسيًّا، لكنه صبر ينتظر الفرج، وما أسرع الفرج! إنسان مثلًا آذاه شخص آذاه؛ إما بماله، أو بعرضه، أو بأهله، المهم أنه آذاه فتجده يصبر ويتحمل وينتظر الفرج فيحصل له، واضح؟
فإذن الصبر من أكبر الأسباب على العون على الأمور الشاقة ولهذا يقولون: إن الصبر مفتاح الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جعله مفتاح الفرج، جعل الكرب مفتاح الفرج، ولكن جعل الصبر مفتاح النصر، وهو أعظم من الفرج؛ لأن الفرج زوال مكروه فقط، لكن النصر حصول مطلوب؛ وهو أعلى لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ» أعظم من قول بعضهم: الصبر مفتاح الفرج.
إذن الصبر واجب ولَّا لا؟ نقول: الاستعانة به على الأمور أرشد الله إليها.
وهو واجب في دفع المصائب، يجب أن تصبر على المصائب، وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب له مقامات كم؟ كم مقامات الإنسان عند المصائب؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: أو أربع؟ أربع ابدؤوا باللي تعرفونه الأول؟
* طالب: الصبر على طاعة الله.
* الشيخ: لا لا، هذه مواضع الصبر، لكن مقامات الإنسان عند المصائب عند المصيبة خاصة له مقامات أربعة: جزَع، وصبر، ورضا، وشكر، هذه مقامات الإنسان عند المصائب، كل إنسان يُصاب بمصيبة لا بد أن يحصله أحد المقامات الأربعة؛ إما جزع وتسخط، وإما صبر، وهو واجب، وإما رضا؛ وهو على القول الراجح مستحب وليس بواجب، وإما شكر وهو أعلى من الرضا وهو مستحب وليس بواجب بالاتفاق، فالجزع حرام، والصبر واجب بالاتفاق، والرضا واجب على قول ومستحب على القول الراجح، والشكر مستحب بالاتفاق فيما أعلم (...).
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] أيش المراد بالمعية هنا؟
* الطلبة: الطمأنة.
* الشيخ: التهديد؛ يعنى معناه أنها مقتضية للتهديد؛ فهو شيء فوق الإحاطة؛ التهديد شيء فوق الإحاطة كما أن التأييد والنصر فوق الإحاطة؛ لأن الإحاطة ثابتة في الجميع.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] هذه معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته.
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩] وما أشبهها؛ هذه معية خاصة، والمعية الخاصة أيضًا قسمان: معية مضافة إلى شخص، ومعية مضافة إلى وصف؛ المعية المضافة إلى شخص كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
وبإجماع السلف أن المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى في الأرض، بل هي معية تقتضي العلم والإحاطة أو النصر والتأييد أو التهديد كما سبق، لكن مع كون الله عز وجل في السماء على عرشه.
وما زعم أحد أنها تقتضي أن يكون في الأرض إلا رجل جاهل بالله وجاهل باللغة العربية.
أما جهله بالله فلأنه فهم من هذه الآية الكريمة ما يقتضي الكفر، ومحال أن يكون كلام الله عز وجل دالًّا على الكفر، وأيضًا إذا قال: إن الله في الأرض؛ لأن الذين قالوا: إن الله في الأرض، وفهموا منه هذا الفهم انقسموا إلى قسمين: الجهمية قالوا: إنه في الأرض وليس في السماء، أنكروا علوه، وهذا من الدليل على ارتكاسهم والعياذ بالله؛ حيث أقروا بما ينكره العقل، وأنكروا ما يقتضيه العقل، اقتضاء العقل لكون الله تعالى في الأرض أو كونه في السماء؟ أيهما أقوى؟
* الطلبة: في السماء.
* الشيخ: كونه في السماء، وهم إذا قالوا: نأخذ بظاهر الآيتين، نقول: ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] ليس كما زعمتم أنه في الأرض، فإنها أضيفت المعية إلى من؟ إلى الله فتقتضي أن تكون معية خاصة به تليق به.
ثانيًا: جهلهم باللغة العربية: هل اللغة العربية تقتضي أن المعية معناها المجامعة والمشاركة في المكان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قصدي هي ما تستلزم ذلك، هي قد تقتضي، لكن لا تستلزم ذلك، ولهذا نقول: مثلًا هذا الرجل معه زوجته وهو في مكتبه وهي في بيتها، ويصح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في غزة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ». قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس.]]. فهذا دليل على أن المعية في اللغة العربية لا تقتضي المجامعة والمشاركة في المكان، قصدي لا تستلزم ذلك فلما لم تستلزمه، وعُلم أن هذا المعنى باطل بالنسبة إلى الله تعين أن يكون معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه محيط بنا وهو في السماء على العرش، ولا عاقل يفهم حتى العجوز في خدر بيتها ما تفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الجهمية. وتحذلقت طائفة من الحلولية وقالوا: نحن نأخذ بظاهر القرآن في الموضوعين ونقول: إن الله معنا في الأرض وهو على عرشه في السماء، وهل هذا ممكن؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، غير ممكن؛ لأننا لو قلنا: إن ظاهر الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ في الأرض أن يكون معنا في الأرض لكان إما متعددًا وإما متجزئًا، وكلاهما باطل، فتعين أن يكون إما في الأرض، وإما في السماء فالتزمت الجهمية الضالة أن يكون في الأرض دون السماء، ولكن أهل السنة والجماعة التزموا ما دل عليه السمع والعقل والفطرة بأن الله تعالى في السماء، وأن معنى المعية التي أضافها إلى نفسه معنى يختص به ولا يقتضي المجامعة في المكان بأي حال من الأحوال.
وأنه درجة ينبغي للإنسان ملازمتها لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣] فإن الإنسان إذا علم أن الله معه لا شك أنه سوف ينشط على هذا المقام ويحرص عليه، ليس كما إذا لم يعلم بذلك، إذا علمت أن الله معك لا شك أنك سوف تبقى على هذه المرتبة وتحرص عليها، وكون الإنسان يكون الله تعالى معه مسددًا له ومؤيدًا له ومصبرًا له لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ الآن الصبيان بعضهم مع بعض إذا واحد غاضَب الثاني ثم رأوا ثالثًا يقول الواحد منهما: أنت معي ولا معه؟ إذا قال: أنا معك؛ يفرح. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم يتناضلون قال: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ» وأيش سوَّى مع الجماعة الآخرين قالوا: يا رسول الله، إذا كنت معهم خلاص ما نناضلهم. فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع.]] عليه الصلاة والسلام، فإذا علم الإنسان الصابر أن الله معه يسدده ويؤيده ويصبِّره علم أنه سيفتح له باب النصر وأنه سوف يزيل عنه هذا الأمر الذي اقتضى أن يتحمل الصبر وقد قيل:
الصبر مثل اسمه.
* الطالب: مُرّ مذاقته.
* الشيخ: مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاصبر وستجد.
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
مثل اسمه وأيش هو اسمه؟
* الطلبة: صبر.
* الشيخ: لا، اسم الصبر، الصبر الطبيعي فيه شيء يُسمى صبر (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences