Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:26–29

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:26–29

2:26Page 5

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦].

* الشيخ: لا ﴿مَثَلًا﴾ قف.

* الطالب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة ٢٦ - ٢٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ﴿لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، ولو كان مثلًا حقيرًا ما دام يثبت به الحق فالعبرة بالغاية، وقوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾، كلمة (ما) هنا يقولون: إنها نكرة واصفة، أي: مثلًا أيّ مثل، وقوله: ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان لـ(ما)، أي: مثلًا بعوضة فما فوقها، وقوله: ﴿بَعُوضَةً﴾ البعوضة معروفة، ويضرب بها المثل في الحقارة.

وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية[[انظر تفسير الطبري (١ / ٤٠٠)، الدر المنثور (١ / ٢٢٥).]] : أن المشركين اعترضوا كيف يضرب الله المثل بالذباب في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]، قالوا: ذباب يذكره الله عز وجل في مقام المحاجة؟! فبيّن الله عز وجل أنه لا يستحيي من الحق، حتى وإن ضرب المثل بالبعوضة فما فوقها.

وقوله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ هل المراد بما فوق أي فما فوقها في الحقارة، فيكون المعنى أدنى من البعوضة، أو فما فوقها في الارتفاع فيكون المراد ما هو أعلى من البعوضة؟ فأيهما مثلًا أعلى خلقة الذباب أو البعوضة؟ الذباب أكبر وأقوى لا شك، لكن مع ذلك يمكن أن يكون معنى الآية فما فوقها، أي فما دونها؛ لأن الفوقية تكون للأدنى وللأعلى، كما أن الوراء تكون للأمام وللخلف، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩].

﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي المثل الذي ضربه الله الحق من ربهم، ويؤمنون به، ويرون أن فيه آيات بينات، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؛ لأنه لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ كلمة (ما) هنا اسم موصول؟

* الطلبة: استفهام.

* الشيخ: استفهام، و(ذا) اسم إشارة، أي ما هذا أراد الله، ولكن يقال: إن (ذا) هنا اسم موصول، أي: ما الذي أراد الله بهذا مثلًا؟ كما قال ابن مالك:

وَمِثْلُ مَا ذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِيالْكَلَامِ

فلنا في إعرابها وجهان: أن نجعل (ماذا) كلمة واحدة، ونقول: كلها اسم استفهام، أو أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(الذي) خبره، أي ما الذي أراد الله بهذا مثلًا؟

* طالب: (ذا) يا شيخ.

* الشيخ: نعم (ذا)، (ذا) التي بمعنى (الذي).

﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ حال كونه مثلًا، فـ (مثلًا) هذه حال مِن (ذا)، قال الله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ هذا ليس من قول الذين كفروا، ولهذا ينبغي الوقوف على قوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي بالمثل، ﴿كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، فذكر الله عز وجل أن الناس في مقابلة الأمثال ينقسمون إلى قسمين: قسم يضل -والعياذ بالله- وقسم يهتدي، فمن الذي يضل؟ قال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾؛ لأن الله تعالى لا يُضل أحدًا إلا إذا كان فيه زيغ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فليس إضلال من يضله الله عز وجل لمجرد المشيئة، بل لأنه ليس أهلًا للهداية، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ أي الخارجين عن طاعة الله، والمراد هنا الخروج المطلق الذي هو الكفر؛ لأن الفسق قد يراد به الكفر، وقد يراد به ما دونه، ففي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ٢٠]، المراد بالفسق هنا أيش؟ الكفر، وكذلك هنا المراد به الكفر.

في هذه الآية الكريمة: إثبات الحياء لله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، وهل الحياء الثابت لله كحياء المخلوق؟ لا؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يدهمه أي يدهم الإنسان ويعجز عن مقاومته، فتجده ينكسر ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يستحى منه، وقد جاء في السنة إثبات الحياء صريحًا في قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ»[[أخرجه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦) وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، وابن ماجه (٣٨٦٥) من حديث سلمان الفارسي.]]، ولكن كما هي القاعدة عندنا أن كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي مفارقة لصفات المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يُستدل بها على الأمور المعقولة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١]، هل هذا البيت يمنعها (...) من كوارث الدهر؟ لا، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد ١٤]، إنسان بسط كفيه إلى الماء، غدير مثلًا أو نهر، بسط كفيه هكذا إلى الماء يريد أن يصل الماء إلى فمه، هذا لا يمكن، هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه، فالأمثال لا شك أنها تقرّب المعاني إلى الإنسان؛ إما لفهم المعنى، وإما لحكمتها وبيان وجه هذا المثل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقضّ مضاجع الجبابرة، أليس كذلك؟ نعم، وربما تهلك لو سُلِّطت على الإنسان لأهلكته، وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزله الله عز وجل بعقله؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ولا يعترضون ولا يقولون: لم ولا كيف؟ يقولون: سمعنا وآمنا وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله عز وجل له الحكمة البالغة فيما شرع وقدّر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، واعلم أن ربوبية الله تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأول ربوبية عامة والثاني خاصة، كما أن مقابل ذلك العبودية تنقسم إلى عبودية عامة كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السماوات وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وخاصة كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ديدن الكافرين الاعتراض، الاعتراض على حكم الله وحكمة الله؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار، فمثلًا لو قال: لماذا ينقض الوضوءَ لحمُ الإبل ولا ينقض الوضوء لحمُ الحمار مثلًا؟ ماذا نقول؟ نقول: هذا اعتراض، وهو دليل على نقص الإيمان، وإنما قلت: ولا ينقض لحم الحمار؛ لأن الحمار لحمه خبيث نجس، فلو أكله الإنسان للضرورة لم ينتقض وضوؤه ولغير ضرورة لا يجوز أكله.

والدليل على أن الاعتراض على شريعة الله عز وجل وحكمه من ديدن الكفار قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، فهنا لو أننا أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون والمهتدون سواء، وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعون من الألف ضالون وواحد من الألف مهتدي، فكلمة (كثير) لا يعني الأكثر، وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة، يصح؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: لأيش؟ لأن الكثير يُطلق على القليل وعلى الكثير، وعلى الأكثر يعني.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إضلال مَن ضل ليس لمجرد المشيئة، بل لوجود العلة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين قالوا: إن أفعال العباد لا علاقة لها بفعل الله؛ لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.

* وفيها أيضًا: رد على الجبرية؛ لأن فسق هؤلاء الفاسقين كان سببًا وبإرادته، فيكون فيها رد على الطائفتين: القدرية النُّفَاة، والقدرية المثبِتة.

2:27Page 5

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧

Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، أي العهد الذي بينهم وبين الله عز وجل، وهو الإيمان بالرسل إذا جاءتهم بالحق، فإن هذا مأخوذ على كل إنسان إذا جاء رسول مصدَّق ومصدَّق بما معه من الآيات فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به، هؤلاء نقضوا عهد الله ولم يؤمنوا برسله. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، المراد أيش؟ من الأرحام؟ أو كل ما أمر الله به أن يوصل؟ العموم: الأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق، كل ما أُمِرنا أن نصله فإنه يدخل في هذه الآية: ﴿يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، الإفساد في الأرض هنا المراد به الإفساد الحسي أو المعنوي؟ المراد به الإفساد المعنوي، والإفساد الحسي يتضمن الإفساد المعنوي؛ لأنه عدوان وظلم، لكن المراد بالإفساد في الأرض هو إفسادها بالمعاصي؛ لأن المعاصي سبب للفساد، بدليل؟

* طالب: قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].

* الشيخ: نعم، بدليل قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، ولهذا قال العلماء السلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قالوا: إفسادها بالمعاصي؛ لأن المعاصي سبب لكل بلاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، إذن يفسدون في الأرض بماذا؟ بالمعاصي، وهذا الإفساد إفساد معنوي يلحقه إفساد حسي، هم لا يأخذون الجرافات يقطعون الأشجار ويفسدون الزروع، لا، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا لذلك.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، جملة اسمية مؤكدة بمؤكِّد، أين هو؟

* طالب: ضمير الوصل.

* الشيخ: إي (هم) ضمير الفصل؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة والخبر، مثال ذلك تقول: زيدٌ الفاضل، كلمة (الفاضل) يحتمل أن تكون خبرًا، ويحتمل أن تكون وصفًا، فتقول: زيدٌ الفاضل محبوبٌ، إذا قلنا: زيدٌ الفاضل محبوبٌ، تعين أن تكون صفة، وإذا قلت: زيدٌ الفاضلُ، يحتمل أن تكون صفة وأن الخبر لم يأت بعد، ويحتمل أن تكون خبرًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل، تعين أن تكون خبرًا، نعم؛ لوجود ضمير الفصل، ولهذا سمي ضمير الفصل.

ثانيًا: يفيد التوكيد، يقول: زيدٌ هو الفاضل، أكدت فضله، والثالث: يفيد الحصر. هل له محل من الإعراب؟ الجواب: لا، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محل من الإعراب لقال: هم الغالبون، فهو ليس له محل من الإعراب، لكن أُتِيَ به في الأسلوب العربي لهذه الفوائد الثلاث، وربما يضاف إليه اللام ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات ١٠٦]، فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد.

وقوله: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ الخاسر هو الذي فاته الربح، وذلك لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من؟ الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ومن لم يقطع ما أمر الله به أن يوصل.

في هذه الآية فوائد، منها: أن نقض عهد الله من علامات الفسق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، فكلما رأيت شخصًا قد فرط في واجب أو فعل محرمًا فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق.

ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سببًا للفسق.

ومنها أيضًا: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام، أي الأقارب وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم، أي ذكر قطع الصلة في مقام الذم، وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦ / ١٨) من حديث جبير بن مطعم، وقوله: يعني قاطع رحم، من قول ابن عيينة كما في رواية مسلم.]]، يعني قاطع رحم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي والفسوق سبب لفساد الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ولهذا إذا قحط المطر وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم وأقاموا صلاة الاستسقاء وتضرعوا إليه وتابوا إليه، أيش؟ أغاثهم الله، وقد قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠ ١٢]، فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله، ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟ قلنا: إن هذا الإيراد أوردته زينب رضي الله عنها على النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»، قَالَتْ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١) من حديث زينب بنت جحش.]]، وكثر الخبث يحتمل أنه وصف للفاعل ووصف للفعل، يعني إذا كثر الخبث حتى بين الصالحين، أو الخبث من الناس أجمعين، فمثلًا إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سببًا للشر والبلاء؛ لأن الخبث كثر، وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سببًا أيضًا للشر والبلاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ولكنهم حقيقة هم الخاسرون الذين خسروا الدنيا والآخرة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، جعلنا الله وإياكم من هؤلاء بمنه وكرمه.

2:28Page 5

كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨

How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٢٨- ٣٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، الاستفهام هنا للإنكار والتعجب، وإن شئت فقل: للإنكار والتعجيب، أي ليعجّب غيرهم في هذه الحال، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، والكفر بالله هو الإنكار والتكذيب، مأخوذ من كَفَر الشيءَ إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى لغلاف الطلع الذي يكون في النخل، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، أي: تجحدونه وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته مع أنكم تعلمون نشأتكم، ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ وذلك قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت، جماد، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الروح، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ثانية، وذلك بعد أن تُنفَخ فيه الروح يموت إما في بطن أمه ويخرج ميتًا، وإما بعد أن يخرج إلى الدنيا، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي لا موت بعدها، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، بعد الإحياء الثاني تُرْجَعون إلى الله فينبئكم بأعمالكم ويجازيكم عليها.

* في هذه الآية الكريمة: الإنكار على من كفر بالله عز وجل وهو يعلم حاله ومآله.

* ومنها، من فوائد هذه الآية: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه ولو لم تحله الروح أولًا، يعني لا يُشترط للوصف بالموت تقدم الحياة، بدليل قوله: ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، وأما ظن بعض الناس أنه لا يقال ميت إلا لمن سبقت حياته، فهذا ليس بصحيح، بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات، فقال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢١]

* ومن فوائد هذه الآية: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي، ولهذا لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلَّى عليه ولا يرث ولا يورَث، لماذا؟ لأنه ميت، جماد، ما استحق شيئًا مما يستحقه الأحياء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل، فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح فيحيا ويكون إنسانًا يتحرك ويتكلم ويقوم ويقعد، ويفعل ما أراد الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله بعد الموتة الثانية: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والبعث أنكره من أنكره من الناس واستبعده، وقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فأقام الله تبارك وتعالى على إمكان ذلك ثمانية أدلة في سورة يس في آخرها: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم، وقوله: ﴿أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل قاطع وبرهان جلي على إمكان إعادتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، هذا دليل ثاني، يعني كيف يعجز عن إعادتها وهو سبحانه وتعالى بكل خلق عليم، يعلم كيف يخلق الأشياء وكيف يكوِّنها، فلا يعجز عن إعادة الخلق، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس ٨٠]، الشجر الأخضر فيه البرودة وفيه الرطوبة، والنار فيها الجفاف واليبوسة، هذه النار اليابسة الجافة تخرج من شجر بارد رطب، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾، كيف ذلك؟ كان الناس فيما سبق يضربون أغصانًا من أشجار معينة، يضربونها بالزَّند، شيء يسمى الزند عندهم، فإذا ضربوها انقدح، انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال يشتعل بسرعة، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تحقيقًا لذلك، هذا الشجر يختلف، بعضه واضح وسهل استخراج النار منه، وفي ذلك يقولون؛ يعني العرب: (في كل شجر نار واستْمجَدَ المرخُ والغفَار)، استمجد يعني علا على غيره وصارت النار فيه أكثر.

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١]، ﴿بَلَى﴾، هذا الدليل الرابع، الخامس ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾، وفي أول الآيات: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، وهنا قال: ﴿الْخَلَّاقُ﴾، فالخلّاق صفته ووصفه الدائم، وإذا كان خلّاقًا ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إعادة الإنسان بعد موته، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، هذا أيضًا دليل إذا أراد شيئًا مهمًّا كان، و(شيئًا) تعلمون أنها نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم، ﴿أَمْرُهُ﴾، أي: شأنه في ذلك أن يقول له: كن، فيكون، أو ﴿أَمْرُهُ﴾ الذي هو الأمر واحد الأوامر، فيكون المعنى: إنما أمره أن يقول: كن، فلا يعيدها مرة أخرى. ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣] هذا الدليل السابع، كل شيء فهو مملوك لله عز وجل، الموجود يعدمه والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا الدليل الثامن؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة ويأمرها وينهاها ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدى، بل لا بد من الرجوع، وهذا دليل عقلي، المهم أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعيد الأموات إلى الحياة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق مآلهم ورجوعهم إلى من؟ إلى الله عز وجل.

2:29Page 5

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

ثم قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، لما ذكر عز وجل أنه قادر على الإحياء والإماتة بيَّن منّته على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، خلقه أوجده على غير مثال سبق، بل على ما اقتضته حكمته جل علا وعلمه، وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ اللام لها معنيان هنا: المعنى الأول: الإباحة، كما تقول: أبحت لك، والمعنى الثاني: التعليل، أي: خلق لأجلكم ما في الأرض جميعًا.

وقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذه (ما) هذه اسم موصول تعم كل ما في الأرض، فهو مخلوق لنا، من الأشجار والزروع والأنهار والجبال، وكل شيء، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، يعني بعد أن خلق ما في الأرض جميعًا، ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، استوى إليها، أي علا إليها، هذا ما فسرها به ابن جرير رحمه الله، وقيل: استوى إليها، أي قصد إليها، وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله. فللعلماء في تفسير ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ قولان: الأول أن الاستواء هنا بمعنى القصد، وإذا كان القصد تامًّا قيل: استوى؛ لأن الاستواء كله يدل على الكمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، أي: كمل، فمن نظر إلى أن هذا الفعل عُدِّي بـ (إلى) قال: إن (استوى) هنا ضُمِّن معنى (قصد)، ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا في علو جعل (إلى) بمعنى (على)، لكن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى لم يستو على السماء أبدًا وإنما استوى على العرش، فالأقرب أن الصواب ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام والإرادة الجازمة. وقوله: ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي العلو، وكانت السماء دخانًا، أي مثل الدخان، ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ طباقًا قوية متينة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومن علمه عز وجل أنه علم كيف يخلق هذه السماء.

* في الآية الكريمة فوائد، منها: منة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعًا، فكل شيء مسخَّر لنا والحمد لله، والعجب أن بعضنا صار مسخَّرًا لما سُخِّر له، فخدم الدنيا ولم تخدمه، وصار أكبر همه هو الدنيا، جمع المال وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأصل فيما في الأرض الحِل، كل ما في الأرض الأصل فيه الحل، من أشجار ومياه وثمار وحيوان، وغير ذلك، الأصل فيه الحل، وهذه قاعدة عظيمة، وبناء على هذا لو أن إنسانًا أكل شيئًا من الأشجار، فقال له بعض الناس: هذا حرام، فأيهما يطالب بالدليل؟ المحرِّم يطالب بالدليل، لو أن إنسانًا وجد طائرًا يطير فرماه وأصابه ومات وأكله، فقال له الآخر: هذا حرام، من المطالب بالدليل؟ المحرِّم، المطالب بالدليل المحرم؛ ولهذا لا يحرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، مع أن (ما) موصولة تفيد العموم، لكنه سبحانه وتعالى أكده حتى لا يورِد مورِد بأن شيئًا من أفراد هذه العموم قد خرج من الأصل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، واستوى فعل، فهو جل وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات سبع؛ لقوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.

* ومن فوائدها: كمال خلق السماوات؛ لقوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾، أي جعلها سوية متطابقة غير متنافرة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

لنا أن نستفيد فوائد مسلكية من هذه الآية، منها: أن نشكر الله على هذه النعمة أن خلق لنا كل ما في الأرض، كل ما في الأرض فهو مخلوق لأجلنا ومحلَّل لنا، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة.

كذلك أيضًا من الفوائد المسلكية: أن نخشى ونخاف، لماذا يا إخوانّا؟ لأن الله بكل شيء عليم، فإذا كان الله عليمًا بكل شيء حتى ما نخفي في صدورنا أوجب لنا ذلك أن نحترز مما يُغضب الله عز وجل سواء في أفعالنا أو في أقوالنا أو في أي شيء مما يتعلق بنا.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ إلى آخره.

* طالب: شيخ بارك الله فيك، ذكر بعض أهل العلم أن سماء الدنيا هي أصغر السماوات، وأنها محيطة بالأرض في كل جهة، أي أنها كالبيضة ثم التي بعدها كذلك، يعني السماء كالبيضة ونحن بداخلها، فما هو الدليل الذي استدلوا به؟

* الشيخ: واضح هذا، الآن السماء محيطة بالأرض من كل جهة، أليس كذلك؟

* الطالب: بلى.

* الشيخ: من كل جهة، والسماء الدنيا بينها وبين السماء الثانية مسافة، مسافة خمس مئة عام إن صح الحديث أو أقل أو أكثر، المهم أن بينها مسافة بدليل حديث المعراج، قال: «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، وهكذا، وعلى هذا يكون الكون محيطًا بعضه ببعض إلى السماء السابعة، ولهذا سُمِّيت السدرة التي هناك سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل شيء.

* الطالب: شيخ، معنى هذا كأن فيه دوائر صغيرة وأكبر وأكبر وأكبر؟

* الشيخ: إي نعم، وأيش المانع؟ كون عظيم هذا.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، السماوات يعنى نقول: جرم ولا هناك مانع.

* الشيخ: السماوات جرم، ما فيها شيء، جرم له أبواب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف ٤٠].

* طالب: شيخ، هل لقائل أن يقول: إن مناسبة الآية لما قبلها أن تكون خلق السماوات والأرض واستواء الله على السماء، ثم ذِكْر قصة آدم..

* الشيخ: ثم ذكر أيش؟

* الطالب: ذكر قصة آدم بعد هذه الآية التي تتضمن خلق السماوات، هل دليل على البعث؟

* الشيخ: تحتاج إلى تأمل، يعني مثلًا إن الله أراد أن يبيّن قدرته على البعث بأنه خلق ما في الأرض جميعًا، ثم ذكر قصة آدم، تحتاج إلى تأمل، ما هي بواضحة.

* طالب: ظاهر الآية يدل على أن الأرض خُلقت قبل السماوات، هناك بعض آيات تدل على أن الأرض خُلقت بعد السماوات، فما رأيكم؟

* الشيخ: هذه تحتاج إلى جواب، قال الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات ٢٧ - ٣٠]، هذه البعدية هل هي بعدية زمن؟ أو بعدية ذِكر؟ منهم من قال إنها بعدية ذكر، يعني وزيادة على ذلك دحا الأرض، ومنهم من قال: إن الله عز وجل خلق الأرض قبل السماوات، كما هي العادة في البناء، يكون أسفله هو الأول، ثم بعد ذلك دحا الأرض، ويقول: الدحو معناه فُسِّر بنفس الآية، ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات ٣١]، وهذا أقرب؛ لأن الأصل أن البعدية بعدية الزمن لا بعدية الذِّكر.

* طالب: أحسن الله إليك شيخ، الذين يجوِّزون استخدام القات.

* الشيخ: أيش؟

* طالب: الذين يجوزون استخدام القات، شجر القات، هل هذه الآية لهم دليل؟

* الشيخ: إي نعم، القات غير معروف عندنا والحمد لله، وهو معروف في اليمن ويستعملونه، لكن المحققين من علماء اليمن نظرًا لما شاهدوه مما يحدث منه يرون أنه حرام وأنه لا يحل، طيب لو قال قائل مثلًا: الدخان حلال؛ لأنه مما خلق الله في الأرض، ماذا نقول له؟ نقول: نعم، هذا هو الأصل، لكن دلت الأدلة على تحريمه مما يحصل منه من الضرر وإضاعة المال، وإضاعة الأوقات أيضًا، وأشياء كثيرة ذكرناها فيما سبق.

* طالب: يستدلون يا شيخ بقوله تعالى أيضًا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام ١٤٥]، يستدلون بهذه الآية؟

* الشيخ: هذا ذُكِر بعد ذكر الحيوان، ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ من الحيوان، ولهذا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾، والشجر ما فيه ميت، ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.

* طالب: شيخ إذا كان إنسان..

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: إذا كان الرجل مثلًا عامي جاهل يعني كثيرًا بالشريعة ومثلًا انتقل في الأرض..

* الشيخ: أيش سوى؟

* الطالب: انتقل في الأرض.

* الشيخ: انتقل؟

* الطالب: يعني يكون مثلًا سافر أو كذا.

* الشيخ: تجوّل؟

* الطالب: تجول، فتطبيقًا لهذه الآية فجعل..

* الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٩] هذه التي تقصد؟

* الطالب: إي نعم هذا الذي، الآية ما أذكرها، تقول حلال كل شيء حلال للإنسان، فالآن مثلًا ارتاب في شيء، فهل يعمل؟ هل يكون يستعمله تطبيقًا للآية؟

* الشيخ: إي نعم، لو شككنا في حل مطعوم أو مشروب فالأصل الحِل، إي نعم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском