Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:207–212
2:207–212Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.
(...) لما ذكر حال المنافقين الذين يعجبك قولهم في الحياة الدنيا وهم ألدّ الخصام، والذين إذا تولوا سعوا في الأرض فسادًا، فأهلكوا الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، ذكر حال قوم على ضدهم، وهكذا القرآن كما تقدم لنا مرارًا، القرآن مثاني تُثَنَّى فيه الأمور، فيؤتى بذكر الجنة ثم النار، وبذكر المتقين ثم الفجار، وهكذا لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة ما يكلّ ولا يمَلّ، ثم ليبقَ الإنسان بين الخوف والرجاء، الخوف إذا رأى النار ووعيدَها وعقوبتها، والرجاء إذا رأى الجنة ونعيمها وثوابها، ثم يبقى ينظر إلى حال الناس جميعًا، أهل الخير وأهل الشر كأنهم أمامه في المرآة، بخلاف ما لو كانت السياقات واحدة، ثم انتهى الكلام عن أحوال هؤلاء كلهم، ثم ابتدأ بالكلام في أحوال الآخرين، فترتيب القرآن لا شكَّ أنه من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى، وأنه هو الموافق لإصلاح القلوب، ولهذا نرى أنه ليس من المستحسن، بل إنه من الذي نرى أنه مُحرَّم، هؤلاء الذين جمعوا آيات القرآن المتناسبة، جمعوا بعضها إلى بعض كما يوجد في تفصيل آيات القرآن الحكيم للذي كتب المعجم المفهرِس لآيات القرآن، المعجم المفهرس سليم لا بأس به، لكنه كتب كتابًا آخر تفصيل آيات القرآن الحكيم، وجمع آيات التوحيد جميعًا، وآيات الصلاة جميعًا، وآيات الزكاة جميعًا، وآيات المتقين جميعًا، إلى آخره، وقرآن مصحف لكنه مرتّب بحسب المعاني، هذا في الحقيقة لا يَرِد، ونرى أنه إلى التحريم أقرب؛ لأنه إخراج لكتاب الله سبحانه وتعالى عن ترتيبه الذي رُتّب عليه، والترتيب بين الآيات اجتهادي ولّا توقيفي؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي، هنا قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ [البقرة ٢٠٤]، ثم قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا كتاب مصنف.
* طالب: جمَّع الآيات..
* الشيخ: إي.
* الطالب: جمَّع، بوَّب إلى آخر المصحف.
* الشيخ: إي إلى آخر المصحف.
* الطالب: أصل فيه كثير من التصانيف تخرج..
* الشيخ: فيه كثير من التصانيف مثلًا كما نرى في آيات الصلاة (...)الأحكام هذه ما فيها شيء.
* طالب: (...) القرآن (...).
* الشيخ: إيه هذا (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: على كل حال لا يجوز إخراج القرآن يعني يُؤلَّف كله على هذا التفصيل إلا على ما جاء به كتاب الله.
* طالب: فيه الآن تفسير موضوعي، يعني كل موضوع يجمع جميع الآيات التي وردت في هذا الموضوع..
* الشيخ: ما فيه مانع هذا؛ لأنه مجزأ، يعني يأخذ الموضوع المتَّحِد ويحطه في كتاب مستقل، ما فيه شيء هذا، وما زال العلماء يفعلونه مثل كتاب تفسير آيات الأحكام للجصّاص وغيره موجودة والقرطبي، هذا جمع القرآن كله في مصحف، وخلّى ها الآيات هذه لحالة وهذه لحال وهذه لحال.
* طالب: كما لو أعاد ترتيبه.
* الشيخ: إن كان مرتبًا من جديد.
* الطالب: (...) القرآن (...).
* الشيخ: كل واحد يا أخي، ما دام إن القرآن كله موجود على هذا الترتيب، فمعنى ذلك أن فيه شبه اعتراض على الترتيب الإلهي.
* طالب: (...) إذا أراد أن يرجع يريد أن ينظر (...) مثل يجد شيء..
* الشيخ: هذه مشكلة.
* الطالب: لا بد (...).
* الشيخ: ما يخالف، نحن نقول: لو أنه قال باستثناء جزء في قصة موسى، وكتب كلمة واحدة في قصة موسى لا بأس، جزأها منفردة، لكن كونه يكتب جميعًا ومشكَّلًا كأنه مصحف (...) هذا لا يصح، ما يجوز، ويش معنى أنه توقيفي الترتيب؟
* الطالب: لا، هو أصلًا (...) لا أنه فعله على أنه قرآن.
* الشيخ: يعني ويش الفرق؟ تسمية فقط؟
* الطالب: لا، هو (...).
* الشيخ: لا يا أخي، ما أظن أبدًا (...).
* الطالب: هذا يسمونه التفصيل..
* الشيخ: إي، ما يجوز، اجعل مثلًا موضوعًا معينًا لا بأس، نوافقك في هذا، أما أن تُرتّب القرآن كله من أوله إلى آخره ترتبه على ما تريد أنت، فهذا حرام سمِّه ما شئت.
المهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ هذا هو القسيم الثاني، أول قسيم لقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ فعلى هذا تكون (مِن) للتبعيض ﴿مِنَ النَّاسِ﴾، و(مَن) مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره، وقال بعض أهل النحو: إن (مِن) التبعيضية اسم؛ لأنها بمعنى (بعض)، وعليه فتكون هي مبتدأ، وتكون ﴿مَنْ يَشْرِي﴾ خبره.
وقوله: ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعها؛ لأن (شَرَى) بمعنى (باع)، كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف ٢٠]، شروه يعني باعوه بثمن بخس، أما (اشترى) فهي التي تأتي بمعنى ابتاع، فإذا جاءت التاء فهي للمشتري، للآخِذ، وإذا حُذفت التاء فهي للبائع المعطي.
﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، يعني ذاته، يعني يبيع نفسه، ﴿ابْتِغَاءَ﴾ مفعول من أجله، أي: طلب. ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: رضوانه، أي يبيع نفسه في طلَب رضا الله عز وجل، فيكون قد باع نفسَه مخلصًا لله عز وجل في هذا البيع.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، كلمة ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ هل تعني شخصًا معينًا أو هي عامة؟
قال بعض المفسرين: إنها تعني شخصًا معينًا وهو «صهيب الرومي لما أراد أن يهاجر من مكة منعه كفار مكة، وقالوا: ما يمكن تهاجر أبدًا إلا أن تدعَ لنا جميع ما تملك، فنحن نأذن لك بالهجرة؛ فوافق على ذلك، وأنقذ نفسه بالهجرة ابتغاء مرضاة الله »[[أخرجه ابن حبان (٧٠٨٢) من حديث أبي عثمان النهدي.]].
وقال بعض العلماء: بل هي عامة، وهم أكثر المفسرين، عامة لكل المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة ١١١]، وهذا القول أصح؛ أنها للعموم، حتى لو صحَّ أن سبب نزولها قصة صهيب فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعنى معناه أن هؤلاء الذي باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله فإن الله تعالى يشملهم برأفته؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، قال العلماء: والرأفة أرقّ الرحمة، يعني أعلى درجات الرحمة في الرقة، إذن فهي رحمة في غاية ما يكون من الرقَّة فتكون رأفة، فمن أسماء الله تعالى الرؤوف، ومن صفاته الرأفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو دالّ على صفة أو صفتين أو أكثر كما مرّ.
وقوله: ﴿بِالْعِبَادِ﴾ (أل) هنا للعموم، فهي نائبة منابَ (كل)، أي: بكل العباد، والمراد بالعباد هنا من كانوا عبيدًا له بالمعنى القدَري لا بالمعنى الشرعي، فرأفة الله تعالى ورحمته شاملة لكل أحد، لكن مَن كان مؤمنًا حصلت له الرأفة الخاصة والعامَّة، ومن كان غير مؤمن فله الرأفة العامة، واعلم أن العبوديّة لها معنيان: خاص، وعام؛ والخاص له أخص وهو خاصّ الخاص، فمن العام قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢]، على القول بأن المستثنى هنا متصل، وأما إذا قيل: إنه منقطع، فإن قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ من القسم الخاص.
وأما الخاص فمِثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، مَن المراد بهم، كل العباد؟ لا، عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات فيخرج من لم يتصف بها.
والذي أخص مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] هذه عُبودية أخصّ عبودية الرِّسالة.
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة ٢٠٨]، قوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ عندي فيها قراءة ثانية وهي: ﴿رَءُفٌ﴾، بدون واو ﴿وَاللَّهُ رَءُفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ٢٠٨]، ﴿السِّلْمِ﴾ فيه قراءتانِ: ﴿السَّلْمِ﴾، و﴿السِّلْمِ﴾، و﴿خُطُوَاتِ﴾ فيها قراءتان: ﴿خُطُوَات﴾ بضم الطاء، و﴿خُطْوَات﴾ بسكون الطاء.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخطاب للمؤمنين، وقد تقدّم أن الله تعالى إذا ابتدأ الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب، ولا يقتضي التنبيه إلا ما كان مُهِمًّا، الآن لو أقول: انتبه، يكون أقل مما لو قلت: يا فلان انتبه؛ لأن الخطاب له للتنبُّه، فالنداء الحكم الْمُصدَّر بالنداء يدل تصديره بذلك على أنه هامّ، ولهذا صُدِّر النداء الموجب للتنبه، ثم إذا كان الخطاب للذين آمنوا فإن في ذلك ثلاث فوائد كما سبق، الفائدة الأولى؟
* طالب: أن هذا المشار إليه من شأنه أو من (...) يتصف به.
* الشيخ: أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، الفائدة الثانية؟
* طالب: ما ينهاهم عنه هو شر ولا..
* الشيخ: لا.
* طالب: الحث والإغراء.
* الشيخ: نعم، صح، الحث والإغراء؛ لأنك لو قلت: يا مؤمن، تحثه؛ لأن بمقتضى إيمانه يفعل، مثل ما لو قلت: يا أيها الكريم جُد على الفقير، هذا مقصوده الإغراء بكرمه حتى يتذكر صفته وهي الكرم، هذا حتى يتذكر صفته وهي الإيمان.
الفائدة الثالثة: أن فعل هذا إن كان أمرًا من كمال الإيمان، وتركه من نقص الإيمان، وفِعله (...) ينقِّص الإيمان، واجتنابه لله يزيد في الإيمان، هنا نشوف الآية اللي معنا أمر ولا نهي؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويش بعده؟ أمر ﴿ادْخُلُوا﴾، فيكون الدخول في السلم من مقتضيات الإيمان، ويكون الدخول في السلم مُكمِّلًا للإيمان، ويكون عدم الدخول في السلم مُنقِّصًا للإيمان، كل هذا استفدناه من الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ السِّلْم والسَّلْم بمعنى الإسلام، وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فإن قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]، فكيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾؟ قلنا: إن هذا الأمْر مقيد بما بعد قوله: ﴿فِي السِّلْمِ﴾ وهو قوله: ﴿كَافَّةً﴾، فهنا يتوجَّه الأمر، أو إلى هنا عند ﴿كَافَّةً﴾ يتوجه الأمر، يعني: نفِّذُوا أحكام الإسلام جميعًا، لا تُفرطوا في شيء منها؛ لأن هذا مقتضى كمال الإيمان، فيكون هنا الأمر مُنصبّ على مجرد الدخول في السِّلم ولّا منصب على قوله ﴿كَافَّةً﴾؟ على قوله ﴿كَافَّةً﴾.
وقوله: ﴿كَافَّةً﴾، ﴿كَافَّةً﴾ اسم فاعِل يُطلق على من يَكُفّ غيرَه، فتكون التاء فيه للمبالغة مثل راوِية، وساقِية، وعلَّامة، وما أشبهها، فالتاء هنا في هذه الأمثلة الثلاثة ساقِية، وراوِية، علَّامة للمبالغة، فيقول ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافّ، وتكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافّ، والتاء للمبالغة، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨] ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، معناها أي: كافًّا لهم، كافًّا لهم عما يضرهم، ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، فمعنى كافة أي: كافًّا لهم عما يضرهم، والتاء هنا للمبالغة، ومثَّلوا لذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦]، وقالوا: إن قاتلوهم كافة أي: كافين لهم عن الشرك كما يقاتلونكم كافّين لكم عن الإسلام؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ١٦٧] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥]، فهم يقاتلوننا ليكفُّونا عن ديننا فنحن نقاتلهم لنكفهم عن الشِّرْك والكفر، وتطلق (كافة) بمعنى الجماعة، مثل العامَّة، كما يُقال: كافة الناس أي: عامّتهم وجماعتهم، ووجه ارتباطها بالمعنى الأصلي اللي هو الكف أن الجماعة لها شوكة ومنعَة تكُفّ بجمعيتها من أرادها بسوء، لهذا سُمِّيت الجماعة كافة.
* طالب: كافة الناس..
* الشيخ: مثل كافة الناس وعامة الناس أي جماعتهم. قالوا: ومنه:«بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ...»[[أخرجه البخاري (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»، وأخرجه أيضًا من حديثه (٤٣٨) بلفظ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً».]] كَافَّة ولّا عامة؟
* طالب: كافة.
* طلبة: عامة.
* الشيخ: عامة، لكن وأرسلناك كافة للناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: وأرسلناك.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على كُلّ حال يقال: أُرسل النبي ﷺ إلى الناس كافة، كافة يعني جميعًا، هنا ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، هل المراد ادخلوا في السلم جميعًا وتكون (كافَّة) حالًا من السِّلم، أو ادخلوا أنتم جميعًا في السِّلْم وتكون ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الواو في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، أيهما أقرب؟ الأقرب المعنى الأول؛ لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعًا في السلم، صار معنى ذلك أن بعضَ المؤمنين لم يدخل في الإسلام، وحينئذٍ فلا يصح أن يتوجه إليه النداء بوصف الإيمان، والمعنى الثاني هو الصواب أن ﴿كَافَّةً﴾ حالٌ مِن السِّلم، مِن السِّلم، يعني: ادخلوا في الإسلام كله جميعًا لا تدعوا شيئًا من شعائره، وهذا هو المعنى الصحيح للآية، وهو الذي ينطبق على مقتضى الإيمان؛ لأن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع الشرائع، ما يأخذ بشريعة ويدع شريعة.
* طالب: يقولون من قرأ ﴿السَّلْم﴾ تكون بمعنى الصلح، وقرأتها في تفسير السَّلْم معناه الصلح؟
* الشيخ: نعم، الصواب أن معناهم كله واحد، إنه المراد بها الإسلام، لكنها تأتي بمعنى الصلح صحيح، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد ٣٥] هذا صحيح.
يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة ٢٠٨] أمْر بعده نهي؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة، ﴿لَا تَتَّبِعُوا﴾ المعنى واضح فيها يعني: لا تتبعوها، و﴿خُطُوَاتِ﴾ جمع خطوة، ويصلح فيها: (خُطْوَاتِ) و(خُطُوَاتِ)، والخطوة هي عبارة عن مُنتهى نقْل القدم عند المشي، هذه الخطوة، مُنتهى نقْل القدم عند المشي، تمشي مثلًا نَقْلك قدمك من هذا إلى هذا يسمى الخُطوة، والمعنى ظاهر أننا لا نتبع الشيطان في سيره، لماذا؟ لأن الله بيَّن في آية أخرى أن الشيطان يأْمُر بالفحشاء والمنكَر، وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يُتَّبع، هل يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؟ لا، أيضًا الشيطان لنا عدو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ﴾ [الأعراف ٢٢]، ثم قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، إذا كان عدوًّا لكم اتخذوه عدوًّا، إذن هل أحد من العقلاء يتبع عدوه؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: ما أسمع إلا صوتين ضعيفين كأنكم كنتم تستخيرون الله في الجواب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما أحد يتبع عدوه، لا أحد يتبع عدوه، واضح؟ طيب إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدوًّا لنا، فليس من العقل فضلًا عن مقتضى الإيمان أن يُتابعه الإنسان في خطواته، طيب، ما هي خطوات الشيطان؟ إذا قال قائل: بيّنوا لنا خطوات الشيطان؟ نقول: بيّنها الله عز وجل، يأمر بالفحشاء وهي عظائم الذنوب، والمنكر، فكل معصية فهي من خطوات الشيطان، سواء كانت تلك المعصية من فِعْل المحظور أو من ترْك المأمور، فإنها من خُطوات الشيطان، لكن هنا أشياء بيّن الرسول ﷺ أنها من فِعْل الشيطان، نصَّ عليها بعينها مثل: الأكل بالشمال، والشُّرب بالشمال، والأخْذ بالشمال، والإعطاء بالشمال، هذه بيّن الرسول ﷺ أنها من فِعْل الشيطان، وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العَبْد، فهذه منصوص عليها بعينها واضحة، وغير المنصوص عليها نقول: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ تقدم لنا هل هو مُشتق من (شَطَنَ) أو من (شاط)، من (شطن) بمعنى بعُد لبعده عن رحمة الله، أو من (شاط) بمعنى غضِب وحمق؛ لأنه هو لا شك أنه أحمق ما يكون من عباد الله.
* طالب: (...) هل هو من خطوات الشيطان؟
* الشيخ: لا، هو لا شك أنه من وساوس الشيطان، أما أن نقول: إنه من خطوات الشيطان فإن ظاهر الآية الكريمة أنه ليس منه؛ لأنه قال: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور ٢١].
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨]، هذه الآية مُؤكَّدة بمؤكِّدين: (إنَّ) واللام؛ كذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: متأكدون؟
* طلبة: بمؤكدين غير اللام.
* الشيخ: بمؤكدين وهي إن واللام.
* طلبة: لا.
* الشيخ: (إن) ويش؟
* طلبة: إن واللام.
* الشيخ: لا.
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: لا ما فيها، فيها تأكيد واحد، وهي (إن)، لكن فيها تأكيد معنوي بغير الحروف المؤكدة وهو قوله: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ كأن الشيطان ما جُعِل عدوًّا إلا لنا لبني آدم، ولا شك أنه عدو لنا بخبر الله عز وجل، وهو دليل نظري (...) أثري واضح، وبالدليل العقلي النظري؛ لأن الشيطان ما استحق اللعنة إلا لعدم خضوعه لأبينا بأمْر الله، فهذا الذي طُرد وأُبْعِد عن رحمة الله بسبب أبينا بسبب عدم السجود لأبينا يصير عدوًّا لنا ولّا لا؟ نعم؛ لأنه هنا بيقول: هذه هم اللي كانوا سببًا للطرد والإبعاد عن رحمة الله واستحاق اللعنة، فلهذا كان عدوًّا لنا بمقتضى الدليل السمعي ويش بعد؟ والعقلي.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ كلمة (مُبِين) مُفعِل يجوز أن تكون من (أبان) بمعنى (أظهر)، ومن (أبان) بمعنى (بان)؛ لأن بانَ يَبِين فهو بَيِّن؛ وأبان يُبين فهو مُبِين، بمعنًى واحد، إلا أن (أبان) الرباعية تأتي بمعنى (أظْهَر) لا بمعنى (ظَهَرَ).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ [الواقعة ٧٧].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إنه في سورة يس؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس ٦٩، ٧٠] ﴿قُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ هنا بمعنى بيِّن ولّا مُظْهر؟ ﴿قُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يعني: مُظهِر، الدليل قوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]، وأما (مُبين) بمعنى بيِّن فمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] يعني بيِّن، طيب وكلمة (مبين) هنا ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ هي بمعنى بيِّن أو بمعنى مُظْهِر؟ يعني بمعنى ظاهر ولّا بمعنى مُظْهِر؟
* طلبة: ظاهر.
* طالب: (...).
* الشيخ: ظاهِر ومُظهِر أيضًا، ظاهر ومظهر؛ لأن كونه يأمرنا بالفحشاء والمنكر معناه أنه أظْهَر العداوة، وكذلك كونه لم يسجد لأبينا ويقول: إنه خير منه، هذا أيضًا أظهر عداوته، فهو صالح للأمرين، طيب ومن هو العدو؟ ويش هو العدو؟ العدو من المعاداة، وهي البُعد والتنافر، قال الفقهاء: ومَن سرَّه مَساءة شَخْص أو غمَّه فرحه فهو عدُوّه، يعني: عدوك من يحزن لسرورك ويُسَرّ لحزنك، هذا عدو، نعم هذا هو العدو، الشيطان هو كذلك؟ نعم، الدليل: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠]، وفي قوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ختم الآية بهذه أو ختم هذا النهي بهذه الجملة فيه فائدتان: الفائدة الأولى: تعليل الحُكْم السابق، والفائدة الثانية: التحذير من اتباع خطوات الشيطان.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة ٢٠٩]، ﴿إِنْ زَلَلْتُمْ﴾ قال بعض العلماء: أي عدلتم، وقال آخرون: أي مِلتم، وهذا الأخير أقرب إلى معنى اللفظ؛ لأن الزَّلل مثل الزَّلَق في الدَّحْر؛ زَلَّتْ به قدمه يعني: هَوَت به، هَوَت به من دَحَض أو من عالٍ مِن دَرَج وما أشبه ذلك، وهذا أبلغ من (عدلتم)، يعني: إذا مِلتم عن الحق واتبعتم خطوات الشيطان ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢٠٩]، البيِّنات يعني صفة، هذه صفة لموصوف محذوف، أي الآيات البيِّنات والنصائح الظاهِرات، إذا زَلَلْتُم عن الحق ومِلْتم، وسمّى الله تعالى ذلك زَلَلًا؛ لأن في الميل والعدول عن الحق فيه هَلَكَة ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، مثل ما لو زَلَّ الإنسان وسقط في بئر مثلًا، أو زَلّ الإنسان وزلق وطاح في الشارع.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذا جواب الأمر، جواب (إن) (فاعلموا)، والمراد بالعلم ليس أن يبلغ ذلك إلى قلوبنا، ولكن أن نحذر ممن له العِزَّة، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، والختم بهذين الاسمين يدل على أن الإنسان مُعرَّض للعقوبة أو واقع في العقوبة، وهنا يكون مُعرَّضًا للعقوبة ولّا لا؟ نعم، إذا زَلّ بعد أن جاءته البينة فقد عرَّض نفسه للعقوبة، وأما كونه كون ما خُتِمت به الآية عُقوبة فمثل قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، يقال: إن أعرابيًّا كان عند قارئ يقرأ هذه الآية، وكان القارئ يقول: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال له: لا، هذه ما هي صحيحة، اقرأ قال: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَالله غفور رحيم)؛ قال: ما يصح. أقول: إن الأعرابي قال: ما يمكن هذا، فلما قرأها الثالثة قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال: الآن أصبت؛ لأنه عَزّ وحَكَمَ فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وهذا استنتاج صحيح، ولهذا قال الله تعالى في الذين يسعون في الأرض فسادًا، قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، ولهذا قال العلماء: إذا تاب قُطَّاع الطريق قبل القُدرة عليهم سقطت عنهم العقوبة التي لله، فهنا يقول: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، إذن فأنتم قد عرضتم أنفسكم بعد الزلل الذي زللتم به من بعد ما جاءتكم البينات عرضتموها للهلاك.
ثم قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠]، ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: المكذِّبون الذين زلُّوا من بعْد ما جاءتهم البينات.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ (هل) استفهام بمعنى النفي، أي: ما ينظرون، و﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: ينتظرون، وتأتي بمعنى النظر بالعين، فإن عُدِّيت بـ(إلى) فهي النظر بالعين، وإن لم تُعَدَّ فهي بمعنى الانتظار، مثال الْمُعَدَّاة بـ(إلى) قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧]، ومثل قوله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.]]، ومثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]، الأولى بالضاد (ناضِرة)، والثانية بالظاء؛ لأن الأولى ناضرة يعني حسنة، والثانية من النظر بالعين، أما التي لا تتعدى بـ(إلى) فهي بمعنى: ينتظرون، مثل هذه الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾ [البقرة ٢١٠] أي: ما ينتظر هؤلاء إلا أن يأتيهم، ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤] يعني: انتظِرْنا.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ هل معنى الآية ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ يعني: تأتيهم ظلل من الله؟
* طالب: لا ليس..
* الشيخ: كما لو قلت: إلا أن يأتيهم الله بعذاب من عنده؟
* طالب: لا (...).
* الشيخ: مثل ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢]، هل هي مثل هذه الآية؟ لا؛ لأنها عُدِّيت بـ (في) ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠] فلم يكُن المعنى أن يأتيهم ظُلل من الله، لا.
وقوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أضاف الفِعل إلى الله وهو على جادَّة أهل السُّنة والجماعة على ظاهِره وحقيقته، أي أن الله نفسَهُ يأتي، يأتي، وأما أهل التحريف فيقولون: إن معناه أن يأتيهم أمْر الله في ظُلل من الغمام، وهذا تحريف للقرآن عن ظاهِره بغير دليل إلا بدليل زعموه عقليًّا، وهو وهْميّ وليس عقليًّا، فنحن نقول: الذي نَسَبَ فِعْل الإتيان إليه مَنْ هو؟ الله عز وجل، وهو أعْلم بنفسِه، وهو يُريد أن يُبيِّن لعباده أو يُضلِّل عباده؟
* الطلبة: أن يُبين لعباده.
* الشيخ: أن يُبين، حاشاه أن يريد الإضلال، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، إذا كان الله يريد أن يُبين وهو أعْلم بنفسِه، فهل في كلامه عِيّ وعَجْز عن التعبير بما في نفسه؟ لا، هل كلامه فيه نقص في البلاغة؟ لا، إذن فكلامه في غاية ما يكون من العلم، وغاية ما يكون من إرادة الهدى، وغاية ما يكون من الفصاحة والبلاغة، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يُراد به ظاهره؟ أبدًا، لا يمكن، إلا إذا قال الله هو عن نفسه إنه ما أراد ذلك فنعم.
قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، أي: ما ينتظر المكذِّبون للرسول ﷺ إلا هذا اليوم الذي هو يوم القيامة، وهو الذي يأتي فيه الله عز وجلَّ للفصل بين عبادِه، يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، هنا (يأتي) فِعل مضارع، والفاعِل (الله)، وهو مضاف، وهو الفعل هنا مضاف إلى مَن؟ إلى الله، يعني مضاف في المعنى ما هو في الإعراب، فالفعل مضاف إلى الله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، وكل شيء أضافَه الله إلى نفسه فالمراد به حقيقة ذاته، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني بذاته، (استوى) فعل ماض يعود على الله، ينزل إلى السماء الدنيا؟
* طالب: بذاته .
* الشيخ: بذاته، ما دام أضيف إلى الله فالمراد هو ذاته سبحانه وتعالى، وكذلك يضحك يعني هو، يعْجَب هو، يأتي هو، يمشي هو، «أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، يأتي هرولة، وهكذا، فكل شيء أضافه الله إلى نفسه فالمراد إليه ذاته، إلا إذا قام الدليل على أن المراد غيره، مثل ما جاء في الحديث الصحيح: «عَبْدِي، جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي أَوِ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، فهذا بيّنه الله عز وجل أن المراد استطعام، استطعام أحد من عباده، من عباده الصالحين، فإن قلت: ماذا تقول في قوله تعالى الحديث القدسي: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» إلى آخره، ومعروف أن الخبر مُسنَد إلى المبتدأ (كُنْتُ) التاء هذه اسم (كان) وهي في الأصل مبتدأ، و(سمعه) خبر (كان) وهي في الأصل خبر، ومعروف أن الخبر مُسند إلى المبتدأ، فإذا قلت: زيد قائم، فالقيام لمن؟
* الطلبة: لزيد.
* الشيخ: لزيد، فكيف تقول في هذا الحديث القدسي: «كُنْتُ سَمْعَهُ»؟ هل تقول: إن الله عز وجل إن المراد كان الله ذاته سمعًا لهذا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: نقول: «كُنْتُ سَمْعَهُ» على القاعِدة، لكن ليس معنى ما قال الله: إن السمع يكون هو الله، بل قال: «كُنْتُ سَمْعَهُ»، والمعنى أن الله تعالى يُسدِّد في سمعه وبصره وجوارحه، «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»، والحديث كله من أوله إلى آخره يدل على أن هذا أمْر مستحيل، «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي» إليّ عبدي، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون العابد هو المعبود، «أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»، افترضت عليه، ما يمكن يكون الفارِض هو المفرُوض عليه. «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ» فهنا لا يزال عبدي، فالعبد لا يكون هو المعبود. «يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ»، ما يمكن يكون المتقرِّب هو المتقرَّب إليه، «حَتَّى أُحِبَّهُ» هناك حابّ ومحبوب. «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ»، ما يمكن إن الله يكون هو سمْع هذا المخلوق ما يمكن. أما اليد، قال: «وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا»؛ لأن العمل باليد «وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]، فتبين أن القاعدة هي القاعدة، لكن يَمنع من أن يكون هذا الشيء هو الله يمنع هنا مثل ما قلنا الضمائر تدل كلها على أن هذين شيئان متباينان.
إذن ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ نطبّقها على القاعدة ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من اللي يأتي؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله نفسه، الذين يقولون: يأتي أمر الله نقول: هذا خطأ، قلتم على الله ما لا تعلمون، بل صرفتم كلام الله عن ظاهِره بغير دليل، الله يقول: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، وأنتم تقولون: يأتيهم أمر الله؟! جناية عظيمة على الله عز وجل، كيف يُثبت لنفسه إتيانًا وأنتم تقولون: لا يأتي وإنما الذي يأتي أمْره، لو كان الأمر كما قُلتم لزم أن يكون ظاهِر كتاب الله عز وجل أمرًا مستحيلًا على الله، فيكون القرآن بعد أن كان بيانًا للناس صار تعمِية للناس وتضليلًا للناس، ولّا لا؟ لأن الإنسان عندما يسمع أن ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ويقرؤها يقول: يأتي الله عز وجل نفسه، فإذا قلت: يأتي أمْره، فقد جعلتَ القرآن الذي هو بَيان جعلتَه تلبيسًا وتضليلًا، وجعلته أيضًا تعمية للخلق بعد أن كان موعظة وذكرى، ولو أن هؤلاء المتأوِّلين فكّروا في نتائج تأويلهم هذا ما استقرّت عليه أقدامهم أبدًا؛ لأنه لا يقوله مؤمن عاقل كما قال شيخنا في تفسيره: ما أحد يقوله وفي قلبه حبة خردل من إيمان، هذا تضليل عظيم ويلزم عليه لوازم من أبطل اللوازم، والشنقيطي رحمه الله أيضًا في تفسيره قال: إنه لا يَصرف مِثل هذه الآيات عن ظاهرها إلا من تنجَّس قلبُه بقذَر التشبيه؛ لأنه مثل ما قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه قال: هؤلاء المؤوِّلة إنما أوّلوا لاعتقادهم أن ظاهرها تشبيه، فشبّهوا أولًا وعطّلوا ثانيًا. فنحن نعتقد أن ما قال الله عن نفسه فهو حق؛ لأنه تعالى أعلم بنفسه، وأصدق قِيلًا، وأحسن حديثًا، وهو يريد أن يبين لعباده، والدليل على ذلك: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ما يريد أن يُخفي الأمر على عباده، وأن يظهر لهم القول بخلاف ما أراد، فإن هذا تعنُّت.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences