Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:35–38
2:35Page 6
وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥
And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قلنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٣٥ - ٣٩].
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾، ما سبق أخذنا فوائده، ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، الفاعل، فاعل القول هو الله عز وجل، وقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾، (زوج) معطوف على الفاعل في ﴿اسْكُنْ﴾، ولّا على ﴿أَنْتَ﴾؟ على الفاعل في ﴿اسْكُنْ﴾ لأن ﴿أَنْتَ﴾ توكيد للفاعل وليست هي الفاعل؛ لأن ﴿اسْكُنْ﴾ فعل أمر، وفعل الأمر لا يمكن أن يظهر فيه الفاعل؛ لأنه مستتر وجوبًا، وعلى هذا فـ﴿أَنْتَ﴾ الضمير المنفصل هذا توكيد للضمير المتصل، وقوله: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حواء، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره.[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٣٠، ٣٣٩٩)، ومسلم (١٤٧٠/٦٢،٦٣) من حديث أبي هريرة بلفظ:" ولولا="" حواء="" لم="" تخن="" أنثى="" زوجها="" ?.?="]]
وقوله: ﴿الْجَنَّةَ﴾ اختلف العلماء، أولاً الجنة هي البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره.
وهل المراد بالجنة جنة الخلد؟ أم هي جنة سوى جنة الخلد؟ ظاهر القرآن والسنة أنها جنة الخلد، وليست جنة، يعني ليست بستانًا كثير الأشجار عذب المياه طيب الهواء، لا، ولكنها جنة الخلد؛ لأن أل هنا للعهد الذهني، وقوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، ﴿كُلَا مِنْهَا﴾ أي: من هذه الجنة، ﴿رَغَدًا﴾ أي: أكلًا هنيًّا ليس فيه تنغيص، ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، أي: في أي مكان من هذه الجنة، ونقول أيضًا: وفي أي زمان؛ لأن ﴿كُلَا مِنْهَا﴾ فعل مطلق لم يقيَّد بزمان، فهما يأكلان من أي مكان كان، وفي أي زمن كان.
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الشجرة أشار الله إليها ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ولم يقل: شجرة كذا أو كذا، بل أشار إليها بعينها، و(أل) في الشجرة للعهد الحضوري؛ لأن كل ما جاء بـ(أل) بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري؛ إذ إن اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شيء قريب، هذه الشجرة هل لنا أهمية في بيان نوعها؟ لا، ولهذا لم يبينها الله في القرآن ولا النبي ﷺ في السنة، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿تَكُونَا﴾، ولم يقل: فتكونان؛ لأنها وقعت جوابا للطلب وهو قوله: ﴿لَا تَقْرَبَا﴾، فالفاء هنا للسببية، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وقيل: إن الفعل منصوب بنفس الفاء، والأول للبصريين والثاني للكوفيين، والثاني هو المختار عندنا بناء على القاعدة: أنه متى اختلف علماء النحو في إعراب كلمة أو جملة فإننا نأخذ بالأسهل ما دام المعنى يحتمله.
﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، والظالم هو المعتدي؛ لأن أصل الظلم هو النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، والظلم يكون بواحد من أمرين: إما بتفريط في واجب، أو غلو فيه، أو انتهاك لمحرَّم، والمراد به هنا الانتهاك للمحرم، يعني: إن فعلتما فأنتما ظالمان؛ لأنكما عصيتما الله.
في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، من أين أخذنا؟
* طالب: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ﴾.
* الشيخ: وفيها أيضًا دليل على أن قول الله بصوت مسموع وحرف مرتب، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾، ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة.
وأيضًا: هو مرتب؛ لأنه قال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾، وهذا ترتيب للحروف، ﴿يَا﴾ ﴿آدَمُ﴾ ﴿اسْكُنْ﴾ ﴿أَنْتَ﴾ ﴿وَزَوْجُكَ﴾ ﴿الْجَنَّةَ﴾، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى ليس مرتبًا، وأن قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] خرجت دفعة واحدة، يعني: السين والباء والميم خرجت دفعة واحدة غير مرتبة، وهؤلاء يسمون الاقترانية الذين يقولون: إن كلام الله مقترن بعضه ببعض؛ لأنهم يزعمون لو قلنا بترتبه وأن بعضه سابق على بعض، لزم من ذلك أن يكون حادثًا، وكما تعرفون أن القاعدة عندهم أن الحادث لا يقوم إلا بحادث، وقد بينّا مرارًا أن هذه قاعدة باطلة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل على آدم وحواء، حيث أسكنهما الجنة من أول ما خلقهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية النكاح لبني آدم؛ لقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾، فهذه سنة أبينا آدم، فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ قلنا: إنها خُلقت من ضلعه، خلقها الله من ضلعه، فإن قال قائل: إذن تكون بنتًا له، فكيف يتزوج ابنته؟
فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم ما شاء، لله أن يحكم ما شاء، فكما جاز أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأول، فكذلك جاز أن يتزوج آدم مَن خلقها الله تعالى من ضلعه، والله تعالى يحكم بما يشاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله أيش؟ ﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾، فإن هذا للإباحة، بدليل قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، خيّرهما أن يأكلا من أي مكان، ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة، ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل على أنه للإباحة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود، بل هو موجود في كل وقت، من أين تؤخذ؟ ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان، وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢، ٣٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يمتحن العبد فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ووجه ذلك: أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها.
ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد فعل الشيء مباشرة؛ للمبالغة في التحذير منه، فإن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، المراد: لا تقرباها، أي: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يبهم ما أبهمه الله، ووجه الدلالة: أنه لو كان الله تعالى أراد منا أن نعتقد شجرة معينة لعينها، فالأدب مع الله أن تبهم ما أبهم، وتعيّن ما عيّن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الله تعالى ظلم، ظلم للنفس وعدوان عليها؛ لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
2:36Page 6
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦
But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."
ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾، وفي قراءة: ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ ، والفرق بينهما أن ﴿أَزَلَّهُمَا﴾ بمعنى أوقعهما في الزلل، و﴿أَزَالَهُمَا﴾ بمعنى نحّاهما، فعلى القراءة الأولى يكون الشيطان أوقعهما في الزلل فزالا عنها وأُخرجا منها، وعلى الثانية يكون المعنى: نحاهما، أي: كان سببًا لتنحيتهما.
﴿أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، أي شيطان هو؟ الظاهر أنه الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم، أراد أن يغويهما حتى يكونا مثله في معصية الله.
﴿أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾، أي: عن الجنة أو عن الشجرة؟
* الطلبة: عن الجنة.
* الشيخ: عن الجنة، ولهذا قال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، أخرجهما مما كانا فيه من النعيم؛ لأنهما كانا في أحسن ما يكون من الأماكن، جنة، أُذِنَ لهما بالأكل من حيث شاءا، ومع ذلك أخرجهما الشيطان مما كانا فيه.
﴿وَقُلْنَا﴾، أي: قال الله لهما: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿اهْبِطُوا﴾، الخطاب لجمع، ولم يقل: اهبطا، فمن الذي انضاف إلى آدم وزوجه؟ الشيطان، ولهذا قال: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، من الذي عدو للآخر؟ الشيطان عدو لآدم وحواء.
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، يعني: أنكم سوف تستقرون في الأرض، وسوف تتمتعون بها بما أعطاكم الله من النعم، ولكن لا على وجه الدوام، بل ﴿إِلَى حِينٍ﴾، وهو قيام الساعة.
في الآية فوائد، أولا: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾.
من فوائدها بالضم إلى آية أخرى: أن الشيطان يغر بني آدم كما غر أباهم، فإن الشيطان لم يسهُل عليه أن يقول لهما: كلا من هذه الشجرة، بل دلاهما بغرور، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، وقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فأتى بالأشياء التي تغريهما أن يأكلا من الشجرة، وعليه فليحذر الإنسان من وساوس الشيطان، الشيطان قد يأتي للإنسان فيوسوس له فيصغِّر المعصية في عينه، ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها منَّاه بأن يتوب منها، فيسهُل عليه الإقدام، ولّا لا، احذر عدوك، احذر عدوك أن يغرك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يحرص على إزالة الخير عن بني آدم وإيقاعهم في الشر، ومن ذلك: أن الشيطان يُلقي في قلب الإنسان الحزن والهم والغم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠]، فهنا يقول: ﴿أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم إلى ما لا يجدان فيه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قول الله تعالى يكون شرعيًّا ويكون قدريًّا، فقوله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا﴾، هذا شرعي، وقوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾، الظاهر أنه كوني؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا، لكن هذا قول كوني، ويحتمل أن يكون قولًا شرعيًّا، لكن الأقرب عندي أنه قول كوني، والله أعلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة في مكان عالٍ، تؤخذ من أين؟
* الطلبة: من قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان كان معهما في الجنة؛ لقوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، تأملوا هذه الفائدة، هل يصح أو لا؟
* طالب: لا يصح.
* طالب: يصح.
* طالب: محتمل.
* الشيخ: يحتمل أن يقال: ﴿اهْبِطُوا﴾، يعني من السماء، من الجنة بالنسبة لآدم وحواء، ومن السماء بالنسبة للشيطان، ويحتمل أن الشيطان دخل الجنة امتحانًا لأجل أن يُضل أبوينا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم، لا يمكن أن يعيشوا إلا في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥]، وبناء على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض، إما في بعض الكواكب أو في بعض المراكب محاولة لا تجدي شيئًا؛ لأنه لا بد أن يكون مستقرهم الأرض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، (تلقى) يعني أنه أخذ وقبل ورضي من الله تعالى كلمات، وفي قراءة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ﴾ ، فيكون الفاعل هنا الكلمات، فما هي هذه الكلمات؟ الكلمات هي قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. [الأعراف: ٢٣] إذن فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله عز وجل بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين.
* طالب: شيخنا يلزم من خلق حواء من ضلع آدم أن تكون منه؟
* الشيخ: أن تكون منه؟
* الطالب: من نفسه؟
* الشيخ: من أين خلقت؟
* الطالب: من ضلعه.
* الشيخ: أي منه، والرسول «قال في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤، ٣٧٢٩)، ومسلم (٢٤٤٩/٩٣، ٩٤) من حديث المسور بن مخرمة.]]؛ لكنها ليست كخلق بني آدم؛ يعني أنها خُلقت من ماء دافق، خُلقت على وجهٍ الله أعلم به.
* طالب: قلنا هنا ﴿اهْبِطُوا﴾ أمرًا لآدم وحواء والشيطان، في سورة طه ﴿قَالَ اهْبِطَا﴾ [طه ١٢٣]، فما رأيكم؟
* الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد أن الشيطان وُجِّه إليه الخطاب في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، يعني: بالنسبة للشيطان من السماء، بالنسبة لآدم وحواء من الجنة.
* طالب: ما هي النجوى؟
* الشيخ: النجوى الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، وكان المنافقون إذا أقبل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره من الصحابة يتهامسون بينهم إغاظة للمؤمن وترويعًا له أن يكونوا يتحدثون بقتله أو إيذائه أو ضربه.[[انظر تفسير ابن كثير (٨/٤٢)، والدر المنثور (١٤/٣١٧) ونسب هذا الفعل لليهود.]]
* طالب: كيف تكون النجوى من الشيطان؟
* الشيخ: نعم، يعني هو الذي يمليها، هو الذي يمليها على من فعلها.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، هل يُفهم ما في قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إباحة ما على الأرض، ما خلقه الله في الأرض؟
* الشيخ: يعني (...) المتاع؟ نعم، يمكن، يؤخذ، وفي أية أخرى أصرح من هذا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة 29].
* طالب: كيف تمكن الشيطان من الوسوسة لآدم وحواء وهما في الجنة، وهو مطرود من رحمة الله؟
* الشيخ: أما إذا قلنا: إن قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، أي: من الجنة، فهذا يكون معهم، وإذا قلنا: إنه ليس معهما في الجنة فإنه يمكن أن يوسوس لهما ولو من بعيد؛ ألا يمكن أن الإنسان يكون في بيته ورجل في الشارع يخاطبه ويناجيه؟
* طالب: هل الشيطان كان مرئي يراه آدم وحواء؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: الشيطان يراه آدم وحواء؟
* الشيخ: هو ظاهر، والظاهر -والله أعلم- أنه كان يراهم، هو يراهم ولا شك لكن الظاهر أنهما كانا يرياه.
* طالب: يا شيخ بارك الله فيك، ما مدى صحة قول بعضهم: إن آدم خُلق من غير أب ولا أم، وأن حواء خُلقت من غير أم، وأن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير أب، هذا القول صحيح؟
* الشيخ: صحيح، آدم خُلق من طين ليس من أب ولا أم، وحواء من أب بلا أم، وعيسى من أم بلا أب.
* طالب: أحسن الله إليك، كلنا نعلم أن آدم وحواء، وكذلك الرسول عليه الصلاة والسلام دخلوا الجنة قبل دار الآخرة، هل هنالك من الأنبياء والرسل غيرهم دخلوا الجنة؟
* الشيخ: ما نعلم، أنا لا أعلم.
* طالب: شيخ، ما رأيك فيمن يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، أن الاستثناء هنا يدل على أن إبليس كان من الملائكة؟
* الشيخ: إي نعم، نرد على هذا بأن الله تعالى قال: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وأنه كان من الملائكة، أي في جملتهم معهم، لكن عنصره مختلف عن عنصرهم، ولهذا عاد إلى عنصره هو، وهو النار، وعادوا إلى عنصرهم وهو أنهم خُلقوا من نور.
* طالب: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ هل هذا التقديم على (...)؟
* الشيخ: وأيش يعني الإشكال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] وكان المشركون، الآية قبلها، أحد يذكرها؟
* الطالب: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.
* الشيخ: نعم، هذا إشكال جيد، يقول: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الفاء لا شك أنها عاطفة وتدل على أن ما بعدها فرع عما قبلها، فكيف نهى عن خشيتهم مع أنه أخبر أنهم يئسوا؟ فما هو الجواب؟ أوما فهمتم الإشكال؟
* طالب: أنهم يئسوا، لكن لم يَيْئسوا من محاولة صد المسلمين.
* الشيخ: الظاهر أن المعنى أنهم يئسوا من دينكم واستبعدوا أن ترجعوا عنه، لكن إذا أعادوا عليكم الكَرّة فلا تخشوهم في هذا، هذا ما يظهر، لكن الله أعلم.
2:37Page 6
فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧
Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
طالب: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٣٧ - ٤٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (تلقى) أي: أخذ حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات تقبلها وأخذها، وهذه الكلمات هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ هذا فيه إضافة الربوبية إلى آدم، وهي الربوبية الخاصة، وقوله: ﴿فَتَابَ عَليه﴾، الفاعل مَن؟ الله، يعني فتاب ربه عليه. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، والتوبة هي: رفع المؤاخذة، والعفو عن المذنب إذا رجع إلى ربه عز وجل، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، هذه الجملة تعليل لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن هذا مقتضى هذين الاسمين العظيمين: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾، هو ضمير فصل يفيد الحصر، وأيش بعد؟ والتوكيد، هنا لا نقول: الفصل بين الخبر والصفة؛ لأن ما قبل الصفة أو ما قبل ما يحتمل أن يكون صفة ضمير، والضمير يقول النحويون: إنه لا يوصف ولا يوصف به، إذن نستفيد من ضمير الفصل هنا فائدتين فقط هما: التوكيد والحصر.
وقوله: ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة من تاب، وذلك لكثرة توبة الله عز وجل على العباد، فما أكثر التوبة من الله علينا على كل فرد منا، وما أكثر التوبة باعتبار أفراد التائبين، فلذلك سمى الله نفسه التواب.
واعلم أن لله تعالى على العبد توبتين: التوبة الأولى قبل توبة العبد، وهي: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبول التوبة، يعني أنه يوفق العبد للتوبة فيتوب، فيتوب الله عليه، وكلاهما في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، تاب ليتوبوا، إذن هذه التوبة الأولى؛ توبة التوفيق للتوبة، ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أي: ليتوبوا إلى الله فيتوب الله عليهم توبة القبول.
وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥]، إذن ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة من تاب، وتوبة الله تعالى على قسمين، أو نوعين: الأول: التوفيق للتوبة، والثاني: قبول التوبة، وكلاهما في القرآن العظيم.
﴿الرَّحِيمُ﴾ يعني: ذو الرحمة الواسعة الواصلة إلى من شاء من عباده، وعلى هذا فالرحمن داخل في ضمن الرحيم؛ لأنه إذا ذُكر الرحمن وحده أو الرحيم وحده دخل أحدهما في ضمن الآخر، وإن ذُكرا جميعًا صار الرحمن باعتبار الصفة، والرحيم باعتبار الفعل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله سبحان الله وتعالى على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منّ على أحد أجداده كان مانًّا عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قول الإنسان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] سبب لقبول توبة الله على عبده.
وفيها أي في ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فيها أنواع من التوسل: الأول التوسل بالربوبية، والثاني: التوسل بحال العبد ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾، والحال الثالثة: تفويض الأمر إلى الله، والرابعة: ربما يقول ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أيضًا فيها ذكر العبد إذا لم يُغفر له، فهو توسل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع، كيف ذلك؟ تلقى منه كلمات، وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام يُسْمَع، بصوت مسموع وحروف مقروءة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل على آدم بقبول التوبة، فيكون في ذلك مِنَّتان: الأولى التوفيق للتوبة حيث تلقى الكلمات من الله، والثاني: قبول التوبة، حيث قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه، وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ اللَّهُ إِِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَاهُ يَمْشِي أَتَاهُ هَرْوَلَةً» »[[متفق عليه. البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥/٢) من حديث أبي هريرة.]]، فكرم الله عز وجل أعلى وأبلغ من كرم الإنسان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: التواب والرحيم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اختصاص الله بالتوبة والرحمة، بدليل ضمير الفصل، ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره، ليس بكل توبة؛ لأن الإنسان قد يتوب مثلًا على عبده، على ابنه، على أمته، وما أشبه ذلك، لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله وهي المذكورة في قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥] هذه خاصة بالله، كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله، أما رحمة الخلق بعضهم لبعض هذا ثابت لا ينحصر بالله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» »[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٦٤٩٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
2:38Page 7
قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨
We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
ثم قال عز وجل: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، ﴿اهْبِطُوا﴾ الواو تدل على الجمع، وهل المراد الجمع أو المراد التثنية بناء على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن العلماء مختلفون: هل أقل الجمع اثنان أو أقل الجمع ثلاثة؟ فمن قال: إن أقل الجمع اثنان قال: المراد هنا آدم وحواء فقط، ومن قال: أقل الجمع ثلاثة قال: آدم وحواء وإبليس؛ لأن إبليس وإن لم يكن في الجنة، خرج منها حين أبى أن يسجد لآدم، ولكن هو حولها يوسوس لهما ويكلمهما، فقيل لهم جميعًا: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، هل في القرآن اهبطا بالألف؟ فيها اهبطا، وهذا مما يؤيد أن الضمير هنا الواو إنما تدل على اثنين فقط، ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه ١٢٣] أي الاثنين، وهي حال من الواو في ﴿اهْبِطُوا﴾.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، إما: أصلها (إن ما) فإن شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، و﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيضًا فعل مؤكد بنون التوكيد، ولذلك لم يكن مجزومًا، بل كان مبنيًّا على أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لماذا؟ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ﴾،﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، أي: علمًا، وذلك بالوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾، الفاء هنا رابطة للجواب جواب الشرط؛ لأن الجملة بعد الفاء هي جواب الشرط، والجملة بعد الفاء هنا اسمية ولّا فعلية؟ اسمية، وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾، ﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿تَبِعَ﴾ فعل الشرط، والفاء في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ رابطة للجواب أيضًا، و(لا) نافية، و﴿خَوْفٌ﴾ مبتدأ، انظر تداخل الشروط الآن. جملة ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ﴾ جواب (إن) في قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وجملة: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ جواب: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾، ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، أي: أخذ به تصديقًا بأخباره وامتثالًا لأحكامه، وأضافه الله لنفسه؛ لأنه الذي أنزله عز وجل وأمر عباده به، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبَل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فيما مضى، بل هم مطمئنون غاية الطمأنينة لا خوف عليهم مما يُستقبل؛ لأنهم آمنون، ولا هم يحزنون عما سبق؛ لأنهم قد اغتنموه وقاموا فيه بالعمل الصالح.
في هذه الآية فوائد، منها: أن آدم كان عاليًا في الأول؛ لقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾، والهبوط لا يكون إلا مِن؟ من أين؟
* طالب: من السماء؟
* الشيخ: لا، الهبوط لا يكون إلا من أعلى، وهل الجنة التي أُسْكِنها آدم هي جنة الخلد؟ أو هي عبارة عن بستان عظيم كثير الأشجار كثير النبات كثير الأنهار؟ في هذا قولان للعلماء، والصحيح -إن لم نقل: المقطوع به- أنها جنة المأوى التي أُسْكِنَها آدم، ولا يقال: كيف تقولون: إن هذا هو الصحيح والجنة من دخلها لم يخرج منها؟ قلنا: نعم من دخلها لم يخرج منها، متى؟ بعد البعث يوم القيامة، أما الآن فلا، وعلى هذا فالقول الراجح أنها جنة المأوى، وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة:
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا ∗∗∗ مَنَـــــازِلُكَ الْأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ
قال: منازلك الأولى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الكلام لله؛ لقوله: ﴿قُلْنَا﴾.
ومنها: أنه بصوت مسموع وحروف مقروءة؛ لقوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيه الأمر إليهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح ومن البلاغة؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو توكيد معنوي؛ لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هامّا فينبغي أن يؤكَّد، فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على شيء: يا فلان، عجِّل عجل عجل، هذا ثلاث مرات، المقصود أيش؟ التوكيد والحث.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الهدى من عند الله؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأتي به.
فإن قال قائل: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (إن) لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ(إذا)، قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، ولكن الواقع يدل على الوقوع، ما هو الواقع؟ أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اتبع هدى الله فإنه آمِن مِن بين يديه ومن خلفه؛ لقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن من تبع هدى الله فهو الرابح لا أحد غيره؛ لقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أما غير هؤلاء فهم دائمًا بين خوف مما يُستقبَل وحزن على ما مضى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences