Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:285–286

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:285–286

2:285–286Page 49

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦

Allāh does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."1

قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره.

فسرنا قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وفسرنا: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره، كذا ولَّا لا؟

قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني آمن بما أنزل إليه من الوحي في كتاب الله وفيما يُوحي إليه من سنة رسوله ﷺ.

وفي قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ربوبية خاصة؛ لأنها أُضيفت إلى الرسول ﷺ، والربوبية المضافة إلى الرسل هي أخص أنواع الربوبية، ويليها الربوبية المضافة إلى المؤمنين، ثم أعمها الربوبية المضافة إلى جميع الناس، مثل: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، هذه الربوبية الخاصة لا شك أنها تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من المربوبين.

وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿الرَّسُولُ﴾ يعني: والمؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل على النبي ﷺ من الله، فيؤمنون بالرسول، ويؤمنون بالمرسِل، ويؤمنون بالمرسَل به، ثلاثة أشياء: المرسِل وهو الله، المرسَل وهو الرسول ﷺ، المرسَل به، وهو الوحي؛ الكتاب والسنة.

وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، إذا قال قائل: كيف قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق، يعني أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيمانًا ظاهرًا فقط كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.

﴿كُلٌّ﴾ يعني من الرسول والمؤمنين ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخره ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (آمن) مرت علينا كثيرًا بأن المراد بها الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإيمان بوجود الله فقط، هذا ليس بإيمان حتى يستلزم قبول ما جاء به أو قبول ما أخبر به وما أمر به مع الإذعان والتسليم.

وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور؛ الأمر الأول: الإيمان بوجوده، والثاني: الإيمان بربوبيته، والثالث: الإيمان بألوهيته، والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد أن يكون الإيمان متضمنًا لهذه الأشياء الأربعة، الإيمان بوجود الله احترازًا من الذين أنكروا وجود الله، وقالوا: إن هذا الكون ما هو إلا أشياء تتفاعل ويأتي بعضها ببعض أرحام تدفع، وأراضٍ تبلع، وليس هناك شيء والعياذ بالله، لا بد أن نؤمن بوجود الله عز وجل، ولا بد أن نؤمن بربوبيته، وهنا عندما نقول: نؤمن بربوبيته؛ يعني بانفراده بالربوبية، وأنه الرب المطلق، وربوبية ما سواه مقيدة ليست شاملة ولا عامة ولا كاملة بل هي ناقصة مقيدة أيضًا، ناقصة من حيث حدودها وناقصة من حيث سلطانها، أما ربوبية الله عز وجل فإنها كاملة واسعة، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.

الثالث: الإيمان بألوهيته؛ الألوهية الحق، ولا ألوهية لغيره، وكل ما ادُّعيت فيه الألوهية فإنه باطل كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].

الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته؛ بأن له أسماء وصفات انفرد بها، لا يماثله أحد فيها، فنثبت الأسماء والصفات وننفي المشاركة أو المماثلة؛ لأن هذا هو حقيقة التوحيد.

إذن من لم يؤمن بوجود الله فليس بمؤمن، من آمن بوجوده دون ربوبيته بأن قال: إن له مشاركًا أو معينًا في خلق السماوات والأرض، أو أن هناك إلهًا آخر منفردًا بما خلق، فنقول: إن هذا لم يؤمن بالله، ومن آمن بوجود الله وربوبيته، وأنه منفرد بالربوبية الكاملة، لكن أنكر ألوهيته بأن قال كما قال الكفار: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥] فإنه لم يؤمن بالله، من آمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته، لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته فإنه لم يؤمن بالله، قد يكون إيمانه معدومًا وقد يكون ناقصًا حسب ما قام عنده من الإيمان والتصديق أو الإنكار والتكذيب.

إذن الذين يؤمنون ببعض الأسماء دون بعض، نقول: لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون بالأسماء دون الصفات لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض لم يحققوا الإيمان بالله، ثم إن كان إنكارهم لما أنكروه من ذلك تكذيبًا وجحودًا فهم أيش؟

* الطلبة: كفار.

* الشيخ: كفرة، وإن كان تأويلًا فليسوا بكفار، ولكن ينظر في تأويلهم هل له مساغ أو يكون تأويلًا يُنزل منزلة الإنكار فيُحكم لهم بما يقتضيه حالهم.

لو قال قائل: كيف نقيم الأدلة على وجود الله عز وجل؟ قلنا: نقيمها من عدة أوجه؛ بالحس، والعقل، والشرع والفطرة، أما العقل فلأننا نقول: هذه الموجودات الكائنات التي تتغير صباحًا ومساءً بعدم، ووجود، وتغير حال، من الذي يغيرها؟ ننظر من؟ يغيرها فلان أو فلان أو فلان؟! أبدًا، لا يستطيعون أن يغيروا بل هم مغيَّرون، إذن لا بد لهذه الكائنات من مكون محدِث مغير، ولا نجد إلا الله عز وجل، لا نجد إلا الله، ولهذا أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]. نجد السماوات والأرض، من خلق هذه الأرض؟ هل هم عمال خلقوها وأوجدوا فيها الرمال والجبال والأودية والأنهار والبحار؟

الجواب: لا، لو اجتمعت الدنيا كلها بعمالها ما استطاعوا ذلك؛ إذن لا بد لها من خالق، السماوات كذلك وأعظم لا أحد يستطيع خلقها إلا الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور ٣٦]. والجواب: لا، ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. هذا دليل عقلي على وجود الله ولا أحد ينكره.

لو قال لك قائل: هذه اللمبة ما صنعها أحد، وأيش تقول؟ تقول: عجلوا بهذا الرجل إلى المارستان؛ لأنه مجنون، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: ولو قال: هذا المسجل ما صنعه أحد، قلنا: كذلك، ولهذا يذكر أن طائفة من السمنية من ملاحدة من الهنود جاؤوا إلى أبي حنيفة في بغداد قالوا له: يعني كيف نثبت وجود خالق؟ فأطرق وسكت وقالوا: أجب؟ ظنوه قد انقطع وعجز، قال: أنا أفكر في سفينة أرست في ماء الفرات أو دجلة بدون أن يكون لها ملاح، ونزلت الحمل بدون عمال، وانصرفت بدون قائد، شوفوا هل هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟

* الطلبة: غير ممكن.

* الشيخ: هو يقول لهم كذا، فشوفوا ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ قالوا: ما يكون هذا، تصور هذا جنون، معقول أن السفينة تيجي محملة وتنزل حملها وتروح بدون الملاح وبدون عمال؟! قال: والله إذا كان أنكم تدعون أن السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وُجدت بلا مُوجد وتسير بلا مسيِّر فإن هذه السفينة أهون، ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف ١١٩]، إذن هذا دليل عقلي.

الدليل الحسي على وجود الله أيضًا واقع، من أكبر شواهده إجابة الدعوة، إذا دعا الإنسان ربه أجابه، والقرآن مملوء بهذا، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ٩ - ١١] لما قال: يا رب إن قومي كذبون ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح ٢٦] أجابه الرب وأرسل عليهم الطوفان، ففتح أبواب السماء بماء منهمر ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] فغرقوا عن آخرهم إلا من آمن، هذا يدل على عدم وجود الرب ولَّا على وجوده؟

* الطلبة: على وجوده.

* الشيخ: على وجوده، وما زال هذا أمرًا محسوسًا مشهودًا ملموسًا، حتى الإنسان يدعو ربه بأمر، ثم يراه بعينه رأي العين قد حصل، إذن دل على وجود الله عز وجل أيش؟ الحس والواقع.

أما الفطرة فإن كل إنسان لم تجتله الشياطين ولم تغيره البيئة يعترف اعترافًا ضروريًّا بأن له خالقًا انفرد بخلقه بدون أن يسأل أحدًا، لكن قد تفسده البيئة وتجتاله الشياطين فينكر هذا، بقينا بإيه؟

* الطلبة: الشرع.

* الشيخ: الرابع: الشرع والكتاب السنة والكتب السابقة كلها مملوءة بإثبات وجود الله عز وجل، ولهذا لا يمكن أن تقوم قدم ملحد على إنكار الرب إلا على سبيل المكابرة، والإنسان المكابر مشكلة ما فيه علاج، اللي يكابر فيقول: ليست هذه الشمس الشمس يمكن تعالجه وتقنعه؟ لا يمكن، وأما الإيمان بالربوبية والإيمان بالإلوهية والإيمان بالأسماء والصفات فأمرها واضح، إن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره ومتصرف فيه.

ثم قال الله عز وجل: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يعني: وآمن بملائكته، الرسول والمؤمنون كلهم آمنوا بملائكة الله، والملائكة قال النحويون: إنها جمع (مَلْأَك) الذي أصله (مَأْلَك)؛ لأنه من (الأَلُوكَة)، وهي الرسالة، وقالوا: إن فيه تقديمًا وتأخيرًا في حروفه، إعلالًا بالتقديم والتأخير. الملائكة رسل كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] وهم ذوات أو أرواح ومعاني؟

* الطلبة: ذوات.

* الشيخ: ذوات، يُشاهَدون لهم أجنحة، ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سَدَّ الأُفُق »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود بنحوه.]]، ست مئة جناح قد سد الأفق، كيف يكون سرعة هذا الملك؟ سرعته عظيمة كلمح البصر؛ لأن ست مئة جناح كلها تطير بقوة هائلة معناها أنه يعني أسرع من لمح البصر، ولهذا جعله الله تعالى هو السفير بينه وبين الرسل يرسله بالوحي.

الملائكة خُلقوا من نور، كما ثبت ذلك في الصحيح[[أخرجه مسلم (٢٩٩٦ / ٦٠) من حديث عائشة.]]، الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صمد ليس لهم أجواف، حتى يحتاجون إلى الأكل والشرب، وإنما ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] يعني لا يسأمون ولا يملون ولا يتعبون؛ لأنه ليس هناك شيء يُذهب طاقتهم وينقصها، ولهذا لا يحتاجون للأكل والشرب.

الملائكة أقسام في وظائفهم منهم الموكَّل بالوحي؛ وهو جبريل، والموكل بالقطر والنبات؛ وهو ميكائيل، والموكل بنفخ الصور وبحمل العرش؛ وهو إسرافيل، والموكل بالجنة؛ وهو رضوان، وبالنار؛ وهو مالِك، وبالموت؛ وهو ملك الموت، وأما ما جاء من تسميته بـ (عزرائيل) فهذا لا يصح، لكن هو ملك الموت كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة ١١].

ومنهم من يعبدون الله تعالى ليلًا ونهارًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢) وابن ماجة (٤١٩٠) من حديث أبي ذر. ]] وهذا يدل على كثرتهم، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظ أعمالهم يكتبونها ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧]، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظهم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد ١١]. وكل ما جاء في الكتاب والسنة من هذه الأعمال والأوصاف بالنسبة للملائكة فإنه يجب علينا الإيمان به وقبوله متى صح في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ.

وقوله: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ وفي قراءة: ﴿وَكَتَابِهِ﴾ فأما على قراءة (كُتُب) فلا إشكال؛ لأن الكتب كثيرة، وأما على قراءة الإفراد ﴿وَكَتَابِهِ﴾ فهو مفرد مضاف فيفيد العموم.

والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥] ﴿أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾.

وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. ولكن مع ذلك نحن لا نعرف على التعيين إلا عددًا قليلًا منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى إن كانت غير التوراة، وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر، نعرف هذه ونؤمن بها بأعيانها والباقي نؤمن به على سبيل الإجمال.

ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن إيمان بأنه من عند الله وأن الله تكلم به حقيقة بلفظه ومعناه، فهو كلام الله تعالى الحروف والمعاني، هذا واحد، نؤمن أيضًا بكل خبر أخبر الله به في القرآن.

ثالثًا: نقبل كل حكم حكمَ الله به في القرآن.

رابعًا ننفذ كل حكمٍ حكمَ الله به في القرآن.

هذه أربعة أشياء الأول نعيدها مرة ثانية: أن القرآن من عند الله نزل من الله، وأنه كلامه الحروف والمعاني.

ثانيًا: نصدق بكل خبر في الكتاب.

ثالثًا: نقبل كل حكم ما نرفضه.

رابعًا: ننفذ الأحكام؛ لأن هناك فرقًا بين القبول والتنفيذ، قد أنفذ ولا أقبل، وقد أقبل ولا أنفذ كيف؟ قد يقبل الإنسان أن الصلاة فريضة لكن ما ينفذها، وقد ينفذ الصلاة لكن لا يقبل أنها فرض يقول: هي تطوع، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ ولهذا كانت الأحكام الشرعية لا بد فيها من أمرين: قبول الحكم وأيش بعد؟ وتنفيذ الحكم والقيام به، فلا يكفي أحدهما عن الآخر.

أما الكتب السابقة فيجب علينا أن نؤمن بأنها من عند الله؛ يعني أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى، ولكن لا يلزمنا أن نؤمن بالتوراة الموجودة بأيدي اليهود أنها هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، لماذا؟ لأنها مُحرَّفة مكتومة ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ [الأنعام ٩١] وأيش بعد؟ ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ فيه أشياء أُخفيت أُزيلت، فيه أشياء حُرفت. إذن نؤمن بأن التوراة التي أنزلها الله على موسى حق، وأن كل خبر فيها فهو حق، وأن كل حكم فيها فهو حق، صح؟

* الطلبة: صح.

* الشيخ: وننفذ هذه الأحكام أو لا؟ لا، لا ننفذها إلا بدليل من شرعنا. وشرعنا اختلف علماؤنا هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ فقيل: ليس بشرع مطلقًا، وقيل: شرع لنا ما لم يأتِ شرعنا بخلافه، والمسألة معروفة في أصول الفقه، كذلك بالنسبة للإنجيل نؤمن بأن الله أنزل على عيسى ابن مريم كتابًا اسمه (الإنجيل)، وأن هذا الكتاب نزل من عند الله حقًّا، وأن كل خبر فيه فهو حق، وأن كل حكم فيه فهو حق، أما امتثاله وتنفيذه فعلى التفصيل الذي في التوراة، والإنجيل أيضًا متمم للتوراة، متمم لها ومكمل لها، وليس مستقلًّا كاستقلال التوراة، ولهذا يذكر الله تعالى التوراة في القرآن كثيرًا، ولا يذكر الإنجيل بالنسبة إلى التوراة إلا قليلًا، الزبور أيضًا نُؤمن بأن الله آتى داود زبورًا، وأنه من عند الله حق، وأن أخباره حق، وأن أحكامه حق، وأما امتثالها، فعلى ما سبق، وكذلك نقول في صحف إبراهيم هكذا الإيمان بالكتب.

إنزال الله تعالى الكتب على عباده لا شك أنها من رحمة الله بهم؛ لأنها هي الطريق التي يمشون عليها ويرفضون ما سواها، ومن عدل عنها إلى حكم سواها كان كافرًا.

وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ جمع: رسول (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) لا بمعنى (فاعِل) فالرسول بمعنى مُرسَل أرسله من؟ أرسله الله تعالى إلى الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] كل أمة جاءها نذير، ولكن هل كل نذير جاء إلى الخلق نعلم به؟

لا، هل كل نذير جاء إلى الخلق قُص علينا؟ لا، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد ٣٨]، فنحن نؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلًا، وأن هؤلاء الرسل كانوا رسلًا من عند الله حقًّا، وما نزل عليهم من الكتب فهو حق، وما جاؤوا به من الأحكام فهو حق، وأما الاتباع فنتبع من؟ نتبع محمدًا ﷺ، وأما جاء به أولئك الرسل فعلى الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.

قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ لا نفرق، هنا فيه التفات من أين إلى أين؟

* طالب: من الغيبة إلى التكلم.

* الشيخ: من الغيبة إلى التكلم نعم، والتكلم حضور؛ لأنه لم يقل: لا يُفرقون ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ﴾، ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: لا يفرقون بين أحد من رسله، لكنه قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ وفائدة الالتفات التي يشترك فيها جميع أنواع الالتفات هي التنبيه، فائدة الالتفات التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد، فإن الإنسان ينسجم معه وربما يغيب ذِكره، وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع الذهن يقول: انتبه؛ لأنه طبعًا الإنسان إذا سار ينساق في سياق واحد ماشي منسجم، يمكن يجيه النوم، لكن إذا جاء التفات فكأنه يدق فكره ليقول: انتبه. إذن هذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم له فائدة غير ها التنبيه، له فائدة غير التنبيه، وهو أن يقول هؤلاء المؤمنون: لا نفرق؛ يعني كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله قائلين ومعتقدين: لا نفرق بين أحد من رسله. كل الرسل عندنا في صدق ما جاؤوا به من الرسالة على حد سواء، فمحمد رسول الله ﷺ صادِق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم صادق، وموسى صادق، وصالح صادق، ولوط صادق، وإبراهيم صادق، وهكذا، لا نفرق بينهم في هذا الأمر؛ أي: في صدق رسالتهم والإيمان بها، لكن نفرق بينهم فيما كُلفنا به فنعمل بشريعة محمد، وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.

وهل نفي التفريق هنا نفي للتفضيل؛ يعني لا نفرق بين أحد منهم حتى في المفاضلة؟

الجواب: لا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، ففي المفاضلة نفرق، ونُنزل كل إنسان منهم منزلته، لكن في مقام النبوة وصِدق ما جاؤوا به هم على حد سواء، نؤمن بهم جميعًا.

وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ يعني (وقالوا) أي: الرسول ومن آمن معه ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ (غفرانَ): مفعول سمعنا وأطعنا.

* طالب: سمعنا وأطعنا.

* الشيخ: (سمعنا) فعل وفاعل و(أطعنا) فعل وفاعل، و(غفرانَ) منصوب، أفلا يكون مفعولًا به لـ (سمعنا) و(أطعنا)؟

* الطلبة: لا (...).

* الشيخ: لا، لا، ولهذا يحسن أن تقف فتقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ثم تستأنف فتقول: ﴿غُفْرَانَكَ﴾؛ لأن (غفرانَ) مفعول لفعل محذوف تقديره: نسألك غفرانَك.

قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الرسول والمؤمنون ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ يعني: سمعنا ما أمرتنا به وأطعناه، سمعنا ما نهيتنا عنه وأطعناك؛ فالأول: الأمر نمتثل، والثاني: أيش؟ نجتنبه.

واعلم أن الناس في مقام الوحي وتلقيه ينقسمون إلى أقسام: منهم من لا يسمع فيعرض إعراضًا كليًّا ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور ٤٨] لا يسمع إطلاقًا، ومنهم من يسمع ولا يطيع، ومنهم من يسمع ويطيع، هل يمكن أن تأتي القسمة الرابعة من يطيع ولا يسمع؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ما يمكن؛ لأنه لن يطيع إلا ما سمع، فالناس إذن بالنسبة لتلقي الوحي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مُعرض لا يسمع، ولا يطيع، ولا يلتفت، بل هو مستكبر، وقسم معاند، يسمع ولكن لا يطيع، فعنده علم بما أنزل الله وبحدود الله، ولكنه لا يطيع؛ يقولون: سمعنا وعصينا نسأل الله العافية، قسم ثالث: يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون، هم المؤمنون الذين يقولون: سمعنا وأطعنا، ولكن مع ذلك هل يحاولون التسهيل بعد الانقياد والطاعة؟

الجواب: نعم، يحاولون التسهيل إذا أمكن، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بكسر أواني اللحم الذي طُبخ من الحُمُر لما أمر بكسر هذه الأواني التي طُبخت فيها الحمر قالوا: أو نغسلها؟ فقال: «أَوْ ذَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤١٩٦) ومسلم (١٢٣) من حديث سلمة بن الأكوع.]] ما عاندوا، لكن طلبوا التخفيف، فطلب التخفيف لا ينافي الانقياد، أما لو قالوا: لا نفعل فهذا -لا شك- أنه معصية، لكن المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا، ومع ذلك ربما يسألون التخفيف.

﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢١ - ٢٣].

* طالب: ما الفرق بين طلب التخفيف وبين السؤال عمومًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]؟

* الشيخ: هذا يسألون عن أشياء ما أنزل الله بها حكمًا فيقولون: أهذا حرام؟ أهذا واجب؟ وما أشبه ذلك، فربما أنزل الله التحريم أو الوجوب فساءهم ذلك لكونه أُوجب عليهم بسبب سؤالهم وتعنتهم كما جرى لبني إسرائيل لما قال لهم موسى: اذبحوا بقرة قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة ٦٨]، لما أخبرهم قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]﴾ لما أخبرهم قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ في عملها، الأول: في سنها، والثاني: في لونها، والثالث: في عملها، فشددوا فشدد الله عليهم، لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر سهل الأمر.

* طالب: بالنسبة لقراءة الكتاب، ما يمكن نقول مثلًا: إنه قرآن والإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان بالكتب؟

* الشيخ: لا يمكن أن نقول ذلك؛ لأن القراءتين يفسر بعضهما بعضًا، فلما جُمعت في القراءة الثانية عُرف أن المراد بالقراءة الإفراد المراد به الجمع، ثم من أجل أن تتلاءم الكلمات كلها دالة على الجمع.

* طالب: قول النبي ﷺ في صحيح البخاري: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ ابْنِ مَتَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٩٥) ومسلم (٢٣٧٧ / ١٦٧) من حديث ابن عباس.]] (...).

* الشيخ: لا، قال ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى ما حصل بين الأنصار واليهود من المشاجرة خاف أن يكون هناك فتنة فقال: لا تفضلوني على هذا؛ لأن هذا قد يُفسر بأنه عصبية، وأنكم أيها الأنصار أو أيها العرب متعصبون للنبي العربي ما هو للحق.

* الطالب: الذي لا يعلم هذه الأحكام، الذي لا يعلم بعض ما في القرآن من أحكام هل يُقال: إنه ليس بمؤمن بالقرآن؟

* الشيخ: نعم، ليس بمؤمن الإيمان الكامل فيُعطى ما يستحقه من الوصف ما لم يكن تركه لهذا العمل المعين موجبًا للكفر فيكون كافرًا.

* * *

* طالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. أولًا: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ما المراد بالتكليف هنا؟

* طالب: الإلزام.

* الشيخ: الإلزام، والوسع بمعنى؟

* الطالب: الطاقة.

* الشيخ: بمعنى الطاقة، أحسنت، هذا النفي كوني، يعني قدري أو شرعي؟

* طالب: شرعي.

* الشيخ: شرعي.

* الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله لم يكلفنا إلا ما نطيق.

* الشيخ: نعم، قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ما الفرق بين كسبت واكتسبت؟

* طالب: الفرق.

* الشيخ: نعم، يلَّا.

* طالب: ما كسبت من الخير، وما اكتسبت من.

* الشيخ: من الإثم.

* الطالب: نعم، لها ما كسبت من ..

* الشيخ: يعني كسب واكتسب بمعنى واحد، لكن يُفرق بينهما المتعلق، وهي لها أوعليها، توافق؟

* الطالب: لا يا شيخ، فيه فرق تاني.

* الشيخ: طيب ما هو؟

* الطالب: أن كسبت في أفعال الخير والطاعة، واكتسبت في الآثام يعني هكذا يعني الواقع، هذا المعنى.

* الشيخ: يعني المعنى إذن بينهما فرق، فيه قول: أنهما بمعنى واحد، وقول: أن بينهما فرقًا.

* طالب: ما هم بمعنى واحد، لا بد يقولون: بحسب المتعلق.

* الشيخ: إيه بمعنى واحد واللي يعين المعنى المتعلق، والقول الثاني؟

* طالب: أن أصل الكلمة فيها فرق.

* الشيخ: طيب ما هو الفرق؟

* الطالب: أن الكسب من أعمال الخير، تساوي أعمال الخير.

* الشيخ: لماذا؟

* الطالب: لأن تغيير بنية الكلمة إنما يتم لتغيير المعنى.

* الشيخ: ما هو بظاهر!

* طالب: شيخ، إن هذا عدي بـ(اللام)، والفعل عدي بـ (على)، وإذا عدي باللام بمعنى (...) قوله تعالى، وإذا عدي بـ(على) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء ٧].

* الشيخ: نعم، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦]؟ هذا هو اللي قاله الأخ، وقاله أيضًا.

* الطالب: (ما كسب) تختلف عن (اكتسب) فاكتسب من افتعل تدل على الافتعال والمعالجة، بينما (كسب) ذلك يحدث بأدنى سبب.

* الشيخ: أحسنت.

* الطالب: أما الاكتساب فلا يكون إلا بفعل.

* الشيخ: نعم، تمام، ويحصل أيضًا من الغير للغير، العمل الصالح يحصل من الغير للغير، بخلاف الاكتساب؛ يعني لو أن رجلًا سرق، وقال: اللهم اجعل وزرها على فلان، حصل؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لكن لو تصدق وقال اللهم: اجعله لفلان حصل؟

* الطلبة: حصل.

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ما الفرق بين النسيان والخطأ؟

قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٣٦] نفي التفريق هنا بأيش؟

* طالب: لا نفرق بينهم يعني بينهم في التبليغ والتصديق؛ تبليغ الرسالة، أو صدقه في التبليغ.

* الشيخ: أيش تبليغ الرسالة؟

* الطالب: (...) الرسل يعني..

* الشيخ: وأيش معنى لا نفرق؟ التفريق من فعلنا نحن ليس من فعلهم هم.

* الطالب: يعني لا نفرق بينهم بين هؤلاء الرسل في تبليغ الرسالة يعني كله مصدق أو في العقيدة نفسها، أو ما جاء به شرع الله، العقيدة واحدة.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: لا نفرق بالتصديق أنهم من عند الله بكل رسالاته، فنؤمن بكل رسول أتى..

* الشيخ: في صحة رسالتهم، وفي صدق خبرهم، وفي قبول خبرهم، أما بالاتباع؟

* الطالب: بالاتباع.

* الشيخ: فنتبع محمد عليه الصلاة والسلام، وأما في المفاضلة؟

* الطالب: فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣].

* الشيخ: فنفاضل بينهما كذا ولَّا لا؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: إذن لا نفرق في أمور أربعة، لا، لا نفرق في أمور ثلاثة في صحة رسالتهم، في صدق أخبارهم، في قبول ما جاؤوا به، أما في الاتباع فنتبع محمدًا ﷺ. وهل نفرق بينهم في التفاضل؟ الجواب: نعم.

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ غفرانك، وأيش إعرابها؟

* طالب: فعل.

* الشيخ: أنت ما قرأت النحو؟! الظاهر أنه ليس بينك وبين سيبويه نسب! منين قلت: إنه فعل؟!

* طالب: مصدر.

* الشيخ: إيه، لكن وأيش إعرابها؟

* الطالب: منصوبة.

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: مفعول به لفعل محذوف تقديره (نسألك).

* الشيخ: نعم، تقديره (نسألك غفرانك) تمام، المغفرة وأيش المغفرة؟

* الطالب: المغفرة يعني الستر على الذنب والتجاوز.

* الشيخ: والتجاوز عنه، ستر الذنب والتجاوز عنه، ما هو الدليل لما قلت من حيث الاشتقاق؟

* طالب: المغفرة، الغفر، والغفران.

* الشيخ: لا.

* الطالب: يعني معناها باللغة التغطية.

* الشيخ: سبحان الله!!

* الطالب: إنه المغفرة من (الْمِغْفَر).

* الشيخ: من (الْمِغْفَر).

* الطالب: ما يضعه المقاتل ليتقي به.

* الشيخ: يتقي به السهام، وفيه ستر ووقاية، ما هو الدليل من حيث الشرع أو النص الدليل على أن المغفرة هي الستر والتجاوز من الشرع؟ هذا الدليل من حيث اللغة الدليل من حيث النص؟

* طالب: قال الرسول ﷺ «إِذَا خَلَا بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

* الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٥) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر بنحوه.]].

* الطالب: «ثُمَّ يَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْآنَ».

* الشيخ: صح، «سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».

قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، المصير يعني يوم القيامة ولَّا شيء أعم من ذلك؟

* طالب: إليك المصير عام، كل شيء إلى الله ويشمل يوم القيامة.

* الشيخ: أحسنت، يشمل يوم القيامة وغيرها، فمرجع الخلق إلى الله في الدنيا والآخرة.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. ثم قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الجملة هذه مقول لقول محذوف؛ أي: قولوا: ربنا، أو يقولون عودًا على قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه﴾ ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ المهم أن الجملة هنا مقول لقول محذوف.

وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى حُذفت منه ياء النداء اختصارًا وإيجازًا للكلام وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل ﴿رَبَّنَا﴾، وتوسلوا بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، وهنا يسألون الله شيئًا، وإعطاء هذا الشيء من متعلقات الربوبية، ولهذا تجدون في أكثر القرآن، تجدون الدعاء مقرونًا بالربوبية؛ لأنه إعطاء، والإعطاء فعل، وكل الأفعال متعلقها أيش؟ الربوبية.

وفي قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ الإضافة من التعطف وإظهار الحاجة والفقر ما هو ظاهر. ﴿رَبَّنَا﴾ فإن هذا الذي يضيف إلى نفسه ربوبية الله لا شك أنه مظهِر لفقره إلى هذا الرب، وأنه مربوب عابد ذليل لهذا الرب.

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ المؤاخذة بالذنب: المجازاة عليه، والإنسان محل النسيان ومحل الخطأ، وما أكثر نسيانه وخطأه!

فالنسيان: هو ذهول القلب عن معلوم، يكون الإنسان يعلم الشيء ثم يغيب عنه، نسمي هذا نسيانًا، كما لو سألتك ماذا صنعت أمس؟ فقلت: والله نسيت. أنت فاعل لكن نسيت، فتعريف النسيان إذن أيش؟ ذهول القلب عن شيء معلوم، هذا النسيان.

الخطأ: ارتكاب المعصية -أو بعبارة أعم المخالفة- عن غير عمد، أو شئت: المخالفة بلا قصد المخالفة. فيشمل ذلك الجهل، فإن الجاهل إذا ارتكب ما نُهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة من غير قصد المخالفة، وسواء كان جاهلًا بالحكم أو بالحال فهو داخل في قوله: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. هل هذا الدعاء أُجيب؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ»[[أخرجه مسلم (١٢٦ / ٢٠٠) من حديث ابن عباس. ]] يعني فلا يؤاخذنا لا بالنسيان ولا بالخطأ.

واعلم أنه يُقال: أخطأ، ويقال: خطِئ، ويقال في اسم الفاعل من الأول؟

* طالب: خاطئ.

* الشيخ: لا، (مُخطئ)، ومن الثاني (خاطِئ)، فالثلاثي من هذا الفعل هو مرتكب المخالفة بقصد المخالفة، والرباعي مرتكب المخالفة بغير قصد المخالفة، فمثلًا الرجل الذي يفعل المعصية وهو عالم بها لكنه قاصد المعصية، نقول لهذا: خاطِئ، والذي يفعلها غير قاصد لها نقول: مخطِئ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] يعني: مرتكبة للمخالَفة عن قصد، وهنا قال: ﴿أَخْطَأْنَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب ٥]، وهو ارتكاب المخالفة عن غير قصد المخالفة قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».

﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ نقول في ﴿رَبَّنَا﴾ في الإعراب وفي الإضافة، وفي فائدة الإضافة ما قلناه في الأولى، ولكنه قال: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾ فأتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وكُرِّر النداء تبركًا بهذا الاسم الكريم وتعطُّفًا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك من أسباب إجابة الدعاء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском