Ibn 'UthayminAn‑Nur · 24:61–63

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:61–63

24:61–63Page 358

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١

There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢

The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣

Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.

ثم قال الله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور ٦١] في مواكلة مقابليهم) (...).

* * *

* الشيخ: معنى: لا يرجون النكاح منين؟ إن الناس ما يرغبون بهن.

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني: تقول: إن المرأة العجوز ليس فيها شهوة؟ وهذه الشابَّة القبيحة فيها شهوة، إي؛ لكن ما قال الله سبحانه وتعالى: والقواعد من النساء اللاتي ليس فيهن نكاح ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: يئسن من النكاح؛ لأنهن علمن أن الناس لا يرغبون، فلو قال: والقواعد من النساء اللاتي لا نكاح فيهن أو لا شهوة فيهن صحيح، ما يجوز تعدية الحكم إلى القبيحة الشوهاء، لكن لما قال: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: ما يأملوا النكاح لا لمجرد أنه لا شهوة فيهن، ولكن لأن الناس لا يرغبونهن (...).

(...) اللاتي لا أزواج لهن ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ مطلقًا.

* طالب: أي قائل (...).

* الشيخ: ما أعرف، هل أحد قال به؟ لكن أما (...) الإيمان فهذا وارد معروف القول به، أما تفاضل الأعمال فلا أعرف ولا أعلم الآن به قائل.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، أصلًا المرجئة يخرجون الأعمال كلها من الإيمان.

* طالب: يعني: يقولون العمل (...).

* الشيخ: لا، لكن ما يقولون: إن الصلاة مثلًا مثل الصيام، والصيام مثل كذا يرون إن بعض الأعمال أفضل من بعض، بس إنهم يقولون: إنها غير داخلة في الإيمان، يخرجونها من الإيمان، ولا أعلم أنهم يقولون: إن الأعمال متساوية في فضلها، ما أعلم ذلك ولا أظن أحدًا يقول به؛ لكن مسألة إخراجها من الإيمان هذا هو الذي جعلهم يقولون: إن إيمان أبي بكر وإيمان أفسق الناس واحد، يعني: عندهم الإيمان هو مجرد الإقرار بالله عز وجل، أما مسألة الانقياد فهذا خارج من الإيمان.

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [النور ٦١] الأعمى هذه هي اسم تفضيل ولَّا صفة مشبهة؟ صفة مشبهة؛ لأنه وصفه ذلك، وليس معناه إنه أعمى من فلان مثلًا، اسم التفضيل اللي معناه مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وأما الأعمى والأعرج وشبهه، فهذه صفة مشبهة يسمونها الصفات المشبهة يعني باسم الفاعل.

وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٧٢] فإن ظاهره أن ﴿أَعْمَى﴾ الثانية اسم تفضيل؛ يعني: أشد عمًى وأضل سبيلًا؛ لكن المعروف خصوصًا عند البصريين أن هذه صفة مشبَّهة، وأنه لا يجوز أن يصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أفعل، أما الكوفيون فيقولون: إنه لا بأس ويرون أنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان، وقولهم أصح؛ لأن هذا شيء يقبله الذوق ولا مانع منه، إنما المراد هنا بالأعمى الصفة المشبَّهة الذي لا يبصر.

﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الأعرج: هو الذي لا يمشي مشيًا مستقيمًا.

﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ المريض: هو الذي خرجت صحتُه عن الاعتدال، هذا المريض، كل مَنْ خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الأمراض لكن في أي شيء قال المؤلف: (في مواكلة مقابليهم) مقابل الأعمى: البصير، مقابل الأعرج: السليم، مقابل المريض: الصحيح؛ يعني: أنه ليس على الأعمى حرج إذا أكل مع البصير، ما عليه حرج، هذا فيه شيء؟

* طالب: هذا واضح.

* الشيخ: هذا شيء واضح ما يحتاج إلى نفي الحرج عنهم، لكن يقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى، يقولون: لأننا إذا أكلنا معه (...)، ومن جهة أخرى الأعمى يتحرَّج أيضًا من الأكل مع البصير؛ لأنه يقول: إني إذا أكلت أخاف آكل أكثر منه.

على الرأي الأول يصير: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ يعني: ليس في الأعمى أي: بمؤاكلته حرج.

كذلك المريض ليس على المريض حرج إذا أكل مع مَنْ؟ مع الصحيح، ما يقال: إنه فيه حرج؛ لأن الصحيح يأكل أكثر، وكذلك الأعرج لا بأس أن يأكل مع الصحيح ولا حرج عليه؛ لأنه قد يقول الأعرج: أنا رجلي مائلة، ولو قعدت هأكل المقرب إلي (...) فليس عليه حرج، هذا ما ذهب إليه بعضهم إن المراد: ليس عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هذا تكون (على) ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ بمعنى: في؛ يعني: ليس في الأعمى حرج؛ أي: في مؤاكلته ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج.

وقال آخرون: المراد الجهاد، ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يعني: في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك الجهاد، قالوا: والدليل على ذلك أن الله ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه﴾ إلى آخر الآيات [النور: ٦٢]، فإنها في الجهاد وتكون هذه الآيات مقدمة لذكر الجهاد، ولكنها صُدِّرَت بها آية الأكل من البيوت المذكورة إما للتمهيد والتوطئة والتنبيه؛ لأن الإنسان إذا جاء كلام في غير محله المرتقب لا بد أن ينتبه ويبحث ما هو السبب، بخلاف ما إذا جاء الكلام على نَسَقٍ واحد فإنه قد ينساق معه ولا يتفهَّم المعاني.

وقد مر علينا أن من فائدة الالتفات هو تنبيه المخاطب أو السامع.

هذا أيضًا، وضعت هذه الجملة: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ قبل أن تُذْكَر آياتُ الجهاد في هذا المحل؛ ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المسألة عما هو متبادر ومتوقع، هذا قول.

قول آخر: إن المراد ليس عليهم حرج في أيش؟ في ترك الجهاد، وقالوا: هذا كقوله تعالى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب اللي في سورة الفتح.

وقال آخرون: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك أي عبادة تكون فيها هذه الأعذار مانعة كل عبادة تمنع منها هذه الأعذار؛ فإنه لا حرج عليهم في تركها، مفهوم -يا جماعة- تكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها والإخلال بها أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فإنه لا حرج عليهم فيها؛ قالوا: وهذا مقتضى الأدلة الشرعية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨].

فإذا ترك الإنسان عبادة أو أخلَّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، لعذر المرض فلا حرج عليه، لعذر العرج فلا حرج عليه؛ فتكون الآية عامة في الأكل (المواكلة) كما قال المؤلف.

وكذلك أيضًا في ترك الجهاد وكذلك فيما يُشْتَرط له المشي وهو أعرج لا يستطيع أو مريض لا يستطيع أو أعمى لا يستطيع كالذي يشترط له البصر، فكل هذا ليس عليهم فيه حرج لكن على هذين الرأيين الأخيرين يبقى -كما أشرنا إليه- ما مناسبة هذا القول أو هذه الآية لآخر الآية، صَدْر الآية مع آخرها، ويش وجه التناسب بينها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني: المناسبة أنه كما هو معلوم أن هؤلاء لا حرج عليهم فيما يُشْتَرط فيه السلامة من هذه الأمراض فإنه كذلك لا حرج عليكم فيما يأتي، فيكون الغرض التمهيد لنفي الحرج بالآتي، يعني: كما أنه معلوم أن هذه الأشياء أعذار تمنع من الحرج بدون أي مجادلة فكذلك أيضًا ليس عليكم حرج في الأكل من بيوتكم إلى آخره.

إذن ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ متعلقة باللي قبلها ولَّا لا؟ لا، لأنك لو كانت متعلقة باللي قبلها لكان المعنى ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيتك، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيتك، ولكننا قلنا: إن الآية عامة، يعني: ليس على هؤلاء حرج فيما تكون هذه العلل عذرًا لهم في تركه.

ثم قال: (﴿وَلَا﴾ حرج ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أولادكم).

قال المؤلف: (﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ) قال: (أي بيوت أولادكم) لماذا لم يجعل الآية عامة؟ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ يعني: بيوت أنفسكم.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لا حاجة (...) في الحرج فيه.

لكن قد يقول قائل: إن في آخر الآية ما يدل على أنه يراد بيوت الإنسان أيضًا وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ويكون نفي الحرج عن الأكل من البيوت من حيث كونهم ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ لا لمطلق الأكل، أنتم فاهمين يا جماعة؟

أقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ المؤلف حمل الآية على أن المراد ببيوت الإنسان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيتُه الحقيقي وبيت ولده.

فإن قال قائل: أَيُّ فائدة لنفي الحرج عن أكله من بيته؟

قلنا: لأجل ما يُذْكَر في آخر الآية وهي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يعني: ليس عليك جناح أن تأكل من بيتك سواء أكلت أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كان الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكر إن شاء الله عند آخر الآية، لكن مع ذلك لا جناح يعني: ليس على الإنسان جناح أنه يأكل يتغدى لحاله وعياله لحالهم، أو لحاله وزوجته لحالها، أو ما أشبه ذلك ولا بأس أيضًا أنه يأكل هو وإياهم جميعًا لا بأس بهذا ولا بهذا.

يبقى النظر: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى آخره، ما ذكر بيوت الأولاد! نقول: هي داخلة في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ فإن بيت الولد بيت لأبيه؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي وابن ماجه. ]]، ولقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ لابن ماجه.]] فعليه يكون بيت الولد بيت للوالد، ونحن إنما انتقدنا على المؤلف لم ننتقد إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الإنسان، فإن هذا صحيح، وإنما انتقدنا تخصيصه البيوت، أيش يقول؟ ببيوت الأولاد، فنحن نقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أنفسكم، وبيوت أولادكم بالنسبة لبيت الإنسان نفسه فائدتها ما ذكر في آخر الآية، وبالنسبة لبيت ولده أعمُّ من ذلك.

﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ﴿آبَائِكُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأعلى؛ فإن الجدَّ أبٌّ كما قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج ٧٨] فسمَّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنه جَدٌّ بعيد، وكذلك أمهاتكم يشمل الأمَّ الدنيا التي ولدت الإنسان والأمَّ العليا التي هي الجَدَّات.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، ما يشمل الرضاع والتبني؛ لأن حقوق القرابة ما تتعلق بها حقوق الرضاع.

﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ الأشقاء أو لأب أو لأم.

﴿أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ لكن بشرط أن لا تكون ذات زوج، فإن كانت ذات زوج والمال له ما صار بيتًا لأخته، صار بيتًا لزوجها، لكن إذا كانت الأخت لها بيت فإنه لا بأس أن يأكل الإنسان من هذا البيت.

﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ يقال في ﴿عَمَّاتِكُمْ﴾ مثلما قلنا في ﴿أَخَوَاتِكُمْ﴾ يعني: ما لم تكن العمة ذات زوج فلا يأكل الإنسان من بيت زوجها؛ لأنه له وليس لها.

﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ بالنسبة للأعمام والعمات والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هؤلاء والأعلى؛ فالأدنى أخو أبيك بالنسبة للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنسبة للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك، وإن علا فإنه خالك.

(﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ) أي: (خَزَّنْتُموه لغيركم) قوله: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ المفاتح بمعنى الخزائن يعني: ما ملكتم خزائنه، وقيل: إنها بمعنى المفاتيح، وهي ما يُفتح به؛ فالمِفتاح غير المِفْتَحْ، مِفْتَحْ جمعه مَفاتح، مفتاح جمعه مفاتيح، قيل: إنه يطلق المِفتح على المفتاح، والمفاتح على المفاتيح، وقيل: لا، المراد بالمفاتح الخزائن، والمفاتيح ما يفتح به، ولكن القرآن يؤيد القول الأول كما قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦]، وعلى هذا فنقول هنا في الآية الكريمة ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ أي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه.

وقوله: ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ويش معنى ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؟

أي: جُعِلَت مفاتيحه في أيديكم وهي الخزائن، فلا جناح على الإنسان أن يأكل منها لكن بالمعروف، يعني: مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة وأعطاك مفتاح المخزن قصده أن تحافظ عليه وعلى مفاتيحه، فدخلتَ يومًا من الأيام في هذا المخزن يجوز أنك تأكل مثلًا منه لكن بشرط أن يكون ذلك بالمعروف ما تاخد (...) تتردد عليه دائمًا إلا إذا رضي بذلك.

* طالب: لو كان ملكًا للدولة؟

* الشيخ: ويش لون؟

* الطالب: لو كان ملكًا للدولة؟

* الشيخ: إي نعم، ولو كان ملكًا للدولة؛ لأنه ما دام اؤتمنت عليه فهو عامٌّ، فهو جائز.

قال: (﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وهو من صَدَقَكُمْ في مَوَدَّتِه، المعنى يجوز الأكل من بيوت مَنْ ذُكِرَ وإن لم يحضُروا أي: إذا عُلِمَ رضاهم به) شوف المؤلف يقول: يجوز الأكل من بيوت هؤلاء، وإن لم يحضروا هذا صحيح.

وقوله: (أي: إذا عُلِم رضاهم به) فهذا غير صحيح؛ وذلك أنه إذا عُلِم رضا صاحب البيت بأكلك فإنه لا فرق بين أن يكون من هؤلاء أو من غيرهم، إذا علم لكن يؤكل من بيوت هؤلاء ما لم يعلم عدم رضاهم.

فالمراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: أن تعلم رضاهم رضا صاحب البيت بأكلك فهذا جائز ولّا لا؟ جائز، من هذه البيوت ومن غيرها.

المرتبة الثانية: أن تَعْلَم عدم رضاهم؛ أنه ما يرضى فلا تأكل لا من هذه البيوت ولا من غيرها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والدارقطني (٢٨٨٦) من حديث عم أبي حرة الرقاشي. ]].

المرتبة الثالثة: أن لا تعلم رضاه ولا عدم رضاه، فهذه هي التي يُفَرَّق فيها بين مَنْ ذُكِرَ وغيره؛ فيقال: تأكل من بيوت هؤلاء؛ لأن الغالب رضاهم لوجود الصلة بينك وبينهم من القرابة أو الصداقة أو الائتمان؛ لأن حقيقة الأمر أن هذه البيوت ترجع إلى ثلاثة أسباب؛ إما قرابة أو ائتمان أو صداقة.

فالقرابة من ذُكِروا، وأما الائتمان ففي قوله: ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، وأما الصداقة ففي قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، ففي حالة عدم العلم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هذه البيوت دون غيرها، وأما اشتراط المؤلف علم الرضا في هذه البيوت فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذلك لم يكن بينها وبين البيوت الأخرى فرق.

لو فُرِضَ، صديق لك أدخلك بيته ووجدت في القهوة أكل وأكلت بدون أن تستأذن بيجوز ولَّا لا؟ إي، يجوز نقول: يجوز، هذا هو معنى الآية.

المؤلف يرى أنه ما يجوز إلا إذا علمت أنه يرضى بذلك، ولكن الصحيح أنه لا يشترط العلم بالرضا لكن لو علمنا أن هذا الرجل شحيح لا يرضى بأن تأكل شيئا أبدًا من ماله إلا ما قدَّمه لك ففي هذا الحال لا يجوز الأكل للحديث الذي أشرنا إليه (...).

لا، بس هذا خطير؛ لأن (...) مجرد ما أكرمك وأدخلك بيعظمك مثلًا بدعوة، هذا ما يجوز إنك تقعد على هذا إلا بإذنه، لكن الصديق سواء دعاك أو ما دعاك، وسواء أراد يقدم لك كرامة أو ما أراد، إذا ما دخلت بيت صديقك فلك الأكل ما لم تعلم أنه لا يرضى بذلك.

وفي قوله: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ دليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كذلك، والسبب الصلة التي بينك وبينه.

ما رأيكم في الصِّهر وفي صلة الرضاع، هل تدخل في صلة النسب أو في الصداقة أو ما تدخل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: تدخل في الصداقة إن كان صديقًا؛ لأنه قد لا يكون صديقًا كثير من الناس يكون أخوك من الرضاعة وبينك وبينه عداوة، وكثير من الناس يكون هذا الرجل صهرًا لك وبينك وبينه عداوة، فالمهم إذا لم يكن صداقة بين الصِّهر وصِهره أو بين الرضيع ومرضعه فإنه لا يجوز الأكل من بيته.

(﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين جمع شَتٍّ) شَتّ وأشتات مثل سبب وأسباب إلا أن سبب غير مدغمة، وشت مدغمة.

قال: (نزلت فيمن تَحَرَّج أن يأكل وحده، وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل) هذه يقال: إنها كانت عادة لبعض العرب إذا ما وجد أحدًا يأكل معه ما يأكل، لازم ما يأكل إلا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه ما أكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع وهو ما أكل إلى أن يَلْقى أحدًا يأكل معه، وهذا لا شك إنه دليل على الكرم، لكنه كرم فيه إفراط.

القصد أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ وهذا في الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النبي ﷺ بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة؛ شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ» قال: نعم، قال:» «اجْتَمِعُوا عَلَى أَكْلِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦) من حديث وحشي بن حرب.]]؛ فاجتماع الناس على الأكل هذا من أسباب البركة، كما أنه أيضًا من أسباب الإلفة والمودة؛ لأن الناس أهل البيت مثلًا متفرقون في أعمالهم فإذا لم يكن شيء يجمعهم وهو الأكل فمتى يجتمعون، لكن مع المؤسف أن هذه السُّنَّة أصبحت الآن مفقودة عند كثير من الناس، تجد الأب يأكل وحده، والولد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، اللي يمكن يجتعمن النساء الحريم، هذا اللي يمكن يجتمعن، أما الرجال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هذا خلاف السنة.

السنة أن يجتمع الناس على الأكل، والحمد لله ينتظر بعضهم بعضًا، ما يضر إذا تأخر ربع ساعة في انتظار صاحبه؟! ما الذي يضر؟! لأن كونهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا هذا يجلب المودة والإلفة، لكن كون الولد ما يشوف أبوه أبدًا؛ بالليل يسهر الولد وأبوه ينام بَكر، وبالنهار أبوه يطلب المعيشة والولد يدرس، وبالأكل أبوه يصلي مع الجماعة ودا قاعد يتغدى مثلًا أو ما أشبه ذلك، إذن متي يكون الاجتماع؟ ومتى يكون الإلفة بين الناس؟

هل الأفضل الآن أن يأكل الرجل وأهل بيته من رجال ونساء؟ نعم، هذا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حتى الرجال مع النساء، وقد شاهدنا من السلف السابقين مَنْ يأكلون جميعًا هو وأبوه، كنا عند أخوال لنا إذا أصبحنا عندهم أبدًا، نجدهم كلهم يجتمعون (...).

* * *

يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا (...)؛ يعني: الأعمى والأعرج والمريض وأنهم ذكروا فيها ثلاثة أراء وهي؟

* طالب: أنها في الجهاد.

* الشيخ: أنها في الجهاد.

* الطالب: أو أنها عامة في كل شيء.

* الشيخ: أو عامة في كل شيء.

* الطالب: أنها في الأكل.

* الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعد، يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخره.

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ يعني: مجتمعين على الأكل ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ (﴿بُيُوتًا﴾ لكم لا أهل بها ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ أي: قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تَرُدُّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم).

قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق ﴿إِذَا﴾، ويش هي ﴿إِذَا﴾؟ شرطية، في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره.

وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره، يسلموا عليهم أي: على مَنْ فيها، وسُمِّي سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) النعمان بن بشير.]]، وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد، الإنسان يُسَلِّم على نفسه يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي عَلَّمه النبي ﷺ أمته أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة.

وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حيَّا)؛ يعني: تُحَيَّون تحية.

وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنها منه لأنه هو الذي شرعها، أو أنه الغاية بها يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم فهي تُطْلَب منه، فهو غايتها أو هو مُشرِّعُها فإضافتها إلى الله لأنه المُشَرِّع الشارع لها فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية ليثيب عليها ويجيبها.

وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى مباركة؟ أي: ذات بركة، والبركة كما مر هي الخير الكثير الثابت.

وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مُثابًا عليها)، وهذا من الطِّيب أن تكون مُثابًا عليها؛ لكن من الطَّيِّب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع بأن تكون مخلصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رسول الله ﷺ.

وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُفَصِّل لكم معالم دينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك).

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب (الكاف) اسمًا بمعنى مثل على أنها مفعول مطلق لـ (يُبَيِّن) أي: مثل ذلك البيان (يبين)، و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع.

وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا الفهم على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعمُّ من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرُّف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟

* طالب: إدراك.

* الشيخ: وعقل تصرُّف، فعقل الإدراك هو مَناطُ التكليف وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر، وعقل التصرُّف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرَّف تصرُّفًا مبنيًّا على عقل، هذا يَخْرُج منه الكافرُ والفاسق؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرُّف فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يُحمَد عليه الإنسان هو عقلُ التصرُّف، أما العقل الأول فإنه لا يُحمد عليه؛ لأنه ليس من كَسْبِه.

* طالب: العقل بمعنى (...).

* الشيخ: معنى أيش.

* الطالب: (...).

* الشيخ: إلا، له عقل؛ لأنه من العِقال؛ إذ إنه يَعْقِل صاحبَه لإحسان التصرُّف، ليس تصرُّف المجنون كتصرف هذا.

* طالب: (...).

* الشيخ: عقل الإدراك، العقل الذي يتميز به الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك، المهم إن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسَّرْناه بمجرد الفهم حولناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يُحْسِن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية؛ أي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بَيَّنها الله لكم.

* يستفاد من هذه الآية.

* أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾

* ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه.

* ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها، فإذا وُجِدَت العلةُ الحكمُ ثَبَتَ، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برأ المريض، واستقام مشيُ الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين.

* وفيه: جواز الأكل من بُيوت هؤلاء المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن إلا إذا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون فإنه لا يجوز الأكل من بُيوتهم.

* وفيه دليل على: أن مال ابن الإنسان مال له كيف ذلك؟

* طالب: (...) إن خير، بمعنى: ما أكلتم.

* الشيخ:«إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ».

* الطالب: إن أطيب ما أكلتم وأبناءكم.

* الشيخ:«وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُم»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨) واللفظ له، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢١٣٧) من حديث عائشة.]]، وهنا وجه الدلالة من الآية؟

* الطالب: (...) هنا ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، ولم يذكر يعني..

* الشيخ: الأولاد، ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت بيوتكم وبيوت أولادكم.

* وفيه دليل أيضًا على: تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك، معروف هادول الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق إن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط.

* وفيه أيضًا -في الآية- دليل على: جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل كما مر الاجتماع.

* وفيه أيضًا دليل على: مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هَدْيِ النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوُّك[[أخرجه مسلم (٢٥٣ / ٤٣) من حديث عائشة.]] ثم يسلم على أهله[[أخرجه الترمذي (٢٦٩٨) من حديث أنس، ولفظه: يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ.]].

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا إنه ما يكونوا عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل.

* وفيه أيضًا دليل على: فضيلة السلام لكون الله تعالى وصفه بأنه: تحية من عنده مباركة طيبة؛ ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشبهه، وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بأهلًا وسهلًا لن يجزئ؛ لأن أهلًا وسهلًا لا توصف بأنها ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾.

أما السلام عليكم أو عليكم السلام، فإنه يوصف بأنه ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: «مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ» في آدم وإبراهيم، و«بِالْأَخِ الصَّالِحِ» فيمن عداهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» فيرحِّبُون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَ السَّلَامَ وَقَالَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧) واللفظ له، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم، لكن مع الأسف أن الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلَّمْتَ عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هَلَا ولَّا مَرْحَبًا، هذا لا يجزي ولا يجوز الاقتصار عليه.

* طالب: (...) التليفون.

* الشيخ: إي نعم، سلام التليفون، كل ما خابرت أحدًا سلِّم عليه؛ لأن حقيقة التليفون مواجهة، لكنها غَيْبِيَّة، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يُؤْسَف له إن الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم ما يفعلون هذا، يقولون: ألو وألو أسمع (...).

* * *

ثم قال تعالى مُؤَدِّبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]

* طالب: (...).

* الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، أو اللهم اغفر لهم.

قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تَقُولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوت) إلى آخره.

قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاء﴾ على كلام المؤلف بمعنى نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا أي: ناديته، وعلى هذا فـ (دعاء) مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ هذا الأصل، فصرف الفاعل وأُضِيف المصدر إلى مفعوله أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله.

وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا يُنادُون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم فإما أن يكون قَبْلَ النهي وإما أن يكون من جاهلٍ كالذي يَحْصَلُ من بعض الأعراب.

هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعضُ المفسرين، وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاء الرَّسُول﴾ أي: دعاء الرسول إياكم فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض، وعليه فإذا أمرنا بأمرٍ أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا ليست كغيره، إن شئنا أجبنا وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾.

ويؤيد هذا قولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] فإن سياق الآية يؤيد هذا القول، لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين يجوز ولَّا لا؟ يجوز، يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أثبتنا قاعدة في هذا، وهو أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تُحْمَل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يُخالِف الآخر فإنه حينئذ يجب طلبُ الترجيح، الذي يُرَجِّح أحدَ المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما فإن الواجب حَمْلُها على المعنيين جميعًا.

فعليه نقول: إن هذا من باب الأدب في مُخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام والأدب في إجابته، ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعاءنا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره؛ ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي فإن كان في فريضة لم يُجِبْه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يَعْلَم رضا والده بذلك بحيث يُشْعِره أنه يصلي فلا يهمه إذا كان يصلي ألا يجيب، فهذا لا يجيبه، وإما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون وكذلك والدته فإنه يُجيبُه في النفل ويقطع صلاته.

الحرج؛ يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض، وأنهم ذكروا فيها ثلاثة آراء، وهي؟

* طالب: أنها في الجهاد.

* الشيخ: أنها في الجهاد.

* الطالب: أو أنها عامة في كل شيء.

* الشيخ: أو عامة في كل شيء.

* طالب: أنها في الأكل.

* الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى: ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعدُ؛ يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا أن تأكلوا من بيوتكم، إلى آخره.

(﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور ٦١] يعني: مجتمعين على الأكل، ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين).

ثم قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بيوتًا لكم لا أهل بها، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهلٌ فسلِّموا عليهم).

قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق؟

* طالب: (إذا).

* الشيخ: (إذا) ويش (إذا)؟

* الطالب: شرطية.

* الشيخ: شرطية؛ في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском