Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:183–184

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:183–184

2:183–184Page 28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣].

أولًا: الخطاب بالنداء تقدم أنه يدل على تنبيه المخاطب لأمر ذي شأن؛ ولهذا وجه إليه النداء: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ فكأنه يقول: انتبه، ثانيًا: تعليق هذا بوصف الإيمان فيه ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء بالانتساب، وثانيًا: أن هذا من مقتضى الإيمان، وثالثًا: أن تركه نقص في الإيمان، أما وجه كونه مفيدًا للإغراء؛ فلأن مناداة الإنسان بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تستلزم حثهم على هذا الشيء بسبب إيمانهم، ولهذا لو أقول لك: يا رجل، افعل هكذا، هذا يغريك على فعله، وكأنك إذا لم تفعله فاتك وصف الرجولة، هذا السبب في أنه يفيد الإغراء، أما كونه يفيد أنه مقتضى الإيمان؛ فلأنه وجه إلى المؤمنين فكان ذلك لمقتضى إيمانهم، وأما كونه نقصًا فيما لو تخلف فلأنه لما خُصَّ به المؤمن عُلم أنه من خصاله، وإذا فاتت خصال الإيمان أو فات شيء منها صار ذلك نقصًا في الإيمان، إذن نخلص من هذا إلى أن الصيام مما يُعْتَنى به ويهتم به.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي فرض، والذي فرضه هو الله سبحانه وتعالى.

﴿الصِّيَامُ﴾ هذه نائب الفاعل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فهو نائب الفاعل المرفوع.

والصيام في اللغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم ٢٦] يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم ٢٦]، وأما في الشرع فإنه: التعبد لله سبحانه وتعالى بترك المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣] الكاف هذه حرف جر، وتفيد التشبيه ولكنه تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس للمكتوب بالمكتوب ﴿كَمَا كُتِبَ﴾، وهذا أعني التشبيه بالفعل دون مَن وقع عليه الفعل هذا أمر مطرد، «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) و(٢٩٦٨ / ١٦).]] التشبيه هنا للرؤية ولَّا للمرئي بالمرئي؟ للرؤية بالرؤية؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى المصدر، فقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ نقول هنا التشبيه المكتوب بالمكتوب ولَّا الكتابة بالكتابة؟ الكتابة بالكتابة؛ أي: ككتابته، ولهذا نقول (ما) هنا مصدرية وليست اسمًا موصولًا.

وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من أين؟ من الأمم السابقة، يعم اليهود والنصارى ومن قبلهم، كلهم كتب عليهم الصيام، ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت والزمن.

وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا التشبيه فيه فائدتان لنا، الفائدة الأولى: التسلية والتأسي بمن سبق؛ حتى لا تقول هذه الأمة: إن الله سبحانه وتعالى حملنا آصارًا وأثقالًا بهذا الصوم، لا سيما في أيام الصيف، فيقال: اطمئنوا فالأمر كنتم مسبوقين به، ولا شك أن الإنسان إذا ذُكِرَ له من شاركه في أمر شاق، فإنه يُهَوِّن عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].

يعني: لن ينفعكم اشتراككم في العذاب، بل هنا في الدنيا إذا اشترك الناس في العذاب هان عليهم؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

فهؤلاء في النار ما ينفعهم الاشتراك في العذاب أن يهون عليهم، كذلك هنا لما ذكر الله أنه فرض علينا الصيام بَيَّن أنه فرض على من قبلنا حتى نطمئن ولا نقول: إننا حُملنا ما لم تحمل الأمم السابقة هذه واحدة، الفائدة الثانية لنا في ذكر كتابته على من سبقنا: بيان أن هذه الأمة كُمِّلت لها الفضائل كما كُمِّلَت للأمم السابقة، ولا ريب أن الصيام لله عز وجل من أعظم الفضائل، أن الإنسان يترك شهوته وطعامه وشرابه أشهى ما (...) إليه لله عز وجل، ومن أجل هذا اختص الله ثوابهم لنفسه، اختصه لنفسه فقال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الْصَوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتُهُ مِنْ أَجْلِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.]].

* طالب: (...).

* الشيخ: (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: من؟

* طالب: الأمم السابقة (...).

* الشيخ: طيب هذا من نعمة الله علينا؛ لأنه نقول: إنه لما فرض الله علينا بين أنه قد فرض على من سبقنا حتى لا نقول: إنه من الآصار التي علينا.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، وأيضًا نتأسى بذلك، ما دام هذا مفروضًا على غيرنا، فإنه يهون علينا، الآن الناس..

* طالب: (...) حتى وإن لم يكن مكتوبًا.

* الشيخ: (...)، الله عز وجل يهون الأمر علينا كونها تأتي في أيام معدودات (...) سمعنا وأطعنا إن شاء الله تعالى (...) ويذكِّر العباد بأشياء حتى يهون عليهم الأمر وينقادوا تمامًا.

* طالب: (...).

* الشيخ: تتقون الله عز وجل، هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم، وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية أو مصالح اجتماعية فإنها تبع وإلَّا ففيه مصالح بدنية واجتماعية، وأنا يؤسفني كثيرًا أن يركز بعض الناس على فوائد الصوم البدنية والاجتماعية، أنا لا أقول لا تُذْكَر، تذكر لكن لا يركز عليه، وكأنه ما شرع إلا لها لأن هذا يذهب روح الصيام، وهو التعبد لله به، فإذا قيل للإنسان: أنت إذا صمت صار في هذا زوال للفضلات التي في بدنك من كثرة الطعام، وصار في هذا كذا وكذا من الفوائد الطبية، وصار في هذا أيضًا تذكير لك بإخوانك الفقراء حتى تواسيَهم بمالك وما أشبه هذا من أمور، ما نقول هكذا، وننسى الأصل الذي من أجله كتب الصيام وهو تقوى الله؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠٥٧) من حديث أبي هريرة.]] هذا هو الحكمة من الصوم، والتقوى فيه ظاهرة جدًّا، ولا حاجة إلى أن آتي لكم بشاهد وأنتم تصومون رمضان وتحسون بما يكون في نفوسكم من تقوى الله عز وجل في أيام الصوم، والإنسان بمجرد ما يقول لنفسه أو يُشْعِر نفسه أنه ترك ملاذه لله، لا شك أنه يقول: إذا تركت هذه الملاذ التي هي من مقتضى طبيعتي، وتحثُّ عليها طبيعتي حثًّا عظيمًا، فإن هذا لا شك أنه يكسب قلبه محبة الله وتعظيمًا له ونورًا وإيمانًا وطمأنينة، وهذا هو السر في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

* طالب: شيخ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هنا مطلقة (...) وجهه؟

* الشيخ: لا، ما له وجه الصواب أنكم لعلكم تتقون الله؛ لأن التقوى إذا أطلقت فهي هذا تقوى الله مثل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وما أشبهه.

* طالب: قد يقول قائل: إن التقوى غالبًا تكون في الإفطار أكثر منها في الصيام، وذلك لأن الجسم عندما يكون نشيطًا يكون أخشع لله، وإذا كان غير ذلك لا بد أنه يثقل الذكر والعبادة؟

* الشيخ: ما جربت يا ولدي، الشبع هو الذي يدعو إلى الأشر والبطر.

* طالب: وإلى النوم.

* الشيخ: وإلى النوم الإنسان إذا شبع (...).

* طالب: بالأخص إذا كان الجو حارًّا.

* الشيخ: صحيح أنه يتعب، لا شك أنه يتعب، فهمت؟ لكن هذا التعب وهذا الانكسار له تأثير على القلب، تأثير يعرفه أرباب السلوك، نحن ما نعرفه، إحنا يعني إلى المادة أقرب منا إلى الروح، لكن على كل حال أرباب السلوك يعرفون هذا، فله إصلاح عظيم للقلب، إذا كان في الحدود الشرعية، أنا ما أقول: موت روحك من الجوع لو أنك كنت صائم، لا ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]، لكن له تأثير لا سيما إذا اقترن به أن الإنسان يشعر بأنه يتعبد لله، وهذا له فائدة عظيمة.

* طالب: (...).

* الشيخ: طيب ثم قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة ١٨٤] أيامًا هذه مفعول لقوله: ﴿الصِّيَامُ﴾؛ لأن الصيام مصدر يعمل عمل فعل ولَّا لا؟ هنا مر علينا من كلام ابن مالك؟ ويش يقول؟

* طالب:

بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ∗∗∗ مُضَافًا اوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ أَلْ

* الشيخ: أو مع (أل).

* طالب:

إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ ∗∗∗ مَحَلَّهُ وَلِاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ

* الشيخ: المهم هو الآن مع أل فهمت؟ فالصيام عمل في قوله: ﴿أَيَّامًا﴾ يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات.

وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ نكرة، والنكرة تفيد القلة وتفيد الكثرة وتفيد العظمة وتفيد الهون حسب السياق، لما قرنت هنا بقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ أفادت القلة يعني: هذا الصيام ليس أشهرًا ليس سنوات ليس أسابيع ولكنه أيش؟ أيام، أيام معدودات قليلة.

و﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ لا يخفاكم أنها من صيغ جمع القلة؛ لأن جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم من صيغ جمع القلة يعني فهي أيام قليلة، وصدق الله عز وجل؛ قليلة إذا نسبت ثلاثين يوما لثلاث مئة وستين يوما.

* طالب: (...).

* الشيخ: قليلة، ومع ذلك فيها هذا الفضل العظيم: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ثم قال فالاستثناء من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ لأن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ يشمل المريض والمسافر والقادر والعاجز، لكن قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية و﴿كَانَ﴾ فعل الشرط و﴿فَعِدَّةٌ﴾ الجملة جواب الشرط، وعدة مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه عدة من أيام أخر، ويجوز أن تكون خبرًا مبتدؤه محذوف، والتقدير: فالواجب عدة.

وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مريضًا أخذ بعض أهل العلم بظاهرها، وقال: أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، ولكن في هذا نظر ووجهه إنه إنما استثني المريض لمشقة الصوم عليه، وعلى هذا فنقول: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ مرضًا يشق عليه الصوم أو يتأخر به البُرْء، يعني: ما يشق عليه، لكن يتأخر به البرء، أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوبًا كل أربع ساعات وما أشبه ذلك، فالمهم إذا كان للصوم تأثير على هذا المرض بمشقة أو تأخر برء أو اختلاف في العلاج فإنه يجوز له أن يفطر، أما مريض في ضرسه مثلا، فصار معه كسل بسبب وجع الضرس ولكنه يتحمل الصيام بدون مشقة، نقول له: أفطر؟ ما نقول: أفطر، أو كان في أصبعه شوكة صار معها بعض الفتور من أجلها، لكنه لا يشق عليه الصوم، فهذا أيضًا لا نقول له: أفطر؛ لأنه لا داعي للفطر، فالمرض لن يؤثر عليه إطلاقًا، فإذا قال قائل: نحتاج إلى دليل على هذا التخصيص. قلنا: التخصيص مفهوم من العلة.

وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ على سفر، ما قال: أو مسافرًا مع أنه قال في الأول: مريضًا، ولم يقل: في مرض، فلا بد أن يكون هناك حكمة في اختلاف التعبير، فما هي الحكمة؟ الحكمة من قال: إن من عزم على الرحيل فله الإفطار ولو كان في وسط بلده، كما هو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال: «إنه هو السُّنة»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٢٤٧) من حديث أنس.]]، فإنه يظهر تمامًا معنى قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لأن المتهيِّئ للسفر المرتحل لو ما خرج وصار في سفر حقيقة فإنه على سفر، ولهذا يقول الشاعر:

مَرَّ الْجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ ∗∗∗ لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تَسْعَىبِإِفْسَادِي؎فَقَامَ مِنْهُمْ خَطِيبٌ فَوْقَ سُنْبُلَةٍ ∗∗∗ إِنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ

الشاهد قوله: إنا على سفر. (...) ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ هذه على تقدير شَيْءٍ محذوف، والتقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر.

* طالب: (...).

* الشيخ: فأفطر فعدة من أيام أخر.

ثم: ﴿عِدَّةٌ﴾ إما أنها مبتدأ خبرها محذوف التقدير: فعليه عدة، أو أنها خبر مبتدأ محذوف التقدير: فالواجب عدة، أو فالمكتوب عدة من أيام أخر.

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ هذا التشبيه لأي شيء؟

* طالب: تشبيه كتاب بكتاب.

* الشيخ: وليس المكتوب بالمكتوب؟

* طالب: لا ليس المكتوب بالمكتوب.

* الشيخ: ما نظيرها؟ أو هل هناك شاهد في مثل هذا التركيب يدل على ما قلت؟

* طالب: مثل قول النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ اللَّهَ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) و(٢٩٦٨ / ١٦).]].

* الشيخ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» فهنا قطعًا التشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ (ما) هنا؟

* طالب: ما مصدرية.

* الشيخ: مصدرية؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ولا تصلح موصولة؟

* طالب: ما تصلح.

* الشيخ: نعم، نعم صح، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعل معناها؟

* طالب: معنى لعل؟ تعليل.

* الشيخ: تعليل، يعني: لأجل أن تتقوا، ﴿أَيَّامًا﴾ ويش إعرابه؟

* طالب: أيامًا مفعول.

* الشيخ: مفعول لأيش؟

* طالب: مفعول لـ ﴿كُتِبَ﴾.

* الشيخ: مفعول لـ ﴿كُتِبَ﴾، يعني (كُتِبَ) مبني للمجهول.

* طالب: الصيام.

* الشيخ: مفعول لأيش؟

* طالب: مفعول للصيام.

* الشيخ: مفعول الصيام؟ وهذا الصيام ينصب المفعول به؟

* طالب: ما ينصب، لأنه..

* الشيخ: ما ينصب لأنه اسم.

* طالب: مفعول لفعل محذوف.

* الشيخ: ويش التقدير؟

* طالب: فعليه.

* الشيخ: فعليه؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: أيام تكون؟

* طالب: (...).

* الشيخ: وهنا يحل محله الفعل.

إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ ∗∗∗ مَحَلَّهُ.....................

يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات، فهو إذن مفعول الصيام، طيب ما الحكمة من قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؟

* طالب: بيان أن هذه الأيام (...) الله تعالى بأن هذه الأيام لا تشمل السنة كلها، وإنما هي شيء قليل بالنسبة لهذه السنة كلها.

* الشيخ: أيش الحكمة منها: بس أنه يبين أنها معدودات فقط؟

* طالب: تخفيف على العباد.

* الشيخ: صح، تخفيف الأمر على المكلف، أنا ما أسأل لماذا كانت أيامًا، أسأل لماذا عبر بأيام، نقول: هذا من أجل تخفيف الأمر على المكلف ليقبل، يعني: كما لو أقول لك: ما هي إلا أيام قليلة أو ما هي إلا ليال قليلة أو ما أشبه ذلك.

قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ هل المراد مطلق المرض؟

* الشيخ: هل المراد مطلق المرض؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: أي مرض يكون؟

* طالب: أي مرض.

* الشيخ: أي مرض يكون؟

* طالب: إي، أي مرض.

* الشيخ: أي مرض يكون، طيب توافق؟

* طالب: هو ظاهر القول هكذا، ولكن الصحيح خلاف ذلك.

* الشيخ: ولكن المراد، من هو الصحيح؟

* طالب: المراد أنه المرض الذي يشق معه الصيام أو يتأخر معه الشفاء أو يعارض تعاطي العلاج.

* الشيخ: إي، أحسنت، زين، وهذا التقييد الذي قيدنا به الظاهر؟

* طالب: يؤخذ من العلة.

* الشيخ: من العلة والحكمة تمام.

قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ما هو السفر؟

* طالب: السفر؟ ما أخذناه، وقفنا عنده.

* الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ السفر جاء في القرآن، وفي السنة وجاء في القرآن بلفظ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وبلفظ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء ١٠١] وبلفظ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل ٢٠] وما أشبه ذلك، ولم يحدد الله سبحانه وتعالى ولا رسوله مسافة ولا زمنًا لهذا السفر، لا مسافة ولا زمنًا، ومن أراد أن يتبين ذلك فليُراجِع، ما في القرآن إن السفر محدد بمسافة يقطعها الإنسان وليس هناك في عهد الرسول ﷺ أناس مسَّاحون يمسْحُون الأرض حتى يدركوا الذراع والشبر والأنملة وحبة الشعير وشعرة البرذون، لأن عند الذين يحددون بالمسافة يحددون إلى شعرة البرذون يعني: بهذه الحبة رمل تفرق بين المسافر وغير المسافر، اللي من دون الحبة غير مسافر، واللي من ورائها مسافر، هذا يقول شيخ الإسلام ما هو وارد، ما ورد عن رسول الله ﷺ ولا فيه مساحين يعرفون هذا التقدير بهذه المسافة وهذا صحيح، كذلك أيضًا لم يُقيَّد السفر بزمن؛ ولهذا اضطربت أقوال أهل العلم في هذه المسألة على أقوال تبلغ نحو العشرة، ما هو السفر، أيحدد بزمان أم يحدد بمسافة أم يحدد بالعرف؟ شيخ الإسلام رحمه الله له قاعدة معروفة وهو أن كل شيء أطلقه الشارع، ولم يَحُدَّه له الحد فإن الرجوع فيه إلى العرف، فما تعارفه الناس فهو انطبق عليه الحكم، وذكر منه السفر، قال: فما عده الناس سفرًا بحيث يقال: فلان سافر بحيث يعد له الزاد والمزاد ويتهيأ له فهو سفر وما لا فلا، وقال بعض العلماء: إنه إذا خرج ثلاثة أميال مطلقًا وإن لم يسم سفرًا قصر، وقال آخرون: إذا خرج ثلاثة فراسخ لحديث أنس بن مالك:« كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فَرَاسِخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين»[[أخرجه مسلم (٦٩١ / ١٢)، من حديث أنس.]] قال: فعلى هذا يقول: ما دام الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين إذا خرج هذه المسافة فإننا نأخذ بها، ولكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا حكاية لحال وقع، فلا ندري لو خرج أقل أو أكثر، أكثر على كل حال يقصر بلا شك لأنه من باب أولى، لكن إذا خرج أقلَّ، ولكنك إذا تأملت لفظ الحديث وجدت أنه أقل من ذلك الحديث يدل على أنه لا قصر فيه لأنه يقول: إذا خرج ثلاثة، إذا خرج، فمفهومه إذا خرج أقل فإنه لا قصر، فنقول: أقل الشيء هي ثلاثة أميال أو فراسخ، أيهما أحوط؟ ثلاثة فراسخ، ثلاثة فراسخ، لكن عامة أهل العلم وأكثر أهل العلم يرونه ستة عشر فرسخًا، يرون مدة مسافة القصر ستة عشر فرسخًا فما بلغها فهو قصر وما دونها فليس بقصر، وعلى هذا فنقول: ما دامت المسألة ليس فيها حد بَيِّنٌ شرعي فإنه إذا خرج هذه المسافة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصليها فيها ركعتين قصر، وما دونها محل شك والأصل؟ أيش الأصل؟ الإتمام، الأصل الإتمام فيتم، وما خرج عن الثلاثة فإنه يقصر إلا أنه لم يُعَدَّ سفرًا مثل رجل خرج بمسافة ثلاثة فراسخ ورجع من يومه، فإنه لا يعد مسافرًا، حتى في العرف لا يعد مسافرًا فلا يثبت له حكم السفر، لكن لو أن رجلًا خرج ثلاثة فراسخ، وأقام مدة بهذا المكان فإنه يعد مسافرًا، فصار السفر الآن إما أن يكون بمسافة وإما أن يكون بالزمن حسب العرف.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ التعبير اختلف في قوله: ﴿مَرِيضًا﴾ ولم يقل: ومن كان فيه مرض، قال: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾، وفي السفر قال: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ما هي الحكمة؟ قد يقال الحكمة -والله أعلم- أن المسافر قد تكون له حالة تشبه الإقامة، تكون له حال تشبه الإقامة مثل ما لو أقام في بلد مستريحًا مطمئنًّا مستظلًّا، فهو في الحقيقة ما كأنه مسافر لكنه أيش؟ لكنه على سفر، ما نيته الإقامة مثل ما حصل للرسول ﷺ في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة، وقد أفطر حتى انسلخ الشهر كما في حديث ابن عباس الذي في البخاري[[أخرجه البخاري (١٠٨٠)، من حديث ابن عباس.]]، الرسول ﷺ هنا باعتباره في بلد ويش يُعْتَبر؟ كأنه مقيم، هو والمقيمين على حد سواء، لكنه في الحقيقة على سفر ما نيته الإقامة نيته أن يبقى في هذا المكان لمدة بمقدار حاجته ثم يرجع، فهنا نقول: إنه على سفر، هذه فائدة، فائدة أخرى على رأي بعض أهل العلم: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه يعني: مثلًا إنسان عزم على أنه يمشي بعد الظهر في رمضان، وهذا متهيئ يهيئ عفشه، يحمل متاعه، وما أشبه ذلك، يقولون: وإن كان في بلده فإنه يجوز أن يفطر، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يفعل ذلك ويقول: «إنه من السنة»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤ / ٢٤٧) من حديث أنس.]]، لكن الحديث هذا فيه مقال عنه، لكن على رأي من أثبته يقول: إن الإنسان إذا عزم على السفر أصبح مفطرًا، وهذا قالوا: خير من كونه يصوم ثم إذا خرج أفطر؛ لأنه لم يدخل في العبادة أصلًا، لكن جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول: على أنه لا يحق له الفطر إلا إذا خرج على خلاف بينهم أيضًا، هل يجوز لمن سافر في أثناء اليوم وهو صائم أن يفطر أم لا والصحيح أنه يفطر لدلالة السنة على ذلك.

* طالب: هل يفطر إذا تهيأ؟

* الشيخ: لا ما أرى هذا ما أرى هذا؛ لأن الحديث فيه مقال في نفسي منه شيء، والأصل وجوب الصوم، والحمد لله إذا خرج ما دام إذا خرج له أن يفطر يخرج صائمًا وإذا شاء أفطر.

* طالب: ممكن يتأخر السفر لسبب خارج عنه.

* الشيخ: ربما يتأخر، خصوصًا في وقتنا الآن؛ لأن الآن الإنسان مربوط بغيره (...) الأسفار، الأول واحد يحمل البعير ويمشي؛ لكن الآن خصوصًا بالطائرات مربوط بغيره.

قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ معروف أن جمهور أهل العلم ما عدا أهل الظاهر يقولون: إن الآية على تقدير محذوف، وهو: فأفطر فعليه عدة، وقال أهل الظاهر: إنه لا تقدير؛ لأن الأصل عدمه فإذا دار الكلام بين الحذف وعدم الحذف فالأصل عدم الحذف، وعلى هذا ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ففرْضُه عدة من أيام أخر، فلو صام لم يجزئه؛ لأن الله إنما أوجب عليه العدة ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿أُخَرَ﴾ أي: مُغايِرَة لهذه الأيام، فعليه لو صام لم يجزئه، وهذا القول لولا وجود السُّنَّة لكان قويًّا لقوة تعليله، ولكن السنة بينت أن الآية لا بد فيها من تقدير: فأفطر، وذلك لأنه ثبت أن الصحابة مع النبي ﷺ منهم الصائم ومنهم المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ولو كان الصوم حرامًا ما فعله الصحابة بحضرة النبي ﷺ بل قد كان عليه الصلاة والسلام يصوم في رمضان كما في حديث أبي الدرداء: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة» َ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٤٥) من حديث أبي الدرداء، ومسلم (١١١٩ / ١٠٠) من حديث أنس بنحو هذا اللفظ.]].

* طالب: في سفر؟

* الشيخ: في سفر، في سفر، فهذا دليل على جواز الصوم في السفر، ثم «إن الرسول ﷺ أيضًا صام حتى جاء الناس إليه، فقالوا: يا رسول الله، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ماذا تفعل، فدعا بِقَدَحٍ من ماء بعد العصر، فشربه وهو على ناقته والناس ينظرون إليه»[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠ - ٩١) من حديث جابر بن عبد الله.]] وأفطر في أثناء النهار فهذا دليل على أيش؟ على جواز الصوم في السفر، وهو الحق وليس بواجب -والحمد لله- أن يفطر.

* طالب: جواز هذا يا شيخ، جواز الإفطار في أثناء النهار.

* الشيخ: (...) جواز الإفطار في أثناء النهار.

وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ شوف ﴿أَيَّامٍ﴾ ما قال: من الأيام الأُخَر، ﴿أَيَّامٍ﴾ نكرة، فنستفيد أنه لو صام عن أيام الصيف أيام شتاء يجزي ولَّا لا؟ يجزي لأن أيام نكرة ﴿أُخَرَ﴾ بمعنى مغايرة، ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وفيه إن شاء الله نتعرض في الفوائد إلى أن الواجب الأيام دون الشهر، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ لمَّا أوجب الصيام قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة ١٨٤] كأن هذه الجملة كأنها تفصيل لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وأن الصيام على المطيع إما أن يَفْدِي وإما أن يصوم، والصوم خير له.

وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة ١٨٤] الطاقة بمعنى القدرة أي: يقدرون عليه هذا هو الصواب كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقال بعض أهل العلم ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقًّا عليهم، فمعنى يطيقونه يُطوَّقُونه أي: يتكلفونه ويشق عليهم، وقال آخرون: إن في الآية حذفًا والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وعلى الذين لا يطيقونه، وهذا القول أضعفها؛ لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي، الله يقول: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وهذا يقول: لا يطيقونه، وهذا تفسير للشيء بضده ولا يستقيم، أما من قال: يطيقونه أي يبلغ طاقتهم حتى يشق عليهم فهذا له وجه، لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه، بل وظاهر الآية أيضًا يدل على ضعفه؛ لأن قوله في آخرها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] يدل على أن هؤلاء يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع وحديث سلمة بن أكوع في الصحيحين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥ / ١٤٩).]] أنه أول ما فرض الصيام كان الإنسان مخيَّرًا بين أن يصوم ويفتديه، ثم أوجب الله الصوم في الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة ١٨٥]، وهذا هو القول الراجح إن معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يستطيعونه، ﴿فِدْيَةٌ﴾ فدية هذه خبر ولَّا مبتدأ؟

* الطلبة: مبتدأ مؤخر.

* الشيخ: مبتدأ مؤخر خبره: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.

وقوله: ﴿فِدْيَةٌ﴾ أي فداء عن الصوم، يفتديه به عن الصوم، والأصل أن الصوم متعلق بك، وأنك مكلف به فتفدي نفسك من هذا التكليف بماذا؟ بطعام مسكين ﴿فِدْيَةٌ﴾، وقوله: ﴿طَعَامُ﴾ هذه عطف بيان لقوله: ﴿فِدْيَةٌ﴾ لأنها تبينه، هذه الفدية ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ طعام مسكين، هل يوزع على الأفراد أو على الجملة؟ يوزع على الأفراد، يعني عليهم لكل يوم طعام مسكين، وليس المعنى عليهم طعام مسكين لكل الشهر بل لكل يوم، ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طَعَامُ مَسَاكِينُ﴾ عرفتم؟ ومساكين جمع، فكما أن الأيام التي عليهم جمع، فكذلك المساكين الذين يطعمون جماعة، لا بد أن يكونوا جماعة، وقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فيها قراءات عندي نشوف القراءة الأولى: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ ، (...) المصحف وتشوفوا الإضافة وجمع (مساكين)؛ ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ ، هذه واحدة. القراءة الثانية: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ، توافق اللي في المصحف، إلا أنها بالجمع، نعم، إلا أنها بالجمع، ففيها أيضا ثلاث قراءات: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ وهذه من باب إضافة الشيء إلى نوعه كما أقول: خاتمُ حديدٍ أي: من حديد، ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ﴾ أي: فدية من طعام مساكين، أما القراءة الثانية اللي خلاف المصحف: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وهي على ما في المصحف تكون (طعام) عطف بيان، لكنها بينت أن المراد بالمسكين الجنس، وأنه موزع على الأفراد وأن المراد فدية لكل يوم مسكين.

وقوله: ﴿طَعَام مَسَاكِينَ﴾ (طعام) بُيِّنَ نوعه؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ما بين، بُيِّنَ قدره؟

* طالب: لا.

* الشيخ: بُيِّنَ جنسه؟

* طالب: جنسه طعام.

* الشيخ: إي جنسه طعام، زين، لكن نوعه لم يُبَيَّن ولا قدره، إذن نرجع إلى مسمى الطعام، فما سُمِّيَ طعامًا كفى، فإذا كنا في بلد لا يطعمون إلا اللحم، ناس ما عندهم إلا اللحم والحيتان على شاطئ البحر، يأكلون الطيور ومن الأسماك، ويش يصير الطعام؟

* الطلبة: أسماك ولحم.

* الشيخ: أسماك ولحم كذا ولَّا لا؟ إذا كنا في بلد لا يأكلون إلا الذرة، ويش يكون الطعام؟

* طالب: ذرة.

* الشيخ: ذرة، إذا كنا في بلد لا يطعمون الشعير؟

* طالب: لا يجزئ الإطعام.

* الشيخ: ما يجزي؟

* طالب: ما يجزي.

* الشيخ: فتَبَيَّن بهذا ضعف من يُقيِّد الطعام بأنه ما يجزئ في الفطرة، ثم يقولون الذي يجزئ في الفطرة كم من صنف؟ خمسة أصناف فقط وهي: البُرُّ والتمر والشعير والزبيب والأقط، لكن الصواب عموم الآية ما سُمِّي طعامًا فهو كاف، المقدار، المقدار لم يُبَيَّن، وعلى هذا لو غدّى المساكين أو عشَّاهم أجزأهم؟ أجزأهم، ولهذا «كان أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر صار يصنع طعامًا فيدعو إليه ثلاثين مسكينًا»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢٣٣٥)، وأبو يعلى (٤١٩٤)، والدارقطني (٢٣٩٠).]] ويكفيه هذا عن؟ عن صوم رمضان؛ لأن الله أطلق طعام، وقال بعض أهل العلم: إنه لا بد أن يكون الطعام مُدًّا من بُر أو نصف صاع من غيره، طيب، ما دليلهم على نصف الصاع؟ قال: دليلهم على نصف الصاع أن الرسول ﷺ قال لكعب بن عُجْرَة حينما أَذِنَ له في حلق رأسه وهو محرم، قال له: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٥) من حديث كعب بن عجرة.]] لكل مسكين نصف صاع، قالوا: فهذا تقدير من الرسول ﷺ في شيء مطلق في القرآن، اللي في القرآن: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦].

فمن قال: إن الآيات المطلقة تُحمَل على هذه الآية، مثل ما حملنا الآية المطلقة في تحرير الرقبة على الآية المقيدة بأنها مؤمنة، قالوا: فحَمْلُ الآية المطلقة على الآية المقيدة بالوصف كحمل الآية المطلقة على الآية المقيدة في القَدْرِ؛ لأن حقيقة القدر وصف (...)، فأنا إذا قلت: عندي بُرّ قدره عشرة أصواع، وصفته ولَّا لا؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: وصفته، كما لو قلت: عندي بر طيب، قالوا: فيحمل المطلق في جميع أنواع الطعام، إذا كان يريد أن يُفَرِّقَه عليهم بدون أن يدعوهم إليه يُحمَل على هذا المقيد، وأما دليل المد من البر فدليلهم أن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة وإذا البُرُّ قد كَثُر فيها قال: إِنِّي أَرَى مُدًّا مِنْ هَذِهِ يَعْدِلُ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ. فعدل الناس في وقته عن إخراج الفطرة من صاع إلى نصف صاع، لكن معاوية رضي الله عنه عارضه مَن عارضه من الصحابة مثل أبي سعيد رضي الله عنه فإنه قال: «أنا لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي ﷺ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥ / ١٨).]] ولا شك أن ما ذهب إليه أبو سعيد هو الحق في مسألة الفِطْرَة لأن الرسول ﷺ عيَّن الفطرة من أصناف مختلفة من تمر ومن شعير كما في حديث ابن عمر: «فرض النبي ﷺ زكاة الفِطْر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤ / ١٢).]] وأبو سعيد قال: «كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان الطعام يومئذ التمر والشعير والزبيب والأَقِط»[[أخرجه البخاري (١٥١٠).]]، البُرُّ ما ذُكِر لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قليل جدًّا، ما كان طعامهم العام، ولهذا ما ورد في السنة الصحيحة ذِكْر البر في مسألة الفطرة، وعلى هذا فنقول: الذين قالوا بأنه يجزئ المد أخذوه من فعل معاوية رضي الله عنه، طيب، الرز ما تقولون فيه: أيلحق بالشعير أم بالبر؟

* طالب: بالطعام.

* الشيخ: لا، الذين يقيدون مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير؟

* طالب: يُلْحَق بالبر، لأن الشعير رخيص.

* الشيخ: إي، أنا أرى أنه يلحق بالبر وأولى به؛ لسهولته أسهل من البر أسهل وأكثر فيما أظن.

* طالب: لا، كلهم متوسط يا شيخ.

* الشيخ: (...) نشوف، الآن إذا حطت لك مد من الرز في قِدْر وطبخته كم يصير من المد؟

* طالب: يصير مدين.

* الشيخ: يصير مدين أو أكثر من مدين أكثر من مدين نعم لكن حط لك حب من البر ما يشب هذا الشبا، حتى لو طحنته ما يكون يبلغ هذا المبلغ، ثم هو ما يحتاج إلى مؤونة، هذا البر ما يمكن تأكل إلا أنت طاحنه وعاجنه كذا؟ ومرصعه ولَّا لا؟ لكن هذا؟

* طالب: ما يحتاج.

* الشيخ: (...) ما فيه شيء.

* طالب: شيخ بعض الأماكن اللي لا يجد الإنسان ناس ينتفعوا بأنواع الأطعمة، إذا أعطته حتى أردب من البر ما ينتفع به؟

* الشيخ: ويش ينتفع به؟

* طالب: ينتفع بمال، يريد يأخذ مالًا.

* الشيخ: قروش يعني.

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: ويش تفيد ها القروش؟

* طالب: يعني ينتفع بها، والأكل عنده ما..

* الشيخ: ويش يبغي؟

* طالب: يعني أنت لا تجد مساكين في مكان مثلًا.

* الشيخ: أهم ما يكون الأكل؛ ولهذا يقدم الإنسان سد الجوع عن ستر العري.

* طالب: يعني إنسان مثلًا ليس في بلده، غريب مثلًا، في بلاد أجانب وكده ما يجد فقراء يعطيهم طعام كيف يفدي يعني؟

* الشيخ: هل بيعطيهم قروش هتنفع؟

* طالب: يستحون ما يأخذون الطعام.

* طالب آخر: يشق عليهم أن يجدوا فقراء.

* الشيخ: (...) الطعام الذي هم يأكلون (...).

* طالب: يشق عليهم أن يجدوا فقراء، يعني غالب أهل البلد ليسوا بمسلمين.

* الشيخ: طيب افرض إنه يأكل سندوتش، (...) وأعطيه، يعني شيخ الإسلام يرى أنه يجوز أن يُطْعِم من الخبز.

* طالب: إي، بس ما يطعم غير المسلمين يا شيخ؟

* الشيخ: لا لا غير المسلمين لا.

* طالب: طيب هو يشق عليه أنه يجد، فيه ناس في بلاد الأجانب..

* الشيخ: في مثل هذه نقول مثل الزكاة تدفعها في بلاد أخرى من بلاد المسلمين من المحتاجين، تُوَكِّل أحد ثم...

* طالب: طعام البر، (...) فيه فرق كبير.

* الشيخ: من جهة أيش؟

* طالب: من جهة الطعام (...) نشويات كثيرة (...).

* الشيخ: المهم إنه بالنسبة للطعام العام الطعام العام، لا شك (...).

* طالب: شيخ، هل يؤخذ من أثر أنس أن القضاء ثلاثين يومًا؟

* الشيخ: لا، يحمل على أنه الشهر اللي كان يطعم به إنه ثلاثين يومًا.

* طالب: (...) الشهر تسعة وعشرون يومًا.

* الشيخ: لا، مو على كل حال.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском