Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:172–174
2:172–174Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢].
* أولًا: تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادَى، وكل من دعي إلى شيء بأداة تقتضي الانتباه فهو دليل على أهمية هذا المدعو إليه. وأيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النداء بوصف الإيمان له فوائد:
* منها: أن المأمور به من مقتضيات الإيمان.
* ومنها: أن مخالفته نقص في الإيمان واضح؟
* ومن فوائده أيضًا: التصدير بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإغراء، إغراؤهم بأن يمتثلوا؛ لأن الإنسان إذا ذُكر بوصف يقتضي الامتثال فإنه يغريه مثل أن أقول: يا أيها الكريم، قد نزلت بك ضيفًا؛ معناه أني أغريه بهذا اللفظ، وأيش أغريه؟
* الطلبة: على أن يكرمني.
* الشيخ: على أن يكرمني إي نعم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وهل هو للوجوب أو للإباحة أو للندب؟ قلنا: إنه صالح لها كما سبق في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ يكون للوجوب إذا توقفت عليه الحياة، أو لا؟ إذا صار الإنسان إذا لم يأكل مات ولا تضرر؟ فهنا يكون الأمر للوجوب، يجب عليه أنه يأكل، ويكون للإباحة كما هو الأصل، ويكون للندب إذا ترتب عليه فائدة شرعية مثل: السحور للصائم، والفطور للصائم، وأكل الإنسان مع ضيفه تأنيسًا وما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أيش؟ مستحبًّا، ويكون الإباحة فيما عدا ذلك، فقوله: ﴿كُلُوا﴾ يعني معناه أنه أن هذا شيء مباح لكم.
فإذا قال قائل: إذا جعلتم الأمر هنا للوجوب والاستحباب والإباحة معناه أنكم استعملتم كلمة واحدة في عدة معانٍ وهو ما يُعبر عنه باستعمال المشترك في جميع معانيه. قلنا: نعم، نحن نرى ذلك أن استعمال المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد جائز وما المانع منه؟ إذا كان اللفظ صالحًا لها ولا تنافر بينها، فما المانع من أن نحمله على كل المعاني كما أننا نحمل العام بالاتفاق على جميع أفراده؟
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه هي للتبعيض ولا لبيان الجنس؟
* الطلبة: لبيان الجنس.
* الشيخ: الظاهر أنها لبيان الجنس حتى يأكل الإنسان مما شاء.
وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، الطيب الحلال، وقيل: المستلذ، مثل ما تقول: هذا طعام طيب، وهذا طعام خبيث؛ يعني ردي فهمتم؟
قيل: إن المراد بالطيب الحلال، وقيل: المراد بالطيب المستلذ والمستطاب، فعلى القول الأول يتبين من الآية أن الرزق يشمل الحلال وأيش بعد؟ والحرام، وأن من عاش على محرم فإنه يقال: إنه مرزوق، ولكن الرزق المأمور به هو الحلال، وهذا هو الأصح، ولهذا قال السفّاريني في عقيدته:
وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ ∗∗∗ أوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ
وعلل ذلك بأنه رازق كل الخلق، وليس مخلوق بغير رازق، ومعلوم أن من الخلق من رزقه حرام ولَّا لا؟ فلا يمكن أن تقول: هذا الإنسان الذي يعيش ويأكل ويشرب إنه غير مرزوق، إذن الطيبات يكون المراد: المستلذ والمستطاب، أو أنه الحلال من الحلال الذي رزقناكم، ويكون فيه دليل على أن الرزق يكون حلالًا ويكون حرامًا لكن المأمور به الحلال.
وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: أعطينكم؛ فالرزق العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨].
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ اشكروا، ما معنى الشكر؟ الشكر في اللغة: الثناء، وفي الشرع: القيام بطاعة المنعِم، هذا الشكر؛ القيام بطاعة المنعم، ومنها -أي من طاعة المنعِم- استعمال النعمة فيما خُلقت له، فإن هذا من شكر الله.
وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ كلمة اشكروا هذا الفعل يتعدَّى باللام، ويتعدى بنفسه فيقال: شكرته، وشكرت له، فإذا كانت اللام للتعدية فليس لها معنى.
وقوله: ﴿اشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ لما أمر بالأكل أمر بالشكر، وأكثر الناس امتثل الأمر الأول وترك الثاني، أكل من طيبات ما رُزق، لكن لم يشكر لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
قال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة ١٧٢] ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ هذه (إن) شرطية و(كان) فعل الشرط و(التاء) اسم كان، و(إيا) خبر كان منصوب بها.
* الطلبة: لا ليس خبر كان.
* الشيخ: ليس خبر كان؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ ما هي (إيا) ضمير منفصل من ضمائر النصب و(التاء) اسم كان تبقى هذه خبر كان يجوز ولَّا ما يجوز؟
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز قطعًا، إذا قلنا: إن كنتم إياه معناها كأنكم أنتم الله، وهذا معلوم فاسد المعنى، إذن ﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مقدم أو لا؟ مثل: (إياك نعبد) مفعول مقدم، و﴿تَعْبُدُونَ﴾ جملتها خبر كان، وأين جواب الشرط؟
قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، وهو الصحيح، وقيل: إن جوابه محذوف يفسره ما قبله، والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يعني إن كنتم مخلصين له في العبادة، والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه مأخوذة من قولهم: طريق معبد أيش معنى معبد؟
* الطلبة: مذلل.
* الشيخ: مذلل للسالكين، وهو إلى الآن معروف عندنا الطريق هذا معبد ولَّا لا؟ إلى الآن موجود بهذا المعنى؛ يعني إن كنتم تتذللون له حقًّا فكلوا من رزقه واشكروا له، ولا تكونوا كالذين لا يشكرون أو كالذين يحرمون بعض الرزق، مثل في الجاهلية يحرمون أشياء يقول: هذه حرام؛ فالذي يحرم بعض الأطعمة أو بعض الأشربة بدون دليل يكون مشابهًا لأهل الجاهلية الذين حرَّموا أشياء بدون دليل؛ مثل البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام وما في بطون الأنعام قالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن ظهر ميت فهم فيه شركاء، وإن يك ميتة فهم فيه شركاء، هذا من الجهل.
* طالب: إن كان شكك يا شيخ؟
* الشيخ: إن شُكّك فالأصل الأصل حِل، وبهذه المناسبة نُشر ها النشرة وزعت عند الناس عن رابطة العالم الإسلامي إن هذا الجبن جبن البقرة الضاحكة، هي ما هي تضحك، على كلامهم!
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أدري، لا، الظاهر أنها مكتوب عليها الضاحكة.
* طالب: الضاحكة.
* الشيخ: كذلك (الكيري) أظن وبعض الصابون (الكامي) المهم عد كاتبين لهم بيان، قالوا: إن هذا حرام، وبما أن الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- هو رئيس الرابطة في اجتماعاتها، اتصلت به وسألته قال: والله ما أدري، لكن هم كاتبين للرابطة نسألها عن هذا من أين جاءهم هذا الخبر وكاتبين كذلك لوزارة التجارة، وهم بانتظار الجواب، ولا يُستبعد أن هذا من بعض الشركات؛ لأن ترى بعض الشركات تروج إذا شافت أن هذا الشيء ناجح جعلت فيه عِلّة علشان تنفر الناس منه، يجوز أن هناك مثلًا شركات أخرى تزاحم شركة الأجبان هذه، وقالت: والله هذه لها شهرة عالمية وصار الناس يأخذون منها إذن بنحط بيها بلاء، والله أعلم، الآن ولا كثر السؤال عنه ها الأيام جدًّا كثر عنه السؤال، قلنا: والله إحنا ما عندنا علم وأنتم كلوا حتى يتبين التحريم، وإحنا الآن بعد بانتظار جواب الشيخ إن شاء الله تعالى ونشوف هذا، يمكن بعدين أنه يكتب بالصحف هذا الشيء.
* طالب: يعني مثلًا ترك هذه الأشياء يعني أن يشك فيها الإنسان، تركها للتورع ما هو أفضل يا شيخ حتى يتبين له؟
* الشيخ: يا أخي ما.
* طالب: الحديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٨) من حديث الحسن بن علي.]].
* الشيخ: إي، بس هي مشكلة الآن، ما هناك شبهة يعني على أصل، ما هناك شبهة على أصل، كذلك الاشتباه في مسألة الوارد من الخارج من المذكيات أيضًا صار فيه اشتباه وكلام كثير، هذا نعم حيث إن الأصل بالذبائح التحريم هذه قد نقول: إن الأحسن تركها، والحمد لله الشيء اللي ما فيها شبهة كثيرة سواه، لكن الأجبان وشبهه وأيش الأصل فيها؟
* طالب: الحل.
* الشيخ: الحل، وأن لو كانت من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو اللي هي الأصل فيه الحل حتى يتبين التحريم.
* طالب: قالوا فيه إن شركة (...) قبل خمس سنين أو سبع السنين أعلنت أنها تحط فيه لحم الخنزير أو شحم الخنزير، إن هي يقولون يعني؟
* الشيخ: على كل حال يشاف ها الحين، وإحنا إن شاء الله في انتظار الجواب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٢، ١٧٣] لأنه أمر بالأكل من الطيبات، واعلم قبل أن نتعدى الآية أن هذا الذي أُمرنا به -نحن المؤمنين والحمد لله- أُمر به الرسل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة]].
وبهذا المعنى، أو بهذا الحديث يتبين لنا معنى الشكر تمامًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قارن بين الآيتين، وفي آية الرسل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فدل على أن الشكر الذي أُمر به المؤمنون هو العمل الصالح.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر أيش؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فالتحريم محصور في هذه الأشياء، ومعنى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ يعني ما حرم عليكم إلا الميتة، ما حرم إلا الميتة.
﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ التحريم بمعنى المنع، ومعنى (حرم عليكم) أي: منعكم.
وقوله: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وأيش معنى حرمها علينا؟ حرمها علينا أن ننظر إليها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، حرم علينا الأكل، ما الدليل على أن المراد تحريم الأكل؟ الدليل الآية التي قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ فكأنه قال: كلوا، ثم استثنى، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾.
الميتة وأيش هي الميتة؟
الميتة في اللغة: ما مات حتف أنفه؛ يعني بغير فعل منه، مات حتف أنفه يعني بغير فعل منه، أصيبت البهيمة بمرض فماتت، سقطت من عالٍ فماتت وما أشبه ذلك.
أما في الشرع: فالميتة ما مات بغير ذكاة شرعية، وهذا مما كان فيه الاصطلاح أعم من اللغة، وهو قليل كما سبق، الأكثر أن الاصطلاح أخص من اللغة، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الميتة شرعًا: ما مات بغير ذكاة شرعية فيشمل ما مات حتف أنفه يسمى ميتة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما ذُكّي ولم يُظهر الدم يسمى ميتة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما ذُكِّي ولم يسمَّ عليها اسم الله؟
* الطلبة: ميتة.
* الشيخ: ميتة، ما ذكَّاه غير يهودي ونصراني ومسلم؟
* الطلبة: ميتة.
* الشيخ: ميتة مع أنه مُذكّى، فإذن الميتة في الشرع: ما ذُكِّي بغير ذكاة شرعية.
وقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ (أل) هنا للعموم؛ يعني إذا صارت (أل) للعموم معناه أنك لو نزعتها ووضعت بدلها (كل) استقام الكلام، فهنا لو نزعت (أل) وجاءت (كل) يصح، إنما حرم عليكم كل ميتة، هل هذه الآية على عمومها؟ الجواب لا، ورد في الشرع ما يخصصها كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤) من حديث ابن عمر. ]]. إذن يُستثنى من ذلك أيش؟ الجراد والحوت، الجراد معروف، والحوت كل سمك البحر صغاره وكباره على حد سواء فميتته حلال كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ما هو الدليل على هذا الاستثناء من هذا العموم؟
الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صَيْدُ الْبَحْرِ مَا أُخِذَ حَيًّا وَطعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا »[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٥٥) من حديث بن عباس]]. هذا من القرآن ومن السنة قبل قليل قرأناها عليكم؛ حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»[[سبق تخريجه.]] هذه واحدة. يستثنى من هذا ميتة الآدمي؟
* الطلبة: لا (...) هناك فرق.
* الشيخ: أو هذا في مسألة النجاسة؟ في مسألة النجاسة، أما طبعًا الحل، لا، ما يستثنى إلا الجراد والحوت.
هل يعم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ جميع وجوه الانتفاع بحيث لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب ولا شعر ولا غير ذلك؟
* الطلبة: ظاهرها لا.
* الشيخ: بس السياق يدل على أن المراد الأكل، ولهذا جاء في البخاري: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس. ]] إنما حرم أكلها، ولهذا لو أنه انتُفع بها في غير الأكل فهو جائز، لكن الجلد خاصة إذا دُبغ صار طاهرًا على القول الراجح، يكون طاهرًا مثل جلد غير الميتة؛ يعني لو أن شاة ماتت وأخذنا جلدها ودبغناه جاز أن نستعمله في الماء الذي نشرب، وفي اللبن، وفي الدهن، وفي العسل، وفي غير ذلك؛ لأنه يكون طاهرًا، لحمها، شحمها، عصبها يجوز أن نجعله أوتارًا يعني حبالًا يمكن نجعله حبالًا، كذلك أيضًا شحمها أن نوقد به؛ نجعله وقودًا، فإذا قال قائل: ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له حين حدث فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١ / ٧١) من حديث جابر بن عبد الله. ]] فكيف الجواب؟
الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ حَرَامٌ» يعني بيع هذه الأشياء؛ لأن الكلام وأيش هو فيه؟ في البيع: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ». ويؤيد ذلك قوله: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[سبق تخريجه.]]. وهذا ليس بأكل.
﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ يعني وحُرم عليكم الدم، والدم هنا يشمل كل دم حتى دم الآدمي؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: حتى دم الآدمي، حتى دم البعير أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حتى دم البعير؟ نعم، بقي أن يقال الدم هنا مطلق، لكنه قُيّد بآية الأنعام بكونه مسفوحًا فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥] فالمراد الدم المسفوح الذي يخرج من البهيمة قبل خروج روحها، فأما ما كان بعد خروج الروح فليس بمحرم إذا كانت مذكاة طبعًا، فما كان في المذكاة بعد خروج روحها من الدماء فهو طاهر حلال ولو جرى على الأرض، وعلى هذا فالدم الذي يكون في القلب؟
* طالب: حلال.
* الشيخ: حلال؟ دم قطع دم تأخذ بيدك حلال؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأيش.
* الطلبة: لأنه غير مسفوح.
* الشيخ: لأنه غير مسفوح، وكذلك ما يبقى في العروق والأوعية.
طالب: بعد خروج روح البهيمة (...).
* الشيخ: يمكن.
* الطالب: بس هذا حلال ولَّا لا؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما يدخل في المسألة؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: بس نفس العِلة يا شيخ؟
* الشيخ: لا، العلة ما هو اللحم الذي يخرج منه هذا الدم ما هو بحلال.
* الطالب: حلال (أيوه).
* الشيخ: هذا هو.
* الطالب: بس هذا معفو عنه للضرورة.
* الشيخ: لا، حتى هذا، أصل كل شيء يخرج بعد خروج روح المذبوح فهو طاهر.
* الطالب: ولو لعقه الإنسان حلال.
* الشيخ: إي نعم، كيف؟!
* طالب: شيخ، ما هو الاستثناء يا شيخ في قوله: «إِلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: لا ما قال: إلا الكبد والطحال، قال: «أُحِلَّ لَنَا». ولا يمنع أن يكون غيرها أيضًا حلالًا.
* طالب: لأيش يقول إحدانا الرسول (...)؟
* الشيخ: إي، لا، هذا شيء خاص، هذا أبو قتادة، لكن هذا شيء خاص.
* الطالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، هذا شيء خاص يعتبر.
﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة ١٧٣] ﴿لَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ الخنزير معروف، والمراد بلحمه: جميع أجزائه، وإنما حرم؛ لأنه رجس، هكذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
الرجس أشد من النجس، وهو شامل للنجاسة الحسية والمعنوية، ولهذا يقولون: إن الخنزير مشهور بأكل العذرة النجاسات، وأنه مشهور بعدم الغيرة أيضًا يرى الذكر ينزو على أنثاه ويدك لها يعني يكيف على هذا، ومن تغذى بشيء تأثر به؛ ولهذا الأوربيون فاقدو الغيرة، يجي صاحبه ويمشي ويّاه ويأخذ برأس زوجته فيقبلها وزوجها يشاهد، ولا كأنه قبَّل إلا ولا طفله الصغير، وسواء كان هذه العلة أو لا، لكن يكفينا قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
(...) تعالى بيّن، بل حصر التحريم في هذه الأشياء: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وسبق أنه يستثنى من الميتة؟
* الطالب: الميتة؟ ميتتان: الجراد، ميتة الجراد، والسمك.
* الشيخ: نعم، هذا باعتبار أجناس الميتات، وما الذي يستثنى من الميتة نفسها؟
* الطالب: الميتة، حينما النبي ﷺ حرم الميتة.
* الشيخ: نعم، الانتفاع بها؟ أي: الانتفاع بها فيما لا يؤثر على عبادة الإنسان لا بأس به. وأيش معنى قولنا: فيما لا يؤثر على العبادة؟ أنه لو ادهن بدهنها فإنه لا يجوز؛ لأنه يستلزم أن يتنجس بدنه وثوبه، وهذا يخل بعبادته، لكن لو استعمل الدهن أو الشحم في دهن الجلود وطلي السفن والاستصباح، فهذا لا بأس به كما تقدم، ما هو الدليل على استثناء الميتتين؟
* الطالب: الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣) من حديث ابن عمر.]].
* الشيخ: ومن القرآن؟
* الطالب: إن الله ذكرها في هذه الآية، حصر المحرمات في هذه الآية.
* الشيخ: حصرها في هذه الآية؟!
* الطالب: قال في ميتة البحر في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة ٩٦].
* الشيخ: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ نعم، الشاهد؟
* الطالب: طعامه.
* الشيخ: طعامه، قال ابن عباس: «وما وُجد ميتًا »[[أخرجه الطبري في التفسير برقم (١٢٦٩٣) ط. مؤسسة الرسالة من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٠٠٠٧) من حديث محمد بن كعب القرظي بنحو هذا اللفظ. ]]. الدم، ما المراد به؟
* الطالب: الدم المراد به المسفوح الذي يخرج حال الحياة.
* الشيخ: ما الدليل على أنه مسفوح؟
* الطالب: تقييده في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام ١٤٥].
* الشيخ: نعم، تقييده بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. هل يستثنى منه شيء من الدم؟
* الطالب: ما خرج بعد خروج الروح.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وما اختلط بالأعصاب.
* الشيخ: إي، يعني ما ليس بمسفوح وهو الذي يخرج بعد ما تخرج الروح، الذي يكون في الحيوان بعد ما يُذكى، بعد ما يذكى لا بد؛ لأنه بعد ما تخرج الروح أخذ يشمل الميتة، بعد ما يُذكى.
* طالب: يا شيخ، تخرج الروح عن النفس لما ينحر النفس؟
* الشيخ: إيه؛ لأنه ما يمكن تخرج الروح إلا يقف الدم.
* الطالب: ما يميز الدم بعدما تخرج الروح؟
* الشيخ: هذا ما يظهر هذا، ما يعتبر مسفوحًا؛ لأنها ماتت.
* طالب: (...) يعني ما حكمها؟
* الشيخ: لا ما يكون هذا، كما أنه الذي يقع في لحم العروق (...).
* طالب: كيف فرقنا بين المتماثلين؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: وهو الدم، قلنا: أوله نجس، وآخره طاهر؟
* الشيخ: ما فرقنا بينهما؛ لأنه أوله وآخره كله نجس ما دام مسفوحًا، وهو ما يمكن يخرج إذا مات ما يتسرى، هذا يتسرى من العروق بعد الموت مثل اللي يبقى، ولهذا من علامة الحياة المنخنقة والموقوذة والمتردية من علامة حياتها أنها إذا ذُبحت ساح منها الدم، ساح منها الدم الأحمر، أما هذا فليس بدم مسفوح. قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ما المراد بلحمه؟
* الطالب: كله.
* الشيخ: كل ما احتواه جسمه، وإذا كان مطبوخًا؟
* الطالب: مطبوخًا ما يجوز.
* الشيخ: عام؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: هل يستثنى منه شيء؟
* الطالب: لا يستثنى.
* الشيخ: أبدًا؟
* الطالب: أبدًا.
* الشيخ: طيب صح. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (الواو) حرف عطف، و(ما) اسم موصول في محل نصب معطوف على أيش؟
* طالب: حرم.
* الشيخ: لا.
* طالب: على الميتة.
* الشيخ: على الميتة؛ لأن العطف يكون على أول معمول للعامل، ولماذا لا يكون العامل على آخر ما عُطف؟ لأن المعطوف فرع، والفرع لا يتفرع عليه شيء، فإذا قلت مثلًا: أكرمت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا، فخالد ما يكون معطوف على بكر، وبكر على عمرو، وعمرو على زيد صح، كلها معطوفة على زيد؛ لأنه الأصل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون المعطوف على هذا الأصل لا على الفرع، عمرو وبكر فرع ولَّا أصل؟
* الطلبة: فرع.
* الشيخ: فرع، فلا يكون خالد معطوفًا على بكر.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة ٣] (أُهِلّ) الإهلال: رفع الصوت، ومنه حديث: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ صَارِخًا فَقَدْ وَرِثَ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣] وذلك بأن يذكر عليه اسم غير الله ولو ذبح لله مثل: أن يقول: باسم المسيح، أو: باسم محمد ﷺ، أو: باسم جبريل، أو: باسم ميكائيل، أو: باسم الوطن، أو: باسم القومية، أو: باسم الرئيس فلان، أو: باسم الملك فلان، كله يكون أُهِلّ به لغير الله، أو ذبح لجني، أو لشيطان، أو ما أشبه ذلك،
* طالب: ولو ذكر اسم الله؟
* الشيخ: ولو ذكر اسم الله معه. ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ بأن قيل: باسم فلان، هذا يكون حرامًا؛ لأنه شرك، وما كان شركًا فهو حرام ليس عليه أمر الله ورسوله، وما ليس عليه أمر الله ورسوله فهو ردّ باطل، فلا يكون حلالًا، إذا أُهل به لغير الله ولله بأن قال: باسم الله وباسم نبيه؟
* الطلبة: ما يحل.
* الشيخ: ما يحل أيضًا؛ لأنه أُهل به لغير الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وعلى هذا فلا يحل ما أهل به لغير الله ولله. ما أهل به لله مرادًا به غير الله بأن ذُبح للصنم وقال: باسم الله؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: فإنه لا يحل، لكن ما يؤخذ من هذه الآية، يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣]. ويحتمل أن يكون- وهو بعيد أن يكون- معنى ما ذبح على النصب ما أهل به لغير الله ولكنه بعيد؛ لأن الله جمع بينهما في آية واحدة، والجمع يقتضي المغايرة، قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣].
مع أنه قال في أثناء الآية: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إذن ما ذبح لغير الله ولو ذكر اسم الله عليه وحده فهو حرام، وهل منه أن أذبح هذه الذبيحة للضيف؟
* طالب: لا.
* الشيخ: كيف؟
* طالب: نعم، لغير الله.
* الشيخ: ذبحتها لغير الله لضيفك!
* طالب: لا (...).
* الشيخ: نعم، أنا ذابحها له.
* الطالب: إذا كان قاصدًا فيها أن يكرم الضيف فلا يدخل فيها.
* الشيخ: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل ما فيه شك، كما لو ذبح هذه الذبيحة لأولاده ليأكلوها، هل هي حرام؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، وإن ذكر بذلك التقرب إليه وتعظيمه تعظيم عبادة؛ فإنه حرام كالمذبوح على النصب تمامًا، وقد كان بعض الناس -والعياذ بالله- إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين ذبائح تعظيمًا له لا ليأكلها لكن تذبح أمامه، ثم تترك للعالم، هذا يكون قد ذُبح على النصب ولو ذكر اسم الله فهو حرام.
* طالب: اللي يعتقد كما فعل (...)؟
* الشيخ: تقدم لنا في باب التوحيد أنه لا يذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، أما إذا ذبح بمكان لاختصاصه بسبب معين كما لو كان أكثر فقراء، أو كان ذبح هنا لقرابة له فيه؛ بمعنى لا يختص بالبقعة ولا يختص بصنم أو ما أشبه ذلك فلا بأس.
* طالب: الهجر داخل في هذا؟
* الشيخ: الهجر أيش؟
* الطالب: الهجر ما هو موجود عندكم يعني إذا اختلف بعض الناس وأصلح بينهم بعض الناس يعني وأراد الثاني أن يذبح له هو الآخر ذبيحة يعني يسوقها إلى بيته ويذبحها عند البيت؟
* الشيخ: لا ما فيها بأس.
* طالب: (…)؟
* الشيخ: ما فيه بأس.
* طالب: شيخ، فيه عندنا إذا مثلًا اتأخر يعني في حصول شيء يذبحون ويجيبوا الناس يتحللوا وكده عشان يكون ربنا ينزلهم الرزق، هل هذا سليم؟
* الشيخ: صدقة يعني؟
* الطالب: إيه.
* الشيخ: والله هذه ما فيها بأس، لكنها بدعة.
* الطالب: وهم للموتى؟
* الشيخ: لا، بدعة هذه لا تحمد.
* طالب: حتى يا شيخ لو كان قريبًا.
* الشيخ: لا هذه من البدع وإلا الصدقة لا شك أنها تجلب الخير، إنما كونه يذبح ذبائح ويكون لها يعني شهرة ودعوة؛ هذه من البدع، لكن كون الإنسان يتصدق بصدقة خفية مثلًا فهذا لا بأس به؛ وهو من أسباب الخير.
* طالب: شيخ، الكلمة الأخيرة له يقول: وللموتى.
* الشيخ: لا، هذا ما ينفع للموتى.
* الطالب: يعني للموتى الثواب؟ يذبح للموتى؟
* الشيخ: لا، هذا إذا كان للموتى على سبيل التعبد والتعظيم وهو ما يجوز يتقرب بها إليهم، أما إذا كان للميت لينتفع بها بثوابها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، بثوابها، هذه ما فيها شيء.
(...) من هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان حيث وجه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب الأكل من طيبات ما رزق الله لقوله: ﴿كُلُوا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: ويدل بالمفهوم على أن الخبائث لا يؤكل منها لقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧].
* ومن فوائدها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله عز وجل، من أين يؤخذ؟
* طالب: كلوا.
* الشيخ: لا، توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله لقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. فإذا كان هذا الرزق من الله سبحانه وتعالى فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بفعلها.
* ومنها: وجوب الشكر لله لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾.
* ومنها: وجوب الإخلاص له في ذلك، من أين تؤخذ؟ من اللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾.
* ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
* ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة، ويؤخذ من تقديم المعمول من قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
* ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين:
أولًا: من أمره إياهم بالأكل؛ لأن في الأكل حفظًا لصحتهم.
وثانيًا: من قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فإن الرزق -بلا شك- من رحمة الله، فيستفاد من هذه الآية إثبات رحمة الله عز وجل.
* طالب: الوجهين، ما هما؟
* الشيخ: الوجهين: الأمر بالأكل لما فيه من حفظ البدن، وقوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ومنها: الرد على الجبرية؟
* طالب: ﴿كُلُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿كُلُوا﴾، ﴿وَاشْكُرُوا﴾، و﴿تَعْبُدُونَ﴾، كل هذه أضيفت إلى فعل العبد فدل هذا على أن للعبد فعلًا يُوجه إليه الخطاب بإيجاده، ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إلى العبد بإيجاده من تكليف ما لا يُطاق.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣].
قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ما محل (ما) من الإعراب؟
* طالب: اسم موصول مبتدأ.
* الشيخ: مبتدأ؟ توافقونه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: في الأمرين جميعًا؟
* طالب: لا، الأول اسم موصول.
* الشيخ: والثاني؟
* الطالب: معطوفة على ما سبق.
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: على قوله: الميتة والدم ولحم الخنزير.
* الشيخ: على كل الثلاثة؟
* الطالب: إي نعم.
* طالب آخر: على الأول، العطف يكون على الأول.
* الشيخ: الأول، إي نعم، معطوفة على الأول، فهي في محل نصب إذن. ما معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: من الإهلال، وهو رفع الصوت، و﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ذبح أو كل ما عمل بشيء لغير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إيه، وأيش معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: أي يذكر عليه اسم غير الله.
* الشيخ: نعم، ذكر عليه اسم غير الله بأن قيل: باسم الرسول، باسم النبي، باسم جبريل، باسم ميكائيل، أو ما أشبه ذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ عندي في قوله: ﴿فَمَنِ﴾ قراءتان: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ و﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ بضم النون، أما قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ على هذه القراءة فالأمر فيها واضح، للتخلص من التقاء الساكنين، وأما الضم فمن أجل الإتباع لضمة الطاء ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ أسهل من قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ففيها قراءتان، وقوله: ﴿مَنْ﴾ هنا شرطية، والفعل بعدها فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، وقوله: ﴿اضْطُرَّ﴾ اسم مفعول، ولا تستعمل إلا اسم مفعول في مثل هذا الأمر في مثل هذا السياق، ما يصح أن أقول: اضطَرَّ؛ لأن اضطر أوقع غيره في ضرورة، واضطُرّ وقع في الضرورة، فمعنى اضطُرّ؛ يعني ألجأته الضرورة، والضرورة فوق الحاجة، الحاجة كمال، والضرورة لا بد منها. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة لأي شيء؟ للأكل؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ يعني فما ألجأته الضرورة إلى أكل هذا المحرم، لكن بشرطين بل بثلاثة شروط إذا جعلنا الضرورة شرطًا فبثلاثة شروط: أن يوجد ضرورة، وأن لا يكون باغيًا، ولا عاديًا ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ونحن نريد أن نعرب (غيرَ) فنقول: هي منصوبة على الحال من نائب الفاعل في قوله: ﴿اضْطُرَّ﴾. ونريد من رشاد أن يعرب لنا ﴿بَاغٍ﴾؟
* الطالب: مضاف إليه.
* الشيخ: كمِّل.
* الطالب: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
* الشيخ: مجرور بالإضافة، وعلامة جره؟
* الطالب: الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة على آخره، هل توافقونه على هذا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يوافقون.
* الطالب: فيها ياء محذوفة هي أصلها باغي.
* الشيخ: إذن علامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل، والتنوين هنا يسمونه تنوين عوض عن حرف، ومثلها ﴿عَادٍ﴾.
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ اختلف المفسرون في: الباغي والعادي؛ فقيل: الباغي هو الخارج على الإمام، وهم البغاة، والعادي: العاصي بسفره، المعتدي الذي عصى بسفره فسافر سفرًا محرمًا، هذا الباغي والعادي فهمتم يا جماعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الباغي: هو الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره، فهذان لا يحل لهما أكل الميتة ولو اضطرا إلى ذلك؛ لأنه لا بد من الشرطين: ضرورة انتفاء البغي، انتفاء العدوان، فإن كان باغيًا أو عاديًا لم يحل له أن يأكل ولو مات؛ لأن الله تعالى اشترط غير باغٍ ولا عادٍ؛ ولأنه ليس أهلًا للرأفة والرحمة حتى يُرحم فإن الخروج على الإمام محرم، وسفر المعصية أيضًا محرم؛ ولأنه يمكنه التخلص من هذا المحرم حتى يباح له الأكل بماذا؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences