Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:25–26
24:25Page 352
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
قال الله تعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ يجازيهم جزاء الواجب عليهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] حيث حقق لهم جزاءهم الذي كانوا يشكون فيه، ومنهم عبد الله بن أُبَيٍّ، والمحصنات هنا أزواج النبي ﷺ، لم يذكر في قذفهن توبة، ومن ذُكر في قذفهن أول السورة التوبة غيرهن).
يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ بمعنى يعطيهم وافيًا، تقول: وفيته حقه؛ أي أعطيته إياه وافيًا. وقوله: ﴿دِينَهُمُ﴾ أي جزاءهم، والدين -كما أسلفنا كثيرًا- يُطلَق على العمل وعلى جزاء العمل، فمن إطلاق الدين على العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] المراد: جزاءكم ولَّا لا؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني جزاءكم؟ لا، وإن المراد العمل الذي تدينون الله به.
ومثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] أيش المراد؟ الجزاء، فالدين إذن يطلق ويراد به العمل، والجزاء على العمل، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني كما تعمل تجازى.
فإذن ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: جزاء عملهم.
وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى العدل؛ وذلك لأن الحق إن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، وإن قيل في مقابلة الحكم -سواء كان حكم تفسيريًّا أم جزائيًّا- فمعناه العدل، هنا قيل في مقابلة حكم جزائي، وعليه فيكون المراد بالحق يعني العدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور، وهكذا جزاء الله سبحانه وتعالى يكون دائمًا حقًّا، يعني عدلًا ليس فيه جور.
أليس جزاء الله تعالى للحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هل ينافي الآية هذه ولَّا لا؟ الجواب: لا ينافيها؛ لأن هذا عدل وزيادة، كون الله يجازي العامل أكثر من عمله هذا عدل وزيادة، لكن كون الإنسان الذي يجازي غيره على عمل خير فيعاقبه بأكثر مما يستحق، هذا جور ولَّا لا؟ جور، فالله تعالى منزَّه عن هذا، عن الأخير؛ لأنه جور، لكن الأول فضل من الله، فالله سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم.
﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ في هذه الجملة مؤكدان، وإن شئنا قلنا: ثلاثة مؤكدات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (أن) وضمير الفصل، هذه اثنين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الجملة هذه، من يعرف؟ المؤكد الثالث؟
* طالب: اللام.
* الشيخ: وينها اللام؟ فيها لام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه (أل) للتعريف.
* طالب: (...) يعلمون.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا ما هي اسمية، (...) الجملة مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، وكون المبتدأ والخبر معرفة هذا يفيد التوكيد والحصر أيضًا، يفيد التوكيد والحصر، إذن فالله تعالى هو الحق، مؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة، ويش معنى كون الله حقًّا؟ أولًا: وجوده حق، ما يستحقه من الحقوق حق، كالعبادة مثلًا، فهو الإله الحق، ما صدر عنه من خبر أو حكم فهو حق، إذن فهو الحق في ذاته وجودًا واستحقاقًا، وكذلك أحكامًا، فهو سبحانه وتعالى موجود حقًّا، وهو المستحق لما يختص به حقًّا، ما يشاركه أحد فيه، وهو سبحانه وتعالى الذي لا يصدر عنه إلا حق، يعني أحكامه وأفعاله كلها حق.
إذن وجه الأحقية لله عز وجل من وجوه ثلاثة:
أولًا: في وجوده؛ فإن وجوده حق، وهو أحق الأشياء وجودًا، ولهذا جميع الفطر السليمة تشهد به، وكذلك العقول الصريحة، يعني الخالصة عن الشبهات والشهوات تشهد به، وكذلك أيضًا ما يصدر عنه فهو حق، ما يصدر عنه من خبر أو حكم، فما أخبر به فهو حق، وما حكم به فهو حق، سواء كان الأحكام هذه تشريعية وهو ما يشرعه للعباد، أو جزائية وهو ما يجازي به العباد، وأيش المعنى الثالث؟
* طالب: ما يستحقه من العبادة.
* الشيخ: ما يستحقه أيضًا، ما يستحقه فهو حق، يعني كون الله يختص بأشياء لا يشاركه فيها غيره هذا أيضًا حق، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان ٣٠]. إذن فالحق في جانب الله سبحانه وتعالى يكون على الوجوه التالية: الوجود، والاستحقاق، وما يصدر عنه، الوجود والاستحقاق والصادر عنه، مفهوم؟ فوجوده حق، وما يستحقه من الأمور حق، يعني من كمال الصفات والعبادة وغير ذلك، والثالث: ما صدر عنه تبارك وتعالى فهو الحق، من خبر أو حكم، والحكم سواء كان جزائيًّا أو تشريعيًّا.
طيب ما نقول: أو قدريًّا؟ لأن الأحكام القدرية أيضا تعتبر حكمًا، مثلما قلنا: إن الحكم قسمان: كوني وقدري، وفي الحقيقة أنه نعم لا بد أن يضاف؛ لأن ما يصدر عنه من أحكام جزائية أو كونية أو تشريعية فهي حق.
* طالب: القدرية هي الكونية؟
* الشيخ: القدرية هي الكونية، نعم.
﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، وقوله: ﴿الْمُبِينُ﴾ من (أبان)، يعني من الفعل الرباعي، وأبان بمعنى أظهر ولَّا بمعنى ظهر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تصلح، أبان الفعل الرباعي هذا قالوا: إنه يستعمل متعديًا ولازمًا، يستعمل لازمًا بمعنى (بان)، ومتعديًا بمعنى (بان) أي ظهر.
طيب هنا ﴿الْمُبِينُ﴾ هل المعنى البَيِّن الأحقية أو المعنى الذي أبان لخلقه أنه حق؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: أو كلاهما، أم كلاهما، الواقع أن الله تعالى بين الأحقية وقد أبان لعباده كونه حقًّا.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] أيش معنى ﴿مُبِينٌ﴾؟ بَيِّن ولَّا مبين بمعنى مُظْهِر؟
* طالب: بيِّن.
* طالب آخر: بمعنى بين.
* الشيخ: القرآن بَيِّن ولَّا مُبِين؟
* طلبة: بَيِّن.
* طلبة: كلاهما.
* الشيخ: أو بَيِّنٌ ومُبِين في الحقيقة، لكن المبين هنا أظهر؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠].
في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى (مبين)؟ بَيِّنٌ، هذه بمعنى بَيّن، والحاصل أن كلمة (مُبِين) تستعمل من المتعدي واللازم، لأن هي أصلها فعل رباعي، (أبان) تستعمل لازمًا ومتعديًا، فإن كان لازمًا فهي بمعنى بَيِّن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وإن كانت من المتعدي فهي بمعنى مظهر للشيء مبينه، أبنته بمعنى أظهرته حتى بان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، أي: مظهر؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس ٧٠]، وكذلك أيضًا ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، بمعنى مظهر، وإن كان من لازم أنه إذا كان مظهرًا فهو ظاهر في نفسه، فالمُبِين بمعنى المظهر، لا بد أن يكون بينًا بنفسه وإلا لما أظهر.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هذه الآية هل تنزلها على المبين اللازم ولَّا المبين المتعدي؟
* طلبة: كلاهما.
* الشيخ: على كليهما في الحقيقة؛ لأن الله تعالى بيّن الحق، بيّن الأحقية، ومُبِين ذلك لعباده، كيف أبان لعباده أنه الحق؟ أولًا: بما ركب فيهم من الفِطَر والعقول، الفطر السليمة والعقول، ولهذا دائمًا يحيل الله سبحانه وتعالى هذه الأمور إلى العقل، فيقول: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، دليل على أن العقل مرجع، لكن المراد بالعقل العقل السليم الذي ليس فيه شبهات وليس فيه شهوات، وأما العقل الذي استولت عليه الشبهات أو الشهوات فهذا عقل فاسد، لا يحكم بشيء.
أيضًا أبان الحق تبارك وتعالى بغير العقل، بالفطرة، فإن الفطرة السليمة تشهد بالحق، وأبان العقل بالوحي الذي أرسل به الرسل، فتكون إبانة الله تعالى للحق بهذه الطرق الثلاثة: أيش هي؟ العقل والفطرة والوحي، كل هذه الطرق الثلاث يتبين بها الحق، ولذلك يضرب الله الأمثال للناس، لماذا؟ لأجل أنهم يعتذرون، المورد والمضرب، مورد المثل ومضربه، فيعتذرون بهذا على هذا، والله أعلم.
* طالب: (...) يقول الله تعالى: (...).
* الشيخ: اقرأ اللي بعدها، اقرأ الآية اللي نسيتها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم (...)، المراد بالختم على الأفواه بحيث لا ينكرون، ولا ينافي أن تشهد الألسن بما يرى في مرادها، مفهوم؟ أو يقال: إن القيامة مواقف؛ لأن القيامة خمسون ألف سنة، فتارة كذا، وتارة كذا، مثلما جمع ابن عباس[[أخرجه مجاهد في التفسير (١ / ٦٩٢).]] رضي الله عنه بهذا بين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، كذا ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ يعني كل شيء (...)، وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] وهذا جحود ولَّا لا؟ هذا جحود، فكيف نجمع بين الآيتين؟ أن نقول: إن القيامة مواقف، وهكذا أيضًا جمع بعض العلماء بين قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، هاهنا سواد وهناك زرقة، منهم من قال: إن هذا باعتبار مواقف القيامة، ومنهم من قال: إن الزرقة في العيون والسواد في الوجوه، ومنهم من قال: إن الناس يختلفون، الكفار منهم أزرق ومنهم أسود.
على كل حال إنما قصدي أن أهل العلم رحمهم الله لجؤوا إلى الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة ليس ساعة واحدة حتى تتعارض فيه الآيات، يوم القيامة خمسون ألف سنة تختلف الأحوال فيه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا المراد، يعني يدافع عنهم، ولكن (...)، يصير اللسان لسانين: لسان شاهد موافق للجوارح، وهو المقصود بهذه الآية، ولسان آخر منكر، وهو الموافق لمراد صاحبه، التفسير: كأنه لو أنكر الإنسان باللسان الذي يتابعه بإرادته نفس اللسان يشهد عليه، والحكمة هنا والله أعلم من ذكر اللسان لأن القذف إنما حصل به، ولهذا قدمه على الأيدي والأرجل.
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]
من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الأشياء متناسبة متشاكلة، كل شيء وما يناسبه في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، كما قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٢٢]، ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يعنى أشكالهم ونظراءهم، فكل شيء من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعله يشاكل الآخر ويميل إليه. من جملة هذه القاعدة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى بعد ذكر ما تقدم من قصة الإفك وما جرى من هؤلاء الذين أرادوا أن يدنسوا فراش رسول لله ﷺ ويطعنوا في أهله وفي أصحابه كما مر علينا، ومن المعلوم أن أطيب الطيبين من الخلق هو النبي ﷺ، فلا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل تحته امرأة خبيثة، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ومن الكلمات ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ مما ذُكِر، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ مما ذُكر ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ منهم ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ مما ذُكِر، أي: اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله).
قال: (﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء والكلمات ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ ) بمعنى أن الخبيث يكون عنده خبيثة، ولا يمكن أن تكون الطيبة عند الخبيث، وكذلك لا يمكن أن تكون خبيثة عند طيب، مثال الأخير مثلا قضية الإفك، لو فُرِض أن عائشة رضي الله عنها حصل منها ما رُمِيَت به لكانت خبيثة تحت طيب، وهذا لا يمكن؛ لأن الخبيثات لمن؟ للخبيثين ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾.
وقوله: (من النساء ومن الكلمات) من النساء واضح، ومن الكلمات يعني كذلك أيضًا لا يُوصَف بالكلمات الخبيثة ولا يستحق أن يوصف بها إلا من كان خبيثًا، فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لا يمكن أن توصف بما وصفت به لأنها طيبة، ولا يليق بالطيب إلا الطيب من الكلمات، وهكذا أيضًا ﴿الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ يعني كذلك أيضًا لو أن شخصًا رمى رجلًا عند امرأة طيبة، رماه بالزنا، لقلنا: هذا أيضًا لا يمكن؛ لأنه ما يمكن خبيث إلا لخبيثة؛ لأن هذه هي حكمة الله عز وجل، ولهذا من جملة هذه المسألة؛ القاعدة العامة: صارت المراحيض ومواضع الأذى مأوى لمن؟ للشياطين، والمساجد والأماكن الطيبة مأوى للملائكة. بل نزيد على ذلك نقول: النفس الطيبة يقترن بها الطيب، تؤيدها الملائكة، والنفس الخبيثة يقترن بها الخبيث. يعنى مثلًا الإنسان السيئ الزائغ يُسلَّط عليه قرينه حتى يكون مصاحبًا له على وجه يغويه ويضله، والنفس الطيبة يعِينها الله سبحانه وتعالى على قرينها حتى يسلم، وحتى لا يأمرها بشر، كل هذا بناء على هذه القاعدة التي هي موافقة لحكمة الله عز وجل.
﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ من النساء ومن الكلمات أيضًا.
على وجه يغويه ويضله، والنفس الطيبة يعينها الله سبحانه وتعالى على قرينها حتى يُسلم، وحتى لا يأمرها بالشر، كل هذا بناءً على هذه القاعدة التي هي موافقة لحكمة الله عز وجل.
﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور ٢٦]، ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ منين؟ من النساء ومن الكلمات أيضًا. ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ يعني معناه: ما يليق بهم إلا هذا؛ لا يليق بالطيب إلا الكلمات الطيبة والنساء الطيبات.
ولهذا كان الله سبحانه وتعالى طيبًا لا يقبل إلا طيبًا[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]، لو تصدق إنسان بمال كثير من كسب حرام يقبله الله ولّا لا؟ ما يقبله؛ لأنه خبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وتأمل هذه القاعدة العامة تجدها في كل شيء، على أن الطيب يناسبه طيب، والخبيث يناسبه خبيث.
* طالب: شيخ ما حصل للصحابة من (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن في هذه الحال ما يثبت أنها خبيثة، وإذا ثبت فهذا شيء نادر، هذا شيء نادر يعتبر ولّا كما مر علينا أنه في مسألة اللعان إذا لاعن الزوج ثبت الحد، حتى وإن لم يأت بأربعة شهداء؛ لأن الله جعل قذفه المرأة شهادة خلاف غيره، هذا إن ثبت فهو نادر، وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نعرف أن الأمور والقاعدة العامة والكليات العامة هذه ما ينقضها فرد من أفرادها؛ لأنه قد يكون الأسباب موجودة لكن يوجد موانع، لكن يوجد موانع تمنع هذا السبب، مثلما يرد علينا كثيرًا أن الشارع جعل هذا سببًا لهذا، ثم نجده يتخلف، لماذا؟ لوجود مانع أقوى من السبب. وكما هو أيضًا في الأحكام الشرعية تكون أسباب الصحة موجودة وأسباب الاستحقاق موجودة، ثم يوجد مانع من الموانع، نعم هذا الشيء كثير جدًّا مضطرد في الأحكام والأخبار والقواعد العامة وغيرها.
* طالب: هذه الآية تحكي الواقع (...).
* الشيخ: أيها، لا، هذه الآية بتحكي الواقع، وتتضمن الأمر؛ لأنك إذا عكست الأمر الذي جعلها الله سنة له فقد عصيت.
قال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ﴾ (الطيبون والطيبات، ومنهم عائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهما ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: الخبيثون والخبيثات من النساء فيهم ﴿لَهُم﴾ للطيبين والطيبات ﴿مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة).
﴿أُولَئِكَ﴾: الإشارة إلى من؟ لأقرب مذكور، وهم الطيبات والطيبون.
﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: أي: مبرؤون مما يقال فيهم.
ومثَّل المؤلف بعائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل الذي رُمي بها، وقد سبق في القصة، وهكذا أيضًا نقول: عائشة ورسول الله ﷺ، فإنه كما أشرنا سابقًا: قصة الإفك ليست طعنًا في عائشة وصفوان فقط، بل هي طعن في عائشة وصفوان والنبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر.
كل هذا لا شك أنه يتضمنه هذا القول الخبيث، فهؤلاء الطيبون ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: مما يقول فيهم هؤلاء الخبيثون.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الطيبين، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ في جانب الذنوب، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في جانب الطاعات، مفهوم؟ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ على طاعاتهم.
وإنما جعلناها هكذا مقسمة لأن الذنب ويش يناسبه؟ المغفرة، والأعمال الصالحة يناسبها الرزق الكريم؛ لأن من فعل حسنة جوزي بعشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
فتبين بهذا أنه حصل لهؤلاء الذين قيل فيهم ما قيل، حصل لهم بذلك تكفير سيئات ومغفرة ذنوب، وكذلك رفعة درجات، وها هي أيضًا فرد من أفراد القاعدة العامة: أنه ما من إنسان يصيبه هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله عنه بذلك، حتى الشوكة إذا أصابته يكفر الله بها عنه، لكن هل يرفع له بها درجات ولّا لا؟ يعني هذه الأشياء المؤذية من هم وغم وأذى حسي وغير ذلك، هي تكفر الخطايا، لكن هل يرفع الله بها الدرجات؟
* طالب: (...) إذا صبر.
* الشيخ: إذا صبر، إي نعم. إذا اقترن بها الصبر صار له مع تكفير السيئات زيادة حسنات، وإلا صارت تكفيرًا لسيئاته، ووجه ذلك: أن هذه المصائب التي تصيبه هل هي باختياره؟ لا، ليست باختياره، إذن هي عقوبات من الله عز وجل يكفر الله بها خطايا عنه، ولا يجمع له عقوبتين، لكن إذا صبر حصل منه فعل، وحينئذ يثاب عليه.
هذا هو التحقيق في هذه المسألة: أن المصائب التي تصيب الإنسان لا يؤجر عليها فقط، وإنما تكفَّر بها الخطايا، ثم إن قارنها الصبر، أو أعلى من ذلك الرضا، فإنه حينئذ يثاب مع التكفير.
طيب، هنا: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ نشوف الآن، هؤلاء في الحقيقة تصيبهم مصيبة عظيمة، صبروا ولّا ما صبروا؟
* طلبة: صبروا.
* الشيخ: لا شك أنهم صبروا حتى فرج الله عنهم، وأزال عنهم هذه الغمة، ففي مقابلة ما أصيبوا به من الأذى في هذه القضية حصلت لهم المغفرة، وفي مقابلة الصبر حصل لهم الرزق الكريم.
والكريم إذا قيل: الرزق، ليس مثلًا ذا شعور حتى يوصف بالكرم، يعني (...) مثلًا يقال: هذا الرجل كريم؛ لأنه يعطي، يعني له إرادة يتكرم على الناس بالعطاء. لكن كيف يوصف ما لا إرادة له بالكرم؟
نقول: المراد بالكرم فيما لا إرادة له أيش المراد به؟ الطيب الحسن؛ لقول النبي ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[أخرجه البخاري (١٤٩٦) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]. كرائم: جمع كريمة.
إذن فالرزق الكريم هو الطيب الحسن، ويشمل ذلك الكثير مثلًا؛ لأنه من الطِّيب والحُسن.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) هذه فيها لوم عليهم.
* وفي هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: الحكمة العظيمة الثابتة لله عز وجل شرعًا وقدرًا؛ فإن هذه الجمل والقواعد شرعية وقدرية، فالله تعالى جعل من الناحية القدرية، جعل لكل شيء ما يناسبه، كذلك من الناحية الشرعية ينبغي أيضًا أن ننزل الناس منازلهم، فالخبيث له خبثه، والطيب له طيبه.
* فهذا يستفاد منه: بيان حكمة الله تعالى شرعًا، أيش بعد؟ وقدرًا، شرعًا وقدرًا.
* الشيء الثاني مما يستفاد منه: أنه يجب على الإنسان أن ينَزّل الناس منازلهم، يجب أن ينزل الناس منازلهم؛ فلا يصف الطيب بالخبث، ولا الخبيث بالطيب؛ لأن في ذلك معاكسة للقدر وللشرع أيضًا، كما أنه يتضمن مفاسد عندما تصف شخصًا خبيثًا بطيب، ويش معنى ذلك؟ أنك رفعت عنه الوصف كذبًا وزورًا، ثم إنك أيضًا خدعت الناس به.
والإنسان مثلًا الطيب يوصف بالطيب، والخبيث يوصف بالخبث، ولا يجوز للإنسان أن يتعدى ذلك؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلى آخره.
* وفي هذا أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يبرئ أهل الرجل الطيب العفيف، يبرئهم من الخبث؛ بأن الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات، وقد جاء في الحديث: «مَنْ زَنَى زَنَى أَهْلُهُ، وَمَنْ عَفَّ عَفَّ أَهْلُهُ»، وهذه من حكمة الله عز وجل؛ أنه كلما كان الإنسان طيبًا طاهرًا نظيفًا فإن الله تعالى يهيئ له أهلًا بهذه المثابة ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦]، والأمر كذلك بالعكس فيما لو كان خبيثًا، ولا سيما فيما يتعلق بالعفة، وهذا شيء لو تأمله الإنسان لوجده كثيرًا، ما نقول: مئة بالمئة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، لكن في الغالب أن هذا هو الواقع، أن الرجل الدنس الأخلاق يجعل الله له أهلًا كذلك ولا يحميه؛ لأنه ما حمى نفسه حتى يحميه الله عز وجل.
* طالب: (...).
* الشيخ: قدرًا، أن الله سبحانه وتعالى الطيب يجعل له أهلًا طيبين، والخبيث يجعل له أهلًا خبثاء.
* طالب: وشرعًا؟
* الشيخ: وشرعًا أيضًا، أنه ما يجوز أنك تنزل الخبيث منزلة الطيب، وبالعكس.
* وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى من رحمته أنه يدافع عمن لا يستحق ما وُصف به من أوصاف خبيثة، فإن هذه الآية في الحقيقة كالدفاع البين الواضح عمن؟ عن عائشة رضي الله عنها، دفاع واضح.
* وفيه أيضًا دليل على أن من أصيب بمصيبة قولية أو فعلية فإن الله تعالى يغفر له، فإن صبر على ذلك فإنه يعطى أجرًا أيضًا، يعطى أجرًا.
ومن حماية الله سبحانه وتعالى للإنسان الطيب أن الله يمنع أسباب الشر عنه، ما يتعرض لها؛ لأن حقيقة الأمر أن تعرض الإنسان للفتن قد يفتن، فمن حماية الله للعبد الطيب الذي قصد الخير أن الله يحميه سبحانه وتعالى عن أسباب الفتن، وأنا أذكر لكم قصة الآن:
رجل كان معروفًا بالورع من هذا البلد، كان معروفًا بالورع الذي يُعتبر من أكمل ما يكون، في يوم من الأيام ذهب ليحمل خشبًا من أهله، خشب أثل، وكان جاره أيضًا قاطعًا أثله، وفيه كومتان من الخشب، هذا الرجل أناخ البعير عند خشب جاره وحمّل الخشب على البعير، ثم لما أراد أنه يثوِّر البعير عيَّ لا يثور أبى نهائيًّا. يبغيه، يبغيه، غيَّ، نزل من الحمل ما فيه فائدة، نزَّل الحمل كله فثار البعير، لما ثار البعير هو فتح الله عليه وقام (...) وفكَّر، وإذا الخشب هذا ما هو له، خشبه الكومة الثانية. هذا من..
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) فيه، لكن شوف كيف أن الله سبحانه وتعالى منعه، وإلا لو ثار البعير على طول مشى به، لكن هذه من حماية الله سبحانه وتعالى للعبد، إذا علم الله من نيته النزاهة والعفة حماه سبحانه وتعالى، بخلاف والعياذ بالله الإنسان الذي يعلم الله منه أنه يميل إلى الشر والفساد فإنه قد يُهيأ له أسباب الشر والفساد حتى يقع فيه.
(وقد افتخرت عائشة رضي الله عنها بأشياء، منها أنها خلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقًا كريمًا). يعني: كأنها رضي الله عنها فهمت أن مثل هذه الآية نزلت فيها، فكانت تفتخر، والمراد بالافتخار هنا: التحدث بنعمة الله، لا إظهار العلو على الناس؛ لأن الافتخار ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يفتخر الإنسان بنعمة الله عز وجل تحدثًا بها، تحدثًا بهذه النعمة، هذا الافتخار، طيب وهو مما أمر الله به.
والثاني: أن يفتخر الإنسان ليُظهر فضله على غيره ويعلو به على غيره، فهذا لا يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد ٢٣]. يصير هذا الفخر منين؟ هذا الفخر من الخيلاء، هذا الفخر الذي يقصد به الإنسان إظهار فضله على الناس وعلوه عليهم، هذا من الخيلاء الذي لا يحبه الله عز وجل.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة.]]، وكما كانت تفتخر عائشة بهذا إن صحت القصة، وكما كانت زينب تفتخر على زوجات النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله زوجها في السماء، وغير ذلك مما يقال.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences