Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:277–280

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:277–280

2:277–280Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

.. والحساب لهلك ما بقي عنده شيء؛ لأن نِعمة واحدة من نعم الله تحيط بكل الأعمال، أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسِر يُزاد عليه في الدَّين أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة لكن هذا هو الواقع؛ لأنه ما دام معسرًا فسبب الإنظار موجود، أو فسبب وجوب الإنظار موجود فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء يعني أن تعفوا عن الدَّين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُو﴾ بماذا؟ بإبراء المدِين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أُمهل حتى يُوسر، ومعلوم أن الأول أوْلى وأرفق بالمدِين وهو الإبراء، وإنما كان خيرًا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدِين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليمًا من الدَّين خير من إنظاره مع بقاء الدَّين.

ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مُستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدًا، أوهم أن التصدُّق خير لنا إن كنا نعلم فإن لم نكن نعلم فليس خيرًا لنا، ولا شك أن هذا معنى فاسد لا يُراد بالآية، لكن المعنى (...)

* ومن فوائدها: كمال نعيم هؤلاء في الجنة لقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف مما يستقبل ولا حزن على ما مضى.

* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء السادة الكرام إنما بنوا عملهم على عقيدة وهي الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولهذا كلما تحقق الإيمان في قلب العبد صلحت أعماله، أو صارت أعماله أصلح، وكلما ضعف الإيمان في قلب العبد صارت أعماله أسوأ، ولو أننا انتبهنا لهذا وجعلنا الأعمال الصالحة مقاييس لما في قلوبنا لحصلنا خيرًا كثيرًا، إذا قلنا: أعمالنا الآن ما مدى صلاحها؟ هل هي على أكمل شيء أو لا؟ إن كانت على أكمل شيء بقدر المستطاع فهو دليل على أن قلوبنا فيها إيمان، هذا كمال الإيمان، وإن كان فيها نقص فالإيمان في القلب ناقص، بدل من أنك تذهب تتأمل في قلبك وتفكر عندك ميزان ظاهر وهو العمل كلما أكملته فإيمانك أكمل، وكلما ضعف فإيمانك ضعيف، ويشهد لهذا الميزان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] » ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قلنا: إنها من باب الصفات أيش؟

* الطلبة: السلبية.

* الشيخ: السلبية، والصفات السلبية تكون لكمال ضدها، إذن أهل الجنة في غاية ما يكون من كمال النعيم لا يحزنون على شيء مضى، ولا يخافون من شيء مستقبل، نعيم الدنيا وأيش يكون فيه؟

* الطلبة: على العكس.

* الشيخ: على العكس، محفوف بحزن على ما سبق وخوف مما يلحق، فقارن بين النعيمين وما هي إلا ساعة ثم تنقضي.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٢٧٧] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟

* الطالب: أن القرآن مثاني، مثاني في المعاني، فالله سبحانه وتعالى إذا ذكر معنًى عاقبه بما يضاده أو يقابله، فلما ذكر حال أهل الشر العاصين ذكر حال أهل الطاعة الطيبين.

* الشيخ: لا.

* الطالب: لما ذكر الذين يأكلون الربا وأنهم يقولون: إنما البيع مثل الربا ذكر الذين يعملون الصالحات ويتصدقون بأموالهم.

* الشيخ: نعم، صحيح، لما ذكر الربا وهو أساسه الظلم وأكل المال بالباطل عاقبه بذكر الإيمان والعمل الصالح وإيتاء الزكاة، طيب في هذه الآية أربعة أوصاف ذكرها الله عز وجل ما هي؟

* الطالب: أولًا: الإيمان، والعمل الصالح، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.

* الشيخ: إيتاء الزكاة، لو قال قائل: إقام الصلاة من عمل الصالحات (...) الزكاة فيها مفعول محذوف. قسموا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هادول يحزنون كيف ما عملنا؟ لأيش ما عملنا؟ يقول ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] لكن هؤلاء لا يحزنون؛ لأنهم ربحوا دنياهم في الواقع فيحزن على أي شيء؟ كذلك لا يحزن على أن غيره أعلى منه منزلة في الجنة، فلا يحزن يقول: ليتني عامل مثل هذا العمل لأجل أن أنال درجته؛ لأن كل واحد قد رضي بما هو فيه من النعيم، كما قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أما النفي هنا فهو صفة سلبية يراد بها ثبوت كمال الضد، وهو كمال النعيم الذي ليس فيه خوف مما يُستقبل ولا حزن على ما مضى.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

أولًا: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاعتناء به، لماذا؟ لأن النداء يفيد التنبيه، والتنبيه على خطاب سيُلقى يدل على الاهتمام بهذا الخطاب والعناية به، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن توجيهه أيضًا بلفظ الإيمان يفيد الإغراء، إغراء المخاطب لامتثال ما وُجِّه إليه، يفيد إغراءه لامتثال ما وُجِّه إليه كما لو قلت لك: أيها الرجل، افعل كذا وكذا، يعني أنني أغريك فتذكُر أنك رجل فتأخذك الشهامة فتفعل، كذلك هذا إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يذكر أنه مؤمن فيحمله إيمانه على أيش؟ على الامتثال والفعل إن كان أمرًا أو الترك إن كان نهيًا.

طيب فصار عندنا الآن مبحثان: المبحث الأول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية؛ لأن النداء للتنبيه، والتنبيه المقدم بين يدي الخطاب يدل على أهمية الخطاب، توجيهه للمؤمنين يُقصد به أيش؟ الإغراء والحث؛ يعني يا أيها الذين آمنوا بصفتكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، يدل أيضًا على أن مخالفته نقص في الإيمان، والقيام به كمال في الإيمان، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث مسعر بن كدام عن عبد الله بن مسعود.]] »، يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى مأخوذة من الوِقاية، وهي اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا امتثال أمره واجتناب نهيه، وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى التقوى، ولكن كل المعاني ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكرنا وهو: امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ لأن به الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وجه الخطاب إليهم بوصف الإيمان وأمرهم بالتقوى مما يدل على أن التقوى من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن حقًّا فلا بد أن يتقي الله عز وجل؛ لأن الإيمان إذا وقر في القلب صدقته الأعمال، وظهرت آثار ذلك على الجوارح، وعُرف الإنسان بإيمانه من تقواه.

وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي احذروا عقابه كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، والإنسان يجب عليه أن يحذر من عقاب الله عز وجل، وإذا حذر من عقاب الله اجتنب النواهي، ويجب عليه أن يرغب فيما عند الله من الثواب، وإذا رغب في الثواب فعل أيش؟

* الطلبة: الأوامر.

* الشيخ: الأوامر؛ لأن الأوامر عليها جزاء وثواب، فالترغيب فيها يحدو المرء إلى أن يقوم بها، والنواهي عليها عقاب، فالحذر منها يوجب للإنسان أن يبتعد عنها. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ و﴿اللَّهَ﴾ اسم عَلَم على الرب عز وجل، لا يُسمَّى به غيره، وهو أعرف المعارف على الإطلاق؛ لأن الله متى ذكر لا ينصرف الذهن إلا إلى الخالق عز وجل، ولهذا قالوا إنه أعرف المعارف؛ لأنه لا يشاركه أحد في هذه العلمية، لكن زيد وعمرو وبكر وخالد عَلَم لا شك ومعرفة إلا أنه يُشارَك في ذلك، أما هذا الاسم الجليل فإنه لا يشاركه أحد في مسماه.

قالوا: والأصل في كلمة ﴿اللَّهَ﴾ الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت الهمزة في الناس، وأصلها (الأناس)، وحذفت شر في وخير من قولهم: فلان خير من فلان وفلان شر من فلان، أي أخْيَر وأشَرّ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واختلف اللغويون هل هذا الاسم مشتق ولّا جامد؛ والصواب بلا ريب أنه مشتق، وأن جميع أسماء الله عز وجل تتضمن المعنى الذي اشتقت منه، فالسميع يتضمن السمع، والعليم يتضمن العِلم، والله يتضمن الألوهية، وهكذا ليس في أسماء الله تعالى اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، فالصواب أنه مشتق.

إذا قلنا: إنه مشتق وأصله الإله فما معنى الإله؟ الإله عند المتكلمين هو القادر على الاختراع، هذا الإله عند المتكلمين الذين يتسمَّون بالعقلاء، ومعلوم أننا إذا قلنا بهذا التفسير لم نخرج بتوحيدنا عن توحيد المشركين؛ لأن المشركين يقولون: لا إله إلا الله، فإذا قلنا: (إله) بمعنى قادر على الاختراع صار معنى كلمة التوحيد: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهل هذا توحيد ينجي من النار ويعصم دم الإنسان وماله وأهله؟

إذا قلنا: لا إله إلا الله؛ أي لا قادر على الاختراع إلا الله؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا؛ لأن المشركين يقرون بذلك، ومع هذا فهم مشركون مباحو الدم والمال والذرية، ولم يُدخلهم هذا التوحيد في الإسلام، فهذا التفسير بلا شك تفسير باطل، فليس معنى الإله القادر على الاختراع وإلا لكانت كلمة الإخلاص معناها أيش؟

* الطلبة: غير قادر.

* الشيخ: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا التوحيد هو توحيد المشركين تمامًا، ولكن معنى (إله) أي مألوه، فإله بمعنى مألوه؛ فهي (فِعال) بمعنى (مفعول)، ونحن نعرف أن اللغة العربية يأتي فيها (فِعال) بمعنى (مفعول) في مواضع كثيرة، مثل: غِراس وبِناء وفِراش، كلها بمعنى مَغروس ومَبني ومَفروش، فمعنى لا إله إلا الله أي لا مألوه إلا الله، إذن الله بمعنى المألوه؛ أي المعبود، المعبود حُبًّا وتعظيمًا، فلحبه نقوم بأوامره ولتعظيمه ندع نواهيه.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ شوف ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ترك ما بقي من الربا لا شك أنه من تقوى الله، لكن هذا من باب عطف الخاص على العام اعتناءً به، وإلا فهو من تقوى الله، لكن قدَّم الأمر بتقوى الله على الأمر بترك ما بقي من الربا ليكون الإنسان متهيئًا لقبول الأمر بترك ما بقي من الربا؛ لأنه إذا ورد عليه: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ورد على نفس مستعدة متهيئة لقبول ما تُؤمر به بعد ذلك، وقوله: ﴿ذَرُوا﴾ بمعنى اتركوا. ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إذا كان لكم معاملة ربوية وإلى الآن لم تقبضوا الربا فالواجب عليكم ترْك ما بقي من الربا أن تدعوا ما بقي من الربا، والربا في الأصل مر علينا أن الربا في الأصل الزيادة والنمو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥] أي زادت وعلت وارتفعت، وفي الشرع: تفاضل بين شيئين يحرم فيهما التفاضل أو نسأ في شيئين يحرم فيهما النَّسأ، فليس كل تفاضل ربًا وليس كل نَساء ربا، فلو أبدلت سيارتين بواحدة فليس بربا، ولو أبدلت سيارة بسيارة إلى أجل فليس بربا؛ لأن الربا إنما هو في أشياء مخصوصة خصَّها الشارع، وسبقت لنا.

قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا أيضًا من باب الإغراء مرة أخرى، يعني إن كنتم مؤمنين حقًّا فدعوا ما بقي من الربا، وهذه الجملة يقصد بها الإغراء والإثارة، إغراء الشخص وإثارته، إن كنت مؤمنًا حقًّا فدع الربا، فإن قلت: كيف يوجه الخطاب إلى المؤمنين ويقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ أفلا يكون في هذا تناقض؟

الجواب: لا؛ لأن معنى الثانية التحدي وليست الشرطية المطلقة أي إن كنت صادقًا في إيمانك فاتقِ الله وذر ما بقي من الربا. واضح؟

وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق لنا أن الإيمان عند كثير من العلماء بمعنى التصديق، والصحيح أنه أخص من التصديق فهو إيمان بإقرار وقبول وإذعان، قالوا: والفرق بين (آمن له(، و(آمن به) أن الإيمان له إيمان بالمخبِر، والإيمان به إيمان بالمخبَر به، فإذا قلت: آمنت لفلان؛ أي صدقته فيما أخبر به، وإذا قلت: آمنت بكذا وكذا؛ أي صدقت بهذا الشيء بما أُخبر عنه، فتعديه باللام بالنسبة لمن؟

* الطلبة: للمخبِر.

* الشيخ: بالنسبة للمخبِر، وبالباء بالنسبة للمخبَر به، هذا هو الفرق بين: آمن له، وآمن به، لكن هنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لله ولَّا بالله؟

* الطلبة: بالله.

* الشيخ: بالله لأن الله أخبر عن صفاته عز وجل، فالإيمان به إيمان به بما أخبر به عن ذاته وعن صفاته.

* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد: أولًا: بلوغ القرآن الغاية في البلاغة، وذلك لأن الكلام في القرآن يأتي دائمًا مطابقًا لمقتضى الحال، فإذا كان الشيء مهمًّا أحاطه بالكلمات المثيرة التي تجعل النفوس قابلة لذلك، وهذا غاية ما يكون من البلاغة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر، ومسلم (٨٦٩ / ٤٧) من حديث عمار.]] ».

* من فوائد الآية الكريمة: أن تصدير الخطاب بالنداء يفيد التنبه والتلقي له لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

* ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يوجِّه الخطاب على وجه يثير المخاطَب ويحمِّسه للقبول والانقياد لقوله هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى وصية الله سبحانه وتعالى لعباده الأوَّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] فإن قلت: هل هناك فرق بين التقوى وبين البر؟ فالجواب: إن ذُكِرا جميعًا فبينهما فرق، وإن افترقا فهما واحد يتفقان، فـ ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يفسر البر بفعل الطاعات والتقوى بترك المحرمات، وإذا جاءت التقوى مُفردة تعُم هذا وهذا، وإذا جاء البِر مطلقًا يعُم هذا وهذا، يعُم التقوى بالتضمن؛ لأننا إذا أُمرنا بفعل الخير فلازم ذلك أو مقتضى ذلك ترك الشر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ترك الربا وإن كان قد تم العقد عليه لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهذا في عقد استُوفي بعضه وبقي بعضه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام وإن عُقدت في حال الشرك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ وإلا لو نفَّذنا العقود التي كانت في الشرك مع تحريمها في الإسلام لكان ما بقي من الربا جائزًا، ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت ولم يكن سبب تحريمها قائمًا الآن فإنها أيش؟ تنفذ على ما مضى ولا تُبطل، لو أنهما باعا بيعًا محرمًا في حال الكفر ثم أسلما عليه وسبب المانع غير قائم الآن فإنه يمضي على ما مضى عليه حتى لو كان ربًا، لو تعاقدا عقد ربا وهما كافران ثم استوفياه فإن ذلك يمضي وينفذ لقوله تعالى فيما سبق: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، ولو عقد الكافر على امرأة معتدة ثم أسلما وقد انقضت العدة ها؟

* الطلبة: صحيح.

* الشيخ: فالنكاح صحيح، ولو تزوج أخت زوجته، ثم ماتت الزوجة الأولى وأسلم فالنكاح باقٍ، ولو تزوج أخته ثم أسلم؟

* الطلبة: يفرق بينهما.

* الشيخ: يفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم قائم. إذن نستفيد من الآية الكريمة أنه إذا أسلم الإنسان على شيء محرّم، وسبب التحريم قائم وجب إلغاؤه لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك لقوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تُؤخذ لئلا يستعين بها البنك على الربا، وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر. عرفت؟ فنقول: أأنتم أعلم أم الله؟ والاستحسان في مقابلة النص باطل، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يقل: خذوه فتصدقوا به، فإنه يجب علينا أن نذر ما بقي من الربا، أن ندعه.

فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكًا غير إسلامي بنك كفار وتركناه له صرفوه إلى الكنائس وإلى السلاح الذي يُقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم ونما به رِباهم فما الجواب؟ نقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خُوطبنا به، والنتائج ليست إلينا، إذا كان الله يقول: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ نذره، كونهم يصرفونه إلى كذا أو إلى كذا، أو تنمو به أموالهم هذا ليس إلينا، ثم إننا نقول: هل هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل صحيح أنها فائدة من أموالنا؟ الجواب: لا، قد يكون المال الذي أعطيته إياه قد لا يربح، قد يتلف، فهذا الذي يعطيك ليس هو نماء مالك، حتى تقول: والله هذا نماء مالي أبي آخذه، أريد أن آخذه وأتصدق به تخلصًا منه، نقول: من يقول إن هذا نماء مالك قد يكون مالك الخاص اشتروا به شيئًا فخسروا أو احترق، ثم هو ليس نماء مالك أيضًا من جهة أن نماء مالك لا يكون محددًا بل هو قابل للزيادة وقابل للنقص، فليس هو فائدة مالك حتى تقول: والله إني أخشى أن آثم إذا أبقيته عندهم يصرفونه إلى ما حرم الله.

ثم إننا نقول: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة، في إصلاح طرق، في بناء مساجد تخلصًا منه، أو تقربًا به، نقول له: إن فعلت ذلك تقربًا لم يُقبل منك ولم تَسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك، وإذا صرفته على أنه ملكك لم يُقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث، ومن اكتسب مالًا خبيثًا فأنفقه وتصدق به لم يُقبل منه، وإن أخرجته تخلصًا منه فأي فائدة من شيء نقول: تلطَّخ به ثم حاول أن تغسله من يدك؟! أيش الفائدة؟! فإذا كنت الآن تعترف بأنه لا يحل لك فلماذا تأخذه ثم تحاول تخلصه؟!

ثم نقول أيضًا: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يُخرج هذا تخلصًا منه؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا، ربما إذا شاف الفائدة كبيرة كما يقولون إنها فائدة تغلبه نفسه ولا يُخرجه، (...) يقول: والله هذا مال كثير هذا شينو أطلعه، افتح الصندوق يا ولد حطوه فيه، إذا فتح الصندوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه أخاف الله، إذن طلعه بره، إذا أراد يطلعه بره ثقل في يده ثم قال: رجعه للصندوق، ربما في النهاية أن يكون في الصندوق.

أيضًا أخذته أنت وقال الناس: إن فلانًا أخذ هذه الفائدة- التي يسمونها الفائدة- أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؛ لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تُخرج هذا المال وتتخلص منه؟ بلى، يمكن يقتدي الناس بك، والله فلان أخذ، لستَ تكتب إعلانًا بأنك أخذت هذا وأنفقته، الناس لا يعملون فيقتدون بك، وإذا اقتدوا بك وأخذوا وحتى لو علموا أنك تصرفه وتتخلص منه يرد عليهم ما أوردناه عليك من قبل وهو الشُّح وعدم التخلص منه، ولهذا نرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مُطلقًا، وماذا ستكون مقابلة الله عز وجل يوم القيامة إذا كان الله قد قال لك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ثم أنت تأخذه باستحسان بعقلك.

ثم إننا نقول: إن الإنسان إذا أخذ هذا الشيء لا يكاد يقلع، لا يكاد يقلع عن وضع الأموال في البنوك الربوية المحرمة الكافرة، لكن إذا قلنا لا تأخذه فسوف يبقى يحسب ألف حساب قبل أن يضع المال في البنك، إذا علم أنه محرَّم عليه، كل هذه الأشياء تدل على حكمة الله عز وجل في قوله: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يُوجِّه العباد إلى شيء آخر، ما قال: خذوه وتصدقوا به.

* من فوائد الآية الكريمة: أن ممارسة الرِّبا يُنافي الإيمان لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ولكن هل يُخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج نعم يُخرجه من الإيمان إلى الكفر، وهو عند الخوارج كافر كفرعون وهامان وقارون، كافر؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان، لكنه يخشى عليه من الكفر، لا سيما أكل الربا؛ لأن آكل الربا يتغذى بأيش؟

* الطلبة: بحرام.

* الشيخ: بحرام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر الرجل «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] » نسأل الله العافية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرَّم عليهم ما يتضمن الظلم وأكَّد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اثنين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثلاثة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والحُكم: ﴿ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.

ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الله أكبر، ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ما بقي من الربا، ما بقي، كيف هذا اللي بيُجدد عقد الربا؟ إذا لم تفعلوا وتتركوا ما بقي من الربا فهذا الحُكم، أيهما أشد هذا أو الذي يبتدئ الربا؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني أشد، الذي يبتدئ الربا أشد من شخص تعامل بالربا قبل نزول الآية وأخذ ما بقي، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إن لم تتركوا ﴿فَأْذَنُوا﴾ وفي قراءة: ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ائذنوا بمعنى اعلموا، ولكنه ضُمّن معنى اليقين أو الإيقان، أي فأيقنوا بحرب من الله ورسوله هذا على قراءة: ﴿فَأْذَنُوا﴾، أما على قراءة: ﴿فَآذِنُوا﴾ فهي بمعنى: أعلِموا، أعلِموا بالحرب، آذِن بكذا يعني أعلِم به، قال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يُغسّلن ميتة: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩ / ٣٦) من حديث أم عطية الأنصارية.]] » يعني أعلمنني، ففي الآية قراءتان: ائذنوا، وآذنوا، (ائذنوا) بمعنى (اعلموا)، لكنه ضُمّن معنى اليقين، أيقنوا بحرب يعني أيقنوا أنكم محاربون، لمن؟

* الطلبة: لله ورسوله.

* الشيخ: لله ورسوله، الله أكبر! من يستطيع أن يقابل الله ورسوله بالحرب؟! أو أعلموا يعني أعلموا غيركم أنكم محاربون لله ورسوله.

وقوله: ﴿آذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ أو ﴿ائْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ هل معناه أن الإنسان يُصوّت يقول: أيها الناس طالعين نحارب لله ورسوله؟ أو مجرد بقائه على الربا إعلام؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: نعم، الثاني، الثاني هو المراد؛ لأن الأول قد لا يفعله الإنسان، قد لا يقوم الإنسان على باب دكانه ويقول: أيها الناس، أخبركم بأني محارِب لله ورسوله ما يقدر، ولا هو قائل هكذا، لو قال هكذا على عتبة دكانه لكان أول من يرجمه صغار الناس بالحجارة، ولّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: يقول: إحنا جند الله ما دام أنك تحارب الله بس خذ حجارة برأسه وحجارة بصدره، لكنه ما يقول هكذا بلسانه، يقول هكذا بأيش؟

* الطلبة: بأفعاله.

* الشيخ: بفعله، فبقاؤه واستمراره على أكل الربا إيذان بحربه لله ورسوله، أي عقوبة أشد من هذه العقوبة إلا عقوبة الشرك بالله عز وجل؟! ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأتِ على ذنب دون الشرك. أبدًا أشد من الزنا، ولهذا جاء في الحديث الذي له طرق متعددة: «أَنَّ الرِّبَا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»[[أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة، والحاكم في المستدرك (٢٢٩٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] » وهذا كل يستبشعه، فالربا ليس بالأمر الهين، والله إن الواحد ترتجف فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية إذا كان مؤمنًا ائذنوا بحرب من الله ورسوله وأيش أنت يا ابن آدم؟! تحارب الله ورسوله علنًا تعلنه للناس؛ لأن أعلموا يعني أخبروا الناس بأنكم حرب لله ولرسوله ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وإنما كان كذلك لمحبة الله عز وجل للعدل وكراهته للظلم، والربا ظلم، ولكن لما كان ظلمًا تدعو النفوس إليه دعوة قوية؛ لأنه لا يأتي عَنوة، الظلم عنوة لا يقدم الظالم عليه إلا بعد أن يحسب ألف حساب، وسيجد من يمنعه ويصادمه، لكن هذا يأتي باختيار، باختيار منين؟

* طالب: من المحتاج.

* الشيخ: من المرابي من كلا الرجلين، آكل الربا وموكله، يأتي من هذا ومن هذا؛ لأن موكل الربا محتاج، ولولا أنه محتاج ما اختار لنفسه أن يُغلب، وآكل الربا ظالم معتدي ليس فيه قلبه رحمه، ولهذا نجد الآن أولئك القوم الذين يتحيلون على الربا بما يسمونه المداينة نجدهم كلما كان المستدين أفقر كان غُرمه أكثر، هذا هو الواقع، يجي إليهم الإنسان الذي يعرفون أنه سيوفي يقول: تعالَ بندينك العشر إحدى عشر؛ يعني المئة بكم؟

* الطلبة: بمئة وعشرة.

* الشيخ: مئة وعشرة، يجيهم الإنسان الفقير اللي يعرفون أنه ما يوفي إلا بعد سنتين أو ثلاثة إلا أن يموت له قريب غني، ومتى يموت له قريب غني؟! أو إن كان هو طماع يزوج بنته ويأخذ مهرها. على كل حال إذا جاءهم الفقير يعطونه العشر خمسة عشر أو أكثر، يا بن الحلال لأيش؟! قال: لأن الأول دسم وهذا هزيل، الأول دسم وأيش معنى دسم؟

* الطلبة: غني.

* الشيخ: يعني غني يمكن الآن أعوزته الدراهم وبيوفي، لكن ذا هزيل اركع له، هل هذه المعاملة معاملة رحمة ولّا معاملة قسوة؟

* الطلبة: معاملة قسوة.

* الشيخ: معاملة قسوة، لو كان بهم رحمة لكان الفقير أقرب إلى أن يُنزَّل عنه من الغليبة صح ولّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: ومع ذلك يمسحون دموع التماسيح يقول: والله إحنا نرحم الناس يجينا إنسان فقير يبى يتزوج ولّا يبى يبني بيت نرحمه نعطيه، وأيش نسوي؟! لو ما نعطيه قعد ما تزوج ولا قعد بلا بيت، طيب كم أعطيته؟ قال: أعطيته العشرة بخمسة عشرة، لماذا؟ قال: لأنه بيبطي ما يوفي، وذاك الثاني الإنسان اللي فيه دسم على ما يقولون يُعطى العشر إحدى عشر.

إذن أنا أريد بهذه الأمثلة أن أخلص إلى أن الربا مبناه أيش؟

* الطلبة: الظلم.

* الشيخ: الظلم، مبناه الظلم، ولهذا كانت من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن جعل هؤلاء المرابين معلنين للحرب على الله ورسوله، يعلنونها أمام الناس ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

هل باب التوبة مغلق؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا والله ما هو مغلق، ولا يُغلق من أرحم الراحمين ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] مهما عملت من ذنب فاعلم أن أمامك من يفرح بتوبتك «لَلَّهُ بِتَوْبَتِهِ أَفْرَحُ أَوْ أَشَدُّ فَرَحًا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَضَاعَ نَاقَتَهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَجَدَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٤ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.]] ».

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

ما معنى قوله: ﴿ذَرُوا﴾؟ اتركوا. كيف يقول اتركوا ما بقي ولم يقل: اتركوا الرِّبا؟

* الطالب: لأنه ربما يكون قد عقدوا على الربا فيأمرهم بأن يتركوا هذا الربا.

* الشيخ: حتى ما عُقِد عليه. يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ما نوع هذا العطف؟

* طالب: لأن من تقوى الله ترك الربا.

* الشيخ: أحسنت هو عطف الخاص على العام (...) والاعتناء به.

* الطالب: (...)

* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه جملة شرطية أين جوابها؟ عند النحويين؟ أظن قرأنا هذا؟ ما ناقشناه طيب هذا المشهور عند النحويين، فيه رأي آخر؟ من يعرف؟ فيه رأي آخر.

* الطالب: لأن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب

* الشيخ: أحسنت؛ لأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب ما دام قد ذُكر مضمونه فلا حاجة إلى تقديره، وهذا هو الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله بأن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ لأن مضمونه قد سبق، فلا حاجة أن نقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ما حاجة، نقول: لأن مضمون الجواب قد سبق فلا حاجة إليه.

إذا قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾؟

* طالب: ﴿فَآذِنُوا﴾

* الشيخ: ما معناها؟

* الطالب: أعْلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله.

* الشيخ: أعلموا الناس بأنكم تحاربون الله ورسوله أحسنت. و﴿فَأْذَنُوا﴾؟

* الطالب: فاعلموا.

* الشيخ: فاعلموا، طيب وأيش معنى فاعلموا بحرب (...) بأنفسكم. يؤخذ من مجموع القراءتين؟

* الطالب: (...)

* الشيخ: يعني اعلموا وأعلموا غيركم بذلك كذا؟

* الطالب: (...)

* الشيخ: طيب هذا على قراءة ائذنوا يعني اعلموا أنكم محاربون الله ورسوله هذا على قراءة ائذنوا على قراءة: ﴿آذِنُوا﴾ اللي يؤخذ من مجموع القراءتين؟

* طالب: اعلموا أنتم بأنفسكم.

* الشيخ: يعني اعلموا أنتم بأنفسكم وأعلموا غيركم أيضًا، وهذا أشد، هذا أشد إن الإنسان يَعلَم ويُعلّم.

إذا قال قائل: هل آذن هؤلاء الرِّبويون آذنوا غيرهم بأنهم محاربون؟

* الطالب: (...)

* الشيخ: طيب إذا قال قائل: هم محاربون لله. ﴿فَآذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إذا قال قائل: إيذانهم بحرب من الله واضح، لكن كيف يأذنون بحرب من رسول الله ﷺ وهو قد مات؟ فالجواب: أن هذا محاربة شريعته، محاربة شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحاربة شريعة الرسول محاربة له كما أن نصر شريعة الرسول نصر له.

وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿تُبْتُمْ﴾ أي رجعتم إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته، والتوبة نوعان؛ توبة مطلقة، وتوبة مقيدة، وإن شئت فقل: عامة وخاصة، توبة عامة من جميع الذنوب بحيث يكون الإنسان محافظًا على أوامر الله وترك نواهيه، وهذه هي التوبة الْمُطلقة ما هي مطلق توبة، توبة مطلقة تامة يستحق بها التائب أن يُلحق بالتوابين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢] وعلى هذا أن يكون الإنسان تائبًا من كل ذنب، لا يصر على ذنب، هذه التوبة المطلقة، ومنها قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ إلى آخره [التوبة: ١١٢].

النوع الثاني: توبة مقيدة أو خاصة، وهي التوبة من ذنب خاص معين، فهذه تصح وتُعتبر، ويقبل منه أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الذنب المعين وإن كان مُصرًّا على غيره، فالتائب من الربا تصح توبته وإن كان يشرب الخمر مثلًا، والتائب من شرب الخمر تصح توبته وإن كان يتعامل بالربا، هذه توبة خاصة، لكن لا يستحق التائب هنا أن يلتحق بذوي الوصف المطلق بالتوبة فيقال: إنه من التائبين؛ لأنه لا يمكن أن نُطلق عليه التوبة أنه من التائبين وهو مُصرّ على معصية، لكن توبته من الذنب المعيّن مقبولة؛ لأن هذا هو مقتضى العدل؛ عدل الله عز وجل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوبة لا تُقبل من ذنب مع الإصرار على غيره، بل لا بد أن يعمل عملًا صالحًا في كل عبادته، وقال آخرون: لا تُقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على جنسه، ما هو على غيره، فالتوبة مثلًا من النظر للنساء الأجنبيات لا تُقبل إذا كان يتحدث إليهن؛ لأن الكل من جنس واحد، وإن كان النوع مختلفًا هذا حديث وهذا نظر، لكن الجنس واحد يعود إلى شهوة الفرج، ولا تقبل توبة الإنسان الذي يشرب الخمر مع الإصرار على بيع الخمر؛ يعني لا تصح توبته من شرب الخمر مع الإصرار على أيش؟

* الطلبة: على بيع الخمر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском