Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:172–174, continued
وأما الذين اشتروا بدون كتمان فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود ١٥].
فالناس ثلاثة أقسام: قسم يكتم لا للدنيا، لكن بخلًا في العلم أو ما أشبه ذلك، قسم آخر يبين، لكن لا لله بل للدنيا، فهذا أراد بعمله الدنيا؛ مثل الإنسان يُعلِّم بأجرة، يُعلم الناس بأجرة، أو: قصدي ينشر العلم بأجرة، وإلا التعليم الصحيح أنه جائز، التعليم بأجرة الصحيح أنه جائز، لكن يتعلم للدنيا، هذا لا شك أن نيته باطلة، وقسم ثالث: يكتم لغرض من الدنيا مثلًا يكتم لأجل رئاسته، مثل ما فعل اليهود؛ كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام لتبقى رئاستهم، أو إنسان مثلًا قال قولًا، ثم تبين له أن الحق بخلافه، ثم كتم الحق، يظن بنظره القاصر أنه إذا رجع عن قوله الأول انحطت مرتبته عند الناس، فيريد أن يبقي على منزلته على زعمه، ولا يرجع عن قوله الذي تبين له خطؤه، وهذا أيضًا كتم شو لأجله؟ ليشتري ثمنًا قليلًا، وهو الجاهل كل شيء يراد للدنيا فهو ثمن قليل سواء كان جاه، أو رئاسة، أو إدارة، أو مال، أو زوجة، أو أي شيء، كل ما يراد للدنيا فهو قليل، فهو من الثمن القليل، واضح الآن؟ فصار الناس ينقسمون في هذا الباب إلى كم؟
* الطلبة: ثلاثة أقسام.
* الشيخ: ثلاثة أقسام، كلهم مذمومون، أما من أظهر لله وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام، وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه وقلمه ما أنزل الله عز وجل، فهذا هو القسم الرابع، وهو خير الأقسام.
* طالب: من يكتم خوفًا يا شيخ، ما داخل فيهم الذي يكتم خوفًا يعني؟
* الشيخ: والذي يكتم خوفًا إذا كان سيُبين في موضع آخر فلا بأس، أما إذا كان بيكتم مطلقًا فهذا ما يجوز، يجب أن يبين ولو قُتل.
* طالب: ولكسل يعني، ما عنده سوء ظن، لكن كسل، لكن ما يبين، يعني عنده علم وما يبين؟
* الشيخ: إيه، إن دعت الحاجة إلى بيانه وجب عليه أن يبين، ولا يجوز، فإن لم تدعُ، افرض أنه في بلد فيه ناس مثلًا يبينون العلم وينشرونه بين الناس، وهو عنده علم لكنه يقول: علمي ما احتيج إليه ولا سألني سائل، فهذا ما يجب عليه، إن بين فهو أوْلى لا شك؛ لأنه يزيد الآخرين قوة إلى قوتهم، وإن سكت فأظن أن يكون في حل ما دام أن الأمر قد قام به غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الدنيا قليل لقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤]. هذا وجه في الآية، ويحتمل أنهم يشترون ثمنًا قليلًا حتى في أعين الناس، لكن بانحطاط هدفهم ومرتبتهم كانوا يخفون عدة آيات من أجل الحصول على درهم واحد، يكون هنا القليل حتى بالنسبة لأعين الناس، وليس هذا ببعيد؛ لأنهم يكتمون من أجل حظ قليل من الدنيا والدنيا كلها قليلة؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- قد يفعل عالم الدولة لا عالم الملة قد يفعل هذا، قد ينظر ما تختار دولته من رأي، ثم يحاول أن يطوع النصوص لهذا الرأي، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدأ بعض الناس الذين ينتسبون إلى العلم بدؤوا يطوعون بعض النصوص إلى رأيهم؛ إلى الاشتراكية، وسمعناهم نحن بأنفسنا من الكتاب والسنة، وقالوا: الكتاب والسنة مملوء من أن الاشتراكية حق، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨].
شوف كيف عين الأعور وأيش لون نَظَرت إلى زاوية وتركت زاوية؟! قالوا: فأنتم فيه سواء، خلاص أنتم فيه سواء، الناس سواء فيما رزقهم الله، لكن تركوا أول الآية وهو: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ومعنى الآية هذه فأنتم فيه سواء مبني على الأول؛ يعني هل لكم شركاء فيساوونكم، وأيش الجواب لا ولَّا نعم؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو إن العبد يجيء الصندوق أو يلمس المفتاح، هل عبدي يجي شاك ويقول: والله أنا عبدك، أنا بآخذ من مالك، وأيش الجواب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، كيف ها العبيد هذه عبيد لله تعبدونهم من دون الله؟! هذا ضرب مثل لمشرك، هؤلاء فرحوا فقالوا: فأنتم فيه سواء، خذ، وقال النبي ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ»[[أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٢٩) من حديث رجل من المهاجرين، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢) وأحمد (٢٣٠٨٢) من حديث ابن عباس بلفظ: «المسلمون...».]]. فأثبت الاشتراكية. وهات منها الأدلة اللي جمعوها من الآيات والأحاديث المتشابهة ليموهوا بها على الناس، مثل هؤلاء العلماء يدخلون في الآية هذه، اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا والعياذ بالله، والواجب أن يكون العالم عالم ملة لا عالم دولة حتى يكون لله عز وجل قائمًا بأمر الله عز وجل.
* طالب: الجواب على الحديث.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»؟
* الشيخ: الجواب أنه خص الثلاث؛ هذا عليهم ما هو لهم، لكن هذه الثلاث حيث ما لهم بها قدرة من الله عز وجل: الماء، والكلأ، والنار، ما يختصون بها فالأنهار كل يأخذ منها (...)، كذلك نقع البئر ما هو لك، الذي يخرجه الله عز وجل، وكذلك الكلأ اللي ينبت بدون إنباتك في الأرض، ما هي لك، كذلك أيضًا النار، لو أن أحدًا أراد يقتبس، تقول له: تعالَ، لا تقتبس، هذه ناري أنا، يقول: لا، أنتم شركاء. من الذي أوقد النار لك؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله عز وجل.
* الطالب: البئر يا شيخ، أنا اللي لففت فيه الحبل؟
* الشيخ: إيه، لكن أنا مو بعد اللي أخرجته، أنت أحق به؛ لأنك حفرته، لكن أنت بتمنع مع الفضل ما يجوز لك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق المسبَّب على السبب، من أين نأخذها؟ ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]، هم مو بيأكلوا النار، بيأكلوا المال، لكنه مال سبب للنار؛ فيكون هذا من باب إطلاق المسبَّب على السبب.
* طالب: مجاز مرسل.
* الشيخ: وبعدين فيه أيضًا إثبات العدل في الجزاء لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، فجعل المأكول على قدر المأكول، أو لا؟ ما يأكل إلا النار وفاقًا بوفاق على قدر ما يأكل، يأكل نارًا؛ فيكون في هذا إثبات العدل في الجزاء.
يقول الشاعر على هذه المسألة، وإن كان محلها التفسير يقول:
أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أُصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى القُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ
أكلت دمًا: يخاطب زوجته، هذا أعرابي تزوج امرأة ونشزت، ولكنه قيل له: إنك إذا رحت للشام ففيها وباء يقتل النساء، وراح بها للشام وقال:
دِمَشْقُ خُذِيهَا وَاعْلَمِي أَنَّ لَيْلَةً ∗∗∗ تَحْمِلِينَ عُودَيْ نَعْشِهَا لَيْلَةُالْقَدْرِ
يعني يقول للشام: خذي هذه المرأة، اقتليها، واعلمي أن اليوم اللي تحمل فيها هذه المرأة على أعواد النعش الليلة هي عندي ليلة القدر، مثل ليلة القدر، ثم قال: أكلت دمًا هذا الشاهد
أَكَلْتُ دمًا إنْ لم أَصِبْكِ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِالنَّشْرِ
وأيش معنى بعيدة مهوى القُرط؟
* طالب: أن عنقها طويل.
* الشيخ: يعني أن عنقها طويل؛ القرط اللي يكون في الأذن، إذا صار بعيدًا مهواه؛ معناه أن الرقبة طويلة، وطول الرقبة في النساء محمود، وطيبة النشر يعني طيبة الرائحة. قوله: أكلت دمًا، قال بعضهم: إن المعنى: أكلت دية، سببها الدم، وأنهم كانوا في الجاهلية يُعيِّرون الإنسان إذا قتل له قتيل فأخذ الدية، وهو يدعو على نفسه بهذا الذل، إني ما آخذ بالثأر، آخذ الدية، فقال: أكلت دمًا، نعم، وجاؤوا به شاهدًا على هذه الآية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل لقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. ولكن لماذا لا تقولون الآن الكلام منفي؟ كيف تستدلون به على إثبات الكلام؟
* الطلبة: يكلمهم الله.
* الشيخ: إيه، نقول: لو كان لا يتكلم لا معهم ولا مع غيرهم ما صار في نفي الكلام عنهم فائدة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فنفيه لكلامه هؤلاء يدل على أن غيرهم يكلمه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. كلام الله عز وجل هل هو المعنى القائم بنفسه المعبر عنه بالحروف، أو هو الحرف والمعنى؟
* طالب: الحرف والمعنى.
* الشيخ: هو الحرف والمعنى، الله تعالى يتكلم بكلام؛ بحروف وأصوات، أين اللي ما يشبه كلام المخلوقين؟ هل هي حروف ولَّا الأصوات؟
الشيخ: المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) لفظ الآية، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فتخصيصه باليوم يدل على أنه يتعلق بالمشيئة.
* ومن فوائد الآية: أن كلام الغضب ليس بكلام؛ فإن الله يكلمهم كلام غضب ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكنه في الحقيقة ليس بكلام، لو أن أحدًا من الناس كلمك يوبّخك ما قيل: هذا تكلم معك كلام رضا، بل كلام توبيخ قد يكون عدمه خيرًا من وجوده.
* طالب: هذا التوبيخ يا شيخ بعد القيامة وهم في النار؟
* الشيخ: إي نعم، وهي من القيامة، هذه في النار، كل ده داخل في يوم القيامة. ما كملنا الآية.
(...) ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أولًا نريد خبر (إنّ) في هذه الجملة (...)، ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، الاستثناء هذا ما نوعه؟
* طالب: مفرغ.
* الشيخ: مفرغ، إذن النار وأيش إعرابها؟
* الطالب: مفعول به.
* الشيخ: لأيش؟
* الطالب: لـ(يأكلون).
* الشيخ: من فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة يزكَّى فيه الإنسان، وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن في ذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، وأما الفعلي فإن محل الثناء أنه يعطَى كتابه بيمينه ويشهد الناس كلهم على أنه من المؤمنين، وهذه تزكية بلا شك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾.
* ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًّا أو ألمًا جسمانيًّا؟ الجميع، لو لم يكن من الألم النفسي إلا أن الله يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، هذا من أبلغ ما يكون - والعياذ بالله - من الألم النفسي. فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠]؟ نشوف.
* طالب: التزكية توفيق من الله عز وجل، الإنسان يزكي نفسه بتوفيق من الله عز وجل، فبمعنى أنه توفيق من الله عز وجل فالمزكي حقيقة هو الله تبارك وتعالى.
* طالب: قوله: ﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: فعل ما يزكيها، أما المزكي في الحقيقة فهو الله.
* الشيخ: إي، مثل ما قال الأخ.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب الأخ يقول: ما بينهم تعارض؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩] لأنه قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٧ - ٩] فيه احتمال أن المزكي هو الله، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: من زكاها، قد أفلح من زكاها الله، وتكون (من) بمعنى (التي)، ولكن هذا بعيد، ويدل على هذا قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ١٠]. فالجمع بينهما أن يقال: تزكية الإنسان نفسه أن يعمل ما فيه زكاتها، وتزكية الله للإنسان خَلقًا وتقديرًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences