Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:272–274
2:272Page 46
۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢
Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢] الخطاب هنا للرسول ﷺ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ﴿هُدَاهُمْ﴾ الضمير يعود على بني آدم، والهدى هنا المنفي هدى التوفيق، وأما هدى البيان فهو على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠]، إلى آيات كثيرة تدل على أن على الرسول ﷺ أن يهدي الناس هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية التوفيق فليست على الرسول ولا إلى الرسول، لا يجب عليه أن يهديهم وليس بقدرته واستطاعته أن يهديهم، ولو كان بقدرته أن يهديهم لهدى عمه أبا طالب، ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن هذا إلى الله تعالى وحده، وإذا كان ليس عليه هداهم، فمن الذي يتولى ذلك؟ استمع قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢] هداية دلالة وإرشاد ولَّا هداية توفيق؟ نعم، جميعًا، جميعًا لكن أنصها هداية التوفيق؛ لأنها جاءت بعد نفي الهداية من الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢] لما بين الله عز وجل أحوال المتصدقين وأحوال المرابين وأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتصدق العبد لما يتضمنه صدقته من المعروف والإحسان، قال للنبي ﷺ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ والآيات السابقة ليس فيها تعرض للربا لكن فيها تعرض للإنفاق وعدم الإنفاق، الإنفاق والبخل، والربا سيأتي إن شاء الله فيما بعد.
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والهدى الذي نفى الله وجوبه على رسوله محمد ﷺ هو هدى التوفيق، فإن الرسول ﷺ لا يُلزَم بأن يهتدي الناس، إنما يَلزَمُه البلاغ، أما اهتداء الناس فهو إلى الله؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وأما هداهم الذي بمعنى إبلاغ الرسالة إليهم، وإبلاغ الوحي فإنه واجب على الرسول ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هدى التوفيق ليس إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: ولكن الهداية على الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣] فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي من يشاء، ويهدي هداية توفيق وهداية إرشاد وبيان، فالله عز وجل هو الذي يبين لخلقه ويوفق من شاء من خلقه للهداية، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا بأن تعليق الفعل بالمشيئة أو تقييد الفعل بالمشيئة مربوط بماذا؟ بالحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئا إلا والحكمة تقتضي مشيئته، وعلى هذا فيكون ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن هو أهل للهداية، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] أما من ليس أهلًا للهداية فإن الله تعالى لا يهديه؛ لأنها حقت عليه كلمة العذاب، ولأنه زاغ فأزاغ الله قلبه.
قال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢] وليس لله عز وجل فالله تعالى لا ينتفع به ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ تقدمونه، وما لا تنفقونه فقد حرمتم أنفسكم، قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما هذه شرطية بدليل اقتران الجواب بالفاء في قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لما الشرطية؛ لأن ما الشرطية مبهمة تحتاج إلى بيان يعني: أي خير تنفقونه فلأنفسكم، وما المراد بالخير؟ الخير كل ما بذل لوجه الله عز وجل من مال أو منفعة وأغلب ما يكون في الأموال، ولكن قد يكون في المنافع أيضًا، وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الفاء رابطة للجواب، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فهو لأنفسكم، يعني: وليس لغيركم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩].
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٢] يعني: ما تنفقون إنفاقًا ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله، فأما ما ابتغي به سوى الله فلا ينفع صاحبه بل هو خسارة عليه، وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلب، وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ المراد به الوجه الحقيقي، وذلك أن الإنسان إذا كان من أهل الجنة فإنه ينظر إلى الله عز وجل ينظر إليه نظرا حقيقيا بالعين، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] وكما قال النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢/ ٢٩٩)، والترمذي (٢٥٥٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] إذن، إلا طلب وجه الله أي وجهه الحقيقي الذي هو صفته؛ لأن من وصل إلى الجنة نظر إلى وجه الله، فيكون أعلى مطلوب للإنسان في عمله الصالح هو النظر إلى وجه الله عز وجل، إذن المراد بالوجه؟ الأخ، المراد بالوجه الحقيقي ولَّا الجهة؟
* طالب: الحقيقي.
* الشيخ: كيف يبتغي الإنسان يطلب الإنسان وجه الله؟ وأيش لون يعني؟
* الطالب: النظر إلى وجه الله.
* الشيخ: النظر إلى وجهه الذي يكون في دار كرامته وهي الجنة.
إذن ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.
إذا قال قائل: ألسنا نرى أحدًا ينفق لغير وجه الله؟ فالجواب: بلى، نرى ذلك، لكن الإنفاق النافع هو الذي ابتغي به وجه الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.]].
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢] ما هذه أيضًا شرطية بدليل جزم الجواب ﴿يُوَفَّ﴾ فإنه مجزوم بحذف حرف العلة وهي الألف، ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يعني: أي خير تنفقونه من الأموال قليلًا كان أو كثيرًا ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: تعطونه، وكيف يوفى؟ «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
قال: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢] يعني: لا تظلمون بنقص شيء من ثواب ما أنفقتموه، بل تعطونه وافيًا كاملًا، بل ليس الأمر أننا لا نظلم فقط بل نزاد، وتضاعف لنا الحسنات «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»، والإنسان «إِذِا تِصِدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ وَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ -يعني: مهره الصغير- حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤ / ٦٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] التمرة مثل الجبل كم ضوعفت؟ أضعاف كثيرة ما لها حصر، التمرة إذا كانت مثل الجبل فمعناه أضعاف كثيرة لا حصر لها، ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ يعني: لا يظلمكم الله عز وجل في ثوابكم لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم، ولكن لكمال عدله حرم الظلم على نفسه.
* في هذه الآية فوائد كثيرة منها: أن هداية الخلق ليست لازمة للرسل، بل ولا لغيرهم؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، وهذا كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢].
* ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أبلغ شريعة الله برئت ذمته؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ولو كانت ذمته لا تبرأ لكان ملزمًا بأن يهتدوا وهذا ليس عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن جميع الأمور دقيقها وجليلها بيد الله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيها: رد على القدرية؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيها أيضًا: أن أفعال العبد واقعة بمشيئة الله؛ لأن اهتداء العبد فعله، فإذا كان واقعا بمشيئة الله فهو دليل على أن أفعال العباد متعلقة بمشيئة الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢].
هل يستفاد من الآية أن ثواب الأعمال الصالحة لا ينفع؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ فجعل ما ينفقه الإنسان من خير لنفسه، يعني فلا يتعداه إلى غيره؟ الجواب: لا، لكنها تبين أن ما عمله الإنسان فهو حق له، ولا تدل على منع أن يتصدق الإنسان على غيره بعمله، ولهذا جاءت السنة صريحة بجواز الصدقة عن الميت كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي قال: «يا رسول الله إن أمي افْتُلِتَتْ نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وكذلك حديث سعد بن عبادة تصدق بمخرافه -أي ببستانه- تصدق به لأمه، إذن فالآية لا تدل على منع الصدقة عن الغير، وإنما تدل على أن ما عمله الإنسان لا يصرف إلى غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنفاق الذي لا يبتغى به وجه الله لا ينفع العبد؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: التنبيه على الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصًا لله تعالى في كل عمله حتى في الإنفاق وبذل المال ينبغي له أن يكون مخلصًا فيه؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ الإنفاق قد يحمل عليه محبة الظهور، ومحبة الثناء وأن يقال: فلان كريم وأن تتجه الأنظار إليه، ولكن كل هذا لا ينفع، لا ينفع إلا ما ابتغي به وجه الله.
وفيه إثبات وجه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾، وأهل السنة والجماعة يقولون: إن لله تعالى وجهًا حقيقيًّا موصوفًا بالجلال والإكرام، وأنه من الصفات الذاتية الخبرية، والذاتية الخبرية هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، ونظير مسماها أبعاض وأجزاء لنا، ولكن ما نقول إنه أبعاض وأجزاء لله؛ لأنه لا ينبغي إطلاق هذا اللفظ على صفات الله عز وجل، أهل التعطيل ينكرون أن يكون لله وجهًا حقيقيًا، ويقولون المراد بالوجه الثواب أو الجهة أونحو ذلك، وهذا تحريف منهم لظاهر اللفظ مخالف له -أي لظاهر اللفظ- ولإجماع السلف على أن لله تعالى وجهًا حقيقيًا، ولأن الثواب لا يوصف بالجلال والإكرام، والله قد وصف وجهه بالجلال والإكرام فقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينقص من عمله شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنفاق من الحرام لا يقبل، من قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ووجهه: أن الحرام ليس بخير بل هو شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم في جزاء الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ وهذا يستلزم كمال عدله؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن كل ما نفى الله عن نفسه من الصفات فإنه مستلزم لكمال ضده.
2:273Page 46
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣
[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.
ثم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣].
هذا بيان لمصرف الإنفاق، كأن سائلًا يسأل إلى أين نصرف هذا الخير؟ لما قال: ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ كأنه قيل: إلى أين نصرفه؟ فقال: ﴿للفقراء﴾ وعلى هذا فتكون للفقراء إما متعلقة بـ﴿تُنْفِقُوا﴾ أو بمحذوف، تقديره: الإنفاق أو الصدقات للفقراء، والفقراء جمع فقير، والفقير هو المعدِم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من الفقر الموافق للقفر في الاشتقاق الأكبر، في الاشتقاق الأكبر الذي يساوي في الحروف دون الترتيب، والقفر هو الشيء الخالي، الأرض الخالية وكما قال الشاعر:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرٍ ∗∗∗ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
يقولون: إن الإنسان ما يأتي بهذا البيت سبع مرات إلا يغلط فيه، الكلام على إن القفر بمعنى الشيء الخالي، الفقير معناه الخالي ذات اليد، ويقرن بالمسكين أحيانا، فإذا قرن بالمسكين صار لكل منهما معنى، وصار الفقير من كان خالي ذات اليد، أو لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف، والمسكين أحسن حالًا منه، لكن لا يجد جميع الكفاية، أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدا، فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ يعني: خالي ذات اليد.
﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٣] أي: منعوا في سبيل الله؛ لأن الاحصار بمعنى المنع، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] أي: منعتم عن إتمامهما، ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: أحصروا في الجهاد، إما بالاستعداد له، وإما بما أصابهم من الجهاد من العيوب التي أقعدتهم عن العمل، المهم أنهم أحصروا في هذا الطريق، في سبيل الله.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٧٣] يعني: لا يستطيعون سفرًا يبتغون به الرزق؛ لأنهم إما مشغولون بالجهاد، وإما عاجزون عن السفر لما أصابهم من الجراح أو الكسور أو نحو ذلك.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣] ﴿يَحْسِبُهُم﴾، وقراءة: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ ففيها قراءتان، الجاهل الذي ليس عنده علم، أو الجاهل بأحوالهم؟ الثاني، الجاهل بأحوالهم؛ لأن جهل كل شيء بحسبه، الجاهل بأحوالهم الذي لا يعرفهم يحسبهم أغنياء، من أي شيء؟ قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: بسبب تعففهم وعدم سؤالهم، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ لأنك إذا رأيتهم ظننتهم أغنياء مع أنهم فقراء، وهذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الطَّوَّافَ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقُمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي يَتَعَفَّفُ لَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩ /١٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذا هو المسكين حقيقة، لكنك إذا رأيته تقول هذا غني، لا يظهر بمظهر الفقراء أبدًا لا في هيئته ولا في لباسه، وقوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يعني: العفة عن ما في أيدي الناس، وكلمة التعفف قد يقول قائل: إن ظاهرها تكلف العفة؛ لأن تعفف ليست كعف، عف أي: صار عفيفًا، تعفف أي: تكلَّف العفة، هكذا قيل، ولكن الصواب خلاف ذلك، بل الصواب أن التاء هنا للمبالغة، وليست للتكلف والطلب، بل المعنى أنك تحسبهم أغنياء لكمال عفتهم فلا يسألون الناس.
قال: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، في الأول يقول: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ والحسبان بحسب ظاهر الحال، وأما ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ فهو بمقتضى الفراسة والنظر والتدقيق، وكثير من الناس يكون عنده من الفراسة ودقة النظر ما يعرف به الأحوال الباطنة، فهؤلاء إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، السيما بمعنى العلامة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٤٧ / ٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».]] يعني: علامة ليست لغيركم،﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بعلامتهم، وأيش العلامة اللي فيهم؟ العلامة هي أن الإنسان إذا رآهم ظنهم أغنياء، وإذا دقق في حالهم تبين لهم أنهم فقراء لكنهم متعففون، وكم من إنسان يأتيك بمظهر الفقير المدقع، ثياب ممزقة، وشعر منفوش، ووجه كالح، وأنين، وطنين، وإذا أمعنت النظر فيه عرفت أنه غني، وكم من إنسان بالعكس يأتيك بزي الغني بهيئة الإنسان المنتصر على نفسه الذي لا يحتاج إلى أحد، لكن إذا دققت في حاله علمت أنه فقير، وهذا يعرفه مَنْ مَنَّ الله عليه بالفراسة، وكثير من الناس يعطيهم الله تعالى علما بالفراسة يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه ونظراته وكذلك بعض عباراته، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠].
قال: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف هو الإلحاح في المسألة، الإلحاح في المسألة، قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ هل النفي للقيد؟ ولَّا للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد، يعني: لا يسألون الناس سؤال إلحاف، ولكن يسألونهم سؤال تلطف وحياء وخجل، إذا رده المسؤول مرة ما عاد إليه مرة أخرى، هذا مقتضى أيش؟ مقتضى ظاهر اللفظ، لكن مقتضى السياق وأن المقام مقام ثناء أن النفي نفي للقيد الذي هو الإلحاف والمقيد الذي هو السؤال، فهم لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، بدليل قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء، بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم، فعليه يكون النفي عن القيد وأيش؟ والمقيد، لكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألحَّ وإن كان فقيرًا يُثقِل عليك، وتَمل مسألته حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه مع علمك باستحقاقه؛ لأنه ألح، وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف تجدك ترق له وتعطيه أكثر مما تعطي السائل، هذه خمس صفات، قال: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ هذه خمس، والسادسة: الفقراء، فهولاء هم المستحقون حقًّا للصدقة والإنفاق، وإذا تخلفت صفة من الصفات فالاستحقاق باق لكن ليس كما إذا تمت هذه الصفات الست.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٧٣] هذه الجملة جملة شرطية ذُيِّلَت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثًّا على الإنفاق؛ لأنه إذا كان الله عليمًا بأي خير ننفقه فسيجازينا عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فتأمل ما في هذه الآيات من ظهور الحث على الإنفاق، وأن الإنفاق هذا كله مقيد بالخير، ومقيد بأهله الذين يستحقونه، ففي الآية بيان من يستحق الإنفاق الاستحقاق الكامل، وهم الفقراء الموصوفون بهذه الصفات الخمس؛ لأننا قلنا هم الفقراء الموصوفون بهذه الصفات الخمس التي ارتكزت على الفقر.
* من فوائد الآية الكريمة: أن تشاغل الإنسان بعمل يعد من سبيل الله يبيح أن نعطيه وننفق عليه، فلو تشاغل القادر على الكسب بطلب العلم فإننا نعطيه حتى من الصدقة الواجبة ليتفرغ لطلب العلم، ولو تفرغ إنسان للجهاد في سبيل الله أعطيناه ولَّا لا؟ نعم، أعطيناه، ولو من الصدقة الواجبة.
طيب، لو تفرغ الإنسان للعبادة فإنه لا يعطى إلا من الصدقة المستحبة، أما من الزكاة فلا يعطى، لأنه تفرغ لنفع قاصر لا يتعداه، وفرق بين النفع القاصر والنفع العام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن نعطي، بل لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه علم منه أنهم إذا كانوا يستطيعون الضرب في الأرض والتكسب فإنهم لا يعطون، ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول ﷺ يسألانه الصدقة صَعَّد فيهما النظر وصوبه، ثم قال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ»[[أخرجه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي في المجتبى (٢٥٩٨) من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار.]]، فإذا كان الإنسان يستطيع الضرب في الأرض والتجارة والتكسب فإنه لا يعطى؛ لأنه وإن كان فقيرًا بماله لكنه ليس فقيرًا بعمله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التعفف؛ لقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطنًا، ذا حزم ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل، فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة وحزم ونظر في الأمور.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فإن من هنا للسببية، أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفراسة والفطنة؛ لقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ فإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوي الفراسة، وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة، ولا بعد نظر يخدع بأدنى سبب، وكم من إنسان عنده قوة فراسة وحزم ونظر في العواقب يحميه الله تعالى بفراسته عن أشياء كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وقد كان من جملة ما بايع النبي ﷺ عليه أصحابه «أن لا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن الرجل ليَسْقُطُ سوطُه من على بعيره فينزل ويأخذه، ولا يقول لأخيه: أعطني إياه »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه.]]، كل هذا بعدا عن السؤال، والسؤال لغير ضرورة، سؤال المال لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويسر، كما لو سأل الإنسان صديقًا له يعرف أنه يكون ممتنا بهذا السؤال فإن ذلك لا بأس به، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في اللحم الذي على البرمة قال: «هُوَ لِبَرِيرَةَ صَدَقَةٌ، وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٠٧٥ / ١٧١) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ».]] فإذا علمت أن صاحبك يُسَرُّ بسؤالك الشيء ويفرح ولولا أنك سألته لأهداه إليك مثلًا، فلا بأس أن تسأل، ولكن ترك السؤال أسلم؛ لأنه من ذا الذي يتأكد بيقين أن صاحبه يحب أن يسأله؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ وهذه عامة أي خير يكون فإن الله به عليم، ففيه بيان عموم علم الله، وأنه شامل لما يعمله الإنسان، ولما يفعله الله عز وجل بنفسه.
2:274Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
ثم قال تعالى مثنيًا على المنفقين قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٢٧٤]
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبر المبتدأ، واقترنت بالفاء لشبه المبتدأ بالشرط في العموم؛ لأن المبتدأ هنا اسم موصول، والاسم الموصول يشبه الشرط في العموم.
قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ يحتمل أن يقال: أن يراد بالأموال هنا كل الأموال، ويحتمل أن يراد الجنس، فيشمل الكل والبعض.
وقوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ هذا فيه عموم الزمن، ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ فيه عموم الأحوال، يعني على كل حال وفي كل زمن.
وقوله: ﴿سِرًّا﴾ أي خفاء، وهو مفعول مطلق لـ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يعني: إنفاقًا سرًّا، ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ يعني جهرًا، وفي تقديم السر على العلانية والليل على النهار دليل على أن الصدقة كلما كانت أخفى فهي أفضل وأولى، ولكن قد تكون علانية أفضل إذا ترتب على ذلك مصلحة.
قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أجرهم﴾ يعني ثوابهم عند الله مدخرًا يجدونه أحوج ما يكونون إليه، وهذا الأجر قد بين فيما سبق بـأن ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١].
قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٤] ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فيما مضى، فهم لا يحزنون على ما سبق ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله عز وجل، ولا يحزنون على ما مضى لأنهم أنفقوه عن طيب نفس.
في الآية الكريمة: ثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، سواء كان ليلًا أو نهارًا، أو سرًّا أو جهارًا، وفيه أيضًا دليل على كثرة ثوابهم؛ لأنه أضافهم إلى نفسه فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والثواب عند العظيم يكون عظيما.
* ومن فوائد الآية: أن الإنفاق يكون سببا لشرح الصدر وطرد الهم والغم؛ لقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ذلك من أسباب انشراح الصدر، ذكره في زاد المعاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظم العطية؛ لقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لأن عظم المعطي يستلزم عظم العطية.
ومنها أيضًا: كرم الله عز وجل حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه جعله أجرًا لفاعله يؤجر عليه كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم. ونقف على هذا لأنه البحث الآتي مهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من أين يؤخذ؟
* الطالب:(...)؟
* الشيخ: لا، أخاف هذا يكون دليلًا لهم، أخاف أن يكون حجة لهم، يقولون: ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، ما تبغون الثواب.
* الطالب:...؟
* الشيخ: إي هو يقول: نعم أنت إذا عملت لله نفسه هذا لا بأس نعم؟
* طالب: ما يمكن أن نقول إن من في الآية تبعيضية أي: من بعض أموالكم..؟
* الشيخ: وين فيه؟
* الطالب: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾.
* الشيخ: لا، هي الأحسن أن تكون بيانية؛ لأن ما إذا جاءت من بعد ما الشرطية أو الموصولة فهي بيانية.
* الطالب: قاعدة؟
* الشيخ: إيه، قاعدة نعم قاعدة.
* طالب: شيخ، ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلقة بمن؟
* الشيخ: بمحذوف، خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الإنفاق للفقراء.
* الطالب: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ متعلقة (...)؟
* الشيخ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ إذا كان فيها احتمال لهذا ولهذا نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، إذا أطلق فالمراد به قتال الأعداء، هذا هو الصحيح.
* طالب: شيخ، قلتم أنه يجوز أن يعطى لطالب العلم والمجاهد من الصدقة الواجبة، فالدليل بالنسبة للمجاهد واضح في هذه الآية، طب وطالب العلم؟
* الشيخ: طالب العلم مجاهد في سبيل الله؛ لأن الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، بل إن الجهاد بالعلم أشق؛ لأن الجهاد بالعلم سلاح للمنافقين، المنافق ما تقدر تقاتله أو تجاهده بالسلاح، لكن بالحجة والبيان، فالسلاح بالعلم أعم وأشمل؛ لأنه يجاهد به المنافق، ويجاهد به الكافر، ويجاهد به الفاسق العاصي المسلم بخلاف الجهاد في السلاح.
* طالب: شيخ، في سبيل الله كما نعلم، وذكرت حضرتك الآن أنها إذا أطلقت فتكون في الجهاد في القتال؟
* الشيخ: إي نعم، لكن العلماء يقولون: إن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله.
* طالب: يعني بمنزلة القتال؟
* الشيخ: إي نعم حتى إن ابن القيم في مقدمة النونية قال: إنه أفضل لشموله وعمومه.
* طالب: شيخ، الأوصاف التي وردت في الآية، هل هي تنطبق على فقراء الصفة؟
* الشيخ: إي نعم، تنطبق، الفقراء أهل الصفة تنطبق لأنهم محصرون في سبيل الله، وتنطبق عليهم هذه الصفات، لكنها ليست خاصة بهم، بل هم من أول ما يدخل فيهم في الآية الكريمة.
* طالب: إذا كان طالب العلم قويًّا مقتدرًا على الكسب، يُعْطَى من الزكاة؟
* الشيخ: لا ما يعطى، ما يعطى؛ لأنه لا حاجة له إلى ذلك.
* الطالب: أقول الذين يستطيعون ضربا في الأرض هل يستحقون (...) الزكاة؟
* الشيخ: لا يستحقون إلا إذا كان دخلهم لا يكفيهم وعائلتهم، إذا كان لهم عائلة في بلادهم وهذا الدخل الذي يأخذونه الآن ما يكفيهم صاروا فقراء.
* طالب: من هم فقراء الصفة؟
* الشيخ: الصفة هؤلاء قوم مهاجرون ليس لهم أهل في المدينة، وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام لهم صفة في المسجد يأوون إليها، فيأتون فقراء لا معهم زاد ولا مزاد ولا لهم أهل ولا شيء، فهم في هذا المكان يتصدق عليهم المسلمون.
* الطالب: في ناس موجودين الآن؟
* الشيخ: لا، هذا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام الآن ما هم موجودين.
* طالب: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ هل هو خاص بالرسول ﷺ؟
* الشيخ: لا، هذا الخطاب عام لكل من يتأتى منه الخطاب يعني تعرفهم أيها الناظر بسيماهم.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥].
في الآية التي قبلها يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٤]
ذكرنا * من فوائدها: أن تقديم الليل والسر على النهار و العلانية يشعر بأنه كلما كانت الصدقة أخفى فهي أفضل، ولكننا ذكرنا أنه قد تكون العلانية أفضل بحسب الحال.
وذكرنا من فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية لا يخافون في المستقبل، ولا يحزنون على الماضي، فلا يخافون في المستقبل من ظلم أو هضم، ولا يحزنون على الماضي؛ لأنهم استغلوا الماضي وأنفقوا مما رزقهم الله عز وجل سرًّا وعلانية.
* ومن فوائد الآية: أن إنفاق الإنسان من غير ماله لا أجر فيه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ ويشمل هذا الوكيل فلا يتبرع من مال موكله، والولي فلا يتبرع من مال موليه، ويشمل ذلك الغاصب فلا يتبرع من المال المغصوب، وكل هذا إن فعلوا فليس لهم أجر، ولكن لو أن أحدًا اكتسب مالًا محرما ولم يعلم صاحبه ثم تاب، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق به تخلصا منه لصاحبه لا تقربًا به إلى الله؛ لأنه لا ينفعه لأنه ليس بماله.
و* يستفاد من الآية الكريمة: عظم ثواب المنفقين؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وإضافة الشيء إلى الله عز وجل تدل على عظمته؛ لأن عظمة المعطي تدل على عظمة المعطى، ومنه قوله في الحديث الصحيح: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences