Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:244–245
2:244Page 39
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤
And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.
قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٤٤]. (قاتلوا): هنا حُذف المفعول، والمفعول معلوم وهم الكفار، قاتلوا الكفار.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريقه. وهذا يشمل النية والعمل، أما النية فأن يكون الإنسان قاصدًا بقتاله أن تكون كلمة الله هي العليا كما جاء في الحديث الصحيح «أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ » أيهم الحمية أو الشجاعة أو من قاتل ليرى مكانه، رياء وسمعة أي ذلك في سبيل الله؟ عدل النبي ﷺ في الجواب عن كل هذه الثلاثة وقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠)، من حديث أبي موسى الأشعري.]] هذا القتال في سبيل الله، أن تكون نيتك أن تكون كلمة الله هي العليا، لا كلمتك أنت، ولا كلمة إمامك الذي تقتدي به، ولا كلمة أي من كان، ولكنها كلمة الله سبحانه وتعالى، أن تكون كلمة الله هي العليا، كذا. هذا باعتبار النية. كذلك في سبيل الله باعتبار العمل، بأن يكون عمل الإنسان في جهاده على وفق الشرع، فيلتزم ما دل الشرع على التزامه من وجوب طاعة الأمير وأن لا يغزو إلا بإذنه، وأن لا ينصرف عن الغزو إلا بإذنه وما أشبه ذلك مما تقتضيه أعمال الجهاد.
فهو شامل لهذا وهذا؛ لأن (في) للظرفية فتشمل الأمرين جميعًا؛ النية، ويش بعد؟ والعمل.
وعلى هذا فلا يجوز لنا العدوان على الكافرين إلا على الوجه الذي أباحه الشرع ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٣].
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لما أمر بالقتل حذر من المخالفة فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لأقوالكم وعليم بأحوالكم، والأمر هنا للتهديد لا لمجرد العلم؛ لأن مجرد علمنا أن الله سميع عليم بدون أن يحدث لنا ذلك امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه، أقول: مجرد علمنا بذلك لا فائدة له، بل لا بد أن يكون له أثر في اتجاهنا؛ وهو أن نحذر مخالفته فنقول ما لا يرضى، أو نعمل ما لا يرضى لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
في هذه الآية الكريمة الأمر بالقتال، وهل هذا أمر بالقتال نفسه، أو أمر بإخلاص النية في القتال؟
عندنا الآن أمران: ﴿قَاتِلُوا﴾ و﴿فِي سَبِيلِ﴾ هل الأمر منصب على قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أو على قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾؟ ويكون أمرًا بالقتال مقيدًا بالإخلاص؟
الظاهر هو هذا، أنه أمر بالقتال مقيدًا بالإخلاص، وليس مجرد أمر بالإخلاص بالقتال، وإلا لقال: إذا قاتلتم فقاتلوا في سبيل الله، وعلى هذا فالآية دالة على الأمر بالقتال وأن يكون في سبيل الله.
هل هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ وهل هو للوجوب الكفائي أو العيني؟
هذا يختلف، قد يكون واجبًا على الأعيان، وقد يكون واجبًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًّا.
والجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، وهو في المرتبة الثالثة من الأعمال باعتبار محبة الله للعمل، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «سألتُ النبي ﷺ: أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قلْتُ: ثمّ أيّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ولوِ اسْتزدْتُه لزَادَني. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥/١٣٩)، من حديث عبد الله بن مسعود.]] فعلى هذا نقول: ينقسم القتال في سبيل الله إلى ثلاثة أقسام: واجب على العيان، وعلى الكفاية، والتطوع.
ذكر أهل العلم أنه يجب على الأعيان في أربع حالات:
الحال الأولى: إذا حضر الصف فإنه يجب عليه حينئذٍ، ولا يحل له أن ينصرف لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٥، ١٦].
ولأن النبي ﷺ ذكر التولي يوم الزحف من كبائر الذنوب[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩ / ١٤٥)، من حديث أبي هريرة.]].
الثاني: إذا حصر العدو بلده، يعني طوقه، فإنه يجب عليه الدفاع لوجوب إنقاذ المسلم وحصر البلد معناه أن يمنع من دخول الأشياء إليه أو من خروجها منه، وفي هذا ضرر على المسلمين؛ لأنه إذا طال الحصار فالنهاية الاستسلام.
كذلك أيضًا إذا استنفره الإمام، يعني قال: انفر، يا فلان، اخرج، فإنه يجب عليه، ويكون هنا فرض عين لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩].
الرابعة: إذا احتيج إليه بذاته، بعينه، فإنه يجب عليه، وقد يكون لغيره فرض كفاية، لكن هو له فرض عين؛ لأن الناس محتاجون إليه كما لو كان صاحب رأي وتدبير، أو كان عنده علم باستعمال آلات الجهاد التي لا يعرف استعمالها إلا هو، ففي هذه الحال يتعين عليه ويكون الجهاد فرض عين.
ويكون فرض كفاية وهو الأصل، الأصل أن الجهاد فرض كفاية، فيجب على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله وجوبًا؛ لأن الله عز وجل أمر به أمرًا مطلقًا مثل هذه الآية، والأصل في الأمر الوجوب.
ولا نقول: إنه فرض عين في غير الأحوال الأربعة التي سبقت؛ لأن المقصود بالقتال إذلال الكافرين، فإذا قام به من يكفيه سقط عن الباقين.
وهذه هي القاعدة في العبادات المأمور بها والتي يقصد منها إيجاد الفعل، فإنها تكون فرض كفاية، كل عبادة يقصد بها إيجاد هذا الفعل فإنها تكون فرض كفاية، فمثلًا الأذان فرض عين ولَّا لا؟ فرض كفاية؛ لأن المقصود إيجاد الأذان، فإذا وُجد سقط عن الباقين، كذلك الجهاد، يجب على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله. ولكن ليُعلم أن الجهاد له شروط:
من شروطه القدرة، من شروط الجهاد القدرة، فإذا كان المسلمون عاجزين عن القيام به فإن الله تعالى لا يلزمهم به لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، ولأن النبي ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له دولة وشوكة وقوة.
وليس من العقل والحكمة أن نقاتل ونحن لا نستطيع القتال؛ لأن معنى ذلك تسليط عدونا علينا حتى يبيدنا، فمثلًا لو أن رجلًا خرج بسيفه وخنجره ورمحه إلى رجل معه الصواريخ العابرة للقارات والطائرات وما أشبه ذلك وقال: أنا بأقاتل في سبيل الله، نوافق على هذا؟ ما نوافقه؛ لأن نقول: معنى ذلك أنك أظهرت نفسك للعدو، ولكن تربص به حتى يأتي الله بأمره، والله على كل شيء قدير.
ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب الإخلاص لله لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقد بين رسول الله ﷺ هذا الإخلاص بقوله: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠)، من حديث أبي موسى الأشعري.]].
ويستفاد منها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياء؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا أمر الله بهذه العبادة العظيمة أن تكون خالصة له فما عدا ذلك يكون منهيًّا عنه، ولا يجوز للإنسان أن يُغرر بنفسه من أجل هذه الأغراض التي هي بالنسبة لكونها في سبيل الله دنيئة جدًّا.
ولكن لو قال الرجل: أنا أقاتل حمية لوطني؛ لأنه وطن إسلامي، وأريد الدفاع عنه، فهل هذه نية خالصة؟ نعم، نية خالصة؛ لأنه يقول: أنا لا أفرق بين وطني والوطن الآخر ما دمت أقاتل عن أوطان المسلمين، هذه نية خالصة لا بأس بها.
وهل يستفاد من الآية الكريمة وجوب الإخلاص في كل عمل الطاعة؟ قياسًا على ذلك، قياسًا على القتال؛ لأن القتال له أسباب ودوافع غير الإخلاص، فإذا أوجب الله الإخلاص فيه فمن باب أولى العبادات الأخرى التي ليس لها مثل دوافع الجهاد.
ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب التمشّي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة إقدامًا وإحجامًا، وأخذًا وتركًا لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فإن الغرض من ذلك التحذير من المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذه الاسمين لله، وهما: السميع والعليم.
ومنها: إثبات هاتين الصفتين، وهما: السمع والعلم؛ السمع يُطلق على إدراك المسموع، وعلى نتيجة هذا الإدراك وهو الاستجابة.
فالسمع نوعان إذن؛ سمع بمعنى إدراك المسموع، وسمع بمعنى الاستجابة للمسموع، الاستجابة للمسموع وهي إجابة دعائه، فمن الثاني -وهو الاستجابة- قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني؟
* الطلبة: استجاب الله.
* الشيخ: كذا؟ كذا؟ أيش قلت؟
* الطالب: قلت: قول المصلي: سمع الله لمن حمده.
* الشيخ: بس ويش اللي قبلها؟
* الطالب: سمع بمعنى إدراك المسموع، وبمعنى الاستجابة.
* الشيخ: طيب (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيب.
وأما الأول وهو السمع مع الإدراك فكثير، ثم هذا السمع الذي مع الإدراك ثلاثة، السمع الذي مع الإدراك قد يُراد به التهديد، وقد يُراد به التأييد، وقد يراد به بيان الإحاطة.
فمن الأول -إرادة التهديد- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] ويش المراد بالخبر؟ التهديد، ما أخبر الله بذلك إلا ليهدد هؤلاء.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] فالمراد به التأييد؛ تأييد موسى وهارون.
ومن الثالث قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١] فهذا المراد به الإحاطة بيان إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء، وأما هنا سؤال قبل أن نتجاوز هذا المحل: السمع هل هو من الصفات الذاتية أو من الصفات الفعلية؟
* الطلبة: الذاتية.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: فعليّة.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: ذاتيّة فعليّة.
* الشيخ: خطأ.
* الطالب: شيخ، باعتبار أصل الصفة ذاتية، وباعتبار يعني آحاده باعتبار فعله.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: السمع بمعنى إدراك المسموع هذا ذاتي فعلي.
* الشيخ: نعم، صفة ذاتية، وبمعنى الإجابة صفة فعلية؛ لأن الله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وباعتبار إدراك المسموع صفة ذاتية، هل إن شاء الله سمع وإن شاء الله ما سمع؟ سمع الله موصوف به أزلًا وأبدًا.
العلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، والله عز وجل موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا جملة وتفصيلًا لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى في الأرض ولا في السماء لا جملة ولا تفصيلًا ولا ماضيًا ولا حاضرًا، ولهذا علم الآدمي محفوف بآفتين مع نقصه:
الآفة الأولى: الجهل، والثانية: النسيان، وهو بنفسه قاصر لا يتجاوز إلا يعني لا يشمل إلا ما حول الإنسان، فلا يتجاوز ما حوله ولا يدرك بخلاف علم الله سبحانه وتعالى.
2:245Page 39
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قراءة، قراءة أخرى: ﴿فَيُضَعِّفَهُ﴾ ، قراءة ثالثة: ﴿فَيُضَعِّفُهُ﴾ قراءة رابعة: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ ففيها تشديد وتخفيف وفتح وضم، أربع قراءات: ﴿فَيُضَعِّفَهُ﴾ ، ﴿فَيُضَعِّفُهُ﴾ ، ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ ﴿فَيُضَاعِفُهُ﴾ .
ولهذا انظر إلى رسمها الآن صار القراءات الأربعة، الرسم، أو لا؟ ولو رسمنا على القواعد المعروفة عندنا ما صلحت القراءات الأربعة؛ لأن حسب القواعد المعروفة عندنا ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ نحط ألف، أو لا؟ تختلف عن ﴿فَيُضَعِّفَهُ﴾ لأن ما فيها ألف، لكن الرسم العثماني يحتوي القراءات؛ يحتويها على حسب الرسم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ تقدم لنا مثل هذا التركيب، وأن ذا في مثل هذا التركيب تكون ملغاة.
فـ﴿مَنْ ذَا﴾ اسم استفهام، أو (منْ) اسم استفهام و(ذا) زائدة و﴿الَّذِي﴾ خبر المبتدأ؛ يعني ﴿مَنْ﴾ مبتدأ.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ هذا استفهام بمعنى التشويق والحث، يعني أين الذي يقرض الله؟ فليتقدم.
وقوله: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ القَرْض في اللغة (القطع)، ومنه الْمِقراض، تعرفون المقراض؟ ما هو؟ المقص؛ لأنه يقطع الثياب، القرض في اللغة القطع، ومعنى أقرضت فلانًا اقتطعت له جزءًا من مالي فأعطيته إياه. كذا؟
﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ أي: يقتطع جزءًا من ماله لله، هذا المعنى. لأن لما قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والقتال يكون بالنفس، قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وهذا جهاد بالمال.
وقوله: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ الغالب أن المقترض لا يقترض إلا لحاجة، فهل هذا ممكن في حق الله؟
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: ما يمكن، إلا عند شرار خلق الله وهم اليهود؛ «فإنه لما نزلت هذه الآية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالوا: يا محمد، إن ربك افتقر فهو يسألنا الإقراض »[[انظر تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٢٩، ٤٥٨٨)، والواحدي في أسباب النزول (٣٧٧)، والدر المنثور (٤ / ١٦١).]] نعوذ بالله قاتلهم الله، وليس غريبًا عليهم فقد قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨١]، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٦٤]، وقالوا: إن الله تعب لما خلق السماوات والأرض فاستراح في يوم السبت، وهم معروفون بأنهم أجرأ عباد الله على حقوق الله.
إذن ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قلنا: إن القرض -في الغالب- ما يكون إلا لحاجة الاستقراض، فهل معنى ذلك أن الله محتاج؟ كلا والله، فإن الله تعالى هو الغني المغني، ولكنه سبحانه وتعالى شبه الإنفاق له بالقرض؛ لأن المقرض واثق من الوفاء والمستقرض ملتزم بالإيفاء، فجعل الله تعالى معاملته كالقرض تطمينًا لمن أنفق في سبيله أن هذا الذي أنفقت سوف أيش؟ سوف يرد إليك.
واستمع الآن إلى كيفية الرد، ليست كيفية الرد فيما تعامل به الله فكيفية الرد فيما تعامل به عباد الله، ما تعامل به عباد الله ربما يماطل فيه، وربما ينكر، وربما ينقص، يماطل، ينكر، ينقص، لكن حق الله عز وجل خالف ذلك كله بل زائد، ولهذا قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ولكن اشترط الله عز وجل قال: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾.
ما معنى القرض الحسن؟ القرض الحسن ما وافق الشرع، بأن يكون من مال حلال، فإن كان من مال حرام فليس بقرض حسن؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
الثاني: أن يكون خالصًا لله، فإن كان رياءً وسمعة فليس قرضًا حسنًا، الدليل: قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦)، من حديث أبي هريرة.]].
الثالث: أن يكون في محله بأن يتصدق على فقير أو مسكين أو في مصالح عامة، فأما لو بذلها فيما يُغضب الله فإن ذلك ليس قرضًا حسنًا.
الرابع: أن تكون نفسه طيبة به لا متكرِّهًا ولا معتقدًا أنه غرم وضريبة كما يظن بعض الناس في الزكاة يظن أنها ضريبة حتى إن بعض الكُتّاب يقول هذا اللفظ، يقول: ضريبة الزكاة، ضريبة الزكاة والعياذ بالله، والواجب أن تطيب نفسك بما تبذله لله عز وجل؛ لأن أفضل ما تُنفقه من مالك هو ما أنفقته لله، إذا كانت تطيب نفسك أن تشتري لأهلك برتقالًا وتفاحًا يأكلونه، ثم يتعفن في بطونهم ثم يخرج إلى بيت الخلاء، كيف لا تطيب نفسك أن تتصدق لله عز وجل بصدقة تجدها مدخرة لك عند الله؟! «لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على أهله قال:«مَا أَبْقَيْتُمْ لَنَا مِنَ الشَّاةِ؟» ويش قالوا؟ «قَالُوا: مَا بَقِيَ إِلَّا كَتِفُهَا. قَالَ:«بَقِي كُلُّهَا إِلَّا كَتِفهَا»[[أخرجه الترمذي في سننه (٢٤٧٠)، من حديث عائشة.]] لأيش؟ لأن الذي أُنفق هو الذي يبقى، ولهذا جعل الله ذلك تقديمًا للنفس فقال في سورة المزمل: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل ٢٠].
صحيح أن الإنسان يشح ببذل المال في طاعة الله، يشح؛ لأن أمامه عدوين، هما: الشيطان، والنفس. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨] بالبخل يعني يعدك الفقر يقول: شوف (...) تروح تشحذ الناس، صح ولَّا لا؟ نعم، ينقص مالك، يجوع العيال، ولا تلقى شيئًا (...) على البيت، لا تنفق، كذا؟
﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ يقول: أمسك، أمسِك مالك فهو خير لك. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ مغفرة؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وفضلًا ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ قلنا: فيه أربعة أمور نعيدها:
أن يكون من كسب حلال، والثاني: الإخلاص لله، والثالث: أن يقع موقعه، والرابع: أن تطيب بها نفسه.
قال الله عز وجل: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. ﴿أَضْعَافًا﴾ هذه مصدر، ويمكن أن نقول: إنها مبينة للنوع؛ لأنه قال: ﴿أَضْعَافًا﴾ لأن مطلق الضِّعف يكون في واحدة، لكن إذا قال: أضعافًا صار أكثر من واحدة فيكون مصدرًا مبينًا للنوع. كيف هذه الأضعاف؟
قال الله عز وجل في نفس هذه السورة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة ٢٦١]، كم تكون المضاعفة؟ سبع مئة.
﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١] ربما يأتي أضعاف أيضًا أكثر، فعليه نقول: إن الأضعاف التي ذكرت هنا هي التي ذكرت في نفس السورة ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١].
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ قوله: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ القبض ضد البسط، والبسط التوسيع، فيكون المراد بالقبض التضييق، فهو الذي بيده القبض وبيده البسط، والفائدة من ذلك -أو من ذكر القبض والبسط- بعد الحث على الإنفاق، الفائدة: الإشارة إلى أن المنفق لا يظن أن إنفاقه سبب لضيق رزقه، فإن القبض والبسط بيد الله سبحانه وتعالى، فقد يتصدق الإنسان ويُنفق ويُوسع الله له في الرزق، وقد يمسك ويبخل فيضيق الله عليه، وكم من إنسان أمسك ولم يُنفق في سبيل الله فسلط الله على ماله آفات، في نفس المال كالضياع والاحتراق والسرقة وما أشبه ذلك، أو آفات تلحق هذا الرجل ببدنه أو بأهله يحتاج معها إلى أموال كثيرة، وهذا من باب القبض، وقد يكون الإنسان ينفق ويتصدق في سبيل الله على الوجه الذي يرضى الله فيبارك الله له في المال ويأتيه الرزق من حيث لا يحتسب.
وقوله: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ يعم كل شيء، فيقبض في الرزق ويبسط، ويقبض في العلم ويبسط، وكذلك يقبض في كل ما يتعلق في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة؛ القبض والبسط كله إلى من؟ إلى الله عز وجل، يقبض في الأعمار ويمد فيها هذا من القبض والبسط.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ختم الآية بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ التزهيد، فائدته: التزهيد في الدنيا، كأنه يقول: هذا المال الذي تحرصون عليه وتبخلون به ولا تنفقونه سوف تنتقلون عنه وترجعون إلى الله سبحانه وتعالى، فلهذا خُتمت بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وتقديم المعمول في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ له فائدتان؛ فائدة لفظية وفائدة معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فهي توافق رؤوس الآيات.
والثانية: الحصر، الفائدة المعنوية الحصر. ﴿إِلَيْهِ﴾ يعني لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فالمرجع كله إلى الله كما أن المبدأ كله من الله سبحانه وتعالى.
من فوائد هذه الآية الكريمة، أظن اللي قبلها مكتوب فوائدها؟
من فوائدها: الحث.
* طالب: قبل الفوائد هل فيها قراءة؟
* الشيخ: إي نعم، في ﴿يَبْسُطُ﴾ قراءة بالسين، ﴿يَبْسُطُ﴾ و﴿يَبْصُطُ﴾ بالصاد.
* طالب: في القراءة الأولى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾، ما توجيهها؟
* الشيخ: توجيهها؟
* الطالب: الإعراب بالنصب؟
* الشيخ: إي نعم، من حيث الإعراب، قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة ٢٤٥] أما على قراءة النصب فوجهه أنها صارت جوابًا للاستفهام في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾.
وفاء السببية بعد الاستفهام ينصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة بعد فاء السببية، وإلى هذا أشار ابن مالك في قوله:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
وأما على قراءة الرفع فالفاء هنا للاستئناف وليست للسببية، أي: فهو يضاعفه، فتكون الجملة هنا مستأنفة.
من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله عز وجل لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ والاستفهام هنا للتحضيض والحث.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل أوجب على نفسه مجازاة هذا الذي أقرضه قرضًا حسنًا، وجه الإلزام أنه سمى الإنفاق قرضًا، والقرض قد ألزم المقترض نفسه بوفائه.
* ومن فوائدها: ملاحظة الإخلاص، وأن يكون الإنسان مقرضًا لله عز وجل على سبيل الإخلاص، وطِيب النفس، ومن مالٍ حلال، ولا يتبع إنفاقه منًّا ولا أذى لقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾.
هل يفهم من الآية أن القرض المتضمن للربا حرام؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾.
* الشيخ: من ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. إذا قال قائل: هذا في حق الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؟ قلنا: صحيح، هذا في حق الله، لكن ربما يستدل به على أن الآية تشير إلى أن القرض يجب أن يكون حسنًا ليس فيه خروج عن الشرع، وربما يستدل بذلك على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].
شوف قابل الزكاة بماذا؟ بالربا، وعلى كل حال الأخذ من هذه الآية فيها شيء من الثقل.
* ومن فوائد الآية: أن كرم الله عز وجل وعطاءه واسع، وأن جزاءه للمحسن جزاء فضل لا جزاء عدل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾؛ لأنه لو كان جزاء عدل لكان يعطى مثله فقط، لكن جزاءه سبحانه وتعالى للطائعين المحسنين جزاء فضل.
أما جزاؤه للعصاة فهو دائر بين العدل والفضل، إن كانت المعصية كفرًا فجزاؤها عدل، وإن كانت دون ذلك فجزاؤها دائر بين الفضل والعدل، كيف بين الفضل والعدل؟ لأن الله إن شاء عاقب عليها وإن شاء غفر، وهذا دائر بين الفضل والعدل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ربوبية الله عز وجل، من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.
ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق ليس هو سبب الإقتار والفقر، كيف؟
لأنه ذكر هذه الجملة بعد الحث على الإنفاق، يُشير ذلك إلى أن الإنفاق لا يستلزم الإعدام أو التضييق؛ لأن الأمر بيد مَن؟ بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية: إثبات المعاد والبعث لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
ومن فوائدها أيضًا: تهديد المرء أن يخالف، وترغيبه في طاعة الله لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ لأن الإنسان إذا علم أنه راجع إلى ربه لا محالة فإنه لا بد أن يكون فاعلًا لما أمر به وتاركًا لما نهي عنه؛ لأنه يخاف من هذا الرجوع، كما لو أن ملكًا من ملوك الدنيا قال لك: اذهب واسعَ ومردك إليَّ، ماذا تعامل هذا الملك؟ معاملة من يؤمن بأن الملك سوف يحاسبه على حسناته أو على سيئاته.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences