Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:249–254

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:249–254, continued

* ومن فوائدها: أن الظن يأتي في محل اليقين، بمعنى أنه يستعمل الظن استعمال اليقين، من أين تؤخذ؟ ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾؛ لأنه ليس الظن هنا بمعنى الشيء الراجح، إذ إن ملاقاة الله يجب أن يُؤمن بها الإنسان قطعًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ما ذكره هؤلاء الموقنون بأنه قد تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة بإذن الله، وهذا قد وقع فيما سبق من الأمم ووقع في هذه الأمة، مثل غزوة بدر، فإن غزوة بدر فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، وقد يكون العكس قد تُغلب الفئة الكثيرة، قد تُغلب الفئة الكثيرة وإن كان الحق معها كما في غزوة حنين، لكن لسبب.

ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا ذَكر الشيء أن يقيده بإذن الله أو بمشيئة الله أو ما أشبه ذلك لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

ومنها: إثبات الإذن لله سبحانه وتعالى، وقد مر علينا أنه ينقسم إلى قسمين: إذْن كوني، وإذْن شرعي، في هذه الآية إذن كوني ولَّا شرعي؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: كوني، وفي قوله تعالى عن السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٠٢]؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: كوني أيضًا، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] هذا؟

* الطلبة: شرعي.

* الشيخ: شرعي ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]،

* الطلبة: شرعي.

* الشيخ: هذا شرعي أيضًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصبر لقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

ومنها: إثبات المعية لله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن قلت: هذه الآية ظاهرها تخصيص معية الله بالصابرين مع أنه في آيات أخرى أثبت الله معيته لعموم الناس فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] هذا عام، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧] فما هو الجواب؟

قلنا: الجواب إن هذه المعية خاصة، وتلك معية عامة، والمعية التي أضافها الله لنفسه منها ما يقتضي التهديد، ومنها ما يقتضي التأييد، ومنها ما هو لبيان الإحاطة والشمول، فالذي يقتضي التأييد مثل: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠] وأمثلتها كثيرة، والذي يقتضي التهديد مثل قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء ١٠٨] والتي للعموم مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]

* طالب: الإحاطة، (...)

* الشيخ: لا لا، انتهينا، هي الشمول هي الإحاطة، فإن قلت: ما الجمع بين إثبات المعية لله عز وجل؟ وإثبات العلو له؟

فالجواب أنه لا تناقض بينهما؛ إذ لا يلزم من كونه معنا أن يكون حالًّا في الأمكنة التي نحن فيها، بل هو معنا وهو في السماء كما نقول: القمر معنا، والقطب معنا، والثريا معنا، وما أشبه ذلك، مع أنها في السماء.

﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قوله: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ تشمل الصبر على أقدار الله، وعلى طاعته، وعن معصيته.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٥٠]

في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي للإنسان عند الشدائد أن يلجأ إلى الله عز وجل؛ لأنه هنا لما برزوا والتقى الجمعان لجؤوا إلى الله قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾.

ومن فوائدها أيضًا: أن التجاء الإنسان إلى الله سبب لنجاحه؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأن اعتماده على نفسه واعتداده بها سبب لخذلانه ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. وهذا مشهد عظيم في الواقع فإن كثيرًا من الناس إذا أعطاه الله سبحانه وتعالى نعمة في بدنه أو ماله أو أهله يرى أن ذلك من حوله وقوته وكسبه، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم بل هو من عند الله هو الذي منَّ به عليك، فانظر إلى الأصل لا إلى الفرع، والنظر إلى الفرع وإهمال الأصل هذا خطأ في العقل والتفكير، ولذلك يجب عليك إذا أنعم الله عليك نِعمة أن تُثني على الله بها بلسانك وتعترف له بها بقلبك وتقوم بطاعته بجوارحك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: اضطرار الإنسان إلى تثبيت قدمه على طاعة الله لقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ضد تثبيت الأقدام: الفرار، ولا شك أن الفرار حين يلتقي الصفَّانِ من كبائر الذنوب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يكون سببًا للإجابة لقوله: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ما قالوا: على أعدائنا. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ كأنهم يقولون: انصرنا عليهم من أجل كفرهم، وهذا في غاية ما يكون من البُعد عن العصبية والحمية، يعني ما طلبنا أن تنصرنا عليهم إلا لأنهم كافرون.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ إلى آخره، في هذا دليل على ما أشرنا إليه من قبل أن اللجوء إلى الله تعالى سبب للنجاح، وأن الإعجاب بالنفس سبب لعكسه للخذلان.

ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إضافة الحوادث إلى الله عز وجل، وإن كان من فِعل الإنسان لقوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ هذا فعلهم، لكن ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء وخذلان هؤلاء.

* ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام من أنبياء بني إسرائيل. ﴿قَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.

* طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؟

* الشيخ: لا لا.

* الطالب: ذكر من قبل.

* الشيخ: لأنه قال من قبل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ففيه دليل على أن داود من بني إسرائيل، وأنه بعد موسى أيضًا؛ لأنه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ وكان داود من بينهم.

ومن فوائدها أيضًا: شجاعة داود عليه الصلاة والسلام حيث قتل جالوت حين برز له، والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة؛ لأنه إذا قُتل المبارِز أمام جنده لا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوَهن والرعب، ولكن هل يجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من بارزه؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: يجوز؟

* الطلبة: يجوز كما فعل عليّ.

* الشيخ: أي يجوز، لماذا يجوز أن نخدعه والخداع ليس بجيد؟ لأن المقام مقام حرب، وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه، فلا حرج أن يخدعه،« ويُذكر أن عمرو بن وُدٍّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين، فظن عمرو أن أحدًا قد لحقه، فالتفت فضربه عليٌّ» . هذه خدعة لكنها جائزة؛ لأن المقام مقام حرب، هو يريد أن يقتلني بكل وسيلة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن داود عليه الصلاة والسلام أوتي الملك والنبوة لقوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

ومن فوائدها أيضًا: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله لقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ فالنبي نفسه ليس عالِمًا، لا يعلم الغيب ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله لقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.

ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله عز وجل يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض ومن عليها، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وبماذا تفسد؟ تفسد بالمعاصي وترك الواجبات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج ٤٠].

* ومن فوائدها: إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضًا ويقابل بعضهم بعضًا؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض؛ لأنه لا مُعارض لهم، ولكن الله عز وجل يعارض هذا بهذا، واعتبر هذا الآن في قوة الأمم الكافرة الآن، ما ظنكم لو كان لأحد هذه الدول الكبرى القوة المطلقة على الدولة الأخرى لكانت تكتسحها وتكتسح غيرها أيضًا، ولكن الله جعل هذه لها قوة، وهذه لها قوة ليدفع بعضهم ببعض.

ومنها: أن المعاصي وهدم بيوت العبادة سبب للفساد، لأنه قلنا إن فساد الأرض بُيِّن في آيات أخرى وهو كذلك، فإن هدم بيوت العبادة لا شك أنه من الفساد في الأرض، طيب والمانع من العبادة؟

* طالب: أشد وأولى.

* الشيخ: أشد وأوْلى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤].

ومنها: إثبات فضل الله سبحانه وتعالى على جميع الخلق لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ حتى الكفار؟ إي نعم حتى الكفار، لكن فضل الله على الكفار فضل خاص في الدنيا فقط، أما في الآخرة فيعاملهم بماذا؟

* طالب: بما يستحقون.

* الشيخ: بالعدل، في الدنيا يعاملهم بالفضل، وأما في الآخرة فإنه يعاملهم بالعدل، هذا بالنسبة للكفار، أما بالنسبة للمؤمنين، فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا وفي الآخرة.

ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذا إثبات آيات الله سبحانه وتعالى الشرعية؛ لأن المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية وهي القرآن.

وفيها: أن الله تعالى يتلو على نبيه، يتلو على نبيه ما أوحاه إليه لقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ولكن هل الذي يتلو ذلك هو الله، أو جبريل؟

* طالب: جبريل.

* الشيخ: اقرأ في آية القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨] يعني إذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه، فجبريل يتلوها على النبي عليه الصلاة والسلام وقد تلقاه من الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائدها: أن القرآن كله حق، كله حق من الله ونازل بالحق؛ لأن الباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للمصاحبة والملابسة أيضًا، فهو نازل من عند الله حقًّا، وهو كذلك مشتمل على الحق، فلم يُكذَب على الله، وليس فيه كذب في أخباره ولا جور في أحكامه، بل أحكامه كلها عدل وأخباره كلها صدق.

* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

ومنها: أن هناك رسلًا آخرين غير الرسول لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولكنه ﷺ كان خاتم النبيين إذ لا نبي بعده.

هذا ما تيسر لنا من فوائد هذه الآيات الكريمة مع أنها عند التأمل تحتمل معاني أكثر من ذلك.

* طالب: (...): ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾؟

* الشيخ: الحكمة هي الوحي اللي أوحاه الله إليه، الوحي سواء كان سنة أو كان الزبور الذي أوحاه الله إليه.

2:253Page 42

۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.

ثم قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣].

قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ التاء هنا اسم إشارة، وأشار إلى الرسل بإشارة المؤنّث؛ لأنه جمع تكسير، وجمع التكسير يُعامل معاملة المؤنث في تأنيث فعله والإشارة إليه، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، والأعراب مذكر ولا مؤنث؟

* الطلبة: مُذكر.

* الشيخ: مُذكر، لكن لما جُمع جمع تكسير صح تأنيثه، هنا ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الإشارة إشارة مؤنث وإلا لقال: أولئك الرسل، فعليه نقول: أشار إليهم إشارة المؤنث؛ لأن جمع التكسير يجوز تأنيثه، تأنيثًا معنويًّا أو لفظيًّا؟

* الطلبة: لفظيًّا.

* الشيخ: لفظيًّا نعم. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ المشار إليه هنا، هم الرسل الذين دل عليهم قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: جعلنا بعضهم أفضل من بعض، أفضل من بعض في الوحي، وأفضل من بعض في الأتباع، وأفضل من بعض في الدرجات والمراتب عند الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ هذه صريحة في أن الرسل يتفاضلون، أتباع الرسل يتفاضلون؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، أتباع الرسل أيضًا يتفاضلون، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من الرسل مَنْ كلم الله، وهذه الجملة استئنافية لبيان وجه من أوجه التفضيل، وقوله: ﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ولّا اللَّهَ؟

* الطلبة: اللَّهُ فاعل.

* الشيخ: الله فاعل على أن الكلام واقع من الله، مثل مَن؟

* طالب: مثل موسى.

* الشيخ: كموسى ومحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله كلمه في مكان أعلى من المكان الذي كلم موسى فيه، فموسى كُلِّم وهو في الأرض ومحمد عليه الصلاة والسلام كُلِّم وهو فوق السماء السابعة.

وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قوله: ﴿رَفَعَ﴾ معطوفة على أي شيء؟

* الطلبة: كلم.

* الشيخ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: ومنهم من رفع بعضهم درجات؟ نشوف لو قلنا: إنها معطوفة على ﴿فَضَّلْنَا﴾ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وتلك الرسل رفع بعضهم درجات.

* طالب: يصح.

* الشيخ: يصح، وهذا أقرب من التكلف؛ لأن قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ومنهم من رفع بعضهم، كان يقول: ومنهم من رفعه درجات. وعلى كل حال فإنها إن كانت معطوفة على ﴿فَضَّلْنَا﴾ فإنها لا يصح أن تكون معطوفة على صلة الموصول ﴿كَلَّمَ﴾، و إن كانت معطوفة على ﴿كَلَّمَ﴾ ففيها وجه، لكن الأول أوضح.

وقوله: ﴿رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ يعني: على بعض، فمثل محمد عليه الصلاة والسلام له الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة، ولا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وفي المعراج وجد النبي ﷺ إبراهيم في السماء السابعة، وموسى في السادسة، وهارون في الخامسة، وإدريس في الرابعة، وهكذا، وهذا رفع بلا شك رفع درجات.

قال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ﴿آتَيْنَا﴾ أي: أعطينا، وهذا الإيتاء شرعي ولا قدري؟

* الطلبة: شرعي.

* الشيخ: شرعي. ﴿آتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ لأن الْمُؤتى وهو الإنجيل أو الآيات التي أُعطيها عيسى عليه الصلاة والسلام أمور شرعية، لكن فيها أيضًا أمور كونية. إذن فهو إيتاء شرعي وكوني.

آتيناه البينات: يعني الآيات البيِّنات الدالة على أنه رسول الله، فمنها الإنجيل، ومنها أنه يُبرئ الأكمه والأبرص، ومنها أنه يحيي الموتى بإذن الله، بل يخرج الموتى من قبورهم، ففيها آيتان: تحيي الموتى، وتخرج الموتى، فهو يحييهم قبل أن يُدفنوا ويخرجهم من قبورهم بعد الدفن.

قال: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: قوَّيناه بروح القدس، اختلف المفسرون بروح القدس ما المراد بها، فقيل: المراد بها ما معه من العلم المطهَّر الآتي من عند الله، والعِلم أو الوحي يُسمى رُوحًا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]. وقال بعض المفسرين: المراد بروح القدس جبريل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢] فروح القدس هو جبريل أيد الله عيسى به، حيث كان معه يقويه في مهام أموره عندما يحتاج إلى تقوية. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وأيًّا كان فإن عيسى عليه الصلاة والسلام أحد الرسل الكرام الذين هم من أولي العزم، وهو مؤيَّد بما معه من الوحي، ومؤيَّد أيضًا بجبريل.

قال: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ عندنا الآن ﴿لَوْ﴾ تحتاج إلى جواب، و﴿شَاءَ﴾ تحتاج إلى مفعول، فأين جواب (لو)؟

* طالب: مقتول.

* طالب آخر: ما اقتتلوا.

* الشيخ: لا، ﴿مَا اقْتَتَلَ﴾ هذا جوابه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ﴾، وأين مفعول ﴿شَاءَ﴾؟ محذوف، تقديره: ولو شاء الله أن لا يقتتل الذين من بعدهم ما اقتتلوا، فيكون الجواب محذوفًا دل عليه جواب الشرط.

وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾

2:254Page 42

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском