Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:186–188
2:186–188Page 28
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧
It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.
وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨
And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ يعود إلى من؟
* طالب: إلى الرسول.
* الشيخ: إلى الرسول ﷺ؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى في إبلاغ الوحي، وليس عائدًا إلى كل أحد، ما هو عائد إلى كل أحد، وقد سبق لنا أن الخطاب الموجه من الله عز وجل قد يكون خاصًّا بالرسول، وقد يكون عامًّا له وللأمة حسب السياق.
﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ (عباد) مضاف، والياء مضاف إليه، والمراد بالعباد هنا: العباد المؤمنون، بدليل قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، والكفار ما يدعون الله يدعون معه غيره.
وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عن أي شيء؟ عن ذات الله، عن صفاته، عن قربه، عن كرمه؟ الجواب هو الذي يحدد معنى السؤال، الجواب هو الذي يحدد معناه، نشوف الجواب: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إذن هم يسألون عن أيش؟ عن القرب والإجابة؛ لأن كلمة: ﴿عَنِّي﴾ تحتمل معاني كثيرة لكن يحددها الجواب، وكما يقال: إن الجواب على قدر السؤال.
﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ هل هذا يدل على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنه على تقدير هذا الأمر وفرضه؟ عندنا ثلاثة أشياء: هل تدل الآية على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنهم إن سألوك فقل كذا؟
* طالب: الثالث.
* طالب آخر: الثاني والثالث.
* طالب آخر: تشمل الجميع.
* الشيخ: الثالث، الثاني والثالث، لكن أنا ذكرت لكم هذه الاحتمالات الثلاث؛ لأنه ذكر في هذا الموضع حديث:« أن الصحابة قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ »[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٢٢)، من حديث عيينة بن أبي عمران مرسلًا.]]، وهذا الحديث تكلم فيه العلماء وضعفوه، ولكن بعضهم يذكره محتجًّا به، وممن يذكره محتجًّا به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا ذكره في هذا الموضع محتجًّا به دل هذا على أنه عنده حجة، وأقل أحواله أن يكون حسنًا، لكن كثير من المحدثين ضعفوا هذا الحديث، وسياق الآية لا يدل على أنه سببها؛ لأنه لو كان سبب نزول الآية هذا القول لقال كما يعبر في آيات كثيرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٤] وما أشبه ذلك، فيأتي بصيغة المضارع الدالة على الوقوع، لا بصيغة الماضي المعلق بالشرط فإن الماضي المعلق بالشرط يدل على عدم وقوع ذلك الشيء.
لكن هل يدل على أنه سيقع، أو على فرض أن يقع؟ قال علماء البلاغة: إن (إذا) و(إن) كلاهما شرطيتان، لكن (إن) لا تدل على الوقوع، قد تعلق بأمر ممتنع غاية الامتناع، بخلاف (إذا) فإنها تدل على الوقوع.
مثال ذلك: قلت لك: إذا جاء زيد فأكرمه، وأيش معنى هذا؟ أنه يبغي يجي وليكن إكرامك إياه عند مجيئه، فإذا قلت: إن جاء زيد فأكرمه، هذا يدل على أنه قد يأتي وقد لا يأتي.
فهذه الآية: ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ظاهرها أن السؤال منهم متوقع، وعلى هذا فيكون الله عز وجل أفتاه بأمر قد يكون، وهو للكون أقرب، أما (إن) فقلت لكم: إنها لا تدل على وقوع الشيء بل إنها قد تدخل على الشيء الممتنع غاية الامتناع، كقوله تعالى عن نفسه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١] هذا الشرط ممكن؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: غير ممكن، وقوله عن الرسول ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] يمكن، يمكن هذا؟ ما يمكن، إي نعم.
وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء ١٢] (إن) هذه دالة على شيء لا يمكن وقوعه، بل يمكن وقوعه..
إن هذا السؤال عن أيش؟ عن قربه وإجابته ﴿عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
من يسأل؟
* طالب: (إنْ) إذا قلنا: إنها بعيدة الوقوع (...)؟
* الشيخ: لا، قد تدخل ما هي مستحيلة ولا بعيدة، لكن الفرق أن (إذا) تدل على أن الأمر سيقع بخلاف (إنْ).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هو لا بد يكون له ولد؟ ما هو لا بد يكون.
* الطالب: قد يكون.
* الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، لكن (إذا) تدل على أن هذا الشيء سيكون.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ شوف ﴿سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ الياء تعود على الله، ﴿عَنِّي﴾ على الله، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ما قال: فقل: إني قريب، فبعضهم قال: إنه على تقدير (قل)، إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، فيكون الجواب محذوف، جواب (إذا)، و﴿إِنِّي قَرِيبٌ﴾ مقول هذا المحذوف، معموله، يعني: مقول القول، فقل: إني قريب، ولكن الصحيح أنها لا تحتاج إلى تقدير؛ لوجهين:
الأول: أن الأصل عدمه، وما دام الكلام يستقيم بدون التقدير فهو أولى.
ثانيًا: أن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ كأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى السؤال، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ﴿إِذَا سَأَلَكَ﴾ ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فهذا أبلغ من قوله: فقل: إني قريب.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الياء نقول: إنها تعود إلى الله عز وجل، فأخبر الله أنه قريب هو بنفسه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ لأن الضمير يعود على الله عز وجل، ولكن ما معنى القرب الذي أثبته الله لنفسه؟ هل المراد أنه حال في المكان؟ ويش الجواب؟ لا، هذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تنزل الآية على شيء مستحيل، ولكنها تنزل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، وهو كما قال شيخ الإسلام: قريب مع علوه، مع علوه على عرشه؛ لأنه محيط بكل شيء، والمحيط بكل شيء هو قريب وإن كان بعيدًا في علوه سبحانه وتعالى.
وهذا القرب لا يستلزم النقص، بل هو دليل على الكمال، ووجه ذلك: أنه إذا كان فوق السماوات العلا مستويًا على عرشه وهو قريب ويش يدل عليه؟ على كمال عظمته وإحاطته سبحانه وتعالى، وإلا فإن الإنسان بالنسبة للمخلوقات لا يتصور أن شيئًا بهذا البعد يكون قريبًا؛ لأن الله فوق كل شيء، فلكماله سبحانه وتعالى وكمال عظمته يكون قريبًا مع علوه؛ ولهذا في «حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا إذا علوا شرفًا أو هبطوا واديًا كبروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤ / ٤)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة إلى أن الإنسان يتعب نفسه برفع الصوت بالدعاء والتكبير؛ لأن الله جل وعلا قريب، قريب وإن كان فوق عرشه.
واعلم أن بعض بل الحلولية من الجهمية وغيرهم يستدلون بمثل هذه النصوص المتشابهة على باطلهم، فلا تكون قلوبهم متسعة للجمع بين الأدلة، ولا تكون قلوبهم متسعة للفرق بين الخالق والمخلوق، فيأخذون بنصوص ويدعون مثلها، ومن الغريب أن الشيطان لبَّس عليهم -والعياذ بالله- فأخذوا بالنصوص التي هي نقص في حق الخالق، وتركوا النصوص التي هي كمال في حق الخالق، تركوا نصوص العلو وهو كمال، وأخذوا بهذه النصوص المتشابهة، وهي -على ما قالوه- تقتضي النقص، وأن الله سبحانه وتعالى تحيط به مخلوقاته، وأنه لا ينزه عن الأماكن التي ينزه عنها عامة الخلق.
فالحاصل أننا نقول: إن هذا القرب لا يجوز لنا أن نتوهم أنه سبحانه وتعالى في الأماكن التي نكون فيها، وكل ما جاءك من هذه النصوص فاعلم أنه دال على عظمة الله عز وجل وإحاطته، ومنه ما جاء في الحديث: «عَبْدِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَقَالَ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَإِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، هذا يفرح به الحلولية ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يطبِّلون له، هذا واضح جدًّا عندهم، فيقال: أنتم نظرتم بعين أعور، عندكم نظر إلى النصوص من وجه، وطرف لها من وجه آخر، أهملتم الأدلة العقلية الفطرية السمعية على أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه وأخذتم بمثل هذه النصوص المتشابهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥ / ١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]. هؤلاء هم الذين سمى الله.
فنحن نعلم علم اليقين أن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما نقل عن ربه في قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ما أراد أنه وجده في الحجرة التي فيها المريض، ولكن لما كان المريض في الغالب -ولا سيما المؤمن- يكون عنده من الانكسار، من انكسار القلب والإنابة إلى الله عز وجل والخضوع ما لا يكون عنده في حال الصحة، فإن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، صح أن يعبر بهذا التعبير.
فهذه النصوص يا إخواني لا تظنوا أنها تنافي نصوص العلم؛ لأنه -كما قلت لكم- تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه مع علوه بذاته على عرشه قريب من خلقه، يقرب من خلقه كما يشاء، ولا منافاة، هذا صحيح بالنسبة للمخلوق، ما يمكن يكون في أعلى شيء ويقال: إنه قريب، لكن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
ومثله كذلك أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قد يعجز أو تعجز عقول بعض الناس عن إدراكها، فيحاولون أن يؤلوها، فنحن نقول: إن الله عز وجل يقرب من خلقه كما شاء، كما قال السلف، ولا نكيف، نقول: الله أعلم بهذه الكيفية، لكن نعلم أنه سبحانه وتعالى وإن قرب من خلقه وإن نزل إلى السماء الدنيا نعلم أنه لا يزال عاليًا، لا يزال عاليًا سبحانه وتعالى.
* طالب: شيخ، هل نقول: وجدت عنده ثواب أو مغفرة؟
* الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنه في الإطعام لما قال: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَمْ تُطْعِمْهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»[[سبق تخريجه. ]]، ففرق الله عز وجل بين الإطعام وبين عيادة المريض.
* طالب: «يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٢٧٨٢)، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا فَإِنَّمَا يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ». ]] نقول: نحمله عليها؟
* الشيخ: نعم، نحن نحمله على الحقيقة، «يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ» بمعنى ينغمر فيها.
* الطالب: نعم، يعني في الأجر والثواب؟
* الشيخ: في الأجر والثواب، إي نعم، ما في إشكال.
* طالب: لكن كيف نقول: «وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (...) ما نحمله على (...)؟
* الشيخ: ما نحمله؛ لأن هذا حديث واحد فرق فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى عن ربه.
* الطالب: نحن ما نتصور (...)؟
* الشيخ: لا، نحن نتصور، يتصور، العندية لا تنافي العلو بالنسبة لله عز وجل، أما بالنسبة للمخلوق نعم ما يكون عندك وهو بالسطح، لكن بالنسبة لله عز وجل ما هو صفاته كصفاتنا، فالحديث الذي ورد ذكر في الطعام قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» بهذا اللفظ، وفي العيادة قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ففرق بينهما.
* طالب: شيخ، الفطرة في الدعاء ما تحبذ هذا القول؛ لأن الله عز وجل ليس قريب لا بذاته ولا يعني الكيفية، أو الفطرة تقول: إن الله بعيد ليس بقريب؟
* الشيخ: إن الله في السماء لكن مع علوه هو قريب.
* الطالب: بس الفطرة تقول: ليس بقريب؟
* الشيخ: لا، ما يمكن.
* طالب: إيه، أن الله عز وجل..
* الشيخ: لا، إذا قلت: ليس بقريب بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أنه هو في المكان هنا (...)، لكنه قريب قربًا يليق به، ما نعرف حقيقة كيف يكون قريبًا، نثبت أنه قريب، ولكن ما نعلم كيف هذا القرب.
(...) لم يلزم أن يكون ذلك في حق الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهو علي في دنوه قريب في علوه. فلا يقاس بخلقه.
قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ﴿قَرِيبٌ﴾ هذه خبر (إن)، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أنتم فهمتم الآن أنه قريب مع علوه، وأنه لا تناقض بينهما؛ لأن الله لا يقاس بالمخلوقات، فهو قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، سبحانه وتعالى.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ قوله: ﴿أُجِيبُ﴾ هذه الجملة خبر ثانٍ لـ(إن)، فيكون خبرها اسما وجملة، يعني خبرها مفرد، والخبر الثاني جملة، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الدعاء بمعنى الطلب، وقوله: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أصلها: الداعي بالياء، كالقاضي والهادي لكن حذفت الياء للتخفيف، نظيرها قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩] وأصلها: المتعالي، هذا في ما فيه (أل)، وقد تحذف في الذي ليس فيه (أل)، قد تحذف في شيء ليس فيه (أل)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أصلها: من والي، وكل ذلك للتخفيف.
﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف قال: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾، مع أنه لا يكون داعيًا إلا إذا دعا، وحينئذٍ قد يقول قائل: ما فائدة الشرط؟ الداعي هو ما كان داعيًا إلا لما دعا، وحينئذٍ فما فائدة الشرط في قوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؟
نقول فائدته: الإشارة إلى أمرين، بل إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الإخلاص، بأن يدعو الله تعالى نفسه ما يتخذ بينه وبينه وسائط، فيقول: يا رسول الله، ادع الله لي، بعد ممات الرسول ﷺ، أو يا أيها الولي الفلاني -بعد موت الولي- ادع الله لي، أو ما أشبه ذلك، ففائدتها الإخلاص أن يكون مخلصًا لله في الدعوة.
الفائدة الثانية: اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى محقق له ما دعا؛ لأنك ما تدعو أحدًا بصدق إلا وأنت واثق من إجابته؛ ولهذا جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فيكون فائدتها: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أي: حقًّا، دعاني حقًّا يعلم أنني سأوتيه دعوته.
الشيء الثالث: تفيد صحة افتقاره إلى الله، وأنه حقيقة مفتقر له؛ إذ إنه لا يدعى إلا من كان مفتقرًا إليه، فيكون فائدة ذلك تحقيق هذا الدعاء على الوجوه الثلاثة، وهي: الإخلاص ويش بعد؟ الإيقان بالإجابة، والثقة بالله عز وجل، والثالث: صحة الافتقار إلى الله، بحيث إنه ما دعا إلا وهو مفتقر؛ لأن المستغني ما يدعو، المستغني لا يدعو.
وقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ أصلها: دعاني بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا.
وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ شوف ما قال: أجيب مسألته، قال: أجيب دعوته، وإجابة الدعوة لا يلزم منها تحقيق المسألة؛ إذ قد لا يجيب الله تعالى مسألته، ولكن يجيبه إما بأن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، وإما بأن يدخرها له، فإذا لم يجب ما سأله بعينه وادخره له أو صرف عنه من السوء ما هو أعظم، فهل يقال: إنه أجاب الدعاء ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أجاب الدعاء لا شك، لكنه لحكمته ولرحمته بهذا الداعي اختار له ما اختار، قد يكون من مصلحة الداعي أن تجاب دعوته، قصدي أن تجاب مسألته التي سأل، وقد لا يكون من المصلحة.
وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال بعدها: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فليجيبوا لي؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجاب، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٣٨] بمعنى أجابوا له، وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ هنا ما قال: فليستجيبوني، (...) أجاب يقال: أجابه، لكن هنا عداها باللام: استجاب له؛ لأنه ضُمن معنى الانقياد، وإلا لكانت (أجاب) تتعدى بنفسها، نظيرها قوله ﷺ في حديث معاذ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لَكَ بِذَلِكَ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ»، وفي رواية في ابن خزيمة (٢٣٤٦) بلفظ: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ».]]، (أَجَابُوا لَكَ) » ولم يقل: أجابوك، فضمن الإجابة معنى الانقياد.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ يعني: فلينقادوا لي إجابة، مبنية على ما بعدها ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مبنية على الإيمان، وهنا قال: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ دون وليؤمنوا لي؛ لأن الإيمان بالله متضمن للاطمئنان والاعتراف التام وليس مجرد تصديق، بل هو تصديق باطمئنان قلب؛ ولهذا يقال: اطمأن قلبه به، فصدَّق واطمأن، وقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ اللام هذه في الفعلين لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لعل؟
* طالب: للتعليل.
* الشيخ: للتعليل نعم، كلما جاءت لعل في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا تكون إلا فيمن يحتاج ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب، أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا، فيكون ما جاء في القرآن من مثل هذا التعبير يكون معناه التعليل لأجل الرشد.
والرشد يطلق بمعنى حسن التصرف، وبمعنى الغنيمة؛ ولهذا يقال: يا راشد، يعني: يا غانم، وأما الرشد بمعنى حسن التصرف فهو كثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٦] ويش معنى ﴿رُشْدًا﴾؟ أي: حسن تصرف، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات ٧] أي: الغانمون، فهي قريبة من معنى المفلحين، وفي هذه الآية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ تحتمل المعنيين: الرشد بمعنى حسن التصرف، والثاني: بمعنى الغنيمة التي رشدوا بها، ولا شك أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه أحسن الناس تصرفًا ويوفق ويهدى وتيسر له الأمور، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧]، ولا شك أيضًا أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه غانم رابح، ولا أحد أربح منه.
إذا قال قائل: إذا حملتم الرشد هنا على المعنيين جميعًا، فمعنى ذلك أنكم استعملتم المشترك في معنيين فماذا نقول؟ نقول: ما فيه مانع، نقول: الصحيح أنه جائز، إذا كان المعنيان لا يتنافيان، وأي مانع من أن يكون المتكلم قصد ما يدل عليه الكلام هذا وهذا.
* طالب: المعنيين يكونون أبلغ بهذا؟
* الشيخ: نعم، رجل قال: دخل اللصوص على بيت فلان فأتلفوا عينه، ويش المراد بالعين؟
* طالب: المتاع.
* طالب: المال.
* الشيخ: المال، وعينه أيضًا اللي تجري، الماء، أو لا؟ وعينه الباصرة، كلٌّ يمكن، فإذا علمنا أن هؤلاء اللصوص أفسدوا كل الثلاثة، فلا مانع أن نقول: إنهم دخلوا على بيته فأتلفوا عينه، ويش المانع؟ الكلام بس أن يكون هناك دليل على أن هذا اللفظ المشترك مستعمل في المعنيين، فإذا دل الدليل فلا مانع.
* طالب: الشوكاني يقول: بمعنى الهداية؟
* الشيخ: نعم، الهداية من حسن التصرف.
* طالب: شيخ، قوله ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ما في فائدة أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء (...) مسألة ودعاء عبادة، (...) نص على دعاء المسألة بخصوصها؟
* الشيخ: لا، ما فيه هذا الدليل؛ لأن هذه أيضًا -سيأتينا إن شاء الله في الفوائد- أنها صالحة للأمرين.
* طالب: في قوله تعالى في آية أخرى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام ٤١] هنا تقيد النص؟
* الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد.
* طالب: بالنسبة لـ(لعل) ما تكون للترجي تكون للمخلوق؟
* الشيخ: لا، بالنسبة لله ما يكون.
* الطالب: لا، بالنسبة..
* الشيخ: للمخلوق تكون للترجي وللتعليل وللتوقع وللإشفاق، وتأتي أيضًا -كما مر علينا في البلاغة- تأتي للتمني.
* طالب: شيخ، (...) لعل (...)؟
* الشيخ: لأن ما هناك شيء معلل من قبل.
* طالب: بالنسبة ها الآية بالنسبة لكلام الله؟
* الشيخ: لأن مقصود هذه للتعليل، نقول: للتعليل.
* طالب: هذه في حق المخلوقين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟
* الشيخ: إيه، لكن من اللي قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؟
* الطالب: إيه، الله سبحانه وتعالى هو اللي قاله، جميع القرآن من كلام الله.
* الشيخ: يعني معناه: أترجى أن يرشدوا؟
* الطالب: لا، هو بحق (...) يختلف.
* الشيخ: لا، ما يصلح، هذا ما دام أن الله علل فعلًا من أفعاله..
* طالب: يعني نقول: إن العباد متفاوتون، منهم من يرشد ومنهم من لا..
* الشيخ: أبدًا، إذا استجابوا لله وآمنوا رشدوا لا شك، لا بد، إذا استجابوا لله وآمنوا به لا بد أن يرشدوا.
ثم قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كلمة ﴿أُحِلَّ﴾ مبنية للمجهول؛ لأنه معلوم من الذي بيده الإحلال والتحريم وهو الله، وقوله: ﴿أُحِلَّ﴾ تدل على أن الأمر كان محرمًا من قبل، وإلا لما احتيج إلى النص على الإحلال؛ لأن الأصل الحل، بخلاف ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، فلا يدل على أن ذلك كان حلالًا، مثلًا؛ لأنه ليس الأصل التحريم، فهنا نقول: ﴿أُحِلَّ﴾ يدل على أنه كان قبل ذلك حرامًا، وهو كذلك.
وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي صيام؟ الصيام المنعوت السابق وهو صيام رمضان.
وقوله: ﴿الرَّفَثُ﴾ (الرفث) نائب الفاعل فاعل ﴿أُحِلَّ﴾ ولهذا رفع، والرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الكلمات التي تقع بين الزوج وزوجته حين الجماع؛ لأنه يقع بين الزوج وزوجته حين الجماع من الكلمات ما يستحيى منه، ويسمى رفثًا، ولكنه هنا يراد به الجماع، بدليل أنه عُدِّي بـ(إلى)، ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الإفضاء إلى نسائكم، والإفضاء بمعنى الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١].
فقال: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (النساء) جمع (نسوة)، ونسوة اسم جمع لا مفرد له، ومفرده امرأة، مثل (إبل) اسم جمع لا مفرد له، ومفرده بعير.
قوله: ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ المراد: زوجاتكم وإمائكم، وهذا واضح؛ لأن غيرهما لا يحل مطلقًا لا في ليل الصيام ولا غيره ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٥ - ٦].
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ الجملة هذه استئنافية للتعليل، تعليل الحل، يعني: أحل لكم ذلك لأنكم لا تستغنون عنهن ولا يستغنين عنكم، فأنتم لهن لباس وهن لكم لباس، وانظر إلى التعبير بـ(اللباس) لما فيه من حفظ الفرج، فاللباس يستر العورة، والزواج يحصل به تحصين الفرج، ثم ما فيه من الستر والصيانة والحماية، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١].
ويشمل ذلك أيضًا معنى اللباس أوسع من كونه سترًا وحماية وصيانة، يشمل التقارب بين الزوج وزوجته، كما قال الشاعر:
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهُ ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا
فالحاصل أن هذا التعبير بـ(لباس) يعطي أقوى دليل على ما بين الزوجين من أيش؟ من التقارب ومن الحفظ والحماية، وأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا شيء من حكمة الله عز وجل ورحمته ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. هذا الذي جعله الله تعالى بين الزوجين من رحمته أنه أحل لنا الرفث إلى نسائنا في ليالي الصيام.
ثم بين الله عز وجل حكمة أخرى موجبة لهذا الحل، وهي قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ -الحمد لله- ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ بماذا؟ بإتيانهن بحيث لا تصبرون فتختانون أنفسكم، والظاهر -والله أعلم- أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن الأمر هين، أو بأنه صار في حالة لا تحرم عليه زوجته وما أشبه ذلك، وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى الإنسان العشاء الآخرة أو إذا نام قبل العشاء الآخرة، فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي، فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم ما صبر، فبين الله عز وجل حكمته ورحمته بنا حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ ولم يقل: تخونون؛ لما في قوله ﴿تَخْتَانُونَ﴾ من زيادة الحروف الدالة على زيادة المعنى؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا صحيح ولَّا لا؟ صحيح، لكنه غالبي ما هو دائمًا، فـ(بقرة) و(بقر) أيهم أكثر حروف؟ بقرة، وهي أقل معنى، أيهن أكثر البقرة الواحدة ولَّا البقر؟ البقر أكثر، إي نعم، فالمسألة أغلبية.
قال: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ تاب عليكم، هل المعنى: فتاب عليكم قبل أن تتوبوا، أو أن الله نسخ هذا الأمر والنسخ توبة؛ لأنه لولا النسخ لكان الوقوع فيه إثمًا؟ أيهما المعنى؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: لكن هذا المعنى الأخير هو الأصح، ونظيرها قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠]، بعد أن أوجب علينا القيام سبحانه وتعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل ٢ - ٤]، قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بنسخ الوجوب؛ لأنه لولا النسخ لكان تركه تركًا للواجب، فيكون إثمًا، فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة، إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل المحرم أو بترك الواجب.
* طالب: شيخ، زياد المبنى ما تطرد في المشتقات؟
* الشيخ: ما نقدر نحكم بشيء، نحن نقول: أغلبية، ما نقدر؛ لأن حصر ها المسائل هذا صعب، يمكن يجي واحد ينقض عليك المثال، ثم تضطر إلى أن تقول: أغلبية، (...).
* طالب: قلت: إنه لقد أحل، فدل على أنه كان محرمًا من قبل، عام في القرآن؟
* الشيخ: لكن هنا في هذه الآية دليل.
* الطالب: وليست عامة؟
* الشيخ: في القرآن..
* الطالب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة ٥].
* الشيخ: في القرآن إما أن يكون هذا توطئة لما بعده، أو إزالة وهم، أو ما أشبه ذلك، أو بيان امتنان، ما نضبطها، إنما في هذه الآية تدل على أنه محرم من قبل.
* طالب: ﴿تَخْتَانُونَ﴾ معناها يعني: بين اثنين، يعني الفعل في التكاثر، يعني ما هو الإنسان يخون نفسه، يعني يحصل بينه، هذا المقصود به المعنى؟
* الشيخ: نعم، هذا من المقصود بلا شك، أن كل واحد منكم يخون الثاني قصدك؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: مثل تقاتلون؟ لا، بس كلمة اختان مثل اختار، يعني ما هي بتدل على المفاعلة، لكن قد يكون هذا من جملة ما يستفاد من زيادة المبنى، قد يكون هذا من جملته، إنما أن نقول: هذا هو الفائدة، ما نقدر نقول: هذا هو الفائدة؛ لأن كلمة (افتعل) ما تدل على المشاركة.
قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بماذا تاب؟ قلنا: بالنسخ؛ لأنه لولا النسخ لكان فعله محرمًا مقتضيًا للإثم.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو يكون في مقابلة إساءة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فما هي الإساءة اللي حصلت؟ هي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم من إتيان أهلهم في ليالي الصيام قبل أن ينسخ التحريم؛ ولهذا قال: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾، وأصل العفو هو ترك المؤاخذة على الذنب، ومن أسماء الله تعالى العفو، ويطلق العفو على معنى الزيادة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف ٩٥] يعني: كثروا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] يعني: وفروها وأكثروها.
﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى آخره، ﴿فَالْآنَ﴾ الفاء حرف عطف تقتضي الترتيب، يعني: فالآن بعد التحريم وبعد تحقق التوبة والعفو باشروهن، وكلمة الآن -تقدم لنا- أنها اسم إشارة إلى الزمن الحاضر وأنها مبنية على الفتح في محل نصب، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة الجماع، وسميت مباشرة لالتقاء البشرتين فيها: بشرة المرأة وبشرة الرجل، وقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ هو -كما نعلم جميعًا- فعل أمر، فما المراد بهذا الأمر؟
* طالب: الإباحة.
* الشيخ: الإباحة أو رفع التحريم؟
* الطالب: أو كذلك.
* الشيخ: أو كذلك لا، بينهما فرق.
* طالب: هو الإباحة.
* الشيخ: لا لا، بينهما فرق؛ ولهذا اختلف الأصوليون في الأمر بعد الحظر هل هو للإباحة أو رفع للتحريم؟ فمنهم من قال: إنه للإباحة، ومنهم من قال: إنه رفع للتحريم، وبينهما فرق، فإذا قلنا: للإباحة، فمعناه أن هذا الفعل بعد التحريم صار مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للتحريم، فمعناه أن هذا الشيء عاد إلى حكمه قبل التحريم، فإن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مستحبًّا فهو مستحب، وإن كان مباحًا فهو مباح، فالآن ظهر الفرق بين القولين، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: حجة الذين يقولون: إنه للإباحة، يقولون: إنه لما ورد التحريم على الحكم الأول نسخه وصار كأن لم يكن، مفهوم؟ فإذا جاء الأمر بعده فمعناه أنه صار مباحًا، بعدما كان حرامًا صار مباحًا، وهذه حجة قوية.
والذين قالوا بأنه رفع للتحريم، قالوا: لأن الحكم الأول لما ورد عليه التحريم صار محرمًا، فلما زال التحريم عاد إلى ما كان عليه، كأن التحريم ستر وضع على مغطى، فإذا رفع هذا الستر فكيف يكون المغطى؟ يكون كما كان عليه، ومن ثم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢] هل الاصطياد مباح أو أنه يكون حسب حكمه بالأول؟ حسب الحكم الأول، وهذا هو الذي يبدو راجحًا، وإن كان المسألة ما هي عندي بذاك المتميزة كثيرًا؛ لأن كلا التعليلين قوي، لكن الذي يبدو أنه أقرب: أن الأمر بعد الحظر هو رفع للتحريم.
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، هذا أمر بعد الحظر؛ لأنه قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هل نقول الآن: إن البيع بعدما كان محرمًا صار مباحًا الآن أو صار مستحبًّا أم ماذا؟ نقول: عاد على ما كان عليه، والبيع -كما هو معلوم- قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا.
* طالب: نقول: دل على الإباحة، لكن الدليل الآخر في هذه الآية ما هي الإباحة لكن هناك أدلة أخرى؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ففي الآية مثلًا هذه.
* الشيخ: لا، إحنا كلامنا على القاعدة العامة، هل نسخ التحريم رفعٌ له أو أنه مقتضٍ للإباحة، الأمر بعد التحريم؟
* الطالب: أظن يقتضي الإباحة مثلًا، لكن دلت أدلة أخرى (...) في غيرها.
* الشيخ: لا، بينهم فرق.
* طالب: على قولنا: بأن المباح تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون فيه فرق التعبيرين؟
* الشيخ: إيه؛ لأنه إذا قلنا: بأنه يعود إلى ما كان عليه أو رفع للتحريم، ننظر هذا الشيء الذي نهي عنه الآن هل هو قبل النهي مستحب، فيكون مستحبًا، قد يكون قبل الأمر مستحبًا، فيكون مستحبًا يبقى على استحبابه.
* الطالب: لكن مثل البيع يا شيخ، ويش حكم يعني..؟
* الشيخ: لا، البيع حكمه الإباحة، لا شك.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences