Ibn 'UthayminAn‑Nur · 24:12–18

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:12–18

24:12Page 351

لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢

Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?

ثم قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، ﴿لَوْلَا﴾ يقول المؤلف: (هَلَّا ﴿إِذْ﴾ حين ﴿سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ظن بعضهم ببعض ﴿خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ كذبٌ بَيِّنٌ، فيه التفات).

﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ يقول الشارح: (﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلَّا). فهي أداة تحضيض، وفيها شيء من التوبيخ، حيث ظنوا أمرًا لا ينبغي أن يكون، يعني هَلَّا إذ سمعتموه، أي سمعتم هذا الخبر الذي فَشَا ولا أصل له.

﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، أولًا: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ يقول المؤلف: (فيه التفات من الخطاب)، يعني إلى الظاهر، لولا إذ سمعتموه، ويش مقتضى السياق أن يقال؟ ظننتم بأنفسكم خيرًا، لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا، لكنه قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، فالتفت منين؟ من الخطاب إلى الظاهر، يعني من ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر، وقد مر علينا سابقًا أن للالتفات فائدتين على الأقل، ما هما؟

* طالب: تنبيه السائل.

* الشيخ: التنبيه، هذه واحدة.

* طالب: التحدي.

* الشيخ: لا، ما هو بدائم التحدي الفائدة الثانية يُعَيِّنها السياق، فالالتفات على كل حال فيه الفائدة المتيَقَّنَة المعيَّنة هي التنبيه، ليش؟ لأن مجرى الخطاب إذا اختلف، أيش يقتضي؟ يقتضي أن ينتبه الإنسان، ولهذا كان بعض الخطباء يغير الأسلوب، لا من خبر إلى إنشاء، أو من إنشاء إلى خبر، أو من استفهام إلى إثبات، وما أشبه ذلك، حتى في الصوت والإلقاء تجده يغير لأجل أن ينتبه؛ لأن الناس إذا خوطبوا على وتيرة واحدة في الخطاب يمكن يتوهون، لكن إذا تغير الأسلوب أو كيفية الأداء يحصل بذلك الانتباه، إذن فائدة الالتفات ما هي؟ التنبيه هذه فائدة معينة في كل التفات والفائدة الثانية؟

* طالب: يعينها السياق.

* الشيخ: الفائدة الثانية نقول: يعيِّنها السياق، ما نقدر نحدِّد أو نعيِّن هنا الآن، يعيِّنها السياق، إذن نشوف الفائدة الثانية هنا ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل: ظننتم، إشارة إلى أن ظنهم هذا يُخْرِجهم من الإيمان؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين ما ظنوا إلا الخير، ولم يقل: ظننتم خيرًا؛ لأنهم في ظنهم هذا الظن خرجوا من الإيمان، لكن ليس خروجًا مطلقًا إلا بعد نزول الآيات.

الفائدة الثانية بعد فائدة التنبيه، الإشارة إلى أنهم في ظنهم هذا ليسوا بمؤمنين؛ لأن المؤمنين لا يظنون إلا الخير، الفائدة الثانية أنه كان ينبغي عليهم أن يظنوا هذا الظن لأنهم مؤمنون، هم يقولون إنهم مؤمنون، وهم مؤمنون حقًّا، فكان ينبغي عليهم ويش أن يظنوا؟ أن يظنوا خيرًا، فعندنا الآن هم ظنوا ما ظنوا، فكانوا بذلك غير مؤمنين؛ إذ المؤمنون لا يظنون إلا خيرًا.

ثانيًا: كان ينبغي عليهم لإيمانهم أيش؟ أن يظنوا خيرًا.

وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾؛ لأن الواقع أن القضية بين ذكر وأنثى، كذا صفوان بن المعطل وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فهي من الجنسين، ولذلك قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾، نص على الجنسين؛ لأن القضية أو التهمة في الجنسين جميعًا؛ في صفوان، وهو من المؤمنين، وفي عائشة، وهي من المؤمنات، ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الذين هم بمنزلة صفوان، ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ اللاتي هن بمنزلة من؟ عائشة.

وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ هل معناه أني أنا أظن بنفسي خيرًا، وأن اتهام عائشة يكون الإنسان ظن بنفسه شرًّا، أو أن المراد بالأنفس هنا الجنس؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، والمعنى: ظنوا بأنفسهم، أي: ظنوا بصفوان وعائشة، بل وبالنبي عليه الصلاة والسلام خيرًا، فهل هذا المراد أو المراد الأول؟ أنتم فاهمون السؤال الآن؟ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ هل المراد ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أنفسهم هم، يعني بأعينهم، أو المراد ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بعائشة وصفوان والنبي ﷺ، وجعلهم الله أنفسًا؛ لأن المؤمنين كلهم كنفس واحدة، كما في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي المعنيين يراد؟

* طالب: الأخير.

* الشيخ: إي، الأخير واضح، إن المراد ظنُّوا أي بعضهم ببعض، كما قال المؤلف، يعني ظنوا بأنفسهم، أي: بهؤلاء المتهَمين كذبًا وزورًا خيرًا؛ لأنهم من أنفسهم، يعرفونهم ويعرفون أحوالهم، وهم إخوانهم في الإيمان، أو إن المعنى الذي أشرنا إليه: بأنفسهم هم، يعني: يظنون خيرًا بأنفسهم، وكأنهم لو اتُّهِمُوا بهذا الأمر وهم يعرفون أنفسهم، ويش يظنون بأنفسهم؟ خيرًا وبراءة، يعني: كما أنكم لا تتَّهِمون أنفسكم لو قيل فيكم ذلك، فالواجب كذلك أن تظنوا بعائشة وصفوان رضي الله عنهما، ففسرنا المراد بالأنفس يُراد بها نفس الظَّانّ.

وكيف يعني يَتَنَزَّل المعنى؟ المعنى: يظنون بأنفسهم خيرًا، أي: بأن هذا الأمر لو كان أمرًا متهَمين به لكانوا يعرفون أنفسهم، ولا يمكن أن يصدِّقوا بهذا الأمر؛ لأنهم يعرفون أنهم نزيهون منه وبريئون منه.

على كل حال المعنيان محتملان، وكلاهما له وجه صحيح؛ فعائشة وصفوان من أنفس المؤمنين؛ لأن المؤمن مع أخيه كنفس واحدة، والذي يظن بأم المؤمنين وصفوان خلاف ما ينبغي كأنما ظن في نفسه، يعني: فكما أنك تعرف في نفسك، ولا تظن فيها مثل هذا الظن، فكذلك يجب أن تعرف أم المؤمنين وصفوان، فلا تظن فيهما إلا ما تظن في نفسك، فكما أنك لا تظن في نفسك إلا خيرًا، كذلك لا تظن في أم المؤمنين وصفوان إلا خيرًا.

﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ﴿ظَنَّ﴾؛ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وفي هذا أنه يجب على المؤمن إبطال الباطل بقلبه، ويش بعد؟ وبلسانه، ما يكفي أنك تعتقد أن هذا ما هو بصحيح، بل يجب أن تبيِّن بطلان هذا الشيء؛ لأن من يعتقد أن هذا الأمر غير صحيح ويسكت، ويش موقفه؟ موقفه سلبي في الواقع، غاية ما هنالك أنه برَّأ نفسه، لكن الواجب أن يُبْطِل الباطل.

ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، أيش بعد؟ ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ لازم مِن ظنٍّ وقَوْل، ما يكفي أنك تعتقد أن ما قيل في عائشة وصفوان أنه إفك؛ بل يجب أن تقول، لماذا؟ لأجل أن نقابل هذا الباطل بالإبطال، وأما أن نسكت ونقول: والله احنا نبرأ إلى الله، ونقول: هذا ما هو صحيح أبدًا، ما يكفي هذا، لا بد أن نظن الخير، ويش بعد؟ ونُبْطِل، أيش نُبْطِل؟ الباطل.

﴿وَقَالُوا هَذَا﴾، ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ﴿ظَنَّ﴾، فهي داخلة في التحضيض، أي أن الله تعالى يقول: الواجب أن يظنوا الخير، أيش بعد؟ وأن يُبْطِلُوا (...).أبلغ في التوبيخ، فإنك إذا تحدثت لصاحبك بصيغة الغائب صار ألطف وأهون، وإذا أتيت بعد ذلك بصيغة الخطاب صار أبلغ، سواءٌ كان ذلك مدحًا أم ثناءً، فمن الثناء ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]، فأثنى على الله، المصلي أثنى على الله في الأول بصيغة الغائب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثم بصيغة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ المخاطب، كأنه بعد الثناء صار حاضرًا بين يدي ربه، فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.

إذن الالتفات هنا من الغيبة إلى الخطاب فائدته التنبيه وقوة التوبيخ؛ لأن الخطاب أبلغ، انظر إلى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣]، في الأول ﴿عَبَسَ﴾ للغائب، ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾؛ لأنه -النبي عليه الصلاة والسلام- كأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يخاطبه بهذا اللفظ: عبست وتوليت، بل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، حتى تَبَيَّن، ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ هذه مثلها.

المهم أنه إذا انْتُقِل من صيغة الغَيْبَة إلى صيغة الخطاب فله فائدة التنبيه، وزيادة فائدة أخرى تُسْتَفَاد من السياق.

﴿

24:13Page 351

لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣

Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.

No commentary for this ayah

24:14Page 351

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment

No commentary for this ayah

24:15Page 351

إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥

When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.

﴾﴿﴾﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ ، يعني أنه يرويه بعضكم عن بعض، تلقَّى الشيء بمعنى: استقبله وأخذه، فهم يتلقونه بألسنتهم، ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم، الفرق بين ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ و﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ التلقي أخْذُه من الغيب، تلقَّاه، مثل تلقِّي الجلَب، يعني استقبالهم، فالتلقي لاستقبال الكلام.

﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ذلك؛ لإلقاء الكلام إلى الغير، وفيه إشارة إلى أن هذا القول لا يصل إلى القلب، وإنما هو مجرد كلام باللسان، وذلك لتشكك كثير من الصحابة في هذا الخبر، وسبق أن جمهورهم وفضلاءهم أنكروه من أول الأمر.

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وفي هذا من التوبيخ ما فيه؛ أن يقول الإنسان بفمه، بأفواه جمع (فاه)، وهو الفم، تقول بفمك ما ليس لك به علم.

إذا قال قائل: أليس القول بالفم؟ لماذا قال: تقولون بأفواهكم، مع أن القول لا يكون إلا بالفم؟

* طالب: للفائدة التي ذكرت، يعني: لمجرد كلام وليس..

* الشيخ: أي: وليس مستقرًّا في نفوسهم، إي نعم، هذا هو؛ لأنه مجرد كلام باللسان وبالفم، ولكنه لم يستقر في القلب؛ لأنه ليس عن علم.

وقد يقال: إن هذا من باب التأكيد، كما في قوله: مشى برجله إلى فلان، تحقيقًا للمشي، يعني أنه قول محقَّق تقولونه قولًا صريحًا، وليس ذلك ظنًّا في النفس، فإن القول يُطْلَق على الظن، ومثله أيضًا: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]، فإن الطائر يطير بجناحيه، معلوم أن الطائر ما يطير إلا بجناحيه، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.

فعلى كل حال نقول: إن قوله: ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إما أن يراد به تحقيق القول، وأنه ليس مجرد ظن أو تخيل، بل يقولونه صراحةً بأفواههم، وإما أن يقال: إن هذا القول على مجرد الفم فقط، ولا يصل إلى قرارة النفس؛ لأنهم وإن كانوا يقولونه لكن كأنهم مُسْتَبْعِدُونَه مُسْتَرِيبُون في حقيقته.

وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما أكثر ما يقع هذا من الناس! يفيد أنه لا بد أن الإنسان لا يقول قولًا إلا وله به علم، ما يكفي أن تقول قولًا لمجرد الظن، ولا لمجرد الوهم أو التخيل، لا تقل -خصوصًا في الأمور الخطيرة- إلا فيما لك به علم، ولهذا قال الله عز وجل في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: لا تتبعه، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]، فأنت مسؤول عن سمعك وبصرك وقلبك اللي هو محل الظن والاعتقاد.

إذن لا تقل ما ليس لك به علم، لا تتبع ما ليس لك به علم، فلا بد من أن يكون الإنسان على علم، وهذه تربية من الله عز وجل، تفيد أن الإنسان يتثبَّت فيما يقول؛ ليكون قوله معتَبَرًا، وليسلم من إثم القول بلا علم، لا سيما إذا كان القول على الله؛ فإنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، أو كان القول في مثل هذه الأمور الخطيرة التي فيها القدح بالنبي ﷺ، وآل بيته، وأصحابه، وبالتالي القدح في الدين؛ لأنه إذا قدح في الرسول الذي جاء به فهو قدح في نفس الدين الذي أتى به هذا الرسول (...) فيه.

قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: لا إثم فيه، ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الإثم، في هذه الجملة من تعظيم هذا الأمر ما فيه، يعني: تحسبون أن القول في هذا الأمر هينًا، وأنها كلمات تقال وتُنْقَل، لكنه عند الله عظيم، ويتعاظم كلما كان الإنسان المقُول فيه أبعد عما قيل فيه.

ولهذا قَذْف المحصَن فيه الحد، وقَذْف غير المحصَن فيه التعزير، يعني لو قذف إنسانًا متهمًا بالزنا وليس عفيفًا عُزِّر فقط، ولو قذف إنسانًا معروفًا بالعفة وجب فيه الحد كاملًا، ولهذا قال: ﴿تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.

وقلنا: إنه يتعاظم بحسب إيش؟ حال المقذوف المتكلَم فيه، وكذلك إذا لم يكن الكلام قذفًا يكون أعظم بحسب حال القول، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، فأعظم الكذب الكذب على الله، ثم على رسوله ﷺ، وهكذا يتعاظم الكذب بحسب من نُمِيَ إليه الكلام.

24:16Page 351

وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦

And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾، هو للتعجب، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب، ﴿عَظِيمٌ﴾.

﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هَلَّا، وهي للتحضيض الْمُشْرَب بالتوبيخ.

﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ويش الضمير اللي يعود عليه؟ على الإفك، ﴿قُلْتُمْ﴾ هذه جواب ﴿لَوْلَا﴾.

﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾، ﴿مَا يَكُونُ﴾ يقول المؤلف: (ما ينبغي لنا)، واعلم أن كلمة (ما يكون)، وكلمة (ما ينبغي) تأتي للشيء الممتَنِع، عندما نعبِّر في كتب الفقه: (ولا ينبغي أن يفعل كذا وكذا)، أيش المراد؟ أن ذلك ليس بمستحَب فقط.

لكن عندما تأتي (ما ينبغي) في كلام الله وكلام الرسول ﷺ، إنما يراد بها الممتَنِع غاية الامتناع، الذي لا يصح ولا يليق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢]، أيش ما ينبغي يعني؟ يعني: يمتنع غاية الامتناع، ولا يليق ولا يصح.

وكما في قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، أيش معنى «لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»؟ أنه ممتنع، لا يليق ولا يصح أن ينام سبحانه وتعالى؛ لكمال حياته.

على كل حال ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ﴾ يعني: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، ولا يصح منا أن نتكلم بهذا، لماذا؟ (...)

لأنه أيش؟

* طالب: ممتنع.

* الشيخ: لماذا هو ممتنع؟ لأنه لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل النبي ﷺ، لا يمكن أبدًا، يمتنع حسب ما تقتضي حكمة الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل الرسول ﷺ؛ لما في ذلك من الأمر الذي لا يليق بحكمة الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾؛ لخطورة الأمر وعظمه (...).

وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هو للتعجب هنا، هذا ليس بصحيح أنه للتعجب، ولكنه للتنزيه البالغ، يعني: نُنَزِّهك يا ربنا أن يقع هذا من أهل بيت رسولك ﷺ، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني: تَنْزيهًا لك عما لا يليق بك، ومنه أن يقع مثل هذا من أهل النبي ﷺ.

فكلمة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ في هذا الموضع من أحسن ما يكون، بل هي أحسن ما يكون في الحقيقة، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ليش؟ لأن ذلك ينافي تنزيهك، ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي: سبحانك أن يقع هذا من أهل بيت نبيك ﷺ، وليس للتعجب أنهم يتعجبون مما قيل، لا، بل إنهم يُنَزِّهون الله سبحانه وتعالى عما نُسِب إلى أهله، يعني: تنزيهًا لك يا ربنا أن يقع مثل هذا في بيت رسولك ﷺ، فهذا التنزيه في هذا المقام من أحسن ما يكون، بل هو أحسن ما يكون.

﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب ﴿عَظِيمٌ﴾، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب؛ لأنه خلاف ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وعظيم، ليش وُصِف بالعِظَم؟ المقام يا جماعة، أيش مقامه؟ في أهل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، أي بهتان أعظم من بهتان يكون فيه القدح بالنبي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته وأصحابه.

﴿عَظِيمٌ﴾ واضح عِظَمه، لو كان هذا قذفًا لفلان، أو لفلان، أو لفلان، صار عظيمًا، لكن ليس كعِظَم هذا، ليس كعِظَم ما نُسِب لأهل الرسول ﷺ، فلذلك وُصِف بالعِظَم؛ لأن محله؟

* طالب: قذف (...).

* الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾: ينهاكم، ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أو إنا أسقطنا جملة من قبل في الشرح، وهي قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، قال: (حُذِف من الفعل إحدى التاءين) أصله: إذ تتلقونه بألسنتكم، ولا يمكن أن نقول: إن (تَلَقَّى) هنا فعل ماضٍ، ما يمكن أن نقول: إنها فعل ماضٍ، ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤]، ممكن أن يقال فيها: فعل ماضٍ، لكنها فعل مضارع، هي أصلًا (تتلظى)، لكن هنا هل يمكن أن نجعل (تلقى)؛ لأن (تلقى) فعل ماضٍ، لو جاءت مجرَّدة: تلقيت الحديث، ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ يمكن هنا نجعلها فعلًا ماضيًا ولَّا ما يمكن؟

* طالب: لا يمكن.

* الشيخ: لا يمكن، لماذا؟

* طالب: لأن (إذ) لما يُسْتَقْبَل.

* الشيخ: لا؛ لأن (إذ) للتعريف هنا.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: لأنه قال بعدها: ﴿وَتَقُولُونَ﴾.

* الشيخ: لا، أصلها الفعل الماضي ما تأتي فيه الواو والنون، تأتي فيه الواو صحيح (تلقوا)، لكن ما تأتي النون؛ لأن النون من الأفعال الخمسة؛ المضارع، وهنا فيها نون ولَّا لا؟ تلقون ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾، فإذن هنا لا يجوز أن تكون فعلًا ماضيًا، فيقينًا أنه حُذِفَ منها إحدى التاءين.

ثم قال المؤلف: (و(إذ) منصوب بـ(مسكم) أو (أفضتم))، وهنا: (لمسكم إذ تلقونه) أو: (أفضتم إذ تلقونه)، ويُستَفَاد من كلام المؤلف أن (إذ) هنا اسم، وقد مر علينا أن كثيرًا من الْمُعْرِبين يجعلون (إذ) التعليلية يجعلونها حرفًا لا اسمًا؛ لأن المعنى: من أجل كذا.

قال الله عز وجل:..

* طالب: (...) ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.

* الشيخ: إي نعم، يعني: ما يصل إلى قلوبكم، غاية ما هنالك أنه يصل إلى اللسان وتنطقون به.

* الطالب: الباء؟

* الشيخ: الباء هذه للتعدية، وأصل التلقي يكون بالسمع في الحقيقة، تلقِّي الكلام بالسمع، لكن على أساس أنه بمجرد ما يتلقاه يُفِيض به، يقوله، هذا السبب.

24:17Page 351

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧

Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.

قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الوعظ يقول المؤلف: (ينهاكم الله أن تعودوا)، والأمر والنهي موعظة؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨]، فجعل الأمر موعظة؛ لأن الإنسان يتعظ بها، هكذا هنا.

﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحذِّركم بالموعظة، والتحذير متضمِّن للنهي، وعلى هذا فيجب أن نعرف أن قول المؤلف: (ينهاكم) ليس تفسيرًا لها بمقتضى اللفظ، ولكن بما يدل عليه المعنى، وإلا فالموعظة التحذير بما يُلِين القلب تخويفًا أو ترغيبًا، فمعنى ﴿يَعِظُكُمُ﴾ أي: يُحَذِّركم الله سبحانه وتعالى.

﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ يعني: من أن تعودوا ترجعوا لمثله، ﴿أَبَدًا﴾ يعني: ما دمتم أحياء.

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هل هي شرط للموعظة: ليعظكم أو لا، أو جملة مستقلة، والتقدير: إن كنتم مؤمنين فاتعظوا بذلك؟ يقول المؤلف: (إن كنتم مؤمنين) ويش بعد؟ (تتعظون بذلك)، هذه الجملة في الحقيقة إن قلت: إنها شرط في قوله: ﴿يَعِظُكُمُ﴾؛ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يجب أن يؤول الموعظة هنا بالموعظة النافعة، لا بمجرد ذكر الموعظة؛ لأن الموعظة لا تنفع إلا بشرط الإيمان.

وأما إذا قلنا: إن الموعظة بيان ما يَتَّعِظ به المرء، فليس الإيمان شرطًا في ذلك، فإن موعظة الله مُلْقَاة لكل أحد، سواء كان مؤمنًا أم غير مؤمن، ولكن لا ينتفع بها إلا المؤمن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ هذا عام، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧].

فالحاصل أن نقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن كانت قيدًا في قوله: ﴿يَعِظُكُمُ﴾، فالمراد بالموعظة الموعظة النافعة؛ فإنها هي التي تنفع المؤمن.

وإن كانت الموعظة إلقاء ما به الوعظ للناس، سواءٌ انتفعوا أو لم ينتفعوا، فإن قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مستقلة، وجوابها محذوف، أي: إن كنتم مؤمنين فاتَّعِظوا بما وعظكم الله به.

وفيه إشارة إلى أنه لا ينتفع بالموعظة إلَّا المؤمنين، على كلا الاحتمالين هي إشارة واضحة على أنه لا ينتفع بموعظة الله إلا المؤمن، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع.

24:18Page 351

وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨

And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.

ثم قال الله تعالى: (﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، في الأمر والنهي، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يأمر به وينهى عنه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه).

﴿يُبَيِّنُ﴾ بمعنى: يُظْهِر، و﴿الْآيَاتِ﴾ بمعنى العلامات الدالة عليه سبحانه وتعالى، وقد مر علينا أن الآيات تنقسم..؟

* طالب: الآيات تنقسم إلى قسمين: الآيات الكونية؛ وهذه (...) كلها، والآيات الشرعية (...) وهي القرآن.

* الشيخ: ما تضمنه وحيه المنزل على رسله، سواء القرآن أو غير القرآن، فالآيات الكونية هي ما خلقه الله في الكون وقدَّره، وهذه ظاهرة للمؤمنين وغيرهم، حتى المؤمنون يعرفون أن هذه آيات ما يستطيع البشر أن يفعل مثلها، وآيات شرعية لا تتبين وتظهر إلا للمؤمنين، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أيش فيه؟ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤]، فالآيات الشرعية التي تضمنها وحيه المنزَّل على رسله لا يستفيد منها إلا المؤمن، أما الكافر -والعياذ بالله- فإنه يزداد بها رِجْسًا إلى رِجْسه، ويموت على كفر.

الآيات الكونية حتى غير المؤمنين بالله سبحانه وتعالى، يعني غير المنقادين والْمُذْعِنين لشرائعه يؤمنون بأن مثل هذه الأمور لا يمكن لبشر أن يأتي بها على اختلاف مشاربهم.

لهذا نقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُظْهِرها حتى تتبين، ولا فرق في ذلك بين الآيات الكونية والآيات الشرعية، ولهذا لما خسفت الشمس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ماذا قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١ / ٣) من حديث عائشة.]]، حتى خسوفهما من آيات الله؛ لأنه لو أن البشر كلهم اجتمعوا على أن يكسفوا الشمس، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون.

فإذن هو من آيات الله؛ لأن الآية معناها هو ما يدل على ما كانت آية لهم، بمعنى أنها لا يمكن أن يأتي بها أحد سوى من كانت آية لهم.

وقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، قول الشارح أو المفسر: (في الأمر والنهي) كأنه حملها على الآيات الشرعية، والحقيقة أنها شاملة للآيات الشرعية والآيات الكونية.

وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم واسع شامل فيما يتعلق بفعله، وفيما يتعلق بفعل المخلوقين، والله سبحانه وتعالى عليم بما كان، وما سيكون من فعله ومن فعل المخلوقين،

و﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من أين؟

* طالب: من الحِكْمة والحُكْم.

* الشيخ: من الحِكْمة والحُكْم، صحيح، وسبق لنا أن الحكمة تكون في..؟ هذا هو المطلوب.

* طالب: الحكمة على نوعين..

* الشيخ: لا، موضعها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، موضع الحكمة، الشرع والقَدَر، تكون أولًا في الشرع والقدَر، فكل ما شرعه الله فإنه مطابق للحكمة، وفي القدَر كل ما خلقه الله فهو مطابق للحكمة، فمحلها إذن الشرع والقدَر، أما هي الحكمة نفسها فهي على ثلاثة أشياء في أيش؟

* طلبة: في الإيجاد، والصورة، والغاية.

* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية، فإيجاد الشيء حكمة، لولا أن الحكمة في وجوده ما وُجِد، وكونه على هذا الشكل المعيَّن أو بهذه الصورة المعيَّنة هو أيضًا حكمة، والغاية منه أيضًا حكمة، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥].

إذا ضربنا اثنين في ثلاثة كم تكون؟ الشرع والقدَر، وكل منها إما في الإيجاد، أو في الصورة، أو في الغاية، تكون الجميع ستة، أما الحُكم فإنه ينقسم أيضًا إلى قسمين: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني؟

* طالب: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾.

* الشيخ: الكوني، هذا كوني؟ لأن هذا لاحظ أنه ذُكِر بعد أن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، أيش يصير هذا؟ شرعي؛ لأن الأمور هذه اللي سبقت كلها تشريعات، هذا مثال للشرعي، مثال الكوني؟

* طالب: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾.

* الشيخ: إي، قول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠].

إذا كان الحكم كونيًّا أو شرعيًّا كله مطابق للحكمة، فهل يلزم أن نعرف هذه الحكمة، ولَّا ما يلزم؟

* طلبة: لا يلزم.

* الشيخ: لا يلزم، لكن يجب علينا أن نؤمن بأنه ما من شيء أوجده الله أو شرعه إلا وله حكمة، لكننا لقصورنا يخفى علينا كثير من هذه الحكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском