Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:234–237
2:234–237Page 38
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٣٤
And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner.1 And Allāh is [fully] Aware of what you do.
وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٣٥
There is no blame upon you for that to which you [indirectly] allude concerning a proposal to women or for what you conceal within yourselves. Allāh knows that you will have them in mind. But do not promise them secretly except for saying a proper saying. And do not determine to undertake a marriage contract until the decreed period1 reaches its end. And know that Allāh knows what is within yourselves, so beware of Him. And know that Allāh is Forgiving and Forbearing.
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦
There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.
وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧
And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٣٤].
أولًا: إعراب الآية ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ؛ اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، وجملة: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ صلته؛ صلة الموصول، لا بد للموصول من صلة، وجملة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ﴾.
وفيها إشكال حيث لم يوجد رابط يربطها بالخبر؛ لأن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ما فيها ضمير يعود على ﴿الَّذِينَ﴾، فاختلف الناس في تقدير الخبر، أو في كيفية الربط بين المبتدأ والخبر؛ فقال بعضهم: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، وعلى هذا فيكون الضمير في بعدهم هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ والخبر، وقال بعضهم: تربص، وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فجعل المبتدأ شيئًا مُقدرًا، أي: وأزواج الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، هذان وجهان، ولكن الأول أيسر من الثاني، الأول أيسر: والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا بعدهم يتربصن، أو ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرًا.
أيضًا قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أربعة إعرابها: نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه، وقوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ أي: عشر ليال، وعُبر عن الأيام بالليالي لأن الليالي هي غرر الأيام حيث إنها قبلها.
وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لم يقل: فلا جناح عليهن، بل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ مخاطبًا الرجال؛ لأنهم أولياء النساء، إلى آخره.
نعود الآن إلى المعنى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قال: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بضم الياء، ولم يقل: يَتوفون؛ لأن الإنسان مُتوفًّى، والتوفي بمعنى قبض الحق وافيًا، ويقال: تَوفَّيت حقي منه؛ أي: قضيته وافيًا، والإنسان مُتوفًّى؛ لأنه يقضي أجله في الدنيا ثم تُقبض روحه.
وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ بالبناء للمجهول، من الذي يَتوفى؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ورد في القرآن على ثلاثة أوجه: فمرة أُضيف إلى الله، ومرة أضيف إلى ملك الموت، ومرة أضيف إلى الرسل الذين هم الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] فهنا أضاف الوفاة إلى من؟
* طالب: إلى الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إلى الله، وقال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة ١١] فأضاف التوفي إلى ملك الموت، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام ٦١] فأضاف التوفي إلى الرسل.
والجمع بين هذه الوجوه الثلاثة سهل وممكن؛ أما إضافة التوفي إلى الله فلأنه بأمره، وإذا وقع الشيء بأمره فهو الفاعل له؛ كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. بنى عمرو بن العاص، هو ما بناها بيده، ولكنه بُنيت بأمره، وكذلك تقول: بنى الملك قصرًا مشيدًا؛ أي: أمر ببنائه، فوقعت إضافة التوفي إلى الله لأن ذلك بأمره. وأما الجمع بين الرسل وبين ملك الموت: فالرسل جمع، وملك الموت مفرد، والجمع بين الآيتين: أن لملك الموت أعوانًا يساعدونه ويسوقون الروح من أسفل البدن إلى الحلقوم، ثم يأتي ملك الموت ويقبضها، أو نقول: إن ملك الموت يقبض الروح ويعطيها الملائكة، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؛ ولهذا بُنيت الآية الكريمة هنا، بُني الفعل فيها للمجهول ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾.
هل يصح في غير القرآن أن نقول: فلان تَوفَّى؟ بالبناء للفاعل؟
* طالب: لا، لا يصح.
* الشيخ: قال بعضهم: إنه يصح، والمعنى: تَوفَّى أجلَه المقدَّر له؛ أي: استوفاه، كأنه حق له فاستوفاه.
وقوله: ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للناس جميعًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، وعلى هذا: فكل كاف خطاب في القرآن فإنها للناس جميعًا.
وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ أي: يتركون وراءهم أزواجًا، و﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع زوج، وهو من عُقد له النكاح من رجل أو امرأة، الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوج، إلا أن الفرضيين رحمهم الله اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج، والمرأة يقال لها: زوجة، من أجل التمييز بينهما في التمثيل.
وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ نكرة، فيشمل الصغيرة والكبيرة، والحرة والأمة، والمدخول بها وغير المدخول بها، كذا؟ ويخرج بها من ليست بزوجة كالسُّرّية، وأم الولد، فإنه إذا مات السيد عن أمته فلا تدخل في الآية الكريمة.
ولو مات عن أم ولده التي كان يطؤها وأتت منه بولد فإنها لا تدخل في الآية الكريمة؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾.
ولو عقد على امرأة عقدًا غير صحيح فإنها لا تدخل في الآية؛ لأن الله يقول: ﴿أَزْوَاجًا﴾، وهذه ليست بزوجة، فلو عقد على امرأة وهو لا يصلي؛ تارك للصلاة، ثم مات فإنها لا تدخل في هذه الآية، ما عليها عِدة، لكن إن كان قد وطئها فعليها استبراء فقط، لماذا؟
* طالب: العقد غير الزواج.
* الشيخ: لأنها غير زوجة؛ إذ إن هذا العقد ليس بصحيح، باطل.
وقوله: ﴿يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يعني: ينتظرن؛ لأن تربَّص مشتملة في حروفها الأصول على الراء والباء والصاد، فهي موافقة لمادة (صبر)؛ ولهذا كان معنى التربص الحبس، ومعنى الصبر الحبس، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن، تنتظر بنفسها، وإنما قال: تربص بنفسها؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح، فقال الله لها: تربصي بنفسك؛ يعني: انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك، هوِّن على نفسك وما أشبهها.
وأما قول من قال: إن (أنفسهن) توكيد للفاعل في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهُن، فزيدت الباء، فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن مثل هذا التركيب شاذ في اللغة العربية، وعلى هذا فالمعنى الصحيح: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن.
﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرًا، يعني: عشرة أيام ولَّا عشر ليال؟
* الطلبة: عشر ليال.
* الشيخ: عشر ليال، بل عشرة أيام، لكن يعبر عن الأيام بالليالي؛ ولهذا قال الله عز وجل في سورة طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه ١٠٢ - ١٠٤].
فتبين أن المراد بالعشر هنا: الأيام، فهنا قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ يعني: عشرة أيام، لكن قال أهل اللغة: إنهم يعبرون –أي: العرب- بالليالي عن الأيام؛ لأنها سابقتها.
وهل الأربعة أشهر وعشر تعتبر بالأهلة أو بالأيام؟ فيها خلاف سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكر الفوائد.
وقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لماذا اختير هذا العدد ولم يُعلَّق الحكم بالأقراء كما في المطلقات؟
قال بعض العلماء: اختير هذا العدد لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر، وزيدت العشرة للاستثبات، هكذا ذكره بعض أهل العلم، ولكنك عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل، لماذا؟ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل، وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ثم إن الاحتياط بأربعة أشهر وعشر يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: يمكن العلم قبل هذه المدة، فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر، وعندي -والله أعلم- أن الحكمة هو أنه لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولًا كاملًا في العدة بعد موت زوجها، وأين تبقى؟ تبقى في حش؛ بيت في بيتها -يعني: معناها البيت من الشعر- يحط لها بيت صغير؛ خباء؛ يصنع خباء لها تقعد فيه، ولا تمس الماء أبدًا، تأكل وتشرب لا بأس لكي ما تموت، لكن ما تمس الماء أبدًا، وتبقى بعرقها ورائحتها وحيضها ونتنها لمدة سنة كاملة، فإذا تمت السنة أتوا لها بعصفور ولَّا فارة ولَّا شيء، قالوا: امحشي به فرجك. فقلَّما تتمسح بشيء إلا مات، منين؟
* الطلبة: من الرائحة.
* الشيخ: من الرائحة الكريهة، مُدة سنة يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان، ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة، فأخذت البعرة ورمت بها، ويش الفائدة من هذا؟ يعني تقول: كلما مر عليَّ فهو أهون من رمي هذه البعرة. شوف أيش لون هذا! حكم جائر -والعياذ بالله- وسفيه أيضًا، فجاء الإسلام وأبدل الحول بهذه الأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر ثلث حول، وعشرة أيام ثلث شهر، والثلث كثير، فأتي من الحول بثلثه، ومن الأشهر بثلثها، فإن تبيّنت هذه الحكمة وكانت هي مراد الله عز وجل فذلك من فضل الله، وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد، وهذه كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم الحكمة فيها.
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ﴿إِذَا بَلَغْنَ﴾ الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن. ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ أي: مدة العِدّة، وأجل كل شيء غايته، أي: الغاية التي تنتهي بها العدة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الخطاب للناس، ولم يقل: فلا جناح عليهن كما هو متوقع، المتوقع أن يقول: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليهن، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الخطاب لأولياء النساء، فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئًا محرمًا عليها في هذه العِدة لزم وليها أن يمنعها، وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء، لكن بالمعروف.
وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويش هذا الفعل اللي كان بالأول ممنوعًا، كان ممنوعًا بالأول ثم كان جائزًا بعد انقضاء العِدة؟ الفعل هو الإحداد، وهو اجتناب الزينة وكل ما يدعو إلى جماعها ويرغِّب في النظر إليها، هذا الإحداد، فما دامت في العدة فإنه يجب عليها أن تتجنب هذا الشيء، فتلبس الثياب الخلقة، صح؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، تلبس الثياب ما شاءت من الثياب إلا ثياب الجماع.
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: هذا صحيح، يعني: لها أن تلبس الثوب الجديد والثوب الملوّن، لكن لا تلبس ثوبًا جميلًا؛ لأن هذا يُرغّب في النظر إليها ويدعو إلى جماعها؛ فإن الرجل إذا رأى المرأة متزينة لا شك أنه يرغب.
تتجنب الحلي؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن هذا داخل فيما يرغِّب في النظر إليها، تتجنب التحسين بأنواعه سواء في اليد أو الرجل أو العين أو الوجه أو الشفتين، كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: صح. الحناء، تمتنع منه؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم. تتجنب الطيب بأنواعه، كذا؟ إلا دهن العود؟
* الطلبة: لا، كله.
* الشيخ: كل الطيب بأنواعه، إلا أن الشارع رخّص لها إذا طهرت بنوع من الطيب وهو القسط أو الأظفار، ويشبه -والله أعلم- هذا العود الهندي هذا أنها تتطيب به تتبخر لأجل إزالة الرائحة التي بقيت بعد الحيض.
تتجنب مشط رأسها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا. الاغتسال؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: ما تتجنبه؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: استعمال الصابون؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إن كان مُطيبًا تتجنبه، وإلا فلا.
هل يجب عليها أن تغتسل في يوم معين من الأسبوع أو متى شاءت؟
* الطلبة: متى شاءت.
* الشيخ: متى شاءت، مع أنه عند العامة يقولون: إنها ما تغتسل إلا يوم الجمعة.
هل يجوز أن تصعد إلى السطح في الليالي المقمرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الليالي المقمرة، يجوز؟
* الطلبة: نعم، يجوز.
* الشيخ: يشاهدها القمر؟!
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يقول العامة: إنه لا يجوز أن تصعد إلى السطح أو تخرج إلى صحن البيت في الليالي المقمرة لأن القمر يشاهدها حينئذٍ، فالقمر يقولون: إنه إنسان، بدليل أن له عينين -ما جعلوا له لسانًا وشفتين- يقولون بس: عينين وأنف، يقولون: إن له عينين وأنفًا، يشوفون ها السواد اللي في القمر ويحسبونه عينين.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شوف حتى بعد انقضاء العدة لا بد أن يكون ما تفعله في نفسها في نِطاق المعروف، والمعروف هو ما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع، فلا يخرج عن المروءة وعن عادة الناس ذوي المروءة، ولا يخرج عن نطاق الشرع، فلو أرادت أن تتبرج؛ تخرج متبرجة متزينة متطيبة، قلنا: لا، لا يجوز.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ختم الآية بهذه تحذيرًا من مخالفته، يعني: احذروا أن تخالفوا هذا الحكم، فإن الله بما تعملون خبير، والخبير هو العليم ببواطن الأمور، فهو أخص من العليم؛ لأنه مأخوذ من الخبير بالأرض والحرث، ومنه المخابرة: المزارعة؛ لأن الزرع يوضع في الأرض فيدفن ويخفى، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور وخفاياها.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يعني: لا إثم ولا حرج. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لجميع الناس، كل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عمومًا، إلا ما عينه السياق في قرينة فلا بأس؛ لأنا ذكرنا قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] والقرآن نازل لجميع الناس.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿فِيمَا﴾ أي: في الذي، وإن شئت فقل: ما نكرة موصوفة؛ أي: في قولٍ عرضتم به من خطبة النساء، ولكن الموصول أولى، والدليل على أنه أولى أنه بُيِّن في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. و﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض والتلويح هو أن يأتي بالكلام غير مصرح بمراده.
فيه تصريح وتلويح وتعريض، التعريض والتلويح معناهما واحد؛ يعني: يأتي الإنسان بكلام لا يتبين فيه مراده؛ مثل،بالنسبة للمثال اللي معنا، أن يقول للمرأة: إني في مثلك لراغب، أنا أرغب الزوجة التي هي مثلك، إنك امرأة يرغب فيك الرجال، وما أشبه ذلك، إذا انقضت العدة فأخبريني، وعلى هذا فقِس، هذا التعريض، هذا ما فيه تصريح أنه يخطبها لا لنفسه ولا لغيره، لكنه يسمى تعريضًا.
* * *
(...) ويذرون أزواجًا أزواجهن يتربصن، فيكون هنا تقدير مبتدأ خبره جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول.
طيب جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (...)؟
* * *
الخطبة معناها: هو أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها ويطلبها إليه، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأن عظيم، وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول، طلب الإنسان الزوجة إلى نفسه يكون مقرونًا بالقول، حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة وأهلها ويخطب فيهم؛ يعني: يتكلم بخطبة ثم يبدي أنه يرغب، وربما الآن في وقتنا الحاضر يُصدِّر طلب المرأة بخطبة كتابية؛ يكتب: من فلان لفلان، ويذكر ما يحتاج إلى بيانه في رغبته في يد المرأة، ولكن مع هذا يفرقون بين الخِطبة بالكسر وبين الخُطبة بالضم، فيقولون: الخُطْبة هي القول المشتمل على الوعظ والتذكير وما أشبه ذلك، والخِطْبة هي طلب المرأة لتكون زوجة للخاطب.
وقوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ النساء هذه عامة، النساء هنا عامة، ولكنه يراد بها الخاص، أو نقول: إن (أل) هنا للعهد، العهد الذكري وهو قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، يعني: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ يعني: المذكورات، وهن الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن، واضح؟
وعلى هذا فتكون (أل) هنا للعهد الذِّكري، لكن اللفظ جاء بغير اللفظ، بل جاء بالمعنى، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] هذه أل للعهد الذكري، لكنها جاءت باللفظ الأول تمامًا، وكما في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور ٣٥] وين المصباح؟ المذكور، ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ يعني: المذكورة، إلى آخره.
هنا النساء عادت إلى الأزواج بالمعنى، فيكون المراد بالنساء هنا من؟ اللاتي تُوفي عنهن أزواجهن.
﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: بالقول، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بدون قول، ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم بأنكم ستتزوجون هذه المرأة التي تُوفي عنها زوجها، ولكن بدون أن تخبروها أو تخبروا أحدًا، لكن تضمروا.
وإذا كانت امرأة لم يُتوفّ عنها زوجها وليست معها أحد، هل للإنسان أن يُكِنّ في نفسه أنه سيتزوجها؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، ما فيه شك، يجوز، إذا كان يجوز أن يخاطبها بصريح الخِطبة فإن إضماره في قلبه أن يتزوجها من باب أولى، وهذه تأتي في الفوائد.
قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ كلمة (عَلِم) مشتقة من العِلْم، وقد سبق لنا أن العِلْم إدراك الشيء إدراكًا جازمًا.
* طالب: مطابقًا.
* الشيخ: مطابقًا، إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، مثل أن أدرك أن هذا مصحف، مطابق ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وجازم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: خرج بإدراك: عدم الإدراك، ويسمى: جهلًا، إنسان ما يدري عن الشيء تقول له: أيش هذا؟ يقول: ما أعرفه، هذا ليس عنده علم، بل جهل.
جازمًا: خرج به الشك والظن والوهم، فالظن هو ما يترجّح في نفس المرء مع احتمال غيره، والوهم هو الطرف المرجوح، والشك متساوي الطرفين ما فيه الترجيح ولا هذا، وهذا يقوله العلماء في باب أصول الدين في بحث أصول الفقه، وهو غير الشك والظن الموجود في الفقه؛ لأن الشك والظن في باب الفقه هو ما ينافي اليقين، يعني: فالمترجح ليس بشيء عندهم، فلو أن الإنسان كان على وضوء، ثم شك هل انتقض وضوؤه، لكن ترجح عنده أنه انتقض، فإنه يعمل بهذا الظن ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لا، ما يعمل بهذا الظن، كان متوضئًا وشك هل أحدث أم لا، وغلب على ظنه أنه أحدث، فهل يعمل بهذا الظن ويتوضأ؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]، يعني: حتى يتيقن، فالظن في الأحكام العملية ملحق بماذا؟ ملحق بالشك، الظن الطارئ على المتيقَّن.
إذن هنا ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ قلنا: العِلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا.
مطابقًا: خرج به الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يُدرك الإنسان الشيء على خلاف حقيقته غير مطابق، فلو سألنا شخصًا وقلنا له: متى كانت غزوة بدر؟ قال: لا أدري؟
* الطلبة: هذا جهل بسيط.
* الشيخ: هذا جهل بسيط، لا يدري، وجزاه الله خيرًا.
ولو سألنا شخصًا آخر متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي نصر نبيه في يوم بدر وسماه يوم الفرقان، وأنزل فيه آيات عديدة من القرآن، كانت غزوة بدر في السنة الخامسة من الهجرة في ربيع الأول، أيش جهل هذا؟
* الطلبة: جهل مركب.
* الشيخ: مركب؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لو كان من غير الخطبة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي، هذا جهله جهل مركب، وما أكثر الجهال المركَّبين وإن كانوا فصحاء! إذن نقول: هذا جهله جهل مركب.
أهو أسوأ حالًا أو الجاهل البسيط؟
* طالب: الجاهل البسيط.
* الشيخ: الجاهل البسيط أسوأ حالًا يا أخي!
* الطلبة: المركب.
* الشيخ: الجاهل المركب، ليش؟ لأن جهله مركب من جهلين: جهل بالواقع، وجهل بنفسه، هو عند نفسه أنه عالم وليس بعالم، فقد جهل نفسه، وجهل بالواقع أيضًا؛ ولهذا سماه العلماء جهلًا مُركَّبًا.
سألنا ثالثًا وقلنا: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: أظنها إما في الثانية أو في الثالثة، هذا جاهل، لكن عنده نوع من العلم إلا أنه شاك، صح ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إلا أنه شاك، ما أدركها إدراكًا جازمًا؛ لما قال: الثانية، صحيح هي في الثانية، لكن عنده شك هل هي في الثانية أو في الثالثة.
الله عز وجل علمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، أيش معنى أزلًا وأبدًا؟ يعني: أزلًا فيما مضى، وأبدًا فيما يستقبل، ويدخل فيهما الحاضر؛ لأن الحاضر اللحظة التي قبل لحظة الآن ماضي، واللي بعده؟ مستقبل، وهي نفسها لا تتقسم، هي: إما حاضر وإما مستقبل وإما ماضٍ، لكنها بلحظة تنقسم، على كل حال الله عز وجل عالم، وعلمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا.
واعلم أن علم الله عز وجل لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا نقص في الشمول والإحاطة، فقد أحاط بكل شيء علمًا.
ومنها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالقول أو بالقلب؟
* الطلبة: بهما.
* الشيخ: بهما جميعًا، يذكرها الإنسان بقلبه، ويذكرها الإنسان بلسانه، يذكرها مثلًا لإخوانه؛ لأبيه، لابنه، لصديقه، وما أشبه ذلك بأنه يرغب أن يتزوج فلانة، أو يذكر ذلك بقلبه وفي نفسه.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ هذا نهي ولَّا خبر؟
* الطلبة: نهي.
* الشيخ: نهي؟ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾.
* الطلبة: نهي.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* طالب: حذف النون.
* الشيخ: حذف النون؛ لأن تواعدون من الأفعال الخمسة، إذا حذفت النون فلا بد من ناصب أو جازم، وإن كانت قد تحذف كثيرًا مع نون الوقاية، وقد تحذف أيضًا -لكن ليس بكثير- مع عدم نون الوقاية؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قال: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، ولم يقل: لا تدخلون، مع أنها نافية هذه، «وَلَا تُؤْمِنُوا»، ولم يقل: ولا تؤمنون، مع أنها نافية ولست بناهية.
* طالب: الإعراب كيف يا شيخ؟
* الشيخ: نقول: الإعراب، لا: نافية، وتدخل: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للتخفيف.
قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كلمة ﴿سِرًّا﴾ ذكر المفسرون -كثير منهم- أن السر من أسماء النكاح؛ أي: لا تواعدوهن نكاحًا، وقالوا: إن السر من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سرًّا، وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: فيما بينكم وبينهن، وإذا نُهي عن السر فالعلانية من باب أولى، ويختلف الإعراب بناء على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سِرًّا﴾ هو النكاح صار مفعولًا ثانيًا؛ يعني: لا تواعدوهن نكاحًا، وإذا قلنا: إن السر ضد العلانية والمعنى: لا تواعدوهن وعدًا سريًّا صارت؟
* طالب: حال.
* الشيخ: أو مفعولًا مطلقًا؛ يعني: وعدًا سرًّا، وأيًّا كان فإن الله عز وجل ينهى عن أن يُصرَّح للمرأة في عدة النكاح.
﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن هل الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟
إن كانت بمعنى لكن فهو منقطع، وإن كانت بمعنى إلا فهو متصل، هذا من حيث التقدير؛ إن قدّرت إلا بمعنى لكن فهو منقطع. وعلامة أخرى معنوية، وهي أنه إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو متصل، وإذا لم يكن من جنسه فهو منقطع.
هنا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هل هو من جنس ما قبله؟ من المواعدة سرًّا؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟ لأن المواعدة سرًّا ليست من القول المعروف، ولَّا لا؟ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح.
وإذا كان متصلًا، لكن لا يصح أن يكون متصلًا؛ لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وعلى هذا فيكون الاستثناء هنا منقطعًا، النحويون يمثلون للاستثناء المنقطع بقولهم: قام القوم إلا حمارًا، صحيح هذا التمثيل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ويش السبب؟
* طالب: ليس من جنس الرجال.
* الشيخ: ليس من جنسهم ولََّا لا؟ وإنما يأتون بهذا لأن..
(...) متصل ولَّا منقطع؟
* الطلبة: منقطع، إن كان للعبودية، حسب التفسير.
* الشيخ: إي، حسب تفسير العبودية؛ إن كان المراد: إن عبادي المخلصين ليس لك عليهم سلطان، فالاستثناء منقطع لا شك، وإن كان عبادي من جِنس قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
* طالب: متصل.
* الشيخ: فالاستثناء متصل، وأيهما أبلغ؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: الأول أبلغ، وإن كان الثاني هو الأصل، الأصل أن الاستثناء متصل، لكن الأول أبلغ: إن عبادي المخلصين لا يمكن أن تصل إليهم إطلاقًا ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، لكن من اتبعك هم الذين يكون لك عليهم سلطان.
يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ معروف من قبل مَنْ؟
* الطلبة: من قبل الشرع.
* الشيخ: من قبل الشرع، وهو؟ ما هو القول المعروف؟ التعريض الذي أباحه الله.
﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، لما ذكر الله عز وجل التعريض والتصريح، وأن التعريض جائز دون التصريح والمواعدة -ولو سرًّا- قال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ﴿تَعْزِمُوا﴾ العزم على الشيء معناه: التنفيذ، و﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج والزوجة، فهو كالعقود الأخرى كعَقد البيع وما أشبه ذلك، وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزواج.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى هذه للغاية، وما بعدها منصوب بها، وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ فِعال بمعنى مَفعول، وما المراد بالكتاب؟ الذي ذكر المفسرون أن المراد بالكتاب هنا العدة؛ لأن الله تعالى فرضها، فهي مفروضة على أن فِعالًا بمعنى مفعول، يعني: حتى يبلغ المفروض أجله، والمفروض هي العدة، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت أو طلاق أو نحوه؛ بأن يقال مثلًا: توفي في اليوم الفلاني، ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني: اضبطوها وحرروها، وعلى هذا فيكون المعنى: الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب أيش؟ سبب العدة من وفاة أو طلاق.
وقوله: ﴿أَجَلَهُ﴾ أجل الشيء: منتهاه وغايته؛ يعني: حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وأتى به سبحانه وتعالى للأهمية والتحذير من المخالفة، ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه، اعلم كذا وكذا، لأجل أن تنتبه ويبلغ علمك هذا الشيء. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء، ولكن هل يؤاخذنا الله عز وجل بما أنفسنا؟ هذا يرجع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من غير هذه الآية، وسنبين إن شاء الله تعالى عند الفوائد.
وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ يعني: إذا علمتم هذا فاحذروا الله عز وجل من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه سبحانه وتعالى، والحذَر من الشيء معناه: أخذ الحِذْر، وهو الاحتياط وعدم المخالفة.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لما حذرنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فإذا أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم بابًا واسعًا، ما هو؟
المغفرة، تعرّضوا لمغفرة الله سبحانه وتعالى بأن تستغفروا وتتوبوا إليه، وسبق لنا مرارًا أن الغفور مأخوذ من الغَفْر وهو السَّتر، والمراد به ستر الذنب والتجاوز عنه.
وقوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ فالحليم هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية:
وَهُــوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِــــلُعَبْــــــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــةٍ لِيَتُــــوبَ مِــــنْعِصْيَــــــــــــــــانِ
الحليم هو الذي يؤخر العقوبة عمن يستحقها، وضده من ليس بحليم: من يُعاجل بالعقوبة، والله عز وجل قرن هنا بين المغفرة والرحمة وهو الحلم؛ ليتبين أن تأخيره للعقوبة من أجل أن يتعرض الإنسان لأسباب مغفرته؛ ولهذا جمع بينهما: غفور حليم، فهو يغفر الذنب لمن تاب منه، وهو يحلم فلا يعاجل عبده بالعقوبة سبحانه وتعالى.
وكل هذه الأشياء: اعلموا واعلموا واحذروا وما أشبه ذلك تدل على عظم عقد النكاح، وأنه أمر لا يجوز التلاعب به أبدًا، ولهذا كان النكاح في عقده وحَلِّه جِده جِد، وهزله جِد أيضًا، النكاح ولو كان هُزءًا ينعقد، والطلاق ولو كان هُزءًا يحصل به الفراق، كل ذلك من أجل البعد عن التلاعب في هذا العقد العظيم الذي له خطره.
ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] نقول في ﴿لَا جُنَاحَ﴾ هنا كما قلنا في الأول: إنها نافية للجنس، و﴿جُنَاحَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح؛ لأنه مفرد، وقوله: ﴿جُنَاحَ﴾ أي: إثم.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ لما كان الإنسان قد يتوهم أنه إذا طلق الزوجة بعد أن عقد عليها أن عليه إثمًا في ذلك، لأيش؟ لأنه كسرها، وربما تتأثر تأثرًا كبيرًا، ليش إن هذا الرجل بعد أن عقد عليها ذهب يطلقها؟ لماذا؟ فينفر الناس منها ولا يتزوجونها، فبين الله عز وجل أن ذلك ليس فيه جناح علينا، إذا طلقنا المرأة من دون أن نمسها، واضح؟
ولهذا قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿مَا لَمْ﴾ اختلف أهل الإعراب في إعرابها؛ فقال بعضهم: إن (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام عدم مسِّكم لهن، وقال بعضهم: إن (ما) شرطية، فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ يعني: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسُّوهن، وهذا يأتي في اللغة العربية كثيرًا؛ أي: كون الشرط الثاني شرطًا في الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط، ومنه قول الشاعر:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّــــا مَعَاقِــــلَ عِــــزٍّ زَانَهَــــاكَــــــــــــــــرَمُ
فيكون الثاني شرطًا في الأول، أيهما السابق؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: نعم، إذا دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، كلما دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، فهنا يقول: إن (ما) شرطية، وإن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن. إن طلقتموهن إن لم تمسوهن؛ يعني أنه إذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه، والمعنى واحد ولكن الاختلاف في الإعراب.
وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءة ثانية: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، وكلاهما بمعنًى واحد، والمراد به الجماع، لكن جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي مبين- أن يكنوا عما يُستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه، فهنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ و﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولكل منهما وجه؛ فعلى قراءة ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ لأن الجماع مس من الطرفين، فكل من الزوج والزوجة يمس الآخر، أليس كذلك؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣].
وأما على قراءة المس الذي لا يفيد إلا وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضًا واضح؛ لأن حقيقة الفاعل مَنْ؟ الزوج، الرجل، فهو ماس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران ٤٧] نعم، مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فجعل المس من جانب واحد وهو الرجل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences