Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:39–43, continued
ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه..
* طالب: بسبب نفسه.
* الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟
* الطلبة: الاستمرار.
* الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية.
مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى.
24:41Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. ويش معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾؟ يعني: قد شرحنا لك صدرك؛ يُقرِّر الله تعالى أنه شَرَح صدرَ النبي ﷺ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج ٧٠] ويش معناه؟ قد علِمْتَ.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ يعني: قد رأيتَ.
وقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل الخطاب للرسول ﷺ أو لكلِّ من يتأتَّى خطابه؟
* طالب: لكله.
* الشيخ: الظاهر العموم؛ أَلَمْ تَرَ أيها المخاطَب، لا: أيها النبي؛ لأن ذلك أشمل وأعمُّ.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾، هل هذه الرؤية بصرية أو عِلمية؟
* الطلبة: عِلمية.
* الشيخ: إذا جعلتَها بصريةً صارتْ هذه الرؤية خاصةً بما يُفعَل لا بما يُقال ولا بما يُعلَم بالعقل، وإذا جعلْتَها عِلميةً شملتْ ما يُعلَم بالقول وبالبصر وبالذِّهن، وحينئذ أيهما أَوْلى؟
* الطلبة: عِلمية.
* الشيخ: أن تكون علمية؛ يعني: ألَمْ تَعْلم؛ سواء كان عِلمك عن طريق المشاهدة بالبصر، أو عن طريق السمع بالأُذُن، أو عن طريق الاستنتاج بالعقل والتفكير. فعليه نقول: المراد بالرؤية هنا، أيش؟ العِلم؛ ألَمْ تعلم، سواء كان هذا العلم عن أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: عن الرؤية بالعَيْن، أو السمع بالأُذُن، أو الاستنتاج بالعقل والفكر، وهذه الثلاثة هي طُرُق العلم؛ كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦].
إذَنْ: ألَمْ تَعْلم عِلمًا ناتجًا عن هذه الأمور الثلاثة أو عن واحدٍ منها أنَّ الله يُسبِّح له مَن في السماوات والأرض.
(ومِن التسبيح صَلاةٌ.) كذا عندكم (صلاةٌ) بالتنكير؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ﴾ أتى بـ﴿مَنْ﴾ التي للعاقل لأنَّ التسبيح أظهر للعُقَلاء مِن غير العُقَلاء، وهذا التسبيح يشمل التسبيح بالقول وبالحال؛ بالقول نقولُ: سبحان الله. وبالحال أنك إذا تأمَّلْتَ خَلْقه وما جُبِلَ عليه علِمْتَ بذلك أن الله تعالى مُنَزَّهٌ عن العَبَث وعن النقائص، يُسمَّى هذا تسبيحًا بأيش؟ بالحال.
إذا قلنا: التسبيح بالمقال، فمِن المعلوم أن الكافر لا يُسبِّح الله بمقاله؛ يعني ما يقول: سبحان الله. لأنه يَصِفُ الله بالعيب ويجعل مع الله شريكًا، لكنه مسبِّحٌ لله بحاله؛ فإن حاله وما جُبِل عليه وانصرافَه عن الحقِّ مع وضوحه وما أشْبَهَ ذلك، كل ذلك مما يدل على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى حكمته.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشمل الملائكة ولَّا لا؟
* الطلبة: يشمل.
* الشيخ: يشمل الملائكة. وتسبيح الملائكة لم نَعْلمه نحن عن طريق الرؤية، ولكن عن طريق الوحي الذي يقوم بالسَّمْع؛ سَمِعنا مِن نبيِّنا ﷺ أن الملائكة تُسبِّح الله، وسمعنا قول الله عز وجل أن الملائكة تُسبِّح الله إلى آخره.
* * *
قال: (﴿وَالطَّيْرُ﴾ جمع طائرٍ بين السماء والأرض. ﴿صَافَّاتٍ﴾ حالٌ؛ باسطاتٍ أجنحتهن).
وَ﴿الطَّيْرُ﴾ معطوفة على أيش؟ على ﴿مَنْ﴾؛ يعني: وتُسبِّح له الطير. و﴿صَافَّاتٍ﴾ حالٌ من الطير؛ يعني هي أيضًا تُسبِّح الله سبحانه وتعالى في حالِ صفوفها؛ أي: صَفِّ أجنحتها؛ أي: بَسْطها.
هذا التسبيح حالِيٌّ ولَّا مقالِيٌّ؟
* طالب: حالِيٌّ.
* الشيخ: نحن نعلمه حالِيًّا، ولكن ربما يكون أيضًا مقالِيًّا؛ ربما أنها في حالةِ مَدِّ أجنحتها وبَسْطها تُسبِّح الله لأن الطير لها نُطْق؛ قال الله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل ١٦]، فكُلُّ شيء ينطِق، حتى الحصى ينطِق، «وقد سُمِع تسبيح الحصى بين يَدَيِ الرسول ﷺ»[[أخرجه البزار في مسنده (٤٠٤٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (١٢٤٤) من حديث أبي ذر.]]، كلُّ شيء يُسبِّح، بل قال الله في آية أخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] وهنا قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾، ولم يَذْكر السماوات، ولم يُعمِّم؛ في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن هناك قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وهنا قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، فأثبَتَ عِلْمنا بهذا التسبيح، وهو ليس شاملًا كما في الآية الثانية.
﴿الطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أما تسبيح الطير صافاتٍ بلسانِ المقال فهذا ما نَعْلمه، لكن بلسان الحال نَعْلمه؛ فإن صفوفها في الهواء بين السماء والأرض وعدم سقوطها، واتجاهها يمينًا وشِمالًا والرياحُ مع عُصُوفها لا تحجبها عما تريد؛ هذا مما يدل على كمال قدرة الله عز وجل.
الرياح التي تُقَلْقِل الجبال والسيارات ما تحجب الطائر عن اتجاهه، هو يتَّجِه مُعاكِسًا للرياح -وهذا شيءٌ مشاهَدٌ- ولا يُبالِي، وهذا من تمام قدرة الله عز وجل، هذا الطير الضعيف الصغير اللي يمكن الريح تَحمِله إذا كان متَّجِهًا ما ترُدُّه الرياح، هذا من تمام قدرة الله عز وجل.
ومِن تمام القدرة أيضًا أنَّك تَجِدُه في أيام الشتاء الباردة القارسة تَجِدُه يطير بين السماء والأرض بهذه السرعة وفَوْقَ أيضًا ولا يتأثَّر بهذا البرد، كل ذلك دليلٌ على كمال قدرة الله.
ثم أعظم من هذا قال: (﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ اللَّهُ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ).
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ فِعلٌ ماضٍ، فيها ضمير مستتر يعود على من؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: كلام المؤلف: يعود على الله؛ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ أي: قد علم الله ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الثاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ يعود على ﴿مَنْ﴾ وما عُطِف عليه؛ يعني: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ﴾ مِنْ هؤلاء المسبِّحِينَ ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ يعني أن الله تعالى أَلْهَمَ هذه الأشياء حتى عَرَفَتْ كيف تُسبِّح الله عز وجل وكيف تصلِّي له، وأما عِلْم الله بذلك فمفهوم من قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وعلى رأي المؤلف يكون في الآية شِبْه تكرار؛ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ هذه الجملة هي الأولى على رأي المؤلف، ولهذا الصحيح أنَّ قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ أي: كلٌّ مِن هؤلاء المسبِّحِينَ قد عَلِم هو نفسُه صلاتَه وتسبيحَه، بأيِّ شيءٍ عَلِم؟
أمَّا بالنسبة للبَشَر -وكذلك الجن- فقد عَلِموا عن طريق الرُّسُلِ؛ الرُّسُلُ أرسلهم الله ليُعَلِّموا الناس كيف يُصَلُّون وكيف يُسبِّحون الله عز وجل، وأمَّا البهائم والحيوانات الأخرى فإنها عَلِمَتْ صلاتها وتسبيحها بما أَلْهَمَهَا الله عز وجل، ولكُلٍّ منها صلاةٌ وتسبيحٌ خاصٌّ؛ قال الله سبحانه وتعالى على لسان موسى ردًّا على فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠]؛ إن هذه الهداية كما تشمل الهداية للأمور التي تَحفظُ أجسادَها كذلك يصِحُّ أن تشمل الهدايةُ للأمورِ التي أَلْهَمَهَا الله سبحانه وتعالى من التسبيح والصلاة، إذن الصوابُ أن الفاعل في ﴿عَلِمَ﴾ يعود على مَنْ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: على الْمُسَبِّح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، وأمَّا عِلم الله بما فعله.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا مفهوم من قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ قال: (فيه تغليب العاقل).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يقول: (فيه تغليب العاقل)، ويش تقولون؟ لأن ﴿يَفْعَلُونَ﴾ الواو للعاقل، ومعلومٌ أن من في السماوات يشمل العاقل وغيرَه، لكن الآية غُلِّب فيها العاقل بالأول وبالثاني؛ ﴿مَنْ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ﴾ هذه للعاقل، كذلك ﴿يَفْعَلُونَ﴾ للعاقل، ففيها تغليب العاقل، والسبب في ذلك والله أعلم أن التسبيح والصلاة في العاقل أظهر منها في غير العاقل، فلذلك غُلِّب، وإلا فغير العُقَلاء في الأرض أكثر من العُقَلاء، (...) الحيوانات والحشرات.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، إلا إذا دلَّ الدليلُ على أنه في لسان المقال؛ مثل مَن قال: سبحان الله، مَن سبَّح اللهَ وما أشبه ذلك، هذا بلسان المقال، من سبَّح الله ثلاثًا وثلاثين دُبُر الصلاة.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه مثل ما أنه أحيانًا يُذكَر بعد العموم، كذلك أحيانًا يُذكَر بعده العموم، مما يدلُّ على أن الصلاة من أهم الأعمال، لكنْ سبحان الله العظيم! يعني شوف حتى الحيوانات تُصلِّي؛ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ولكن صَلاتها ما ندري عددها؛ هي مثل صلاتنا أم تختلف، المهم أنَّ لها صلاةً ولها تسبيحًا ولكنه خاصٌّ بها؛ قد عَلَّمها الله سبحانه وتعالى كيف تُصلِّي وكيف تُسبِّح وعَلِمتْ صلاتَها وتسبيحَها.
24:42Page 355
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
(﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خزائن المطر والرزق والنبات). (...).
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أوَّلًا: قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ هو خبر مقدَّم، و﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وقد عُلِم مِن القاعدة أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصْر؛ القاعدة عند أهل العِلم أنه اذا قُدِّم شيءٌ مِن حقِّه أن يؤخَّر دلَّ ذلك على الحصر في هذا المقدَّم؛ يعني حصر المؤخَّر في المقدَّم؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أيش معناه؟
* طالب: أي: لا نعبد إلا إياك.
* الشيخ: أي: لا نعبد إلا إياك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لا نستعين إلا إياك، فإذا قُدِّم ما حقُّه التأخير كان ذلك دليلًا على حصر الشيء فيه.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بناءً على هذه القاعدة، ويش تفهم؟ أن مُلْك السماوات والأرض لِمَن؟
* طالب: لله.
* الشيخ: وحده ولَّا معه غيره؟
* الطالب: وحده.
* الشيخ: وحده، من الحصر ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾.
وقوله ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا شاملٌ لِمُلك الأعيان والتصريف؛ فـ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أعيانهما لله، والتصريف والتسيير أيضًا لِمَن؟ لله، وتخصيص ذلك بخزائن الرزقِ والنباتِ والمطرِ هذا لا وجْهَ له إطلاقًا؛ فالله تعالى له مُلك السماوات والأرض خَلْقًا وتدبيرًا، الأعيانُ والتصريفُ لله وحدَه، ويدلُّ على ذلك ما فيها من الانتظام وعدم الاضطراب وعدم التناقض، ولهذا استدلَّ الله سبحانه على وحدانيَّته بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا﴾ لو كان معه إلَهٌ ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، صحيحٌ؛ ما دام إلَهٌ لازم يكون له مَمْلكته وحدَه، وفي النتيجة ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١] فإذا علا بعضُهم على بعضٍ فلِمَن تكون الألوهيَّة؟ للعالي بلا شكٍّ، ونحن نرى بعَيْنِ اليقين أنه لم يتميَّز الْخَلْق بعضُه على بعضٍ، وأن العالم العُلْويَّ والسُّفْليَّ كُلُّه وحْدةٌ، كُلُّه كُتلةٌ واحدةٌ مُسَخَّر بعضُه لبعضٍ، ويتمُّ بعضُه ببعضٍ، ولا يتناقض ولا يتنافر، فلهذا كان العَقْل والمشاهدة دليلَيْنِ على وحدانيَّة الله عز وجل.
ثمَّ لا يمكن أيضًا تعدُّد الآلهة؛ لا بدَّ أحدهما يغلب؛ لأنهما إن تمانَعَا -هذا دليلٌ عقليٌّ جدًّا، معروف- إن تمانَعَا وعجز كلُّ واحدٍ منهما عن الآخَر، ويش صارا؟ صارا غير مستحقَّيْنِ للألوهيَّة، (...) رب، ما دام كل واحد عجز، الرب ما يكون عاجزًا، وإنْ غَلَب أحدُهما الآخرَ صار وحدَه الربَّ والإلهَ، فإذن لا بد أن يكون إلهًا واحدًا؛ لأنه إما أن يَغلِب فتكون الألوهيَّة له، وإما أن يعجز والثاني يعجز أيضًا فلا يَصْلح كلٌّ منهما أن يكون ربًّا؛ لأن الرب لا بد أن يكون قادرًا، وهذا من أَبْيَنِ الأدلَّة وأوضحها.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إذا قال قائل: أليس الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾، فأثبَتَ للإنسانِ ملْكًا، وأنتم تقولون: إن مُلْك السماوات والأرض خاصٌّ بالله بدليلِ الحصر، فكيف الجمع؟
الجواب: الْمُلْك هذا مقيَّدٌ، ليس مُلكًا مطْلقًا، ومَن الذي ملَّكَكَ؟ اللهُ تعالى هو الذي ملَّكَكَ هذا الشيءَ على قَدْرٍ محدودٍ أيضًا؛ أنت إذا كُنتَ تَمْلكُ هذا الْمُسَجِّل مثلًا تَمْلكه وتبيعه وتشتريه، تنتفع به، هذا واضحٌ، لكن هل تَمْلك أنك تكسره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، بالنسبة للمخلوقِين تَملِك، لكن بالنسبة لله ما تَملِك، لا يجوز لك أن تكسره؛ لأنك ممنوعٌ من قِبَل الله، لكن الله عز وجل هل يملِك أن يُتلِف مَن على البسيطة ولَّا لا؟
نعم؛ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥]، فتبيَّن بهذا أن مُلْكي للشيء منين؟ مِن الله هو اللي مَلَّكَني، هذه واحدة، والشيء الثاني: مُلكٌ محدودٌ، مقيَّدٌ، وعلى هذا فلا منافاة بين ما أثبَتَ الله تعالى للإنسان من الْمُلْك، وما أثبَتَ لنفْسه من الاختصاص بالْمُلْك. واضح؟ ولهذا قال بعض أهل العِلم: كلُّ شيءٍ أُضيفَ مُلْكه للإنسان فهو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة؛ لأن المالك في الحقيقة من هو؟ اللهُ سبحانه وتعالى، وأنا مالكٌ مجازًا، لأني ما أتصرَّف في هذا الشيء إلا كما أُمِرتُ أو كما أُذِنَ لي، ما أتصرَّف تصرُّفًا مطْلقًا.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ : المرجِع).
هذا فيه تنبيهٌ على أنه سبحانه وتعالى مالكٌ للأوَّلِ والآخِر؛ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداءً، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ انتهاءً.
وفيه -والله أعلم- إشارةٌ إلى أنه إذا كان الْمُلْك لله والمرجع إليه فإنه لا يَحِلُّ لنا نحن أن نتصرَّف إلا حسب ما أيش؟ ما شُرِعَ لنا، ما دُمْنا ملْكًا لله عز وجل، نحن الآن ملْكٌ لله، أليس كذلك؟ ومصيرنا إلى مَن؟ إلى الله، إِذَن ما دُمْنا ملْكَه، ومصيرنا إليه فالواجب ألَّا نتصرَّف إلا حيث شَرَع لنا؛ لأنه ما دُمْتَ تعلم أنك ملْكٌ له فهو الذي يدبِّرك: افعل كذا، لا تفعل كذا. وما دُمْتَ تعلم أيضًا أن مصيرك إليه فلا بد أن تستعِدَّ لهذا المصير لأنه سوف يحاسبك.
وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيه أيضًا ما في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، لكن ﴿إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور ٤٢] إعراب ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: خبر مقدَّم، و﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وتقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، كُلُّ شيءٍ حقُّه أن يتأخَّر إذا قدَّمْته معناه أنك تريد أن يكون ما بَعدَه محصورًا فيه، فإذَن المصير إلى الله، مهما طار الإنسانُ ومهما حلَّقَ في الخيال وفي التفكير ومهما بقِي في الدنيا فإن مصيره إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة ٢٢٣] ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، مُلاقاة الله عز وجل والمصير إليه أمرٌ لا بد منه، حَتْميٌّ، كما أن وجودنا مِن الله فكذلك أيضًا انتهاؤنا إلى الله عز وجل.
ويحتمل أن قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ ليس المراد مصير الناس في الآخرة فقط، بل مصير الأمور كُلِّها؛ يعني: المرجع إلى الله في كلِّ شيء، كلُّ شيء صائرٌ إلى الله، فهو سبحانه وتعالى هو الذي يدبِّر ويفعل ما شاء.
24:43Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.
ثم قال: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣] يسوقه برِفْقٍ).
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيضًا الخطاب لِمَن؟ لكُلِّ مخاطَبٍ؛ أَلَمْ تَرَ أيها المخاطَب، و(ترى) هنا بَصَريَّة، ولا عِلميَّة؟
* طالب: بَصَريَّة.
* الشيخ: أنا ما أعرف، إذا قُلنا هكذا معناه الأعمى ما يدري عن شيء، معناه أنه ما اعتبر بهذا السحاب لأنه ما يراه.
لماذا لم نقُلْ: عِلْمية؛ لأن العِلْمية تتضمَّن البصريَّة؛ يعني: ألَمْ تعلم؛ سواء كان ذلك عن طريق المشاهدة أو عن طريق السماع، إذن نخلِّيها (تَعْلم) على أنها عِلْمية؛ ﴿تَرَ﴾ أي: تعلم.
(﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ يسوقه برِفْقٍ). وقائل يقول: يسوقه. ولم يقيِّده بـ(رِفْق)، نعم، ولعل ذلك أَوْلى؛ أن نفسِّر الإزجاء بالسَّوْق سواء برِفْقٍ أو بغير رِفْقٍ؛ لأننا نشاهد أن السحاب يسير أحيانًا برِفقٍ وأحيانًا يسير بسرعة وهو سحاب؛ يقول المتنبي -أظن-:
وَمِــــــــــــــنَ الْخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِـــــــكَعَــــــنِّي ∗∗∗ أَسْرَعُ السُّحْبِ فِي الْمَسِيرِالْجَهَامُ
اللي ما فيه ماء.
* * *
(...) مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] فهو للتقرير؛ يعني: قد شَرَحْنا لك، وهكذا كلَّما دخلَتْ أداة الاستفهام على النفي صارتْ للتقرير؛ تقريرِ ذلك الشيء.
يقول الله تعالى مقرِّرًا هذا الأمر المرئي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾، والرؤية ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى العِلم، وتفسيرنا لها بالعِلم أعَمُّ من تفسيرها بالرؤية البَصَريَّة؛ لأجْل يشمل رؤيةَ الإنسان ببصره لأنها تؤدِّي إلى العِلم، ورؤيةَ الإنسان بسمعه فيما يُخبَر به لأنها تؤدِّي أيضًا إلى العِلم، ورؤيةَ الإنسانِ في قراءته عن هذا الأمر لأنها تؤدِّي إلى العِلم، والمهمُّ أنه ما دامتْ الرؤية محتمِلةً لِأنْ تكون بمعنى العِلم فتفسيرها بالعِلم أَوْلى لأنه أَشْمَلُ وأعَمُّ.
والخِطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل هو للنبيِّ ﷺ أو لكلِّ من يصِحُّ خِطابه؟
الظاهر أنه لكلِّ مَن يصِحُّ خِطابه؛ يعني: ألَمْ تَرَ أيها المخاطَب أنَّ الله يُزْجِي سحابًا... إلى آخره؛ لأن ذلك أيضًا أشْمَل.
وقوله: ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ يقول المؤلف: (يسوقه برِفْقٍ). ومِن المفسرين مَن قال: يسوقه، ولم يقُل: برفق؛ لأجل أنْ يشْمَل السَّوْق بِرِفْقٍ، وبغير رِفْقٍ؛ لأن السحاب -كما هو مشاهَدٌ- أحيانًا يكون مَشيُهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وأحيانًا يكون مَشْيُهُ بسرعةٍ؛ سريعًا.
و(﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ يضُمُّ بعضَهُ إلى بعضٍ فيَجْعلُ القِطَعَ المتفرِّقةَ قِطعةً واحدةً).
وهذا أيضًا مشاهَدٌ؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يؤلِّف بين هذا السحاب ويجمع بعضَهُ إلى بعضٍ حتى يكون قِطعةً كبيرةً، وأحيانًا لا يؤلِّف بيْنَه؛ نفْس القِطعة الصغيرة تتوسَّع وتكون قطعةً كبيرةً، لكن التأليف أبْلَغ؛ لأن المؤلَّف أحيانًا يكون من غير جنس المؤلَّف به، دائمًا تكون سحابةٌ بيضاءُ وحمراءُ وسوداءُ ثم تجتمع وتكون بلونٍ واحدٍ، وهذا أبْلَغ.
هذا التأليف يقول الله عز وجل: (﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ بعضه فوق بعضٍ).
﴿رُكَامًا﴾ يعني متراكمًا؛ بعضه فوق بعض، وهذا أيضًا مشاهَدٌ في رؤية العين؛ فإن السحاب تجد بعضَه فوق بعضٍ، أمَّا إذا كنْتَ في الطائرة مرتفعًا فإنه يبدو لك ذلك ظاهرًا؛ تجد من السحاب ما هو تحتك ومن السحاب ما هو فوقك، وإذا كنْتَ في الأرض يتبيَّن لك أن السحاب بعضُه على بعضٍ، بأيِّ شيء؟ بكَوْنِ بعضِه يغطِّي بعضًا.
وكيف يغطي بعضًا؟
شوف مثلًا قطْعة تَمُرُّ تحت قطْعةٍ أخرى وتتجاوزها، تتعداها، مما يدلُّ على أن بعضَه فوق بعضٍ، هذا الرُّكَامُ له منظرٌ عجيبٌ إذا كان الإنسان فوقه، منظرٌ يبهج ويَسُرُّ، ولذلك جعله الله تعالى من الآيات الدالة على كمال قدرته.
ثم (﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ مخارجه).
﴿تَرَى﴾ بمعنى تُبصِر هنا؛ لأن المطر يُرى بالعَيْن، و﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من خِلال هذا السحاب.
لكن هذه الرؤية هل الإنسانُ يُدرِكها، أو بعضُ الناسِ دون بعض؟
في الحقيقة إنه ما يُدرِك إلا إنسانٌ قويُّ النَّظَر، لكنْ نحن نعلم أن المطر ينزل من السحاب ويتخلَّلُه؛ قال بعض العلماء: إنه مثل الغربال يكون؛ يعني: مثل الغربال الذي يغربل به القمح، وما أشبه ذلك؛ ينزل (...) هذا المطر من خِلاله.
مِنْ أين يأتي المطر إذا كان ينزل من خِلاله؟
منه هو نفسه، ينعصِر بإذن الله ثم يتخلَّل منه، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ ١٤] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ فإنه بإذنِ الله ينعصِر وينزل هذا المطر، وعلى كل حالٍ الأسبابُ الطبيعيَّةُ ما نَعرِفُ عنها شيئًا، لكن هذا ما نعرفه بالرؤية الحسيَّة.
* * *
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾: (في السماء؛ بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: بعضه ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾...) إلى آخره.
﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ في السماء. الغريب أن المؤلِّف -رحمه الله- مُرتبكٌ في هذا؛ قال في الأوَّل: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ قال: (﴿مِنْ﴾ زائدة). يعني: زائدةٌ إعرابًا، فعلى كلامه يكون التقدير: ويُنَزِّل من السماء جبالًا. ثم عَقِبَه قال: (بدل من السماء بإعادة الجار). ويش اللي بدل؟ قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾، مِن جبالٍ في السماء.
طيِّب، إذا كانت بدلًا بإعادة الجارِّ فهل ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ولَّا ليست زائدة؟
ليست زائدة لأنها للابتداء؛ ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لابتداء الغاية؛ يعني: إلى الأرض، والمعنى -الحقيقة- هو المعنى الأخير الذي ذكر؛ على أن قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدلٌ من السماء؛ كأنه قال: يُنَزِّل من جبالٍ في السماء. فهي بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ الذي هو ﴿مِنْ﴾، وعلى هذا فلا تكون ﴿مِنْ﴾ زائدةً بل تكون لابتداء الغاية؛ يعني: يُنَزِّل من السماء إلى الأرض.
من أين ينزل من السماء؟
قال: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ أي: في السماء.
(﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: بعضه). هذا الذي لو قال: إن ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ، لكان له وجهٌ، لكن هو جَعَل ﴿مِنْ﴾ تبعيضية؛ لأنه قال: (أي: بعضه)؛ يعني: بعض بَرَد، نعم، ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما عندك (زائدة)؟!
* الطالب: لا.
* الشيخ: عجيب، ﴿مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ ما عندكم (زائدة)؟!
* طلبة: زائدة.
* طلبة آخرون: صِلة.
* الشيخ: هي من الصِّلة أو زائدة المعنى واحد، لكنْ عندكم (صِلة) أو (زائدة)؟
على كل حالٍ (زائدة) أو (صِلة) بمعنى واحد، لكنْ كيف يكون زائدة أو صِلة وهو يقول: (﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ)؟! ومعلومٌ أن ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليستْ زائدةً ولا صِلةً، بلْ لها معنى وهو الابتداء؛ ابتداء الغاية.
بقي أن نقول: ﴿فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ﴿فِيهَا﴾ الضمير يعود على ﴿السَّمَاءِ﴾؛ يعني: من جبالٍ في السماء.
وقوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ المؤلِّف يريد أن تكون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ يعني: يُنَزِّل بعضَ بَرَدٍ من هذه الجبال، ويحتمل أن تكون زائدةً؛ يعني: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: بَرَدًا؛ يَنْزِل مِن السماء مِن جبالٍ بَرَدًا، فتكون ﴿مِنْ﴾ زائدةً، ويحتمل أن تكون ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، كيف لبيان الجنس؟ أيْ أنَّ الجبال مِن بَرَدٍ؛ مِن جبالٍ مِن البَرَد، فتكون الجبال نفسُها مِن البَرَد، وعلى هذا يصير: ويُنَزِّل مِن السماء مِن جبالٍ مِن البَرَد، ويكون مفعول التنزيل محذوفًا؛ يعني: يُنَزِّل بَرَدًا؛ إذا كان يُنَزِّل من السماء من الجبال التي من البَرَد، فإذا نَزَّل من الجبال التي من البَرَد، ويش يُنَزِّل؟ بَرَدًا، فيكون المفعول محذوفًا تقديره: بردًا.
صار على كل حالٍ ﴿يُنَزِّلُ﴾ أين مفعولها على رأي المؤلِّف؟ مفعولها ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾؛ لأنه قال: (أي: بعضه) على أساس أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، فهي بمعنى (بعض)، وعليه فيكون هذا هو مفعول ﴿يُنَزِّلُ﴾، وأمَّا المنَزَّل منه، ويش المنَزَّل منه؟ ﴿مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ﴾؛ الجبال التي في السماء؛ لأنَّا قلْنا: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدلٌ من ﴿السَّمَاءِ﴾ بإعادة الجارِّ، فيكون المنَزَّل منه هذه الجبال، والمنَزَّل البَرَد.
على الاحتمال الأخير لي ذَكَرْنا أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، يكون أيضًا المنَزَّل البَرَد، لكنْ ليستْ ﴿مِنْ﴾ للتبعيض.
وعلى الاحتمال الثالث: قلْنا: إن ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، ويش جنسه؟ جنس الجبال، جِبال من بَرَد، يعني: يُنَزِّل من جبالٍ من الْبَرَد. ويش يُنَزِّل؟ بَرَدًا، فعليه يكون المنِّزل -اللي هو المفعول- محذوفًا تقديره: بَرَدًا، ودلَّ عليه السياق.
على كلِّ حالٍ معنى الآية الكريمة أنَّ في السماء جبالًا من البَرَد يُنَزِّل اللهُ تعالى منها؛ من هذه الجبال، هذا المنَزَّل أحيانًا يكون كبيرًا وأحيانًا يكون صغيرًا، لكنْ مِن نعمة الله أنه لا يكون كبيرًا بحيث يهدم البناء، هذا شيءٌ نادرٌ جدًّا، إنما يكون كبيرًا بحيث يَقتُل بعضَ الزروع أو بعض الأشجار حسب حكمة الله عز وجل، أمَّا أن يهدم المنازل ويَقتُل الآدميِّينَ فهذا قليلٌ، وإنْ كان قد يوجد، لكنه قليلٌ، وفي هذا دليلٌ على قُدرة الله سبحانه وتعالى أن هذه السماء تكون فيها هذه الجبال، هذه الجبال من البَرَد، ويَنْزل منها ما يَنْزل بمشيئة الله سبحانه وتعالى وحكمته على هذه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾.
هذه الجملة هل هي لبيان الامتنان، ولَّا لبيان العقوبة: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أو تحتمِل؛ لِأَنْ (يصرِف)؟
قد يتبادر للإنسان أن المراد بالإصابة في الأول إصابة العقوبة كما يُقال: صَرَفَ اللهُ عنكَ السوءَ، وكما جاء في الحديث: «وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب، وأخرجه الدارقطني (١١٣٩) من حديث جابر بن عبد الله واللفظ له.]] فلا يُصرَف ولا يُعبَّر بالصَّرف إلا عن شيءٍ مكروهٍ، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ مسوقةً لبيان العقوبة التي تحدث بهذا البَرَد.
ويحتمل أن يكون من باب الامتنان؛ فإن البَرَد قد يكون خيرًا، وقد يَحصُل به ريُّ أرضٍ ونباتُ الأشجار وغيرُ ذلك، فيَصِير هذا من باب سياق الامتنان؛ يُصِيبُ بهذا البَرَد مَن يشاء فينتفع به، ويَصرِفه عمَّن يشاء فيفوته الانتفاع.
ولا مانع من أن يُستعمَل الصَّرف في صرف الشيء النافع، لا مانع، وإنْ كان الأكثر أن يكون لصرف الأشياء الضارة، لكنْ قد يُستعمل أيضًا في صرف الأشياء التي تنفع، هذا مِن بلاغة القرآن أن تكون هذه الجملة صالحةً للوجهينِ: وجْه العقوبة، ووجْه الرحمة؛ الإصابة بالبَرَد أحيانًا تكون عقوبة تَهلِك بها الزروع وتموت بها المواشي، وأحيانًا تكون بالعكس.
* * *
(﴿يَكَادُ﴾ يَقْرُب ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ لَمَعانُه ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ الناظرةِ له؛ أي: يخطفها).
من قوة هذا البرق يكاد سَنَاه -يعني لمعانه- يذهب بالأبصار، وفي هذا إشارةٌ إلى أن السحاب التي فيها بَرَد يكون بَرْقُها أشدَّ لمعانًا من غيره، فهذا البرق يكاد لقُوَّته يَذهبُ بالأبصار، ولا شكَّ أن هذا البرق عظيمٌ جدًّا، وقد ذكروا أن فيه طاقةً كبيرةً من الكهرباء وأنها تساوي كذا وكذا من الكيلوات، وهذا الأمر واقعٌ؛ الآن تَجِدُ -مثلًا- الطائرات قد لا تَبْعُد بُعْد هذا السحاب، ومع ما فيها من الإضاءة ما تكاد تُبصِرها، أمَّا هذا فإنه كما تشاهدون يكاد يخطف البَصَر ويملأ الأرضَ ضياءً، مما يدلُّ على كثرة الطاقة الكهربائية التي في هذا البرق، مع أنه بيد الله بلحظةٍ يعني كأنه شَوْطٌ ضَرَب، وهذا هو الظاهر؛ من باب الاحتكاك، كما ذُكِر أنه يكون (سالب) و(موجب)، فيتولَّد من بينهما هذا البرق، ولا مانع -إن صحَّ الحديث- أن يكون أيضًا هذا من أسباب ضَرْب الْمَلَك، الذي يسوق السحاب[[أخرجه الترمذي (٣١١٧) من حديث ابن عباس.]]، فإذا صَحَّ الحديث فإنه لا يُنافِي ما ثَبَتَ من حيث العِلم الذي يتَّصِل بهذا الأمر مِن كَوْنِه اجتماع (سالب) و(موجب) فيَحصُل به هذا اللَّمعان؛ إذْ إن اجتماع السالب والموجب قد يكون بأسباب ضَرْب أيش؟ ضَرْب الْمَلَك إذا صحَّ الحديث بذلك، فهذا لا مُنافاةَ بينه وبين ما وَرَدَ عن النبي ﷺ إن صح، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
إذن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى الدالَّة على كمال قدرته، سَوْق هذا السحاب بين السماء والأرض، وكَوْنه جبالًا من البَرَد، وإصابةُ اللهِ تعالى به من شاء وصرفه عمَّن يشاء، كلُّ ذلك من آيات الله، ولهذا جَعَلها الله سبحانه بصيغة الاستفهام الدالِّ على التقرير.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences