Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:60–61
2:60–61Page 9
۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠
And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١
And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة ٦٠]. قوله: ﴿اسْتَسْقَى﴾ أي طلب السقيا، وذلك حين كانوا في التيه أو أنه في كل مكان يحصل فيه الحاجة إلى الماء فيستسقي ويغاثون.
وقوله: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ العصا معروفة، وهذه العصا كان فيها ثلاث آيات عظيمة:
أولًا: أنه يلقيها فتكون حية تسعى.
وثانيًا: يضرب بها الحجر فيتفجر عيونًا.
وثالثًا: ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.
وقوله: ﴿الْحَجَرَ﴾ تقدم أن الصواب فيها أن المراد به الجنس أي حجر يكون وليس حجرًا معهودًا؛ لأن هذا أبلغ في الإعجاز وفي الآية.
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ﴾ الانفجار: الانفتاح والانشقاق، ومنه سُمي الفجر؛ لأنه ينشق به الأفق، فمعنى ﴿انْفَجَرَتْ﴾ يعني تشققت منه هذه العيون.
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. ﴿عَيْنًا﴾: تمييز للعدد؛ لأن اثنتا عشرة مبهم، أي اثنتا عشرة؟ فميّزها بقوله: ﴿عَيْنًا﴾، والفرق بين الحال والتمييز: أن التمييز يكون على تقدير (مِن)، والحال يكون على تقدير (في)، تقول مثلًا: جاء الرجل راكبًا؛ أي في حال الركوب، وتقول: تصبب الخجل عرقًا، أي من العرق.
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي اثنتا عشرة من العيون كما قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس ٣٤] ولَّا كل منهما مبين لمبهم، وكل منهما منصوب، وكل منهما نكرة، لكن التمييز مبين للذوات، والحال مبينة للهيئات.
والفرق الثاني: التمييز على تقدير (مِن) والحال على تقدير (في).
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ يعني لا عينًا واحدة بل اثنتا عشرة، لماذا؟ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة أسباطًا فلذلك كانت العيون لكل سبط واحد.
قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ [البقرة ٦٠] أي من الأسباط ﴿كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ مكان شربهم حتى لا يختلط بعضهم ببعض ويضايق بعضهم بعضًا، وهذه من نعمة الله عليهم؛ أي على بني إسرائيل وهي من نعمة الله على موسى، أما نعمة الله بها على موسى فلأنها آية تثبته وتصدقه، وأما نعمة الله بها على بني إسرائيل فلأنها مُزيلة لعطشهم وظمأهم.
قال أهل العلم: ما من آية من آيات الرسل إلا وللرسول عليه الصلاة والسلام من جنسها أو أعظم منها، كل آيات الرسل للرسول عليه الصلاة والسلام من جنسها أو أعظم منها، لكن منها ما حصل له هو ومنها ما حصل لأتباعه، فإن كرامات الأولياء آية للأنبياء. قالوا: والذي حصل للرسول ﷺ من جهة تفجر العيون أعظم من الذي حصل لموسى؛ لأنه تفجرت العيون من الإناء فـ «كَانَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٢٢٧٩ / ٤) من حديث أنس بلفظ: قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه.]] أمثال العيون وهو في الإناء، والإناء ليس من عادته أن يتفجر، أما الحجارة فمن عادتها أن تتفجر منها ما يتفجر ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٧٤] فصار الذي حصل للرسول ﷺ أعظم من الذي حصل لموسى ﷺ.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هذا الأمر للإباحة ولّا للوجوب؟
* الطلبة: للإباحة.
* الشيخ: للإباحة، واعلم أن المباح في الأصل قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا أحيانًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا؛ لأن المباح قد تتعلق به الأحكام الخمسة ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة ٢٧٥] أو لا، لكن قد يكون البيع واجبًا، وقد يكون حرامًا، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: قد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا، فهنا إذا حملناها علي الإباحة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ تضمنت الوجوب فيما إذا خشي الإنسان على نفسه التلف فإنه يجب عليه أن يأكل ويشرب، أما إذا قلنا: إن هذا الأمر الذي للوجوب خرج عن ما سواه من الإباحة وغيرها.
وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي من عطائه حيث أخرج لكم من الثمار ورزقكم من المياه فلم يجعل عليكم شيئًا ينقصكم.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأن حقيقة الأمر أن الذي يمن الله عليه بالرزق أكلًا وشُربًا أن يجب عليه مقابلة ذلك أيش نقول؟
* الطلبة: الشكر.
* الشيخ: الشكر الذي هو الصلاح والإصلاح، ولهذا قال: ﴿لَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ومعنى ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ أي لا تسيروا مُفسدين، فالعثو أو العثيّ معناها الإفساد، الإسراع في الإفساد، ومن ثم نقول: إن قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿لَا تَعْثَوْا﴾ مؤكّدة لعاملها مؤكدة لعاملها، كيف مؤكدة لعاملها؟ لأن العثو أو العِثي معناه الفساد فتكون هذه الحال مؤكدة يعني: لا تفسدوا مفسدين.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بماذا يكون إفساد الأرض؟ بالمعاصي، يكون إفساد الأرض بالمعاصي لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] فدل هذا على أن الفساد في الأرض يكون بالمعاصي، وأن مسؤولية الفساد في الأرض من حروب وفتن وزلازل وقحط وجدب ومرض مسؤوليتها على مَن؟ على أهل المعاصي، هم السبب وهم الشؤم على بني آدم؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] فما وُجدت مصيبة إلا بمعصية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. وهذا الذي حصل لهم من رِزق الله سبحانه وتعالى أكلًا وشربًا كان عليهم أن يشكروا الله عليه، وأن يستمروا على طاعته، وأن يُبعدوا عن الفساد، وأن يشرعوا في الإصلاح، لكن ما الذي حصل؟
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة ٦١] المنّ والسلوى من أحسن الأطعمة وأنفعها للبدن وألذها مذاقًا، ومن أحسن ما يكون، لكن بنو إسرائيل لدناءتهم ما صبروا على هذا، قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ ما نريد المن والسلوى فقط نريد أطعمة متعددة، لكنها أطعمة بالنسبة للأطعمة التي رزقوها أدنى، خسيسة بالنسبة لها يعني ليست شريفة ورفيعة وعالية بل إنها تعتبر رديئة جدًّا بالنسبة لهذا.
قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ إذا قال قائل: طعام واحد هما طعامان المن والسلوى قلنا: المنّ في الغالب يستعمل في الشرب ينبذ بالماء ويشرب، أو يقال: المراد بالطعام هنا الجنس؛ يعني ما نصبر على هذا الجنس بس ما عندنا إلا من وسلوى فيه أشياء ثانية.
﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ هذا توسُّل منهم بموسى ليدعو الله عز وجل لهم ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ﴾. وكلمة: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ تدل على جفاء عظيم منهم. ما قالوا: ادع لنا ربنا، أو قالوا: ادعُ الله بل قالوا: ادع لنا ربك كأنهم بريئون منه والعياذ بالله. وهذا من سفههم وغطرستهم وكبريائهم.
﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ يخرج ويش اللي جزمها؟
* الطلبة: جواب الطلب.
* الشيخ: جواب الطلب، ادعُ يخرجْ، كأنهم يقولون: إنك بمجرد دعواك أو دعائك يخرج هذا الشيء، ولهذا جعلوه جوابًا للطلب.
﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ما نبغي الذي ينزل من السماء المنّ والسلوى ما نبغيه، هم أرضيون ليسوا سماويين، ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ولا نريد ما ينزل من السماء.
قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ من بقلها أولًا مِن الأولى ويش معناها؟ ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا﴾ مِن الأولى للابتداء؛ يعني ابتداء الإخراج ومكان الإخراج اللي يخرج منه هو ما تنبته الأرض.
وقوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ بيان (مِن) بيانية، أيش بيان له؟ لاسم الموصول (ما)؛ لأن اسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ غريبين. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ البقل هو النبات اللي ما له ساق، يعني مثل الكرات وشبهه، هذا البقل.
﴿فُومِهَا﴾ هو الثوم يقال: ثوم، ويقال: فوم، وقيل: إن الفوم الحنطة، والأول أقرب أن المراد بالفوم الثوم. ﴿وَعَدَسِهَا﴾ العدس أظن معروف.
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: معروف عدسها. ﴿وَبَصَلِهَا﴾ أيضًا معروف.
﴿وَقِثَّائِهَا﴾ أيضًا القثاء معروف صغار البطيخ؛ الجراوة، كل هذه بالنسبة للمن والسلوى ليست بشيء، ولهذا أنكر عليهم موسى ﷺ فقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟ معنى ﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾ أي تأخذون بديلًا؛ استبدلت الشيء بالشيء أخذته عنه، تستبدلون أي تأخذون بديلًا، ويش تأخذون؟ ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ تستبدلونه ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.﴾
في قوله: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ ما المراد بالذي هو أدنى؟
* الطلبة: الشيء الذي طلبوه.
* الشيخ: الفوم، اللي طلبوه. ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ خمسة أشياء، هذا الذي هو أدنى. ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ المنّ والسلوى.
قوله: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ ما رأيكم في حذف صدر الصلة هنا، يمكن نرجع إلى النحو نشوف يجوز ولَّا ما يجوز؟
* طالب: يجوز، نعم يجوز.
* الشيخ: يجوز؟ بكثرة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: ما يجوز.
* الشيخ: ما يجوز إلا بقلة؛ لأن الصلة غير طويلة.
* طالب: والموصول غير أي.
* الشيخ: إيه والموصول غير أي، وابن مالك يقول:
......................... وفِي ∗∗∗ ذَا الْحَذْفِ أَيًّا غَيْرُ أَيٍّ يَقْتَفِي؎إِنْ يُسْتَطَلْ وَصْلٌ وَإِنْ لَمْ يُسْتَطَلْ ∗∗∗ فَالْحَذْفُ نَزْرٌ..........
ومثلها أيضًا: ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ لو قلت: بالذي خير يكون هذا قليل، وطبعًا هذا التصرف ما يجوز في القرآن مهما كان الأمر سواء طالت الصفة أو ما طالت، لكن إن كانت في غير القرآن إي نعم.
﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبداله ويش يدل عليه؟
* طالب: السفه.
* الشيخ: يدل على السفه والانحطاط مثل: إنسان قدمت له فنجان حليب قال: والله أنا مشتهي سيجارة. هذا واقع فيه اللي يشربون الدخان، نسأل الله العافية، تقدم له الشراب الطيب النظيف يقول: لا، هو مشتهي سيجارة.
فالحاصل أن هذه المسائل تدل استبدال الأدنى بالذي هو خير تدل بالحقيقة على سفه الإنسان وانحطاطه، وكما يكون هذا في المحسوسات يكون أيضًا في المعنويات والمعقولات كون الإنسان يروح يختار الأشياء الدنيئة من الأخلاق والمعاملات وغيرها ويترك ما هو خير، هذا خطأ، نعم لو فُرض الإنسان ما وجد غير هذا، ما في الإمكان غير ما كان يلام ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما يلام، لا يلام إذا كان الشيء مما أبيح له ولو هو أدنى، لكن كونه يوجد شيء أعلى مما كنت عليه وتطلبه وتترك هذا ما فيه شك أنه من السفه، ولهذا قال لوط عليه الصلاة السلام لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]. قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يعني هذا ما يحتاج إلى أن يدعو الله، وكأن موسى ﷺ أنكر عليهم هذا وبين لهم أن هذا ما يليق بموسى ﷺ يدعو الله سبحانه وتعالى لهم بهذا الدعاء، وأما قول من قال من المفسرين: إنه دعا وقيل له: قل لهم يهبطون مصرًا فإن لهم ما سألوا، هذا ليس بصحيح؛ لأنه كيف ينكر عليهم أن يطلبوا ذلك منه ثم هو يذهب ويدعو الله به؟ هذا شيء مستحيل وبعيد، والصواب أن موسى وبّخهم على ما سألوا، وأنكر عليهم، وقال لهم: هذا الأمر الذي طلبتم ليس أمرًا صعبًا، كل الدنيا مملوءة منه، ولهذا قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مصر مصر النيل ولّا غيرها؟
* الطلبة: غيرها.
* الشيخ: مصر النيل؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: ولكننا نقول: لا، ولهذا نُكرت، ومصر النيل ما تُنكر، ما تنصرف، مصر النيل ما تنصرف ولا ينصرف عنها، لكن مصرًا منصرفة الآن؛ يعني اهبطوا أي مصر من الأمصار تجدون ذلك.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ يعني هذا ليس بعزيز، ولكن أنتم روحوا لأي مصر من الأمصار تجدون، ويش الذي فات من موجبات عدم الصرف هنا كلمة (مصرًا)؟
* طالب: المعنى.
* طالب آخر: التعريف.
* الشيخ: إيه التعريف؛ لأن هذه نكرة، هذه نكرة، واسم البلدان يكون فيها العلمية والتأنيث، وهذه فيها نعم قد نقول: فيها التأنيث؛ لأن (مصر) واحد الأمصار، وقد لا نقول: إنها مؤنثة، قد نقول: مذكر. ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.﴾
* الطالب: شيخ، هذه ﴿بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة ٦١] هل كان الأول عندهم أو يعني أو كان موسى؟
* الشيخ: إيه هو الظاهر، الظاهر أنها عندهم هم يعرفون مما تنبت الأرض من هذه الأشياء.
* الطالب: الفوم مكان الفول؟
* الشيخ: الفول؟ ما أدري، لكن أقرب شيء أنه الثوم، ثُوم بالثاء، ويمكن أن يقال: الفول؛ لأنه قريب من العدس، قريب من هذا.
* طالب: البقل يا شيخ، البقل اللي هو الفول التي تقبل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: اللي هو زي الفاصوليا الحاجات البقل اللي كلها تحطها في الميّه تنفش هي البقل اللي موجودة في السوق حاليًا..
* الشيخ: اصطلاح هذا.
قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ضربت عليهم شوف الآن فيه التفات ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ إلى آخرها.
ثم قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ إذن الكلام مُستأنف الآن، خبر من الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل أنه ضُربت عليهم الذلة والمسكنة.
﴿الذِّلَّةُ﴾ هذا في الشجاعة أذلة، ما يقابلون عدوًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤] والمسكنة فقراء يعود إلى الفقر، فليس عندهم شجاعة وليس عندهم غِنى، لا كرم بالمال ولا كرم بالنفس، أولا، الشجاعة ويش هي، كرم بأي شيء؟
* الطلبة: بالنفس.
* الشيخ: بالنفس، يجود الإنسان بنفسه لإعلاء كلمة الله، والكرم جود بالمال، هم -والعياذ بالله- ما حصل لهم هذا ولا هذا بل العكس ضُربت عليهم الذلة فلا شجاعة عندهم، والمسكنة فلا جود عندهم، ولهذا ما يوجد أمة أفقر من اليهود ولا أفقر، أفقر قلبًا ما هو مالًا، الأموال كثيرة لكن قلوبهم فقيرة، وهذا هو اللي أوجب لهم أن المال يكثر لديهم؛ لأنهم لا زالوا يعني مثل النار التي في الحطب اليابس تلتهم تلتهم. هم وُصفوا بهذا الوصف، ضربت عليهم.
وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ هذا من باب ما يسمونه بالاستعارة المكنية، إن صح أن نقول: إن في الكلام مجازًا، كأنه جعلهم بمنزلة السكة النقط الذي يُضرب عليه الطابع، فكأن هذه الذلة والمسكنة كأنها صارت طابعًا عليهم لا تفارقهم كما لا يفارق الطابع السكة؛ يعني الذهب والفضة؛ الدينار والدرهم مطبوعة عليهم طبع، ولهذا يقال: ضرب الدرهم وضرب الدينار؛ يعني ضرب عليه بالطابع الذي يختم فيه، وكل دوله تختم على نقودها ما تراه مناسبًا لسياستها، فهذه الذلة -والعياذ بالله- عليهم مضروبة وكذلك المسكنة.
فإذا قال قائل: الواقع خلاف هذا الآن. قلنا: لا يمكن أن يكون الواقع مخالفًا لكلام الله ورسوله، وإنما الخطأ في أيش؟
* الطالب: في الفهم.
* الشيخ: في الفهم والتصور، وإلا كلام الله لا يُخلف، الأخبار ما يمكن تختلف خبر الله ورسوله، نقول: هذه الآية مطلقة. وفي قوله تعالى في آل عمران: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢] يقيد هذه الآية ويصير ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة ٦١] إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فإذا وصلهم الله تعالى أو وصلهم الناس فإنهم تزول عنهم الذلة ويكون معهم شجاعة وقوة. فهمتم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الحبل من الله ما هو؟ قيل: إنه الإسلام، والحبل من الناس أن يمدهم الناس غير اليهود بما يمدونهم به، واليهود الموجودون الآن في حبل من الناس يمدهم وهم النصارى، النصارى في كل مكان يمدونهم؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١] وهذا خبر، خبر من الله لا يخلف، النصارى تمدهم من جميع أقطار الدنيا إما علنًا وإما سرًّا، إما مباشر أو غير مباشر.
الحبل من الله قلنا: إنه الإسلام على ما ذكره كثير من أهل العلم، ويحتمل عندي أنه أعم من الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا زال عنهم وصف اليهودية وصاروا من المسلمين، لكن عندي أنه حبل من الله أن الله قد يسلطهم على غيرهم عقوبة لهم، قد يُسلَّطون على غيرهم ويكون لهم الغلبة عقوبة على الآخرين لعلهم يرجعون إلى الله عز وجل لا سيما إذا كانوا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وعصوا وأبعدوا عن هذه الملة فإنهم يسلط الله عليهم من شاء من خلقه لعلهم يرجعون، وهذا أمر هو الواقع، لو نظرنا إلى الذين جعلوا أنفسهم في مسير هؤلاء اليهود وهم العرب لوجدنا أكثرهم ضالين ولا سيما ذوي القيادات منهم منحرفين عن الحق بل ربما يصل الأمر في بعضهم إلى الكفر المطلق والعياذ بالله، فلذلك يُسلَّط عليهم هؤلاء ويحصل ما يحصل، وإذا رأيت أن الرسول ﷺ في حنين حصلت الهزيمة على الصحابة رضي الله عنهم بسبب الإعجاب بالنفس، وحصلت عليهم الهزيمة في أُحد بسبب المخالفة، وطبقت الأمر على ما نحن عليه الآن وجدت أن كلا الوصفين موجود في الذين جعلوا صدورهم لليهود: إعجاب بالنفس ومخالفة للأمر، حتى إنه حدثني بعض الناس الذي قال: لما سمعت جعلت أبكي حرب الأيام الستة يقول: إن مذيعًا من مذيعي العرب يتبجح يقول: سنفعل سنفعل واليهود بعد يومين يحملون حقائبهم في البحر وغدًا تُغني أم كلثوم في تل أبيب. شوف شنو؟! جزاء النعمة شكر النعمة عصيان المنعم، أعوذ بالله! هذا التبجح وهذا الاستكبار، وهذا العلو، وهذا الإعجاب ما حصل للصحابة مع أفضل الخلق، ما حصل ولا نصفه ولا ربعه ولا شيء منه يذكر، بس قالوا: «لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٩٤٣) من حديث الربيع بن أنس مرسلًا.]] وحصل ما حصل، كذلك أيضًا المعصية التي حصلت في أُحد معصية أيضًا بسيطة وهم أيضًا انصرفوا عن محلهم بتأويل ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: قالوا: إنه خلاص الآن الهزيمة حصلت على المشركين وغلب المسلمون ولا فائدة إلا أن نروح نجمع الغنيمة، وصار الأمر أن آتاهم الفرسان من الخلف، وحصل ما حصل بقضاء الله وقدره وحكمته، معصية واحدة، كيف هذه المعاصي الكثيرة الآن؟! هل يرى بعض قادة هؤلاء الذين جعلوا صدورهم لليهود يرون أن الحكم بشريعة الله تأخر ورجعية أعوذ بالله، كيف بينصرون هؤلاء على اليهود؟!
فالمهم أن نقول: أنا أرى أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ليس هو الإسلام؛ لأن الإسلام حقيقة يخرجهم من اليهودية ويجعلهم في خير الأمم، لكن المراد به حبل من الله سبب يكون نصرًا لهم ليسلطهم على من شاء من عباده، وإلا فالله يقول للرسول ﷺ يخاطب المؤمنين ما هو بيخاطب من قال: أنا مسلم.
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤] الآن يقاتلوننا من فوق رؤوسنا وعلى جدرنا نحن أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: هذا هو الواقع؛ لأن الخطاب في قوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ لمن اتصفوا بما كان عليه السلف الصالح، ما هو بس حتى الآن يعني الحقيقة مع الأسف أننا ما نقاتلهم بالإسلام أيش نقاتلهم به؟
* الطلبة: العروبة.
* الشيخ: بالعروبة والقومية، هم يقاتلون بدين لكن باطل؛ لأنهم يقولون: هذه أرض مقدسة، أرض الأنبياء، نريد أن نستردها من هؤلاء العرب الغاصبين على زعمهم.
هذا فرق بين هذا وهذا، وإن كان دينهم باطل وليس بشيء، لكن هم يأتون بصفة دينية، أما نحن تركنا الصفة الدينية وذهبنا إلى صفة لا نُنصر بها أبدًا، ما نُصر العرب؛ لأنهم عرب لكن؛ لأنهم مؤمنون ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] لا نصر العرب، نصر المؤمنين، ومن الغريب أن بعض الناس يقولون: نعم كان حقًّا نصر المؤمنين لكن المؤمنين بقضيتهم ما هو المؤمنين بدينهم، المؤمنون بالقضية ما علموا إن المؤمن بالقضية إنه بعد أيضًا الكرملين والبيت الأبيض وقصر بريطانيا لندن، كلهم مؤمنون بقضاياهم، أجل حق على الله أن ينصرهم؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، حاشاه سبحانه وتعالى، ولكن نصر المؤمنين به سبحانه وتعالى وبرسله وكتبه المطبقين لشريعته، هذا الذي أوجب الله على نفسه أن ينصرهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.﴾
إذن يزول عنا الاشتباه في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ لماذا نراهم الآن في هذه الحال والآية خبر من الله وخبر الله حق صدق لا يمكن أن يتخلف؟
فالجواب: أن الآية هذه مقيدة بقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ وشوف التقييد في آل عمران التقييد في الذلة فقط، لكن المسكنة ما هي مقيدة، ولذلك هم مضروب عليهم المسكنة أين ما كانوا، ولا يمكن يبذلون قرشًا إلا وهم في أمل أن يُحصلوا درهمًا أبدًا، لو بذلوا الجمعيات اليهودية، التبرعات، كلها هذه من أجل غرض يرونه يعود عليهم بأكثر مما بذلوا وإلا لما بذلوا شيئًا، فالمسكنة مطلقة، والذلة مقيدة ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٢].
* الطالب: فيه من ضمن الذلة والمسكنة، فيه واحد يهودي راح دمياط فأدى واحد قرش تعريفة اللي بنقول عليه، قال له: يا عم عاوز أتعشى وأتسلى وأعشي الحمار، حقيقة مش يعني تهريج.
* الشيخ: أتعشى؟!
* الطالب: أتعشى وأتسلى وأعشي الحمار.
* الطلبة: أتسلى يتسلى يعني.
* الشيخ: آه.
* الطالب: فراح الدمياطي طلع أذكى منه راح جبله بطيخة اتعشى منها هو والتاني خد البذر بتاعها اتسلى بيه واده القشر بتاعها للحمار، فقال: والله ما أبات في هذه البلدة؛ لأن البلدة.. فعلًا، هذا مثل الشائع عندنا حقيقة يعني هم اليهود.
* الشيخ: على كل حال هذا الأمر حكى عنهم هذا. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ باؤوا.
* الطالب: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ [الحشر ١٤] الخطاب لليهود؟
* الشيخ: إيه، لا، الخطاب للمؤمنين؛ يعني لو كان عندنا إيمان حقيقي ما استطاع اليهود أن يقابلونا أبدًا ما يستطيعون.
* الطالب: ما قابلونا يا شيخ لغاية دلوقتي لغاية وقتنا هذا ما قابلونا، حقيقة يعني مش حرب الأيام الستة ديه (...)، لكن في حرب ٧٣ ما قابلونا.
* الشيخ: الحمد لله؛ لأن معنا بعض الإيمان.
* طالب: حرب ٧٣ يا شيخ..
* طالب آخر: يعني كل اللي عبر القنال يا شيخ الله أكبر بالراية، وفعلًا يعني فيه ناس حتى الشيخ عبد الحليم محمود قال: إنه فيه ناس، لقينا ناس قدامنا بالرايات ماشية قدامنا بالرايات.
* الشيخ: الحمد لله، الحمد لله.
* طالب: شيخ، فيه عسكري حكى إنه كان لوحده، في حرب ٧٣ يا شيخ، وبعدين كان في سرية يهودية يعني مارة، فالعسكري هذا كان رايح المرج يجيب فطار ليفطر، فإذا السرية يعني، معه علبة فول، هجم عليهم بعلبة الفول كلهم سلموا، فلما راحوا للحكام قالوا: كيف تسلموا لعسكري واحد؟ قالوا: نحن ما سلمنا لعسكري واحد، إحنا سلمنا عسكري واحد لابس ثوب أخضر وحوله سرية لابسة ثياب بيضة.
* الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال إن الخطاب ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ للمؤمنين، فإذا قاتلناهم بالإيمان فلن يقاتلونا وجهًا لوجه ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر ١٤]. فإذا قاتلناهم بغير الإيمان فإنهم يقاتلوننا من فوق سطوحنا لا من وراء جدر.
* طالب: شيخ، السياق على المنافقين الآن؟
* الشيخ: أيّه؟
* الطالب: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾.﴾
* الشيخ: لا، لا ليس المنافقين، اليهود.
* طالب: مصرًا ليس مصر النيل، فأي مصر؟
* الشيخ: أي مصر من الأمصار، عُنيزة تسمى مصر.
* الطالب: لفظ الأمر (...)؟
* الشيخ: لا لا، يقول: روح (...) ما هو في (...)، نقول: ما هذه نسأل الله أن يخرج لنا مما تنبت الأرض، هذا موجود في كل البلاد، هذا زيادة في التوبيخ عليهم.
* الطالب: لأنهم أصلًا مشردون.
* الشيخ: هم في التيه، هم حينما أنزل الله عليهم المن والسلوى، فطلبوا من الله بدل ما ينزل عليهم من السماء الأمور النافعة اللذيذة، فقال: كيف أني أسأل الله يبدل الذي هو خير؟
قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿بَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ رجعوا باؤوا أي رجعوا، والباء للمصاحبة في الغضب، والغضب من الله سبحانه وتعالى ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (مِن) للابتداء؛ يعني الغضب من الله، إن الله غضب عليهم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠] وغضب الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، لكنها لا تماثل صفات المخلوقين، ما تماثل صفات المخلوقين، نحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا ويحمر الوجه ويقف الشعر ويفقد الإنسان صوابه كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: هل هذه العوارض تكون في غضب الله؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] بل هو غضب يليق بالله عز وجل، وإذا قلنا بهذا وسلّمنا بأن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وسرنا حسب ما أمر الله به ورسوله، يرى بعض الناس بعض أهل التحريف يقول: إن الغضب؛ أي الانتقام، وليس هو صفة من صفات الله، ويرى آخرون أنه إرادة الانتقام، فمعنى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] أي أراد أن ينتقم منه، وعلى الأول يقول: غضب الله عليه أي انتقم منه، فالذين يقولون: الغضب الانتقام هم الذين لا يُثبتون الإرادة، ولا يثبتون شيئًا من الصفات وإنما يثبتون الأفعال المنفصلة المخلوقة، والذين يقولون: إنه الإرادة هم الذين يثبتون لله كم صفة؟
* الطلبة: سبع صفات.
* الشيخ: سبع صفات، وهم الأشعرية، والأول المعتزلة والجهمية، يقولون: إن الله ما يريد، ولكن له مخلوقات، فالغضب أي هذا العذاب والعقوبة المنفصلة عن الله، وكلا الأمرين باطل، كلا القولين باطل، أما الأول وهو رأي المعتزلة فنقول: إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] و﴿آسَفُونَا﴾ ويش معناه؟ أغضبونا، انتقمنا والشرط غير المشروط ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأنه لو كان آسفونا أغضبونا بمعنى انتقمنا منهم ما صار للكلام فائدة كان المعنى: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، هذا لا معنى له، المعنى فلما أغضبونا انتقمنا منهم، فدل ذلك دلالة واضحة على أن الغضب غير الانتقام.
وأما الآخرون فإننا نقول لهم: إذا أثبتم الإرادة فما المانع من إثبات الغضب؟ فإذا قالوا: إن الغضب هو غليان القلب وانتفاخ الأوداج، الأوردة واحمرار العيون، وهذا لا يليق بالله عز وجل. قلنا لهم: أيضًا الإرادة ميل الإنسان إلى ما ينفعه أو يدفع ضرره، وهذا أيضًا نقص لا يليق بالله، فما يلزمكم في الغضب يلزمكم في الإرادة، فإذا أثبتم الإرادة لزمكم إثبات الغضب، وإن نفيتم الغضب لزمكم نفي الإرادة واضح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أهل السنة والجماعة ما يلزمهم -ولله الحمد- شيء، يقولون: نحن نُثبت الغضب ونُثبت الإرادة ونُثبت كل صفات الله سبحانه وتعالى، ولكننا ننزه الله سبحانه تعالى عن مشابهة المخلوقين ومماثلتهم، ثم إننا لا نتخيل صفاته أيضًا لا نتخيلها، ونرى أنه يحرم على المرء أن يتخيل صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أعظم من أن تُحيط به العقول فهو لا تدركه الأبصار، وكذلك العقول لا تحيط به.
إذن الغضب ويش نقول عند أهل السنة والجماعة؟ صفة من صفات الله تعالى الثابتة له على وجه الحقيقة بدون تكييف ولا تمثيل.
قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق، الظاهر أنه كل ما سبق، وليس بس ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ كل ما سبق حتى سؤالهم للذي أدنى عن الذي هو خير هذا من أسباب الكفر؛ لأن المؤمن يُهدى إلى الخير ويعرف الخير من الشر ويُوفق لسلوك الخير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ إذن ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذُكر كله.
وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء للسببية. ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو على أنهم متصفون؟
* الطلبة: متصفون.
* الشيخ: متصفون. ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ الكَفْر قال العلماء: مأخوذ من الستر، ومنه كافور النخلة؛ لأنه يستر الثمرة يسمى الكافور؛ لأنه يستر الثمرة، والكَفْر بآيات الله معناه سترها وعدم الاعتراف بها، ولهذا ضُمِّنت معنى الجحد فعُدِّيت بالباء ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ما قال يكفرون آيات الله، قال: بآيات الله. وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية ولا شرعية؟
* الطلبة: كلاهما.
* الشيخ: كلاهما، الكونية والشرعية، الشرعية تتعلق بالعبادة والكونية تتعلق بالربوبية، فهم يكفرون بهذا وبهذا.
ثانيًا: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ أعوذ بالله جرأة على الله، يقتلون النبيين ما هم يكذبونهم فقط يقتلون النبيين! بغير الحق. و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان نعم قبلها فيها قراءتان ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ فيها ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ وهي المشهورة الآن، والثاني ﴿عَلَيْهُمُ﴾ والفرق بينهم؟ ضم الهاء ﴿عَلَيْهُمُ﴾ أو ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أو ﴿عَلَيْهِمِ﴾ ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمِ الذِّلَّةُ﴾ ثلاث قراءات.
وقوله: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿النَّبِيِّينَ﴾، والثانية: ﴿النَّبِيئِينَ﴾ من النبأ، وهو الإخبار.
وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يعني بل بالباطل.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا القيد لبيان الواقع وللتشنيع بفعلهم، للتشنيع عليهم بفعلهم، شوف أقول: إن هذا القيد لبيان الواقع وليس شرطًا، ليش ليس شرطًا؟
* طالب: لأنه ما يمكن قتل نبي.
* الشيخ: لأنه ما يمكن قتل نبي بحق أبدًا، كل قتل الأنبياء (...) لأنه يقول: «هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبهَرِ مِنِّي» »[[أخرجه البزار في مسنده برقم (٨٠٠٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «هَذَا أَوَانُ قُطِعَتْ أَبْهَرِي».]] بعد أن قال «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي» » ولكن الله سبحانه تعالى منعه حتى يتم أجله، فهم -والعياذ بالله- عندهم هذه الجرأة العظيمة؛ وهي قتل الأنبياء بغير حق.
* الطالب: شيخ، هل في الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] ينطبق عليه على الرسول؟
* الشيخ: نعم، إلا ينطبق عليه، والله يعصمك من الناس فعصمه الله حتى بلَّغ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] يعني حتى تبلغ الرسالة وقد بلَّغ الرسالة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: إنه مات بسبب هذه الأكلة هو مات شهيدًا؛ لأنه ظلم هذا الذي حصل من هؤلاء اليهود.
* الطالب: هل ينافي هذا ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧].. على الرسالة فقط؟
* الشيخ: هو لما قال: ﴿بَلِّغْ﴾ يعني إذا صح هذا أن الرسول مات بسبب هذه الأكلة فمعنى الآية: يا أيها الرسول بلغ والله يعصمك، يعني فلن يستطيع أحد أن يحول بينك وبين تبليغ رسالتك ولكن إذا جاء الأجل انتهى التبليغ.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ هل مرجع الإشارة هو مرجع الإشارة الأولى؟
فيكون كُررت تأكيدًا، أو إن مرجع الإشارة هو الكفر والقتل؟ الظاهر أنه الكفر والقتل، وعلى هذا فتكون المعاصي التي بعد هذا ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تكون سُلّمًا للكفر والقتل، يعني كفروا وقتلوا بما عصوا بسبب عصيانهم واعتدائهم.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ الباء للسببية، و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ مصدرية أي بعصيانهم. وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوف على قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ أي وبما كانوا يعتدون؛ أي وبكونهم معتدين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences