Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:246–247

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:246–247

2:246Page 40

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

ثم قال عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الخطاب إما للرسول عليه الصلاة والسلام، وخطاب زعيم الأمة خطاب له وللأمة؛ لأنها تبعه، وإما أنه خطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب، فيكون عامًّا في أصل وضعه.

الفرق بين المعنيين: أن الأول عام باعتبار التبعية للمخاطب به أولًا، وهو الرسول ﷺ.

والوجه الثاني: أنه عام باعتبار وضعه؛ يعني ألم تر أيها المخاطب؟

وقوله: ﴿تَرَ﴾ هل المراد تنظر، أو المراد تسمع، أو المراد تعلم؟ نشوف الفعل هنا عدي بـ (إلى)، وإذا عدي بـ (إلى) تعين أن يكون من رؤية العين، تقول: رأى إلى كذا، أو نظر إلى كذا، لو عدي بنفسه لأمكن أن يكون المراد بالرؤية العلم، فإذا كان كذلك فإنه يلزم أن يكون المعنى: ألم ترَ إلى شأن الملأ من بني إسرائيل؛ لأنه من المعلوم أننا نحن بل والرسول عليه الصلاة والسلام لم يشاهده.

ويمكن أن نقول: إنها عديت بـ (إلى) وهي بمعنى (النظر)؛ لأن الإخبار بها جاء من عند الله، وما كان من عند الله فهو كالمرئي بالعين بل أشد وأبلغ.

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ الاستفهام هنا للتقرير أو للتشويق؟

الظاهر أنه للتشويق؛ يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها؛ لأن التقرير -أيها الجماعة- التقرير إنما يكون في أمر كان معلومًا للمخاطب فيقرر به، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] أما هذا فهو أمر غير معلوم للمخاطب إلا بعد أن يخبر به، فيكون هنا للتشويق.

يعني مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف ١٠]، ومثل قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية ١] وما أشبهها؛ فالمعنى يشوقنا الله عز وجل أن ننظر إلى هذه القصة من أجل أن نعتبر بها، أما لو كان يخاطب من كان عالِمًا بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير.

﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾ ﴿الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إذا أُضيف إلى أحد فإن المراد الأشراف مثل: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف ٦٠] يعنى الأشراف والكبراء.

وقد يراد به الملأ الطائفة مطلقًا سواء كانوا من أشراف الناس أو من غير أشرافهم، هؤلاء ملأ من بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

﴿إِذْ﴾ هذه ظرفية.

* طالب: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾.

* الشيخ: نعم ﴿إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾.

﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (بني) في الأصل للذكور، لكن إذا وُصف بها القبيلة صارت عامة للذكور والإناث، كما نقول: بنو تميم يعم ذكورهم وإناثهم.

وقوله: ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ هو يعقوب بن إسحاق، ومعنى إسرائيل أي: عبد الله أو ما أشبه ذلك من الأوصاف التي تضاف إلى الله.

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ لما بين قبيلتهم وأنهم من بني إسرائيل ذكر زمنهم، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام وهو أفضل أنبياء بني إسرائيل.

﴿إِذْ قَالُوا﴾ هذه ظرف، وهي مبنية على السكون في محل نصب أي: وقت قولهم.

﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ وفي ﴿نَبِيٍّ﴾ قراءتان: لِنَبِيٍّ (...) أصلها (نبيء) لكن خُففت الهمزة فلا خلاف، وإذا قلنا: نبيء من النبوة لا من النبأ فبينهما خلاف. ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ لهؤلاء الملأ ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾.

النبي عند جمهور أهل العلم هو الذي أوحى الله إليه بالشرع ولم يلزمه بإبلاغه، ما أمره به، فيكون بمنزلة المجدد الذي يصلح ما فسد عند الناس وإن كان لا يلزم بالإبلاغ؛ إبلاغ هذا الوحي إلى غيره، وأشبه ما له في هذه الأمة العالم، أشبه ما له العالم مع أن العالم مأمور بالإبلاغ، لكن مأمور بإبلاغ رسالة من قبله.

وقيل: إن النبي هو الذي أُمر بإبلاغ رسالة من قبله، وأُوحي إليه وحي خاص، يُبلغ رسالة من قبله، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ويستدل له بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة ٤٤] (يحكم بها) فلم يجعل لهؤلاء الأنبياء وحيًا خاصًّا يعني وحيًا مستقلًّا، بل جعلهم يحكمون بالتوراة، وهذا القول جيد لولا أنه منتقض بنبوة آدم، فإن آدم كان نبيًّا ولم يسبقه شرع، ولولا هذا النقض لكان ما ذهب إليه الشيخ أرجح.

وقد يقال: إن النبي إذا أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فإنما يوحى إليه بالشرع السابق ليؤكد ذلك الشرع ويجدد ما اندثر منه، ولكن المشهور عند أهل العلم هو المعنى الأول.

وقوله: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾. لو قال قائل: من هذا النبي؟ قلنا: إن الله تعالى أبهمه فلنبهم ما أبهمه الله، ولو كان في معرفة اسمه فائدة لكان الله عز وجل يبينها لنا؛ يبين اسمه لنا، لكن ليس لنا فيه فائدة، المهم أنه نبي من الأنبياء.

﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ معنى ابعث يعني مُرْ ملكًا، وأقم لنا ملكًا. ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وكأن أمرهم في ذلك الوقت كأن أمرهم فوضوي ليس عندهم ملك يدبر أمورهم ويدبر شؤونهم، والناس إذا كان ليس لهم ولي أمر صار أمرهم فوضى كما قيل:

لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ∗∗∗ .................................

ولهذا «أمر النبي ﷺ القوم إذا سافروا أن يُؤمِّروا أحدهم حتى لا تكون أمورهم فوضى »[[أخرجه أبو داود في سننه (٢٦٠٩)، وأبو عوانة (٧٥٣٩) من حديث أبي هريرة.]].

يقول: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أي: أقم لنا ملكًا ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الذي جزم كلمة ﴿نُقَاتِلْ﴾ جواب الطلب: ﴿ابْعَثْ﴾.

وهذا دليل على أنهم عازمون على أن يكون لهم ولي أمر يقودهم للقتال في سبيل الله.

وقوله: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبق لنا معنى قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأن رسول الله ﷺ فسرها بأحسن تفسير، وهو أيش؟ بماذا فسرها الرسول عليه الصلاة والسلام؟

* الطالب: «وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠)، من حديث أبي موسى الأشعري.]].

* الشيخ: «وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا». هذا في سبيل الله. فقال لهم النبي يريد أن يثبتهم وينظر عزيمتهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾.

﴿عَسَيْتُمْ﴾ فيها قراءتان الكسر والفتح.

* طالب: النصب.

* الشيخ: ما هو النصب، النصب في الإعراب، الكسر والفتح ﴿هَلْ عَسِيتُمْ﴾ و﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ يعني يقول: هل يُتوقع منكم إن كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟

فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. فيكون المعنى هنا: هل يتوقع؟ فـ(عسى) هنا للتوقع، أي: هل إذا كُتب عليكم القتال يتوقع منكم ألا تقاتلوا؟

فجملة ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ جملة شرطية معترضة بين اسم (عسى) وخبرها؛ لأن اسم (عسى) الضمير التاء. و﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ هو خبرها. وعسى تقترن بـ (أن) ولَّا لا؟ تقترن بـ (أن) كثيرًا، كما في الألفية. وجملة ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ جملة شرطية معترضة جوابها محذوف، وقد نقول: إنها لا تحتاج إلى جواب لعلمه بالسياق، لكن قدره بعض المعربين فقال: فلا تقاتلوا، هل يتوقع منكم ألا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال فلا تقاتلوا؟

والجواب: إي نعم هذا هو الجواب محذوف. ولو قلنا: بأنه لما كان معلومًا بالسياق فإنه لا يحتاج إليه كما في نظائره لكان له وجه.

وقوله: ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ كُتب بمعنى فُرض، فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا.

ماذا كان جوابهم؟ ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ (أن) هذه زائدة ولَّا غير زائدة؟

الصواب أنها غير زائدة؛ لأن مثل هذا التركيب يصح فيه وجود (أن) ويصح فيه حذفها. قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]. ففي الآية الأولى ﴿أَلَّا﴾ أتت (أن)، وفي الثانية حُذفت، وعلى هذا فهما استعمالان عربيان مشهوران؛ أي أن (أن) في مثل هذا التركيب يجوز أن توجد ويجوز أن تُحذف.

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: أي شيء لنا في عدم القتال؟ يعني أي مانع لنا يمنعنا من القتال في سبيل الله وقد وجد مقتضي ذلك ويش المقتضي؟ ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. والإنسان إذا أخرج من داره وبنيه فلا بد أن يقاتل لتحرير البلاد وفك الأسرى.

قوله: ﴿وَمَا لَنَا﴾. نرجع إلى إعرابها، ﴿مَا﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع. و﴿لَنَا﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ما، و﴿أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ منصوب بنزع الخافض، وأصله: وما لنا في ألا نقاتل.

وقد مر علينا أن (أنْ) المصدرية إذا دخلت على حرف نفي فإن الحرف يُقدّر بكلمة؟

* طلبة: في.

* الشيخ: لا، بكلمة (عدم). فالمعنى إذن: وما لنا في عدم القتال، يعني أي شيء لنا في ألا نقاتل، أي مانع؟ والجواب: فيه مانع ولَّا لا؟ لا مانع.

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾ الجملة هنا حالية، فهي في محل نصب.

﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. قولهم: ﴿أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ قال المفسرون: إن المراد إخراج بعضهم؛ لأن هؤلاء الذين كلموا نبيهم كانوا في ديارهم، لكن كان لهم أقوام سبقوا تسلط عليهم العدو فأخرجهم من ديارهم ومن أبنائهم.

قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾. نسأل الله السلامة، هم طلبوا الآن أن يبعث لهم نبيهم ملكًا يقاتل في سبيل الله ليقاتلوا في سبيل الله، ولما استثبت نبيهم منهم ماذا قالوا؟

قالوا: إنا عازمون، عازمون على ذلك، وثابتون عليه، ولكن لما كتب عليهم القتال وفُرض عليهم تولوا، فصار ما توقعه بنبيهم حقًّا أنهم لم يقاتلوا. وسيأتينا في الفوائد أن بعض السؤال يكون نكبة على السائل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة ١٠١].

فهنا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ يعني أعرضوا عن هذا الفرض ولم يقوموا به.

﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ والقليل عادة يكون أقل من النصف ولَّا لا؟ أو نقول: أقل من الثلث أيضًا لقول الرسول ﷺ: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٦٨)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥، ٧، ٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]. فهم تولوا كلهم إلا القليل، ممكن أن نقول: أقل من الثلث، وهي منصوبة على أنها مستثناة.

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ عليم بالظالمين، ومقتضى علمه بهم أن يجازيهم على ظلمهم، والظلم هنا ليس لفعل محرم، ولكنه لترك واجب؛ لأن ترك الواجب كفعل المحرم فيه ظلم للنفس ونقص من حقها.

من فوائد الآية الكريمة: الحث على النظر والاعتبار لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى آخره.

ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن في هذه القصة عِبرًا لهذه الأمة، حيث إن هؤلاء القوم الذين كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، ففيها تحذير هذه الأمة من التولي عن القتال إذا كُتب عليهم.

* ومن فوائدها: أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها لقولهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

ومنها: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الْمُلك لقولهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ يخاطبون النبي، فالنبي إذن له السلطة أن يبعث لهم ملكًا يتولى أمورهم ويدبرهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يشجع على إجابة الطلب فيما إذا طَلب الإنسان شيئًا من غيره أن يذكر ما يشجعه على إجابة الطلب لقولهم: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فإن هذا يبعث النبي ويشجعه على أن يبعث لهم الملك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في قولهم: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

* ومن فوائدها: تثبيت المخاطَب بما طلب إيجاده، تثبيته هل يقوم بما يجب عليه نحوه أم لا لقوله: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾. فإذا طلبك إنسان أن تُرسله في حاجة، أو أن تكلفه بعمل فلا حرج عليك أن تذكر له الأشياء التي يتبين بها أيش؟ ثباته وقيامه بهذا العمل، لهذه الآية.

ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإنسان بفطرته يكون مستعدًّا لقتال من قاتله لقولهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾.

ولهذا تجد الجبان اللي من أجبن ما يكون إذا حُصر يأتي بما عنده من الشجاعة، يستنفد كل شيء حتى وإن كان أجبن من النعامة فإنه عندما يُحشر يكون عنده قوة للمدافعة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أسباب القتال إخراج الإنسان من نفسه وأهله، قصدي إخراج الإنسان من بلده وأهله لقولهم: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن الصبر على ترك المحظور أو القيام بفعل المأمور، فإذا ابتلي به نكص، من أين يؤخذ؟ ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ مع أنهم كانوا في الأول كانوا متشجعين على أن يقاتلوا.

* طالب: الفائدة الأخيرة تعيدها يا شيخ؟

* الشيخ: أقول: ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه قادر على فعل المأمور وترك المحظور، فإذا ابتُلي به نكص وعجز، فهؤلاء ظنوا أنهم قادرون على القتال، لكن لما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم.

ويتفرع على هذا: أن فيه إشارة إلى قول النبي ﷺ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٩٦٥، ٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢ / ٢٠)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى.]] فالإنسان قد يتمنى الشيء من أمور تنزل به ويعجز عنها.

وهذه الفائدة يشير إليها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ فِيمَا يَبْعَثُ فِيهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٣١٩)، ولفظه «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو: «لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، من حديث عمران بن حصين.]] هذا الحديث أو معناه.

ومنها أيضًا؛ يتفرع مهنا: أن كثيرًا من الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به ثم لا يوفون به، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦].

وهل يستفاد من الآية أن البلاء موكل بالمنطق؟ لأنه قال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا﴾ فكان ما توقعه نبيهم كان ما توقعه واقعًا، فإنه لما كتب عليهم القتال تولوا.

* ومن فوائد الآية: وجوب القتال دفاعًا عن النفس، من أين يؤخذ؟ لأنه لما قال: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾ قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ ﴿كُتِبَ﴾ أي فرض ليدافعوا عن أنفسهم، ويحرروا بلادهم من عدوهم، وكذلك أبناءهم من السبي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير الظالم من الظلم لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي ظلم كان.

ومنها؛ أي من فوائدها: سعة علم الله سبحانه وتعالى، حيث كان عالِمًا حتى بظلم الظالم وإن كان واحدًا لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.

ومن ذلك أيضًا؛ من فوائد الآية: تحريم الظلم لوقوع التهديد به.

* ومن فوائدها: أن ترك الواجب من الظلم لقوله: ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: المتولين الذين فُرض عليهم القتال ولم يقوموا به؛ فدل ذلك على أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إما فِعل محرم، وأما ترك واجب.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾.

* طالب: شيخ فيه فائدة.

* الشيخ: وهي؟

* طالب: حكم سؤال الناس قائدًا يقودهم إلى الجهاد؛ يعني إذا كانت أحوال المسلمين مثلًا مضطربة بعض العلم عنها يعني مثلًا يقول: والله إن قائدًا يعني يقودنا إلى الجهاد (...)، هل هذا من هذه الآية ولَّا لا؟

* الشيخ: إي نعم، ويش تقولون؟ إنه ينبغي مثلًا إذا كان أمر المسلمين منفرطًا أن يُدعى الله عز وجل بأن يهيئ لهم قائدًا يجمع كلمتهم؟ يؤخذ من هذا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: كيف؟

* الطلبة: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾.

* الشيخ: لأنهم طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكًا يقاتل في سبيل الله.

* طالب: شيخ، لماذا لم يطلبوا من نبيهم أن يقودهم في الحرب؟

* الشيخ: إي نعم، لعلهم يريدون من نبيهم أن يتفرغ للدعوة إلى الله عز وجل، ويكون هذا هو القائد.

* طالب: هنا يا شيخ فيه فائدة.

* طالب آخر: شيخ، أما كان النبي ﷺ هو القائد للمسلمين؟

* الشيخ: محمد، بلى.

* الطالب: طيب ويش الفرق بين هنا وهناك؟

* الشيخ: ما نقدر نقول، نقول: هذا اللي وقع، فالذي يظهر لنا أنهم أرادوا من نبيهم أن يبقى في الدعوة إلى الله عز وجل وعند من كان فيمن لم يقاتل ممن لا يجب عليه القتال.

* طالب: قلنا في التفسير أنه سيأتي لنا أن بعض السؤال قد يكون نقمة على بعض الآخرين؟

* الشيخ: كيف؟

* طالب: قلنا: في التفسير أن بعض السؤال قد يكون نقمة على الباقين؟

* الشيخ: هذه تعرضنا لها في قوله: أن الإنسان قد يطلب الشيء وهو يظن أنه يقوم به ولكن ما يقوم به يخطئ.

2:247Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧

And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

قال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ ترى فيها ﴿نَبِيئُهُمْ﴾ قراءة كما أن قوله: ﴿نَبِيٍّ لَهُمُ﴾ فيها قراءة: ﴿لِنَبِيئٍ لَهُمْ﴾ .

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ شوف حسن الأدب مع الله هم قالوا لنبيهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا﴾ ولم يقل: إني بعثت، بل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ وكأن الله عز وجل أوحى إلى هذا النبي أن اجعل فلانًا ملكًا عليهم، أو ملكًا لهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ وفي عدوله عن قوله: ﴿ابْعَثْ﴾ مع كونه أدبًا مع الله إشارة إلى قوة إلزامهم بقبوله، لماذا؟ لأن الذي عينه مَنْ؟ الله عز وجل.

﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوت علم على شخص وليس كما قيل: إنه مشتق من (الطُّول). بعضهم قال: إنه مشتق من الطول؛ لأن الله قد زاده بسطة في العلم والجسم، فقال: طالوت من (الطُّول)، وليس كذلك، وإنما هو عَلَم كغيره من الأعلام، لكن تعلمون أن هذا علم في لغة من؟ في لغة بني إسرائيل، ويمكن أنه دخله شيء من التعريب.

وقوله: ﴿قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ ﴿مَلِكًا﴾ هذه حال من ﴿طَالُوتَ﴾ والملك هو الذي له التدبير الذي لا يُنازَع فيه، ولكنه بالنسبة للمخلوق بحسب ما تقتضيه الولاية الشرعية أو العرفية، هذا الملك، الذي له التصرف بخلاف المالِك، المالك هو من له التصرف في ملك معين محدود.

قالوا معترضين على هذا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ يعني قالوا: كيف يكون له الملك؟ ﴿أَنَّى﴾ بمعنى كيف فهي للاستفهام.

﴿يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي شوف التعبير ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ﴾ ولم يقل: عليكم؛ لأن البعث من الله عز وجل لا يراد به مجرد السلطة، وإنما يراد به التصرف بما فيه الخير والمصلحة، ولهذا يقال: إن الملكية تكليف وليست بتشريف، ففي الأول قال: ﴿بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ﴾ وهنا ذهبوا يتكلمون عن السلطة قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ ولم يقولوا: أنى يكون له الملك لنا، علينا، فجعلوا المسألة من باب السلطة فقط لا من باب رعاية المصلحة.

ثم قالوا معززين لاستبعادهم هذا الشيء: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾، لماذا؟ كأنهم يرون أن الملك لا يكون إلا كابرًا عن كابر، وأن هذا لم يسبق لأحد من آبائه أن تولى الملك بخلافنا نحن، فإن الملوك كانوا منَّا، فكيف جاءه الملك؟

أيضًا ﴿لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ فهو أيش؟ فقير ما عنده مال واسع، وقد يقال: إنه ليس بفقير لكنه ليس عنده مال واسع، وفرق بين الفقير المعدم وبين من يجد ولكن ليس ذا سعة؛ يعني ليس غنيًّا ننتفع بماله ويدبرنا بماله ويحصِّل الجيوش والجنود بماله، فذكروا علتين: أحدها من حيث التوسط في مجتمعه، والثاني من حيث المال؛ يعني إذن القوة الحسَبية والقوة المالية، قالوا: هذا الرجل مفقود، لا عنده حسب فليس من أبناء الملوك، ولا عنده مال فليس من الأغنياء الأثرياء الذين يُخضعون الناس بأموالهم.

جواب نبيهم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿اصْطَفَاهُ﴾ بمعنى: اختاره، وأصلها من الصفوة، فيكون أصل ﴿اصْطَفَاهُ﴾ (اصتفاه) بتاء الافتعال، ولكنها قُلبت طاء لما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصرف.

قوله: ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل: اصطفاه لكم هنا، وفي الأول قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ وهنا قال: ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ إشارة إلى أنه فضَّله عليهم، فاختاره لأنه أفضل منهم، فهو مفضَّل عليهم بما أعطاه الله سبحانه وتعالى مما سيُذكر.

﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ بسطة معناه: السعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥]. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦].

أي: زاده سعة في العلم، أيّ علم هو؟ نحن نتكلم الآن في الملكية، فالمراد بالعلم علم تدبير الملك، فعنده من الحنكة والرأي ما جعله مختارًا عليهم من الله عز وجل.

أيضًا والجسم، زاده بسطة في الجسم مع العلم، فاجتمع في حقه قوتان: المعنوية والحسية؛ بسطة الجسم ليست بالطول فقط بل بالطول والقوة أيضًا، فهو قوي شديد وطويل أيضًا، فإذا اجتمع في حقه القوتان المعنوية وهي العلم والثانية: الجسمية أو الحسية؛ وهي أن الله تعالى زاده بسطة في الجسم.

السبب الثالث: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يؤتي بمعنى يعطي ملكه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦].

وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا أن كل فعل أضافه الله إلى المشيئة فإنه مقيد بالحكمة، فيؤتي ملكه من يشاء ممن تقتضي الحكمة الإلهية أن يعطوا الملك، إذن ما دام الإيتاء -إيتاء الملك- مقرونًا بالحكمة فإن الله لا يعطي الملك إلا من هو أهل له، وليس المراد بذلك دفع اعتراضهم بذكر مطلق المشيئة.

صحيح أن الأمر لله يفعل ما يشاء، لكن المراد بذلك أن يُبيِّن أن الله هو الذي يؤتي الملك من يشاء، ومع هذا لا يؤتيه إلا من هو أهل له.

وقد تبين مما ذكر في أن الله أعطاه بسطة في العلم والجسم أن هذا الرجل أهل لأن يؤتى الملك.

﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ أطلق، ما قال: واسع في العلم، في الحكمة، في الفضل، فيشمل كل صفاته، واسع في علمه وفضله وكرمه وقدرته وقوته وجميع صفاته وأفعاله أيضًا.

وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق أن يكون ملكًا أو غيره ممن هو من الفضل الذي يؤتيه الله سبحانه وتعالى من يشاء، فهنا نبيهم عليه الصلاة والسلام ذكر عدة أمور، تخول هذا الرجل لأن يكون ملكًا عليهم:

أولًا: أن الله اصطفاه عليهم وفضله، فيه فضائل عِلمها عند الله؛ لأنه ما ذكر فيها شيء، ما ذُكر شيء.

ثانيًا: أن الله زاده بسطة في العلم، وتدبير الأمة، والحروب، وغير ذلك.

ثالثًا: أن الله زاده بسطة في الجسم، ويشمل القوة والطول.

ورابعًا: أن الله عز وجل هو الذي يؤتي ملكه من يشاء مقرونًا بالحكمة، فلولا أن الحكمة تقتضي أن يكون طالوت هو الملك ما أعطاه الله تعالى الملك.

والخامس: أن الله واسع عليم؛ فهو ذو الفضل الذي يمده إلى من شاء من عباده، فله أن يتفضل على من شاء ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] وهو أعلم أيضًا حيث يجعل ولايته.

من فوائد الآية الكريمة: أن نبيهم استجاب لهم، حيث طلبوا منه أن يبعث ملكًا لهم فاستجاب، ولكن بماذا كانت استجابته؟ بسؤال الله سبحانه وتعالى ذلك وإجابة الله له.

ومنها: أن الْمُلك لا ينال بالوراثة، وإنما ينال بالأحقية والأفضلية.

ومنها أيضًا: أن الْمُلك تتوطد أركانه إذا كان للإنسان مزية في حسبه أو نسبه أو علمه أو قوته، من أين يؤخذ هذا؟

* طالب: من الصفات التي ذكرت.

* الشيخ: نعم، يؤخذ أولًا من قولهم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾.

والثاني من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.

ومنها؛ من فوائد الآية الكريمة: أن استفهام هؤلاء القوم ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ يحتمل أن يكون المراد به الاعتراض، ويحتمل أن يراد به الاستكشاف، كيف كان ملكًا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتَ سعة من المال؟ فإن كان الأول فإن حالهم تقتضي أيش؟ الذم؛ لأنهم كيف يعترضون وهم الذين طلبوا أن يبعث لهم ملكًا؟!

وإن كان الثاني فهل حالهم تقتضي الذم أم لا؟ يعني قصدهم الاستكشاف والبحث عن السبب بدون اعتراض، ففي هذه الحال لا اعتراض عليهم ولا لوم عليهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال الله عز وجل فوق كل تصور لقوله: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ مع أنهم قدحوا به من وجهين: أنهم أحق بالملك منه، وأنه فقير، فبين نبيهم أن الله تعالى اصطفاه عليكم بما تقتضيه الحكمة.

ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما كان الولي ذا بسطة في العلم وتدبير الأمور والجسم وقوته كان أقوم لملكه وأتم لإمرته لقوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.

ومنها: أن الملك لبني آدم ملك لله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فهذا الملِك في مملكته هو في الحقيقة ما ملك إلا بإذن الله عز وجل، فالملك لله سبحانه وتعالى وحدَه يؤتيه من يشاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ملكيتنا لما نملكه ليست على سبيل الحقيقة وليست ملكًا مطلقًا، بل هي تحت ملكية الله سبحانه وتعالى، ولهذا لا نتصرف فيما نملك إلا على حسب ما شرعه الله، لو أراد الإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء يتلفه ويحرقه ويعذبه ويؤذيه إذا كان حيوانًا قلنا: لا؛ لأن ملكك تابع لأي شيء؟ لملك الله سبحانه وتعالى.

ومنها: إثبات المشيئة لله لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات أفعال الاختيارية لقوله: ﴿يُؤْتِي مُلْكَهُ﴾، فإن إتيان الإنسان الملك نراه يتجدد كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران ٢٦] فالله سبحانه وتعالى له أفعال اختيارية بمعنى أنه يفعلها حيث أراد.

وقد أنكر كثير من الأشاعرة والمتكلمة قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل محتجين بأن الأفعال الاختيارية حوادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادِث كما زعموا، فإذا أثبتنا أن الأفعال الاختيارية تقوم بالله عز وجل، وأنه يفعل ما يشاء، ويجدد أفعاله سبحانه وتعالى كان من لازم ذلك أن يكون حادِثًا، ومعلوم أن الله تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء.

فنقول لهم: هذا اللازم الذي ذكرتموه لازم باطل، إذ لا يلزم من تجدد الأفعال تجدد الفاعل، ولا يلزم من حدوث الأفعال حدوث الفاعل، فنحن الآن محدَثون بلا شك، وأفعالنا تتجدد، هل نقول: يلزم أن يكون وجودنا مقارنًا لأفعالنا، أو وجودنا سابق لأفعالنا؟ لا شك أن وجودنا سابق لأفعالنا، وهذا في المخلوق، فوجود الله عز وجل سابق لأفعاله ولا يلزم من تجدد أفعاله أن يكون هو ذاته حادِثًا سبحانه وتعالى، بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، ومن ثم -أي من إنكارهم- قيام الحوادث به قالوا: إن الله تعالى لا يتكلم بكلام يحدثه فيتكلم شيئًا فشيئًا، وقالوا: إن كلام الله هو المعنى الأزلي القائم بنفسه.

ولا شك أن تفسير الكلام بهذا معناه يؤول إلى أن الكلام هو أيش؟ هو العلم، إذا قالوا: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس -وهذا مذهب الأشاعرة- فمعنى هذا أنه هو العلم؛ لأنهم يرون أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأن هذه الحروف والأصوات التي تُسمع أيش؟ مخلوقة خلقها الله سبحانه وتعالى لتعبر عما في نفسه.

ولهذا قال بعض العلماء قالوا: إنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة في الواقع؛ لأن الكل متفق على أنه على أن ما نقرؤه الآن في المصاحف مخلوق، لكن أولئك قالوا: هو كلام الله، وهذا قالوا: هو عبارة عن كلام الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: واسع وعليم، فالواسع المحيط بكل شيء، الواسع الذي صفاته لا نهاية لها في الكمال، الواسع الذي غناه لا حد له، وهكذا كل ما تشتمل هذه الكلمة من معنى فإنه يدخل في كلمة واسع، ولهذا يعتبر هذا الاسم وهذه الصفة تعتبر شاملة لجميع الأسماء والصفات، فإن الله تعالى واسع في كل ما يتصف به،

وعليم أي: محيط بكل شيء علمًا، ولهذا تقترن كلمة واسع دائمًا بكلمة عليم؛ لأن كلًّا منهما فيه الشمول والإحاطة.

سبق لنا أن الاسم من أسماء الله يتضمن إذا كان متعديًا يتضمن كم؟

ثلاثة أشياء: الاسم، والصفة، والحكم؛ يعني الأثر الذي يترتب على ذلك، فعليم يتضمن اسم العليم، ويتضمن الصفة وهي العِلم، ويتضمن الحكم وهو أنه يعلم، يعلم كل شيء، وإذا كان الاسم غير متعدٍّ فإنه يتضمن شيئين: وهما: الاسم، والصفة، مثل الحي والعظيم وما أشبهها.

إذن الصفات أكثر من الأسماء وأوسع؛ لأنه ما من اسم إلا هو متضمن لصفة، وهناك صفات لا يشتق منها أسماء، فالصفات أوسع وأعم من الأسماء ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском