Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:62–74

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:62–74

2:62–74Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢

And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.

فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣

So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.

لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة والغضب، بيّن سبحانه وتعالى أنه لا يظلم أحدًا، وأن المؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله؛ فهذه مناسبة الآية لما قبلها أنه لما قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة ٦١] بيّن أن من آمن منهم وعمل صالحًا فإن الله لا يضيع أجرهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢].

قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هل الإيمان الثاني هو الأول وأنه كان بالأول مطلقًا ثم بُيِّن بقوله: ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أو أن الأول يراد به الإيمان المقيد؛ يعني ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام بما يجب الإيمان به ويكون قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قيدًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وعلى هذا فلا يكون فيه تكرار؟

فيه خلاف بين المفسرين، منهم من قال: إن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن الصحيح أن الله تعالى ذكر خمسة أصناف: الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، أربعة.

﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذا عائد على قوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾، ويكون المراد بالذين آمنوا أمة محمد ﷺ، ويكون المراد بالذين هادوا اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى.

والصابئين اختلف فيهم على عدة أقوال: فمنهم من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس، ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها، ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم من كانوا على الفطرة ما يتدينون بدين، ولكنهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر صار لهم هذا الأمر، وهذا هو الأقرب؛ ولهذا سمت قريش النبي ﷺ الصابئ؛ لأنه خرج عن دين قومه، فالصابئون ليسوا فرقة من اليهود والنصارى، بل هم أمة مستقلة؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير جنسًا ونوعًا.

ثم نقول: إن الصابئ معناها الخارج عن الدين، في اللغة العربية، فهؤلاء قوم لا يدينون بدين، على فطرتهم، هؤلاء إذا أرسلت إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر يؤجرون، أو لا أجر لهم لأنهم كانوا صابئين؟ يؤجرون؛ ولهذا أن نقول: اليهود لا يذمون لأنهم يهود، والنصارى لا يذم لأنه نصراني، لكن إذا آمنوا فلهم أجرهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فيقول لك الله: أربعة أصناف: المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين، هؤلاء من آمن منهم بالله واليوم الآخر -يعني: الأصناف الثلاثة التي غير المؤمنين- من آمن بالله واليوم الآخر فإن الله لا يضيع أجرهم.

﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابهم، وسمى الله تعالى الثواب أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به، كالتزام المستأجر بدفع الأجرة لمن؟

* الطلبة: للأجير.

* الشيخ: للأجير.

* طالب: عندما قلنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمة محمد ﷺ، فإذا جعلناها من أمة محمد، كيف نقول عندما ختم الله عز وجل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؟

* الشيخ: إيه، بس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه خاصة بـ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾.

* الطالب: يعني: بالثلاثة أصناف، ما هم بالأربعة؟

* الشيخ: لا، ما هم بالأربعة، بالأصناف الثلاثة فقط.

* طالب: الصابئين، قيل: إنهم هم المجوس؟

* الشيخ: لا، فرقة منهم.

* الطالب: من المجوس.

* الشيخ: إي نعم، ما هم بالمجوس؛ ولهذا ذكرهم الله في سورة الحج مع المجوس.

وهنا سنكمل الآية ونرجع إلى المقارنة بينها وبين سورة الحج كما قلت في الحج إن شاء الله.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، (...) ذكرنا منهم من يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إنه عائد على الجميع، فهو بالنسبة للثلاثة واضح أنه لا بد من قيد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ واضح؟ لكن بالنسبة للأولين يقولون: بالنسبة للأولين إذا جعلناه عائدًا على الأربعة يصير قوله: ﴿آمَنُوا﴾ مجملًا، و﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مفصلًا أو مبينًا، مفصلًا مبينًا، فيكون ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عائدًا على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لكن على وجه التبيين والتفصيل، أما إذا قلنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قسم مستقل، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من الذين هادوا والنصارى والصابئين، فلا إشكال، وقلنا: إن الأصل في الكلام الأرجح أن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يعود على الأصناف الثلاث؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس، والإيمان إذا أطلق فالمراد به الإيمان بما يجب الإيمان به، من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وغير ذلك.

وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه كفالة من الله عز وجل، وضمان والتزام بهذا الأجر، أجر ما هو ضايع ما يُدرى من عنده، معلوم عند من، عند؟

* طالب: ربهم.

* الشيخ: عند الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلف وعده، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦].

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الخوف هو الهم، أيش؟ مما يستقبل، والحزن: الغم على ما فاتك، هذا الفرق بينهما؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: حزِن ولّا خاف؟

* طالب: حزِن.

* الشيخ: حزِن، ويقال لمن يستقبل أمرًا مرعبًا أو مروعًا يقال؟

* طالب: خاف.

* الشيخ: خاف، إذن الخوف: الهم مما يستقبل، والحزن: الغم مما فات، يغتم الإنسان بسبب ما فات عليه من محبوب أو حصل له من مكروه.

* طالب: الغم ما قيل: إنه في الحاضر؟

* الشيخ: لا، الغم على المستقبل، الهم هو اللي يكون في الحاضر والمستقبل، هممت بالشيء، وألقيت همتي به، أما الغم فهو عبارة عن شيء يطبق على القلب، فيغتم به..

* الطالب: مما يقع.

* الشيخ: مما مضى، الغم مما مضى، والهم بما يستقبل.

وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ منين؟ من كل ما يخاف في المستقبل، من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك.

﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من الدنيا؛ لأن الكافر يحزن على ما مضى من الدنيا ويتحسر ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٦]، حزن وتحسر، فهم ما يحزنون على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يخافون من أمر مستقبل، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

ثم ذَكَّرهم الله تعالى -ذَكَّر بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم- فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة ٦٣] يعني: اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق: العهد الثقيل المؤكد، وسمي بذلك من الوِثاق، وهو: الحبل الذي يشد به المأسور، الحبل الذي يشد به المأسور يسمى: وثاقًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] أو ﴿الوِثَاق﴾، فالميثاق هو العهد الثقيل الذي يؤخذ على الإنسان، مأخوذ منين؟ من الوثاق، وهو الحبل الذي يشد به الأسير فيربطه.

﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ﴾ أي: فوق رؤوسكم، لكن ما هو مباشرة، فوق.

الطور: هو الجبل المعروف، رفعه الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل لما تهاونوا بطاعة الله سبحانه وتعالى إنذارًا لهم، وقال لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ خذوه يعني: اقبلوه واعملوا به، ﴿بِقُوَّةٍ﴾ وأيش المراد بقوة هنا؟ الحزم والتنفيذ، يعني معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بحزم وتنفيذ وتطبيق، وأيش ضده؟ ضده أن الإنسان يأخذه أخذًا ضعيفًا متساهلًا، فالمعنى: خذوه أخذًا مصحوبًا بقوة؛ ولهذا نعتبر أن الباء في قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ للمصاحبة، والقوة الحزم والنشاط، وضده الكسل والتراخي، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.

وقوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أي: أعطيناكم، منين؟ من التوراة، من الكتاب، الذين آتيناهم الكتاب، يعني: خذوا هذا الكتاب التوراة التي جاء بها موسى ﷺ بقوة.

﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يعني: لا تهملوا شيئًا منه، وقوله: ﴿مَا فِيهِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد؟ العموم، إذن: كل ما فيه اذكروه واعملوا به.

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (لعل) هذه معناها: التعليل، أي: لأجل أن تتقوا الله عز وجل، فالأخذ بهذا الذي آتاهم الله سبحانه وتعالى على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، فالطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه، كلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى، وبالعكس المعاصي، المعاصي توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل ونفورا -والعياذ بالله- ويجر المعاصي بعضها بعضًا؛ ولهذا سبق لنا أن الله قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١].

إذن: وجه كون سبب الأخذ بكتاب الله سببًا للتقوى، وجه ذلك: أن الطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الإنسان إذا ذاق طعمها ووصلت إلى قلبه اشتهاها وطلبها وصار يتقدم، مثل طالب العلم إذا أدرك العلم ونال منه شيئًا تجده -يعني- يكون نهم؛ ولهذا قال بعض العلماء: طالبان منهومان: طالب الدنيا، وطالب العلم. وكذلك في الحقيقة طالب العبادة؛ فإنه دائمًا مشغوف بالعبادة.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٤] بعد هذا الإنذار وكون الجبل فوقهم، في ذلك الوقت خضعوا وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]، هم في تلك الساعة هرعوا إلى السجود وسجدوا، ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى هذه الأمة، وهو سجود مائل، تجده يسجد ولكن رافع إحدى عينيه، وقالوا: إن هذا السجود؛ سجدنا لله سبحانه تعالى على وجه التخويف فلا نزال نسجد به. فكان هذا سجودهم، هذا هو سجود اليهود.

* طالب: يعتبرونه قربى؟

* الشيخ: إي نعم، يعتبرونه قربى، وفي الحقيقة إن له نظيرًا في هذه الأمة وهو الكسوف، فإن الكسوف في الحقيقة خروج عن العادة الطبيعية، والقمر يكون بين الأرض وبين الشمس، أو الأرض تكون بين الشمس والقمر؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (1059)، ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فالله سبحانه تعالى في بني إسرائيل جعل آية الإنذار أعظم من هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة أقرب إلى قبول الحق والخوف من بني إسرائيل، فيخافون بهذا الكسوف، لكن بني إسرائيل ما يخافون بهذا الكسوف، ما يهبهم إلا جبل يعرفونه رفع فوقهم كأنه ظلة.

ومع الأسف إننا الآن فينا من شابه اليهود في هذه المسألة، وصاروا لا يتعظون بالكسوف، ما يتعظون إلا إذا رفعت الجبال فوق رؤوسهم -والعياذ بالله- وإلا فالواجب أن يعرف الإنسان ويش اللي أخرج هذا عن مجراه الطبيعي إلى أن صار بهذا الوضع، لو اجتمع العالم كلهم على أن يكسفوا الشمس أو أن يخسفوا القمر ما استطاعوا، فما الذي أخرجه إلا الله سبحانه وتعالى لأجل الإنذار والتخويف، وعلى قول من يقول بدوران الأرض، يقولون: إن حركة الأرض هي التي اختلت، فما يدرى لعل هذه الحركة، هذا الاختلال اللي حصل بها يؤدي إلى دمارها، وإلى خسوف وزلازل أعظم، إذن يجب علينا أن نخاف. فعلى كل حال أقول: إن هذا التخويف العلوي كما كان في بني إسرائيل كان في هذه الأمة.

يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟

* طالب: رفع الجبل.

* الشيخ: رفع الجبل، ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم ولم تذكروها، ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل أنه قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى.

﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ﴾، (فضل) ويش إعرابه؟ مبتدأ، وخبره محذوف وجوبًا، كما قال ابن مالك:

وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ......................

يعني: ولولا فضل الله عليكم موجود، وإنما وجب حذفه اكتفاء بجواب لولا، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ هذا جواب (لولا)، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما نوع هذا الفضل والرحمة؟ هو إرسال الرسل والنبيين إلى بني إسرائيل بعد رفع الطور، فإن الله ما تركهم، بل أرسل إليهم الرسل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]، إذن فضل الله هنا بأي شيء؟ بإرسال الرسل الذي هو مقتضى رحمته؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الخلق لا يستقلون بمعرفة عبادة الله سبحانه وتعالى؛ فلهذا أرسل إليهم الرسل يرشدونهم ويبينون لهم.

﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللام هذه واقعة في جواب (لولا) ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة؛ لأن أخسر الناس هم الكفار، ما استفادوا من دنياهم ولا من آخرتهم، إذن ففي هذا إثبات يعني: أن الله تفضل على بني إسرائيل ورحمهم (...)؟

* الطلبة: بإرسال الرسل.

* الشيخ: بإرسال الرسل الذين يذكرونهم ويعظونهم ليرجعوا إلى الله.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قوله: ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم، وعلى هذا فالجملة؟

* طالب: مؤكدة.

* الشيخ: مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي؟

* الطالب: القسم المقدر واللام وقد.

* الشيخ: القسم المقدر واللام وقد، يعني: (ولقد) أصله؟ والله لقد.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ علمتم علم يقين وعرفتموهم المعرفة التامة، ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، و﴿اعْتَدَوْا﴾ بمعنى تجاوزوا الحدود وطغوا.

وقوله: ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في حكم يوم السبت، وهو معروف: اليوم الذي بعد الجمعة، وهذا اليوم كان الله تبارك وتعالى حرم فيه العمل على بني إسرائيل، وحرم عليهم صيد السمك في ذلك اليوم؛ لأجل أن يتفرغوا للعبادة؛ لأنهم هم الذين اختاروا أن يكون يوم السبت لهم، فكان لهم يوم السبت، هذا اليوم الذي اختاروه لأنفسهم حرم الله عليهم فيه العمل وصيد السمك، ثم ابتلاهم سبحانه وتعالى بما حرمه عليهم، فيسره لهم في ذلك اليوم تيسيرًا بالغًا، فكان السمك إذا كان يوم السبت جاء على الماء شُرَّعًا، ويش معنى شُرّع؟

* طالب: ظاهر.

* الشيخ: طافيًا ظاهرًا من كثرته، وغير يوم السبت ما يرونه، وهذا لا شك أنه ابتلاء وامتحان من الله سبحانه وتعالى يمتحن به العباد، قد ييسر لهم المعاصي وأسباب المعصية تيسيرًا أكثر من أسباب الطاعة والخير؛ لأجل الامتحان والابتلاء، هؤلاء القوم ما صبروا على هذا البلوى -والعياذ بالله- فاتخذوا حيلة، وحفروا حفرًا إلى جانب البحر، وجعلوا بين هذه الحفر وبين البحر نهرًا، يعني: ساقية، إذا جاءت الحيتان شُرّعًا ضرب بها الهواء وأدخلها مع هذا النهر إلى هذه الحفر، فإذا هبط الهواء ما استطاعت هذه الحيتان أن ترجع؛ لأن النهر ضئيل ما تتمكن من المشي معه ربما يزول بالكلية، فصاروا إذا كان يوم السبت جاءت الحيتان وسقطت في هذه الحفر، وإذا كان بالليل أو من الغد جاؤوا وأخذوها، فقال لهم فقهاؤهم: كيف تأخذون وقد حرم عليكم؟ فقالوا: نحن ما صدناه إلا يوم الأحد، ما صدناه يوم السبت، حيلة، حيلة ظاهرة، ولَّا لا؟ هو صحيح أنهم ما صادوا إلا يوم الأحد، لكن فعلوا السبب الذي يصطادونه به متى؟

* الطلبة: يوم السبت.

* الشيخ: يوم السبت، إذن ففي الحقيقة أنهم صادوا يوم السبت، ولما كانت هذه -والعياذ بالله- الحيلة ظاهرها السلامة، وحقيقتها؟

* طالب: التورط.

* الشيخ: التورط بالمحرم، يعني: ظاهرها الصحة والحلال، وباطنها الفساد والحرام، ماذا عوقبوا؟ عوقبوا بأن كانوا كالآدميين في الظاهر، لكنهم في الباطن سباع ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ أي: للمعتدين، ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ للذين اعتدوا، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قردة جمع قرد، وهو معروف، و﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين -والعياذ بالله- مبعدين عن رحمة الله، فقلبوا إلى حيوان أشبه ما يكون بالإنسان، كما أن فعلهم أشبه ما يكون بالفعل الصحيح الحلال وهو حرام باطنًا، فكان الجزاء من جنس العمل.

في سورة المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، هل إن هؤلاء أهل القرية كانوا خنازير ولّا قردة؟ ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ في سورة الأعراف ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٣ - ١٦٦]، فيها آية ثالثة؟ المائدة: ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، فأنا ما رأيت أن أهل القرية هؤلاء كانوا قردة وخنازير إنما كانوا قردة، كانوا قردة فقط، مع أن بعض المفسرين قالوا: إن أهل هذه القرية صاروا إلى قردة وخنازير، فصار شبابهم قردة، وشيوخهم خنازير، ولكن هذا يحتاج إلى أن يثبت هذا بدليل شرعي، وإلا فالآية هنا وفي الأعراف ما ذكر الله فيها إلا أنهم كانوا قردة، ويكون الخنازير قومًا آخرين مسخوا، والعياذ بالله من ذلك.

وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ هذا القول ﴿كُونُوا﴾، ﴿قُلْنَا﴾ ﴿كُونُوا﴾، هذا الأمر أمر كوني ولّا شرعي؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: كوني، هل يمكن أن يوجه على أنه أمر شرعي؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا، ما يمكن، ولََّا لا؟ لأن الإنسان ما يقدر يقلب روحه، يقدر يقلب روحه؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ما يقدر، فهو إذن أمر كوني، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، (كن) هذا أمر كوني ولَّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: أمر كوني.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.

أولًا: هذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، وهذه القرية التي اعتدوا فيها لا شك أنها على البحر؛ لقوله: ﴿كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، قيل: إنها أيلة، وقيل: غيرها، المهم ما يهمنا اسمها، يهمنا موقعها أنها على البحر.

ثانيًا: أن أهلها انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم اعتدى وتحيل على محارم الله، وقسم اعتدل ونهى عن التحيل على محارم الله، وقسم ثالث سكتوا، بل إنهم ثبطوا؛ فإنهم قالوا للذين ينهون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأجابوهم بأن لا بد فيه من فائدتين أو فائدة واحدة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾، لا شك أن الذين ينهون عن السوء نجوا، أو لا؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: وأن الذين اعتدوا قلبوا، بقينا بالذين سكتوا ما نهوا ولا اعتدوا، ما شأنهم؟

* طالب: قلبوا.

* الشيخ: تجزم ها الجزم السريع؟

* الطالب: إي نعم، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾.

* الشيخ: إيه، لكن ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾.

* طالب: باقي الجنس.

* الشيخ: ما يخالفه، بس الثاني ما عتوا عما نهوا عنه؟

* الطالب: هذه الضمائر ترجع لأهل هذه القرية..

* الشيخ: الساكتين لم ينكروا لكن هل نهوا؟

* الطالب: إي نعم، عتوا في أنهم لم ينهوا.

* الشيخ: انتظر، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ هذا المعتدون، ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟

* طالب: من الذين اعتدوا.

* الشيخ: من الذين اعتدوا؟ يعني: كأن بعض إخوانهم -بعض المعتدين- قال للذين ينهون: لا تنهون، وهم من المعتدين؟

* طالب: لا، هم من الساكتين؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم يقولون لهم..

* الشيخ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ أهل القرية ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ من المعتدين ولّا من أهل القرية؟

* الطلبة: من أهل القرية.

* الشيخ: من أهل القرية؟ ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ أهل القرية، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يخاطبون الذين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، يخاطبون الذين نهوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ أي: الواعظون..

* طالب: هذا القول اللي قالوه يدخلهم في الطائفة الأولى؟

* الشيخ: نشوف؟ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم ما قالوا يبررون الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ﴾، ما قالوا يبررون فعل المعتدين، قالوه يائسين منهم، يعني: هم قالوا هذا ما به فائدة، هذا ما يوقف العذاب ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ما قالوا: لم تعظونهم لأنهم ما فعلوا شيئًا، لو كانوا كذلك لقلنا: إنهم راضون بفعلهم، لكن هم في الحقيقة مثل ما يوجد الآن، من الناس من ييأس: لأيش تنصح هذا؟ هذا ما به فائدة، هذا ما الله هاديه. هذا موجود الآن، هم قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يعني: فلا فائدة من نصحهم، أجاب هؤلاء: بأننا ما نيأس، عندنا فائدة محققة، وهي المعذرة إلى الله عز وجل ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه مسألة محتملة؛ فإن الله يهدي قومًا من أضل الناس ويردهم إلى الحق، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، من؟

* الطلبة: المعتدون.

* الشيخ: المعتدون، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الذين ينهون عن السوء، وسكت عن الباقين.

﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، من الذين ظلموا؟

* طالب: كلهم، اللي سكتوا واللي فعلوا.

* طالب آخر: يا شيخ، اللي ظلموا أليسوا قد نهوهم وأيسوا فيدخلون بمن نهوا عن السوء؟ ما أيسوا إلا قد فعلوا السبب.

* الشيخ: ما ندري عاد، خلوا نشوف المسألة حقيقةً تخالف فيها ابن عباس ومولاه، فنشوفها، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذه يقينا في الفاعلين ما هي في الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فالذين قلبوا قردة الآن؟

* طالب: المعتدين.

* الشيخ: المعتدون، ولَّا لا؟ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنحن الآن بقينا بالذين ظلموا، هل الساكتون ظلموا فيكون داخلين، أو أن الذين ظلموا هم الذين اعتدوا؟ إنما نحن الآن، أنا أتيقن من سياق الآية -والله أعلم- أن الذين سكتوا ما قلبوا قردة خاسئين.

* طالب: أخذوا بعذاب.

* الشيخ: أخذوا بعذاب بئيس، إنما أنهم قلبوا قردة، الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا في السبت فقط، الذين اعتدوا في السبت هم الذين قلبوا بلا شك، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾؛ ولهذا بعض العلماء يقول -كما قلتم أو كما قال الأخ-: إن الذين سكتوا عذبوا، ولكن يجب على هذا القول أن لا يقال: إنهم عذبوا بأن قلبوا قردة خاسئين؛ لأن الآيات صريحة في أن الذين قلبوا قردة الذين اعتدوا فقط، لكن أخذوا بأيش؟

* طالب: بعذاب.

* الشيخ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ما بينه الله، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، هذا إن دخلوا في لفظ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإن لم يدخلوا فيه، فلا أخذوا بعذاب بئيس؛ ولهذا لو قال قائل: إن السلامة أن تسكت عن الذين سكتوا وتقول: هم ثلاثة أصناف: صنف نجوا يقينًا، وصنف عذبوا يقينًا، وصنف لم يتبين لنا أمرهم. ولا شك من حيث القواعد -قواعد الشريعة الإسلامية-: أن هؤلاء الذين سكتوا إن كانوا مقرين لهم فهم مثلهم، كانوا مقرين ويصير وجه عدوانهم إقرارهم للمنكر، وإن كانوا غير مقرين لهم -وهو الظاهر- ولكنهم آيسون منهم، فإنه لا يلحقهم عذابهم، ولكن قد يعذبون بسبب أنه يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سواء امتثل المأمور وارتدع المنهي أو لا، هذا الواجب؛ ولهذا هؤلاء العقلاء الأكياس -جمع كَيِّس- ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وحقيقة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون، حتى وإن لم يأتمر المأمور ولم ينته المنتهي؛ لأن فيه فائدتين عظيمتين هما: المعذرة إلى الله عز وجل، والثاني: أنه يحتمل أن يتقوا الله، وأنا أقول أيضًا: فيه فائدة ثالثة وهي: أن يعرف أن هذا منكر، ولَّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: لأننا لو سكتنا قلنا: والله ما نقدر الآن إن نحن نعمل، ولو أمرنا ما امتثل لنا، معناه: إذا سكتنا جاء أناس بعدنا أو في عصرنا وقال: هذا الناس يفعلون أمام العلماء ما قالوا شيء، وكم من أمور الآن يحتج بها علينا وعلى غيرنا بأن العلماء كنا نفعله وفلان حي ولا يقول شيء، هذا واضح؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: إلى الآن، فيه في الحقيقة ثلاث فوائد: المعذرة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أن هذا منكر، والثالث: لعلهم يتقون.

* طالب: ويش المؤكدات ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؟

* الشيخ: فيه: اللام وقد.

* طالب: السبب؟

* الشيخ: يعني: السبب أنه أكده؟ السبب لأجل إقامة الحجة عليهم.

* الطالب: هم منكرين للحجة؟

* الشيخ: لا لا، سواء أقروا ولّا أنكروا، لكن فعلهم وإنكارهم للرسول ﷺ وتكذيبهم إياه فعل منكر؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾، فإذا كانوا عالمين بهؤلاء وأنهم أصيبوا بهذه المصيبة لعدوانهم، فما بالكم تعتدون الآن وتكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام وأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم.

* طالب: شيخ، ما هو الصواب؟

* الشيخ: أنا أتوقف فيه والله أعلم، الله أعلم، وإن حكمت فأنا أحكم أنهم أخذوا بعذاب بئيس لا أنهم قلبوا قردة.

* الطالب: ما يقال: الذين اعتدوا أن العذاب البئيس لهم أيضًا؟ قلبهم قردة عذاب لهم؟

* الشيخ: نعم نعم، أخذوا بعذاب بئيس وقلب القردة؛ لأنهم بلا شك هم داخلون في الذين ظلموا، الذين اعتدوا هم أول من يدخل في قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.

* طالب: العذاب البئيس ما يكون نفسه هنا قلب القردة؟

* الشيخ: لا، هذا منه، هذا من العذاب البئيس.

* طالب: (...) اليائسين كانوا قردة؟

* الشيخ: إيه؛ لأنهم قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وعقلًا ما راح أن أحد يقر إنسان ويرضى بفعله وهو يعلم أن فيهم.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...) أبدًا، تعرف أن فعل هذا الرجل سبب للهلاك وترضى به؟ ما يمكن.

* طالب: شيخ قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هذا صحيح (...)، لكن قوله حصر سبحانه وتعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، هذا ما هو واضح؟

* الشيخ: بس هو بالمفهوم.

* الطالب: مفهومه أن من لم ينهوا..

* الشيخ: أن من لم ينهوا لم ينجوا، ومفهوم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟

* الطالب: مجمل.

* الشيخ: مفهومه؟

* الطالب: مفهومه أن الذين لم يظلموا لم يؤخذوا بعذاب.

* الشيخ: هذا واحدة، ومفهوم ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾: أن من لم يعتد في السبت؟ لم يقلب قردة وخنازير، إذن عندنا قلب القردة ما يمكن يكون وارد على الساكتين، والإنجاء ما يمكن وارد على الساكتين أيضًا ولَّا لا؟

* الطالب: نعم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском